/ صفحه 72/

في التاريخ و الادب

لصاحب الفضيلة الشيخ محمد الطنطاوى الاستاذ في كلية اللغة العربية

-2-

(تتميم لتمهيد البحث عن الاخوين)

خندف - حلوان:

ساقنا الى الاسترسال في الكلمات السالفة مطاوعة المناسبات المتقبلة في النفوس، فالحديث عن اليأس جد النبى صلى الله عليه و سلم مدعى للقول في زوجه: خندف، و ختنة: حلوان أخيها.

و عند ما طفقنا نروى بعض مآثرهما أطل علينا المنادى بابتغاء تقديم الحديث عن أبويهما: عمران و ضرية، فألمعنا بعض الالمام بشىء من أخبارهما و ما تركا من مخلفات لاتمحى على مر الدهر، لنفرغ لابنيهما على حسب اتجاهنا الاولى المقصود لنا بالذات.

غير أننا ما كدنا نردد آيات التمجيد لهما من ناحيتى الاصل و الفرع، و أنهما قيّض لهما ما استأثرا به في دنياهما، حتى بدا لنا الالتفات الى النظرة العامة في أصول الناس و فروعهم بالقياس الى كل من يكتنفاة منهم.

و حينئذ لاح لنا أنها لا تخرج عن نطاق أنواع أربعة، جمعها الشيخ المحدث القسطلانى في بيتيه السابقين آنفاً.

النوع الاول: طيب الاصل و الفرع، و هذا النوع أسمى الانواع و أقمنها بالثناء و الذكر الحسن، و انه لينطبق على خندف و حلوان، و من على شاكلتهما ممن و اتاه القدر فحفه من ورائه و أمامه من يتغنى طرباً بالقربى لهم.

/ صفحه 73/

و اذا أريد المثل الكامل الذي لايتمارى فيه اثنان، و لا ينتطح أمامه عنزان، فليس ثمة أحق و أوفي ممن فضله ربه على سائر خلقه محمد صلى الله عليه و سلم، فقد جمع الله له الحسنيين: حسنى الاصل و حسنى الفرع، أو كرم المنبت و رواء الثمر، فأما الاصل فقال فيه الصادق المصدوق: ان الله اصطفى كنانة من ولد اسماعيل، و اصطفى قريشاً من كنانة، و اصطفى من قريش بني هاشم، و اصطفانى من بني هاشم. فأنا خيار من خيار من خيار - و أما الفرع فها هي ذى العترة الزكية من آل البيت رضى الله عنهم أجمعين، و انه ليطيب لى أن أتمثل بقول من يناديهم و يفخمهم:

يا آل بيت رسول الله حبكم * * * فرض من الله في القرآن أنزله

يكفيكم من عظيم القدر أنكم * * * من لم يصل عليكم لا صلاة له

النوع الثانى: خبيث الاصل و الفرع، و هذا النوع أخسها فلنضرب عنه صفحاً.

النوع الثالث: طيب الفرع دون الاصل، و نسل هذا النوع حرى بالتبوء للمنزلة التي تلي منزلة نسل النوع الاول الاعلى، لانه و ان لم يسنده ثبات الاصل و عظمة الجذم الا أنه تدارك ما فاته و استجلب ما لم يجد له أثراً بعد عين، فكفاه أنه حاول فأفلح و تناول بيده البعيد عنه، هذا هو العصامى الحقيق بالاحتفاء به، و من الامثلة البارزة فيه: قتيبة بن مسلم الباهلى، فليس كثيراً عليه أن يعده الشاعر فيما سبق أبا لباهلة قبيلته التي نشأ منها، و لا عجب من اعتبار الفرع أباً للاصل، فالابوة في المكارم و المفاخر لا في الانساب و الاشخاص.

