/ صفحه 162/
في التاريخ و الادب
لصاحب الفضيلة الشيخ محمد الطنطاوى الاستاذ في كلية اللغة العربية
-3-
حلوان - خندف:
أخوان كريماً الابوين،أبوهما عمران بن الحافي بن قضاعة، و أمهما ضريّة بنت ربيعة بن نزار بن معد، فالتقى فيهما رافد السؤدد من قحطان و عدنان.
نسبتهما لابويهما:
ان بنوة حلوان لهما لا اختلاف فيها بين المؤرخين و علماء الانساب، يقول ابن حزم في جمهرة أنساب العرب(1): ((ولد عمران بن الحافي: حلوان بن عمران أمه ضرية بنت ربيعة بن نزار بن معد)).
و في تهذيب الاسماء و اللغات للنووى القسم الثانى (حرف الحاء) أسماء المواضع (حلوان) يقول: ((حلوان... نسب الى حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة))(2).
و في القاموس مادة (الحلو) يقول: ((و حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة)) و لم أر في كتب أخرى ما يخالف المصادر السالفة، فلا داعى لكثرة النقول اكتفاء بها.
ــــــــــ
1- ص 421 طبع دار المعارف
2- الحاف في عبارة التهذيب بكسر الفاء، كما هو مذكور في هامش الاشتقاق لابن دريد ص 313، فقال:
((الحاف مما حذفت العرب ياءه اجتزاء بالكسرة، كقولهم: العاص في العاصى)) الخ، و على هذا يصح ذكره بالوجهين، فقد روى بالياء في الجمهرة و بدونها في التهذيب و القاموس، و يلاحظ ذلك في الاتى ان شاءالله.
/ صفحه 163/
وأما بنوة خندف لها فأكثر المصادر الوثيقة على نسبتها لهما، يقول ابن هشام في السيرة: " خندف بنت عمران بن الحاف بن قضاعة " وفي شرح الروض الأنف للسهيلي: " واسمها ليلى وأمها ضرية بنت ربيعة بن نزار " (1).
وقد نقل البغدادي للمناسبة في شرح شواهد شرحي الشافية، الشاهد التاسع والأربعين بعد المائة هذين النصين عن ابن هشام والسهيلي.
والذي يثير العجب والاستغراب أن البغدادي نفسه في خزانة الأدب الشاهد الرابع بعد الخمسمائة نقل عن ابن هشام أن خندف بنت الحاف بن قضاعة، بحذف أبيها وإضافتها إلى جدها.
وفي يقيني أن ذلك مما سها فيه الكاتب أو الطابع، إذ ليس بمعقول ذلك الاختلاف الجوهري في الأبوة مع اتحاد المصدر المنقول عنه في الموطنين، ومع اتحاد الناقل فيهما.
وأعجب من ذلك وأغرب ما ذكره ابن عبد ربه في العقد الفريد إذ قال: " وأمهم خندف وهي ليلى بنت حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة " (2).
لأنه جعلها ابنة أخيها، ولا يسمح بمثل هذا في عرف الأنساب، فالبنوة للجد على رواية البغدادي في الخزانة تستساغ لأن الجد أب أعلى، أما البنوة للأخ فلا عهد بها في المتعارف أبدا ـ وقد جرى المجد في حلبة ابن عبد ربه إذ قال القاموس مادة (الخندوف) ما نصه: " وأمهم خندف وهي ليلى بنت حلوان ابن عمران " ـ ولعل هذين النصين كانا مرجعي المرصفي فاتبعهما دون تفتيش وتحر، إذ قال في رغبة الآمل على الكامل: " خندف لقب ليلي بنت حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة " (3).
على أنه مما يعد حسنا لهذه النصوص الثلاثة التي أقحمت أخا خندف: حلوان
ــــــــــ
(1) الروض الأنف ج 1 ص 61 مطبعة الجمالية.
(2) العقد (أنساب مضر) ج 3 ص 338، طبع لجنة التأليف والترجمة والنشر.
(3) الكامل شرح الرغبة ج 3 ص 42.
/ صفحه 164/
وجعلته أباها، كانت على الصواب في جعل حلوان بن عمران كالنصوص السابقة عند بنوة حلوان.
والخلاصة: أن حلوان وخندف أخوان لأب وأم شقيقان، نشآ في ربوع العز، وسلكا دروب المجد، اقتفاء لأبويهما: عمران وضرية، ولكل منهما شأن خطير، ينبغي إفراده بالحديث، فلنبدأ بحلوان على حسب الأولوية من تقديم الأخ على الأخت.
