/ صفحه 158/
الحرية الفكرية في اليمن
في القرن الحادى عشر الهجرى
للاستاذ الفاضل القاضى محمد بن اسماعيل العمرانى
المدرس بدار العلوم العليا بصنعاء اليمن
-2-
أنموذج من روح العلم اليمنى في أواخر القرن الحادى عشر:
و هاكم أنموذجا من حركة النهضة العلمية اليمنية ذات الحرية الفكرية و الاجتهاد المطلق في أواخر القرن الحادى عشر من الهجرة، و هو كتاب: ((العلم الشامخ في ايثار الحق على تقليد الاباء و المشايخ)) للشيخ صالح المقبلى اليمنى، و قد فرغ من تأليفه سنة 1088 هـ، و هو الكتاب الوحيد الذي قد أخرجته المطبعة من مؤلفات هذا العالم المستقل و المؤلف المتحرر، و لم يطبع من مؤلفاته القيمة كتاب غيره، اذا ما استثنينا تلك التعليقات المفيدة التي كان المقبلى نفسه قد علقها بقلمه على نفس هذا الكتاب القيم و أخرجها لقراء كتابه تحت عنوان: ((الارواح النوافح على كتاب العلم الشامخ)) و قد طبعت هذه التعليقات بجانب أصلها في مطبعة المنار الغراء بالقاهرة منذ سنين عديدة.
(و العلم الشامخ) أكبر مثال لحرية عالمنا المقبلى الفكرية و شجاعته العلمية، و أنموذج لمؤلفاته القيمة التي هي أكبر مثال لنهضة العلم باليمن في أواخر القرن الحادى عشر، تلك النهضة التي قامت على مبدأ الاجتهاد المطلق، و الاستقلال في الفهم، و الحرية الفكرية الحقة.
/ صفحه 159/
و نظرة واحدة في كتاب (العلم الشامخ) و ما علق عليه مؤلفه المقبلى ترينا المقبلى مجدداً و ترينا المقبلى مصلحاً و ترينا المقبلى علامة مجتهداً، و تدلنا على أن المقبلى ما كاد يتوسط في دراسته لكتب الدين حتى تنبه لما عليه أهل عصره من الجمود على ما عليه آباؤهم و أجدادهم، و أخذهم جميع ما تركوا لهم من آراء و أقوال في كتب مخصوصة قضايا مسلمة لا يدور حولها نقاش و لا نقد و لا جدال، نتيجة للتقليد الذي أوجبوه على أنفسهم، فكان حائلا بينهم و بين الفهم لكتاب الله تعالى، و لسنة رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم، لا فرق بين مذهب و مذهب، و بين قطر و آخر، يناقش مشايخه في كل ما لم يظهر له دليله حتى و لو كان امام زمانه (المتوكل على الله اسماعيل بن القاسم) أو محقق عصره (السيد حسن بن أحمد الجلال) غير ناظر الى استهزاء المستهزئين و لا كيد الحاسدين كما هو شأن كل مجدد، و كما هي العادة عند كل مصلح، كما يراه أيضاً شديداً على هؤلاء المقلدين صارخاً بالتبرى من التقليد و من التمذهب في غضون أبحاث الكتاب نثراً و نظماً، داعياً الى وجوب الاجتهاد على من عرف علوم الاجتهاد المعروفة و شب عن الطوق أو شاب ناهياً عن التقليد من قد استطاع الى الاجتهاد سبيلا.