و يقرب من هذاالاعتبار مع الاختلاف: ما قاله ابن الرومى في مدح أبى الصقر سيد بني شيبان، فإن شيبان منيعة الجانب مرهوبة المكانة، موفورة الكرامة، و باهلة مهيضة الجناح كسيرة الخاطر. و فرع شيبان أبو الصقر باسق، اختصه ابن الرومى باطرائه و انساق في حلية مديحه فعرض لهذا المعنى، و جعل أبا الصقر أصلا لشيبان مع قوة نفوذهم و شدة شكيمتهم آنئذ، بل تجاوز

/ صفحه 74/

ابن الرومى هذا الاعتبار الى التصريح بوجوب التعديل في الابوة و البنوة، فأنكر أبوة شيبان لابى الصقر و حسبهم فروعاً له و أبناء، حيث يقول:

قالوا أبو الصقر من شبيان قلت لهم * * *: كلا لعمرى ولكن منه شيبان

و كم أب قد علا بان ذراً شرف * * * كما علا برسول الله عدنان

و لما كان يظن في ابن الرومى الاشتطاط في هذا الرأى، و الخروج به عن مألوف الناس، و مجابهة الوقع المحس الذي لا يجادل فيه - اضطر الى تلمس معتمد يتكىء عليه مما يقبله الناس، حتى يسلم له قوله، و يعترف له به.

فضرب المثل بعدنان اذ سما قدرها و تألق نجمها أن كان منها أفضل الخلق عليه الصلاة و السلام، و كان جد موفق في تأييد نظريته بما لا يستباح بعده الارتياب.

نعم لا نحاول جعل المواءمة بين البيتين تامة، فإن الثانى مع سوقه دليلا للاول صريح في استبقاء الابوة و البنوة كل فر مرتبته، و ان أفاد بمنطوقه الواضح أن الاباء يتسنمون الذروة برفعة أقدار الابناء، و أن الابناء الامجاد أضفوا على الادباء أردية مجادتهم، لكنه على أن حال يسعفنا في الاعتماد عليه باعتبار النتيجة المعمود اليها.

ولهذا البيت الثانى شأنه في البلاغة، فانهم في مبحث التشبيه ذكروا أغراضه المرادة منه، و أن منها بيان امكان المشبه، فاستشهد بعضهم ببيت ابن الرومى، و بعضهم ببيت أبى الطيب المتنبى:

فإن تفق الانام و أنت منهم * * * فإن المسك بعض دم الغزال

ولكن جمهرة البيانيين رجحوا الاول على الثانى في تحقيق الاستشهاد.

المفاضلة بين بيتي ابن الرومى و المتنبى:

استشهد السكاكى في المفتاح ببيت ابن الرومى، و التشبيه فيه صريح لا تعقيب عليه، و استشهد الخطيب ببيت المتنبى، فقال السعد في شرح التلخيص معلقاً عليه: (و هذا التشبيه ضمنى و مكنى عنه)(1)

/ صفحه 75/

و أرانى قد أطلت في هذا النوع مع أن مقابله مما يتطلب حديثاً عنه مختصراً حتى ينتهى المقال الذي عرض للمناسبة لنعود ان شاء الله تعالى لموضوعنا.

النوع الرابع: طيب الاصل خبيث الفرع، و هذاالنوع يحزن الحديث عنه بما جرّه من الشر الوبيل على أصله، و أخلف الامال المترقبة منه، و أضاع تليداً من المكارم بانحطاطه و تنكبه الجادة التي سلكها سلفه العظيم، و لئن كان النوع الثانى; خبيث الاصل و الفرع; ملوماً ان هذا النوع ألوم، اذ كانت الاسباب له مهيأة، و مقاليد السعادة ماثلة في يديه، فقد غمص نسبه العريق و غمطه، حتى كأن لم يغن بالامس.

ان خمول الفرع ينقض البناء العالى المكين بل يعفى آثاره و يزيل معالمه، و أمثلته

ــــــــــ

1- راجع ج 3 ص 397 طبع الشروح.

 

حولنا مالئة البقاع و الاصقاع، و فيما مضى منذ كان الوجود والمجتمعات، و سأذكر مثالا فيه عبرة لاولى الالباب.

يروى التاريخ أن أحمد بن أبى دواد الايادى بلغ قمة المجد، اذ صار قاضى القضاة في عهد المعتصم بالله، و رجل المشورة في الدولة، ذو الرأى المسموع فيها.