حلوان:
جرى في مضمار المجد بين يدي أبويه الماجدين، ومكن له في الدنيا بما استبقى ذكره، وخلد اسمه، فلم يتخلف عنهما في قوة النفوذ وبعد الصيت، فكما سجل في الدنيا اسم امه هلي حماها (حمى ضرية) على ما بسطناه في الحديث عنه سلفا، كذا دون اسمه على المدينة المنسوبة إليه مدينة (حلوان) العراقية، وناهيك بهذا الأثر الكبير القائم على ممر الايام، على انه بعدئذ قد بارك الله له في ذريته، إذ استمر التوالد فيها مع اطراد التكاثر في نسلها، قرنا بعد قرن، واسمه يملأ الأسماع وينتقل في البقاع حتى جاء الإسلام فاهتدى بنوره بعض حفدته، ونالوا شرف الصحبة لرسول الله
(صلى الله عليه وآله وسلم)، وتلك هي المفخرة التي لو نبئها حلوان في رمسه لحار جواباً، وعجز شكراً.بقي أن تقف على مستندنا في عد هاتين المأثرتين، فهاك النصين: قال النووي في تهذيب الأسماء واللغات القسم الثاني (الحاء) أسماء المواضع: " حلوان آخر حد السواد مما يلي المشرق نسب إلى حلوان بن عمران بن الحاف لأنه بناه " ـ ويقول المجد في القاموس مادة (حلو). " وحلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، من ذريته صحابيون، وهو باني حلوان " ـ وإنه لما يزداد به البيان في التنويه بحلوان أن نلم بكلمة خاصة بالتعريف بشأن هذه المدينة، وأن نذكر طرفا يسيراً من التاريخ فيما يتعلق بفتحها الإسلامي.
/ صفحه 165/
تعريف بحلوان العراق:
قال ياقوت: " حلوان العراق وهي في آخر حدود السواد مما يلي الجبال من بغداد، وقيل إنها سميت بحلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، كان بعض الملوك أقطعه إياها فسميت به … قال أبو زيد: أما حلوان فإنها مدينة عامرة ليس بأرض العراق بعد الكوفة والبصرة وواسط وبغداد وسر من رأى أكبر منها وأكثر ثمارها التين، وهي بقرب الجبل، وليس للعراق مدينة بقرب الجبل غيرها، وربما يسقط بها الثلج، وأما أعلى جبلها فإن الثلج يسقط به دائماً، وهي وبئة ردية الماء وكبريتيته، وينبت الدفلي على مياهها، وبها رمان ليس في الدنيا مثله، وتين في غاية الجودة، ويسمونه لجودته: شاه ابجبر: أي ملك التين، وحواليها عدة عيون كبريتية ينتفع بها من عدة أدواء ".
حلوان في فجر التاريخ الإسلامي:
لمدينة حلوان في التاريخ الإسلامي ذكر دون في صحائفه العزة والمنعة للأمة الإسلامية البسيطة عددا، الفتية عزيمة وقوة، مع ضعف شكتهم، وقلة لأمتهم، كما دون فيها الخور والرعب للفرس، مع كثرة تفيرهم، واستكمال أسلحتهم.
ذلك أنه بعد فتح القادسية في الموقعة المشهورة، وتراجع الجيش الفارسي إلى المدائن (عاصمة آل ساسان) استنهض كسرى (يزد جرد) همم الفرس ونظم جيشه أملا أن يصد هذا الهجوم المباغت، ولكنه ما لبث حتى أحاط به لجيش العربي من حيث لا يحتسب، فانهزم الفرس وبدا لهم أن يوغلوا في بلادهم بعيداً عن الجيش الإسلامي ليجتمع أمرهم، فتركوا من بلادهم وراءهم جلولاء، ونزلوا في (حلوان) بخيلهم ورجلهم، واستفز كسرى الفرس، واستنفر كل من يقوى على حمل السلاح، فأجمعوا أمرهم، وصمموا على الانقضاض على الجيش الاسلامي، غير أنهم لما سمعوا بدخول المسلمين جلولاء ارتعدت فرائصهم، وتفككت أوصالهم، وتمثلوا الاسد الإسلامية تزأر حولهم، فلم يجدوا بدأ من ترك (حلوان) بعد ما أعدوا فيها ما أعدوا: تركوها مفتحة الأبواب دون حامية، تستقبل
/ صفحه 166/
الإسلام وتفتح ذراعيها للعهد السعيد، فدخلها المسلمون دون حرب، وصالحهم أهلها على أن يؤمنوهم، إنه لنصر من الله مؤزر، فقد كفى الله المؤمنين القتال، ولفتح الصلح الأثر الجميل الباقي في نفوس الحاكمين والمحكومين. يقول ياقوت في بقية الحديث الماضي عن حلوان: " وأما فتحها فإن المسلمين لما فرغوا من جلولاء ضم هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وكان عمه قد سيره على مقدمته إلى جرير ابن عبد الله البجلي في خيل، ورتبه بجلولاء فنهض إلى حلوان، فهرب يزد جرد إلى أصبهان، وفتح جرير حلوان صلحاً على ان كف عنهم وأمنهم على ديارهم وأموالهم … فأقام بها والياً … قال الواقدي بحلوان عقب لجرير بن عبد الله البجلي، وكان قد فتح حلوان في س 19، وفي كتاب سيف في س 16 … وقال القعقاع بن عمرو التميمي:
وهل تذكرون إذ نزلنا وأنتم ***** منازل كسرى والأمور حوائل
فصرنا لكم ردءا بحلوان بعد ما ***** نزلنا جميعا والجميع نوازل
فنحن الألى فزنا بحلوان بعد ما ***** أرنت على كسرى الإماو الحلائل
ولقد رأيت فيما طالعت أمراً عجبا تكرر في هذه المدينة من طريق الاتفاق كلما وردها الحارثي، مما يحار المفكر في تسبيبه، ولهذا أسوقه تاركا التعليق عليه للناظر فيما عسى أن يكون الداعي إليه، وما إخال حدسا يدني إلى تعرف أو تقريب السبب فيه، وإنما أسوقه لمجرد الإخبار بما تفعله الطبيعة، والعلم عنده سبحانه وتعالى.
