/ صفحه 148/
الاصول الثلاثة والاخوة في الدين
لحضرة صاحب الفضيلة الاستاذ الشيخ محمد جواد مغنيه
رئيس المحكمة الشرعية الجعفرية العليا ببيروت.
ان الاسلام بعقيدته و شريعته و سائر تعاليمه يعبر عن روح الفطرة الصافية الخالصة من أعراض التربية والمحيط، فمن أراد أن يثبت أصلا من أصول الاسلام، أو حكماً من أحكامه فلا يضطر الى التكلف و استخدام الاشكال و الاقيسة التي لاتؤدى - في الغالب - الى الطمأنينة، و ارتياح النفس، و قد رأينا أثرها في تشويش الاذهان و تشعب الاراء و المذاهب، لذا اكتفى القرآن الكريم، فيما يتعلق بالعقائد، بذكر الشواهد البديهية ترجع الشاك و الذاهل الى فطرته الاولى.
و نذكر في هذا المقام بعض ما جاء في الكتاب العزيز شاهدا على الاصول الثلاثة: الايمان بالله، و رسوله، و اليوم الاخر، فنستدل على وجود الله سبحانه بما اعتبره هو دليلا على وجوده، و على نبوة محمد صلى الله عليه و آله و سلم، و يوم البعث بنفس الدليل الذي خاطب الله به الجاحدين و المعاندين، و ألزمهم به الحجة البالغة، و اذا لم يقتنع المكابر بحجة الخالق، فأولى أن لايقتنع بقول المخلوق.
/ صفحه 149/
الاصل الاول:
الايمان بالله، و الدليل عليه الاية 19 من آل عمران: ((ان في خلق السموات و الارض و اختلاف الليل و النهار لايات لاولى الالباب)) و نقدم للقارىء المثل التالى، و منه يتضح وجه الدلالة:
اذا رأيت حجراً ملقى في الطريق بصورة طبيعية، و لا أثر فيه الانسان، قلت وجد هذا الحجر هنا صدقة، أما اذا رأيت حجراً منحوتاً نحتاً فنياً، و يرتكز على الطين بصورة فنية، فانك تقول: ان لهذا العمل فاعلا مريداً، لان عقلك لايتصور وجود حجر كهذا صدفة، نحته، و امتزاج الكلس و الرمل و الماء حتى صارت طيناً، ثم تركيزه بشكل فنى، لايتصور عقلك أن ذلك كله حصل من باب التفاعل والمصادفات، فأولى أن يدل احكام الكون و نظامه و اتقانه على وجود خالق عالم حكيم.
الاصل الثانى:
نبوة محمد صلى الله عليه و آله و سلم، و تدل عليه الاية 23 من سورة البقرة: ((و ان كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله، و ادعوا شهداءكم من دون الله ان كنتم صادقين، فإن لم تفعلوا و لن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس و الحجارة أعدت للكافرين)).
وجه الدلالة أن الله سبحانه و تعالى طلب من الجاحدين أن يعارضوا بمثل سورة من القرآن الذي أنزله على نبيه، و قرن هذا التحدى بالاستفزاز، حيث أكد لهم أنهم لن يفعلوا أبداً، و في هذا دلالة ثانية تضاف الى عجزهم، فقد حاولوا و اجتهدوا، و لما عجزوا قالوا: ساحر و مجنون، و هو جواب العاجزين و المكابرين في كل عصر و مصر، هذا، و قد عاش محمد في قومه عمراً طويلا لم يعرفوا فيه الا الخير و الصدق و العزوف عن الباطل، حتى لقبوه بالصادق الامين، و لاريب أن أعرف الناس بالانسان قومه و خلطاؤه الذين عاشروه صغيراً و كبيراً، و ساعة غضبه و رضاه، و عسره يسره.
/ صفحه 150/
الاصل الثالث:
يوم القيامة، و تدل عليه الايه 5 من سورة الحج: ((يأيها الناس ان كنتم في ريب من البعث فانا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة و غير مخلقة)).
خاطب الله سبحانه المرتابين بهذا الاسلوب البعيد عن الاستعلاء و الالزام، القريب الى كل قلب، فبعد أن سألهم هل داخلهم الشك لفت نظرهم الى انشائهم و ابتداء خلقهم، و كيف أوجدهم من العدم، و انتهى بهم الى نتيجة لايسعهم الا التسليم بها و الاذعان لها، هي أن من يقدر على ايجاد المعدودات فهو على اعادة الموجوادت و جمعها بعد تفريق أجزائها أقدر، ابتدأ معهم من الخطوة الاولى، خطوة الشك، و هي بداية الحرية العقلية، و انتهى بهم الى اليقين و الطمأنينة.
العبادة:
ان هذه الاصول هي أركان العقيدة الاسلامية، فمن لم يؤمن بواحد منها جهلا أو عناداً فليس بمسلم الا أنها ليست بكل شىء ما لم تبرز خصائصها و آثارها في عمل مجسم يكون انعكاساً للايمان باللهو ورسوله و اليوم الاخر، و لهذا الانعكاس الدينى مظاهر شتى، منها العبادة، و يستقل الوحى بتشريعها وتحديدها حكماً و موضوعاً، و يفسدها العجب و الرياء، و كل غرض من أعراض الدنيا، و لاتصح الا بدافع التقرب و الاخلاص لله تعالى، فهى له وحده سبحانه، لذا قرنها الله في كتابه بالايمان به، بل جعلها مع الاصول الثلاثة الفارق و المميز بين المسلم و غير المسلم.
الاخوة في الدين:
حدد الله سبحانه الاخوة الدينية في الاية 11 من سورة التوبة: ((فإن تابوا و أقاموا الصلاة و آتوا الزكاة فاخوانكم في الدين)).
/ صفحه 151/
قال المفسرون: ان التوبة هنا ترك الشرك. اذن الاخوة في الدين لا تناط بالرجوع الى مذهب من المذاهب، و لا بقول فقيه عظيم، و شيخ قديم، و لا بالاتفاق على مسائل الزواج و الطلاق و الارث والهبة و البيع و الاجارة، و لا بجواز المسح على الخفين، أو التكتف في الصلاة، و انما تناط بالايمان بالله و رسوله واليوم الاخر، و اقام الصلاة و ايتاء الزكاة.
و بهذا: بالاصول الثلاثة و العبادة تتحقق الجامعة الدينية بين كافة المسلمين، و من دخلها كان مسلماً، سواء أكان شرقياً أم غربياً، عربياً أم أعجمياً، سنياً أم شيعياً، و من فرق بين اثنين من أبناء هذه الجامعة، و أقام بينهما الحواجز و الحدود فقد صد عن سبيل القرآن، و اتبع خطوات الشيطان.
و بالتالى فإن معنى التقريب بين المذاهب الاسلامية هو اعلان هذه الحقيقة التي نطق بها القرآن، و الدعوة اليها، و التنبيه الى أن أى قول أو فعل يخالفها فهو خطأ يضر بصالح الاسلام و المسلمين.