و ما يكاد القارىء لكتاب (العلم الشامخ) هذا يتوسّط في خطبة كتابه حتى يندهش كثيراً حينما يقرع سمعه اعلان المقبلى حريته الفكرية و اجتهاده المطلق في أول ما تلمس يده هذاالكتاب و يفتح أول ورقة من أوراقه و في ثانى صفحة من صفحات هذا الكتاب القيّم بشجاعة أدبية و حرية فكرية لايعهدها ذلك العصر، الجامد ولا يكاد يعرفها اذ يسمعه يقول: (هيهات لقد أعمى التعصب البصائر و أفسد التمذهب السرائر غير أنى ذاهب الى ربى سيهدين). و يسمعه يقول أيضاً: (اللهم انّه لامذهب لى الا دين الاسلام فمن شمله فهوأخى و صاحبى). ويقول أيضاً: (انى برىء من الانتساب الى امام معين يكفى أنى من المسلمين فإن سئلت و لم يبق لى من الاجابة بدّ قلت مسلم مؤمن). ثم يراه يقتحم كل لجة من بحار العلوم الاسلامية العميقة و يخوض تلك البحار خوض الجسور لا الجبان الحذور و يراه قد توغل في كل مشكلة يهاب الدّخول فيها غيره من علماء ذلك العصر الذي
/ صفحه 160/
ساد فيه الجمود. و هجم على كل معضلة يخاف من الهجوم عليها كثير من فقهاء ذلك القرن الذي وجب فيه التقليد و عم فيه الركود و تفحص عن عقيدة كل فرقة من فرق الاسلام. واستكشف كل مذهب مشهور من مذاهب علماء الاسلام و فرق بين المحقّ و المبطل و المتعسف و المنصف و بين الشيعى و السنى و بين المتكلم و السلفى و بين الاشعرى و المعتزلى و بين الفقيه و الصوفي و بين المحدث و الجدلى و بين صاحب السنة و صاحب البدعة و بين المجتهد و المقلد و بين الدليل و شبه الدليل و هلم جرا لا يقال له قول سنى أو شيعى الا و قد عرف كيفية تسننه أو تشيعه و لا يمر بقول سلفي الا وقد ظهر له وجه قوله. و لا يذكر كلاما لمتكلم الا و اجتهد في الاطلاع على غاية كلامه و مآله. و لا يمضى على قول جدلى الا وقد اتضح له صحة مناظرته و جداله. و لا يسوق كلاماً لمعتزلى الا و قد اتضح له وجه دعواه و لا أشعرى الا و قد ظهر له مفهوم كلامه و فحواه و لا يقبل رواية راو من أهل الحديث الا و قد عرف صحة ما رواه و لا يقبل رأى فقيه أستطره في كتابه الا و قد برهن الفقيه على وجه مارواه. و لا يعترف لصاحب السنة الا اذا قد طابق اسمه مسماه و لايمر عليه رأى لمبتدع الا أنكر عليه هواه و كم يشن الغارة على ما يراه في أقوال الصوفية من البدع في الدين و المخالفة لنهج سيد المرسلين و هكذا و هلم جرا.
كل ذلك استطاعه المقبلى بما أوتى من فكر ناضج و عقل راجح و ملكة راسخة في العلوم و اطلاع واسع في جميع المعارف و قدم ثابتة في جميع الفنون و حرية فكرية حقة واستقلال علمى تام و اجتهاد مطلق لا يعرفه ذلك العصر مع بيان رائع و أسلوب ساحر و كلام جذاب لذوى العقول و الالباب.
أفرأيت أيها القارىء الكريم، هذا الكتاب الذي لاينتمى الى مذهب غير الاسلام و لا ينتسب الى فرقة من الفرق غير شريعة الاسلام و لايعتزى الى امام من أئمة العلم غير نبى الاسلام. و لا يعتمد على كتاب غير السنة و القرآن.أخرجه مؤلفه في عصر أوجبوا فيه التقليد و حمدوا فيه الجمود.
و ان هذا العرض الموجز لدليل كاف على ما كنت قلته في أول مقالى هذا
/ صفحه 161/
من أن حركة النهضة العلمية اليمنية ذات الحرية الفكرية قد سبقت غيرها في سائر أقطار العالم العربى من هذه الناحية، و الان سل التاريخ و اخبرنى و اسأل الاسفار و انبئني. سل التاريخ هل احتفظ بكتاب من كتب الدين التي ألفت في العصر العثمانى يماثل كتاب (العلم الشامخ) استفلالا و اجتهاداً و حرية و انصافاً، سل الاسفارالتي ألفت في هذا العصر الراكد هل يوجد فيها كتاب دينى يقول مؤلفة مثلما قال مؤلف العلم الشامخ (اللهم أنه لا مذهب لى الا دين الاسلام فمن شمله فهو أخى و صاحبى) و غير ذلك مما في هذا الكتاب الجليل، لو كانت الاسفار تستطيع أن تجيب أو لو كان التاريخ يستطيع أن يتكلم لماكان الجواب الا سلبياً، و لنادى الجميع بأعلى صوت اللهم لا، اللهم لا هذا هو (العلم الشامخ في ايثار الحق على تقليد االاباء و المشايخ).
و أظن أن الذين لم يقدروا المقبلى حق قدره لم يطلعوا على كتاب من كتبه النافعة كهذا الكتاب الذي عرضته، و الذي ما هو الا قطرة من بحر علم هذا العالم الكبير، و نور واحد من أنوار شمس حرية فكر هذا المجدد العظيم، أو لعلهم اطلعوا على بعض من تلك الكتب النافعة، ولكنهم كانوا في نفس الوقت جامدين غافلين لم يخلعوا أغلال التقليد من أعناقهم و لاكانوا على جانب عظيم من التسامح المذهبى.
فهذا مثال من أمثلة حركة العلوم الدينية في اليمن في أواخر القرن الحادى عشر و هي تمثل الحرية الفكرية من معنى و اذا لم يكن هذا اجتهاداً مطلقاً فما في الدنيا اجتهاد و المقصود هو هداية المنصف لا مجادلة المتعسف و سبحان الله و بحمده سبحان الله العظيم.