/ صفحه 115/

بسم الله الرحمن الرحيم

كلمة التحرير

مما وصف الله به المؤمنين أن بعضهم أولياء بعض، و أنهم يؤلفون مجتمعاً و اعياً له ارادة لا يروج معها الا الحق، و لا يستطيع الباطل أن يعيش تحت سمعها و بصرها. و ذلك حيث يقول الله تعالى: ((و المؤمنون و المؤمنات بعضهم أولياء بعض، يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر)).

ان الولاية صفة تجمع المحبة و التكافل و التناصر، ففلان ولىّ لفلان أى حبيبٌ و صديق حميم، و بين فلان و فلان ولايةٌ أى تكافل و ترابط، كلاهما يرى لصاحبه من الحق ما يراه لنفسه، و كلاهما يفرح لفرح الاخر، و يألم لألمه.

و المؤمنون متصفون بهذه الصفة الجامعة، فالاساس فيما بينهم هو المحبة الصادقة الصافيه، و القاعدة عندهم هى التكافل في الخير و الشر، في الغنى و الفقير في الحرب و السلم، مصلحتهم واحدة غير متجزئة، و أهدافهم واحدة غير متفرقة، و بينهم تناصر، فاذا اعتدى على طرف من أطرافهم هبّت جميع الاطراف تنتصر له، و تدافع عنه، و تشاركه في بأسائه حتى تنكشف عنه البأساء، و تقاسمه ألوان ضرائه حتى تزول عنه الضراء.

هذا هو شأن المؤمنين و طابعهم الذي طبعهم الله به ((فمن بدله بعد ما سمعه فانما اثمه على الذين يبدلونه ان الله سميع عليم)).

* * *

و الولاية بين الوليين تقتضى النصيحة، و أن تقوم العلاقات على أساس المكاشفة و الاخلاص، لا على أساس المخادعة و المصانعة، فالولى ينصح لوليه: يأمره بالمعروف فيؤدى بذلك حق ولايته، و ينهاه عن المنكر فيؤدى بذلك حق ولايته.

/ صفحه 116/

و هذا يدلنا على أن المجتمع الصالح - و هو مجتمع أهل الايمان أو أهل صفات الايمان - هو المجتمع الذي يكون فيه رأىٌ عام حساس غيور قوى مسموع الصوت نافذ الكلمة، ذلك أن المجتمع الذي ينطوى فيه كلّ انسان على نفسه، و ينقطع عن الاخرين، و لا يهمه أن يصلح الامر فيه أو أن يفسد; انما هو مجتمعٌ منحل لا يمكن أن يستقر أمره، و يكون مجتمعاً سعيداً، و لا بد أن يستشري فيه الفساد، و يكثر المنكر، و يقل العمل الصالح.

فالامر بالمعروف، و النهى عن المنكر في مجتمع ما: هو صمام الامن، و ميزان الصلاحية و الاستقامة، و لذلك يخطى من يظن أن الاسلام يكتفى من المؤمن بأن يرعى شئون نفسه، غير عابىء بما حوله، و أن يعيش في مجتمعه عيشة المنكمش المنطوى على نفسه تمسكا بما قد يفهم خطأ من قوله تعالى: ((يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل اذا اهتديتم)) نعم لا يضرنى من ضل اذا اهتديت، ولكن ما معنى اهتديت؟ أليس أن آخذ بتعاليم الحق، و أن أؤدى واجبى حقّ الاداء؟ و هل أكون ((مهتدياً)) اذا فرطت في ذلك، و عشت على جانب الحياة إمّعة؟ هل أكون مهتدياً اذا عطلت مواهبى، و حرمت الامة قواى التي هى جزءٌ من قواها، و حقٌ من حقوقها؟ هل أكون مهتدياً اذا اعتزلت المصلحين فلم أعاونهم، و الضالين فلم أحاول ردهم، و لم أتحايل لابلاغ كلمة الله اليهم.

كلا! و لذلك أجدنى دائماً حريصاً على أن أفهم المعنى في قوله تعالى: ((ولتكن منكم أمةٌ يدعون الى الخير، و يأمرون بالمعروف، و ينهون عن المنكر و أولئك هم المفلحون)) على أنه أمرٌ للامة حاسمٌ بأن تكون أمة هذا طابعها، و هذا لونها، أمة دعوة الى الخير، أمة احساس بالحق، أمة غيرة على المعروف تريده و تحب أن يفعل، أمة ثورة على المنكر تمقته و تمقت أن يفعل فهذه الامة هى التي تفلح، و هى التي تقتعد منزلة العزة.