قال ابن خلكان: ((و قال لازون بن اسماعيل: ما رأيت أحداً قط أطوع لاحد من المعتصم بالله لابن أبى دواد، و كان يسأل الشىء اليسير فيمتنع منه، ثم يدخل ابن أبى دواد فيكلمه في أهله و في أهل الثغور و في الحرمين و في أقاصى أهل المشرق و المغرب، فيجيبه الى كل ما يريد، و لقد كلمه يوماً في مقدار ألف ألف درهم ليحفر بها نهراً في أقاصى خراسان، فقال له: و ما علىّ من هذا النهر؟ فقال: يا أميرالمؤمنين ان الله تعالى يسألك عن النظر في أمر أقصى رعيتك كما يسألك عن النظر في أمر أدناها، و لم يزل يرفق به حتى أطلقها.(1)

كانت له مواقف خالدة، و لو تحدثنا فيها لا متدّ المقال و ما نفى بها، و ما انفك مرموق المنزلة مرفوع الجانب طيلة خلافة المعتصم بالله، و ابنه هرون الواثق بالله، حتى أصيب بالفالج في أول خلافة المتوكل على الله فلم يجد الخليفة بدا من مكافأته على ما قدم من صنائع للخلافة العباسية، لتخف عنه ويلات الكارثة المفاجئة. فاستخلف محمداً ابنه في منصبه، لكن ابنه كان مضعوفاً قصر عن شأو أبيه و تخلف عنه، فأذهلت المفارقة بينهما الناس، فكلاهما بلغ الغاية في العمل على شاكلته، و لذا قال ابراهيم بن العباس الصولى فيه:

عفّت مساو تبدت منك واضحة * * * على محاسن أبقاها أبوك لكا

فقد تقدمت ابناء الكرام به * * * كما تقدم آباء اللئام بكا

قال ابن خلكان: ((و لعمرى لقد بلغ الغاية في طرفي المدح و الذم، و هو معنى بديع)).(2)

و لقد خطر على بالى لهذه المناسبة مقاولة جرت مع المرحوم الشيخ المهدى العباسى شيخ الازهر فانه لما تولى مشيخة الازهر الشريف و تلألأ نجمه و ملا الاسماع ذكره حقد عليه كبار معاصريه. و المعاصرة ممضة مقصية بني الانداد، موهنة حبل الوداد، اذا خدم أحدهم الزمان و فرقت بينهم في المناصب الايام، فكان العلماء يتهامسون فيما بينهم مشدوهين بحكم القدر، و العجب من رياسته عليهم مع أن جده

ــــــــــ

1- وفيات الاعيان (ابن أبى دواد).

2- وفيات الاعيان (ابن أبى دواد)

 

الادنى أو الاعلى كان من مياسير اليهود في مصر، وفاتهم أن الشيخ تبوأ الصدارة بكفاءته الممتازة، و سمو شخصيته الفذة، (و لا تزر وازرة وزر أخرى).

حكى لنا بعض مشايخنا ملاحاة هادئة عرّض فيها بعض مناهضيه به فعرض هو به أيضاً بما استخذى بعهد و بهت.

التعريض بين الشيخين.

روى لنا ذات يوم شيخنا أن المصادفات - جمعت بين الشيخ المهدى و بين الشيخ العروسى أو الببلاوى - و الشك من الراوى على أنهما معاً شريفان يمتان بصلة النسب العالى - في زيارة الضريح الحسينى، فبينما كانا بجوار المقصورة استلفت الشريف نظر المهدى و أشار بيده الى المقصورة ثم تمثل بقول الفرزدق.

/ صفحه 77/

أولئك آبائى فجئنى بمثلهم * * * اذا جمعتنا يا جرير المجامع(1)

فرد عليه المهدى من فوره و على البداهة:

يفاخرون بآباء لهم سلفوا * * * نعم الجدود ولكن بئس من خلفوا(2)

لقد بغت الهاشمىّ المهدىّ بهذا التعريض الذي لو وجه لغيره لاستشاره الى السباب، ولكن المهدى الحليم في ساعة الغضب اقتدر أن يلقمه الحجر و أن يرد عليه بما يدخل معه القبر، و العجيب في الرد أنه أصاب المحز و قطع المفصل حتى لايلتفت من فاته الحسب الى النسب بعد ذاك.

و قد أجاد في التشبيه من ندد بالمتهافتين على القديم دون حفاظ منهم على رعاية ماله من حقوق في المسايرة له اذ يقول:

ان القديم اذا ما ضاع آخره * * * كساعد فله الايام محطوم(3)

و في هذا البيان السالف اجمال في القول عن الانواع الاربعة حسبما يقتظيه

ــــــــــ

1- البيت من قصيدة طويلة ناقض بها قصيدة لجرير على رويها، فبعد أن عدد مفاخر الاباء أشار اليهم معرفاً للمسند اليه باسم الاشارة للتعريض بغباوة السامع، و به استدل الخطيب في الايضاح و التلخيص على تعريف المسند اليه باسم الاشارة، و القصيدة مشروح بعضها في خزانة الادب الشاهد 706، و الكامل شرح الرغبة ج 1 ص 137 و ما بعدها.

2- لا أدرى قائل البيت، أفمن انشاء المهدى أم انشاده.

3- من أبيات في هجاء بني تغلب راجع الكامل شرح الرغبة ج 2 ص 176.

 

الاختصار لنلحق به الموازنة بينها لتفاوتها في المنزلة و التقدير.

الموازنة بين الانواع الاربعة:

ان الانواع الاربعة متفاوتة الموازين متغايرة المقادير، ينظر المجتمع الى بعضهم شزرا، و الى بعضهم مهابة مع خفض الطرف، و مرجع النظرتين الى ما يصدر من الاشخاص و عنهم من أعمال يدور وراءها تكييف المجتمع لمنازل الناس في درجاتهم المتنوعة، و ما من شك أن المجتمع مأخوذ في تقديره بحاضر الاشخاص غير ذاكر قديمهم و غير متطلع الى ما سوف يكون.

/ صفحه 78/

و على هذا المقياس الحاضر فانه يحقر النوعين: خبيث الفرع سواء أطاب أصله أم خبث، و يحفل بالنوعين الاخرين: طيب الفرع أطاب أصله أم خبث، فالنوعان الاولان في المجتمع من الجراثيم الفتاكة التي يفر منها خيفة ايذائها، و اذا داهنها في الخلاط فانه يرائيها تقية شرها بينما يتربص بها الدوائر و يكن لها البغضاء، و قد قال الرسول صلى الله عليه و سلم: ((انا لنكشر في وجوه قوم و قلوبنا تلعنهم)).

أما النوعان الاخران فهما مناط الامل للمجتمع و مهبط الرجاء فيه، فطيب الاصل و الفرع جدّ قديمه و حديثه، و طيب الفرع غطت مآثره مآسى سلفه ((ان الحسنات يذهبن السيئات)) و الناس أبناء يومهم لا أمسهم و لاغدهم. على أن هذين النوعين ليسا سواء عند ذوى الخبرة في الاحتفاء بهما، فمن نصر قديمه لم يرهق بالتكاليف الشاقة و انما أضاف مجداً الى مجد، و من خذله قديمه كدح و كد وسعى سعيه و ناضل وحده حتى أوفي على الغاية، فذاك متبع و هذا مبتدع، و ليس التشييد كالتأسيس، فالتأسيس أثر قوة الحزم، و صدق العزم.

لكريم النفس أبى الضيم:

ان الكريم و أبيك يعتمل * * * ان لم يجد يوماً على من يتكل

كان كثير ممن واتاهم القدر في طيب المحتد يأبون احتماءهم بهذا المستند العالى و يأنفون من تدثرهم بالحلل المستعارة منه، مزهوين بحللهم نسيج أيديهم لا غير.

و من هؤلاء على سبيل المثال: عامر بن الطفيل العامرى الذي مكن له ما لم يمكن لغيره، حتى أطمعه جبروته ألا يسلم حتى يشاطر المصطفى صلى الله عليه و سلم فضل ربه عليه، أو يبرم فيه ما انطوت عليه نفسه الشريرة من جرم تناجى به مع أربد بن قيس العامرى أخى لبيد بن ربيعة لامه، فلما وفدا الى الرسول قال له عامر: يا محمد مالى ان أسلمت؟ قال: لك ما للمسلمين و عليك ما على المسلمين، قال: تجعل لى الامر من بعدك، قال: ليس لى ذلك، انما ذلك الى الله تعالى يجعله حيث يشاء، قال: فتجعلنى على الوبر و أنت على المدر، قال: لا، و انقضى

/ صفحه 79/

المقال بينهما مع ايعاد و تهديد من الطاغية، فدعا رسول الله صلى الله عليه و سلم عليه و على صاحبه بقوله: ((اللهم اخسفهما بما شئت)) فأرسل الله صاعقة على أربد أحرقته، و رمى عامراً بغدة في بيت امرأة فقال: ((غدة كغدة البعير)) و موت في بيت سلولية)) و نزل في ذلك قوله تعالى: ((و يرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء و هم يجادلون في الله و هو شديد المحال)).

هذا العاتى الذي زين له الشيطان سوء عمله قد سوده قومه فسخر العرب من حوله. يأبى في مقام التباهي و التفاخر أن يبنى تسويد قومه له على أصله و أبيه و أمه، و يقصره على حوله و طوله فحسب يقول:

و انى و ان كنت ابن فارس عامر * * * و سيدها المشهور في كل موكب

فما سودتنى عامر عن وراثة * * * أبى الله أن أسمو بأم و لا أب

ولكننى أحمى حماها و أتقى * * * أذاها و أرمى من رماها بمنكب

و أتركها تسمو الى كل غاية * * * و تغلب حيّى مشرق بعد مغرب(1)

مغزى أبيات العامرى:

يعلن في البيت الاول أنه نسل فارس الهيجاء، و سيد المواكب في الصدارة الجامع بين البطولة و الرياسة، و في الثانى أن تسويد قبيلته اياه ليس مستعاراً من وراثته السادة، فالله أبى له العوز الى السمو من أبيه و أمه، و انما وهبه السيادة من عزمه و بعد همه و نفوذ سلطانه، و في الثالث أنه لم يك تسويد قومه له حباء و انما هو ناشىء لما يحطوهم به، يحمى حماهم و يتقى أذاهم و يرمى من رماهم بمنكب يدفع، و في الرابع أنه صيّر قبيلته تسمو الى أوج العز و تعزّ حى المشرق و حى المغرب فتبسط سلطانها على الجميع.

/ صفحه 80/

و موطن القصد في الابيات عند البيت الثالث المبدوء بالاستدراك الجميل موقعه

ــــــــــ

1- الشطر الثانى من البيت الثانى من شواهد النحاة على نصب الواو بالسكون ضرورة، و الابيات من قصيدة شرح بعضها في الكامل مع الرغبة ج 2 ص 176 و ما بعدها، و خزانة الادب الشاهد 632.

 

المبين أن الناس لايتزعمها و تدين له بالانقياد الا من يسدى اليها النفع فيذود عنها الضرر، و يجلب اليها الخير، فكيف به اذا جعلها عالية المنزلة نافذة السلطان على من حولها. و هكذا الناس لا تلقى مقاليدها الا لمن ترمقه بعين المهابة و التقدير.

و نظير ابن الطفيل في التعويل على الشخصية وحدها دون تلمس رافد آخر يقوى من شأن المرء عند الخلق - المعز لدين الله الفاطمى. و ان كان ثمة الختلاف بينهما على ماترى، مما لا يؤثر في المشابهة بينهما و جعلهما المثل المضروب في التمسك بأهداب العصامية.

المعز لدين الله الفاطمى:

لما تم له فتح مصر و دخلها في حفل حاشد راجت الشواعى في مصر حول نسبه، و انتماء أسرته الى السيد فاطمة الزهراء، و تقدم اليه أحد علمائها بالسؤال عن نسبه و حسبة، و كان المتوقع أن يترتب اختلال كبير بعد هذا النصر الخطير، لكن المعز أجاب بما فيه مقنع، و كأنه ينظر الى المعنى الذي مجده ابن الطفيل، قال ابن خلكان: ((و كان - المعز لدين الله - يطعن في نسبه، فلما قرب من البلد و خرج الناس للقائه، اجتمع به جماعة من الاشراف فقال له من بينهم ابن طباطبا: الى من ينتسب مولانا؟ فقال له المعز: سنعقد مجلسنا و نجمعكم و نسرد عليكم نسبنا، فلما استقر المعز بالقصر جمع الناس في مجلس عام و جلس لهم، و قال: هل بقى من رؤسائكم أحد؟ فقالوا: لم يبق معتبر، فسل عند ذلك نصف سيفه و قال: هذا نسبى، و نثر عليهم ذهباً كثيراً و قال: هذا حسبى، فقالوا جميعاً: سمعنا و أطعنا)).(1)

و قد حاول ابن خلكان تحقيق القائل للخيفة و ردّد النسبة بين من عرف عنهم الجرأة في هذه المواقف الخطيرة فلم يسعه الا أن يختم مقاله بالتفويض لمن عند العلم، و ليس لهذا دخل في الموضوع، فسواء أكان السائل ابن طباطبا أم غيره، الواقعة في ذاتها صحيحة، و جواب المعز لا شلك فيه، و العبرة في هذا الجواب،

/ صفحه 81/

فقد تحلل من تلمس النسبة التي بنيت عليها الدولة الفاطمية في مصر، و أراهم ما ارهبهم، و أرجع نسبه الى سيفه و كأنه يقول:

كن ابن من شئت و اكتسب أدبا * * * يغنيك محموده عن النسب

ان الفتى من يقول هأنذا * * * ليس الفتى من يقول كان أبى

ــــــــــ

1- و فيات الاعيان (ترجمة بن طباطبا) عبدالله.

 

و لا نرمى من وراء ضرب المثالين الماضيين - و غيرهما كثير- أن نغض من شأن العراقة أصلا، كلا ثم كلا ثم كلا، بل نريد أن النفس الطموح للعلا لا تركن أبداً الى تكأه الاصل و تتواكل معتمدة عليه، فاذا ما احتذت حذو سالفهافانها تتبوأ مكانته، و تملا فراغه الكبير. و لقد أجاد (رحمة الله عليه) عبدالله بن معاوية بن عبدالله بن جعفر بن أبى طالب في حديثه عن نفسه و عن نظرائه:

لسنا و ان أحسابنا كرمت * * * يوماً على الاباء نتكل

نبنى كما كانت أوائلنا * * * تبنى و نفعل مثل ما فعلوا(1)

فأعمال الفروع الزكية تنم عن أصولهم السنية، و منها يعرف الناظر حالهم، اذا لم يدر أخبارهم. و لله در صفى الدين الحلى اذ يقول:

اذا غاب أصل المرء فاستقر فعله * * * فان دليل الفرع ينبى عن الاصل

فقد يشهد الفعل الجميل لربه * * * كذلك مضاء الحد من شاهد النصل

أما بعد فما علينا بعد هذا كله الا أن نحتكم الى منطق الصواب، الذي يرجع فيه الى حسن المآب. فحكمه الفصل العادل.

الموازنة بالقسطاس المستقيم.

لقد أرسلنا هذا المقال على وفاق العرف الجارى بين الناس في تقاديرهم، و انتحينا فيه وجهة المألوف عندهم في موازينهم، فان معيارهم بفطرتهم مستمد من نزعتهم الدنيوية المبتناة على ما استقر عندهم من احترام من تحبوه الحياة جاها اما لانه مع الجد كريم الجد في زعمهم، أو لانه اقتدر أن ينهض فيمتاز على أترابه حتى يتخذوه المثل المقتدى به فيصبح سيدهم و قائدهم و ان نفسوا عليه في دخائل

/ صفحه 82/

أنفسهم، و هم في معيارهم متجنبون الميزان الحق الذي لا معدل عنه عند الله، و القسطاس المستقيم، فما للنسب و لا النسب و لا الجاه عنده جل جلاله التكريم، انما المكرم عنده سبحانه و تعالى ذو المنزلة و الزلفى التقى النقى قال عز من قائل: ((يأيها الناس انا خلقناكم من ذكر و أنثى وجعلناكم شعوباً و قبائل لتعارفوا ان أكرمكم عند الله أتقاكم)) و ورد في السنة المطهرة التوجيه كثيراً الى تقديس التقوى فحسب، و أنها السبيل الاوحد الى التكريم، و من هذا قوله صلى الله عليه و سلم:

((لا فضل لعربى على عجمى الا بالتقوى)).

ــــــــــ

1- البيتان في الكامل شرح الرغبة ج 2 ص 175.

 

و يطيب لى أن أردف الاية و الحديث بقول الشاعر الملهم بالحق الذي ضاق ذرعاً بمقاييس الناس في دنياهم الزائلة لانه ربما حملهم مقياسهم على التبديل في الانساب تعلقاً بأذيال العصبيات ذات العدد و العدة، و على مر الزمان تختلط الانساب، و في هذا الخطر الداهم، ذلك الشاعر: نهار بن توسعة اليشكرى في قوله:

أبى الاسلام لا أب لى سواه * * * اذا هتفوا ببكر أو تميم

دعىّ القوم ينصر مدّعيه * * * فيلحقه بذى النسب الصميم

و ما كرم و لو شرفت جدود * * * ولكن التقى هو الكريم(1)

و أرانى قد استرسلت في هذا المقال تبعاً لما تدعوا اليه المناسبات و ما خططت صحيفة كاملة في جوهر الموضوع الرئيسى للعنوان، حتى ألجأنى هذا الاسترسال الى الاستئناء به الى المقال التالى ان شاءالله.