ظاهرة مدهشة في حلوان:
تولي علي بن الجهم القرشي الشاعر المشهور مظالم (حلوان) في خلافة جعفر المتوكل على الله، وكان كلما دخلها الحارثي أصابتها الزلزلة، فإذا غادرها سكتت، قال أبو الفرج الأصبهاني: " قال ابن الجهم: كان الحارث يجئ إلى حلوان وأنا أتولاها ـ وكان علي بن الجهم على مظالمها ـ فإذا وردها وقع الإرجاف، فلم يزل متصلا حتى يخرج، فإذا خرج سكن الإرجاف، فأتاني مرة وظهر كوكب الذنب في تلك الليلة، فقلت:
/ صفحه 167/
لما بدا أيقنت بالعطب ***** فسألت ربي خير منقلب
لم يطلعا إلا لآبدة ***** الحارثي وكوكب الذنب (1)
وبقي استيفاء للحديث عن (حلوان) العراق أن نذكر نبذة عن كسرى يزد جرد الذي ألّب الفرس فيها، ثم تركها مذعوراً إلى الشرق، وكلما حاول استجماع قوى الفرس اتتكث فتله، إلى أن لقي مصرعه، فانقضت بزواله دولة الساسانيين، إذ كان الرابع عشر لملوك ساسان بعد كسرى أنوشروان الذي ولد في عهده النبي
(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد أول المسلمون من الآيات التي حدثت في ميلاده (صلى الله عليه وآله وسلم) آية سقوط الشرفات الأربع عشرة بذلك، فكان كما اعتقدوه.قال القسطلاني: " ومن عجائب ولادته أيضا ما روى عن ارتجاج إيوان كسرى، وسقوط أربع عشرة شرفة من شرفاته … وفي سقوط أربع عشرة شرفة إشارة إلى أنه يملك منهم ملوك وملكات بعدد الشرفات، وقد ملك منهم في أربع سنين عشرة ذكره ابن ظفر، وزاد ابن سيد الناس وملك الباقون إلى خلافة عثمان رضي الله عنه " (2).
قال ابن الاثير: " وولد رسول الله
(صلى الله عليه وآله وسلم) سنة اثنتين وأربعين من سلطان كسرى أنو شروان، وأرسله الله تعالى لمضى اثنتين وعشرين من ملك كسرى أبرويز بن كسرى هرمز بن كسرى أنو شروان، وهاجر لاثنتين وثلاثين سنة مضت من ملك أبرويز " (3).يَزْدَ جِرْد:
ولي ملك فارس عشرين سنة، بعض هذه المدة قام بتدبير الملك فيها عظماء الدولة ووزراؤها لحداثة سنه عند ولايته، وبعضها لا يعد فيها مع الملوك لأنه كان
ــــــــــ
(1) لأغاني ج 10 ص 210 طبع الدار، والإرجاف: الزلزلة، والآبدة: الداهية الخالدة الذكر، والأمر العظيم تنفر منه وتستوحش.
(2) المواهب اللدنية ج 1 ص 23.
(3) الكامل ج 1 ص 269 وما بعدها، الطباعة المنيرية.
/ صفحه 168/
مشردا طريدا أمام الجيوش الإسلامية، فقد فتحت بلاده ومدنه بلدا بلدا ومدينة مدينة في خلافة عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما، وانتهى بهلاكه ملك آل ساسان، قال شهاب الدين النويري: " وهو آخر الملوك الساسانية وعليه انقرضت دولتهم، فلم تقم لهم قائمة، وتردد إلى بلاد خراسان والى بلاد الترك، وعاد فقتل بمرو من بلاد خراسان في سنة احدى وثلاثين من الهجرة لسبع سنين خلت من خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه " (1).
الله أكبر، وما النصر إلا من عند الله، تقهر الدولة الإسلامية الناشئة الفتية كسرى الفرس، وتستحوذ على أملاكهم الواسعة الأطراف، التليدة في حضارتها وقوة بأسها، والفرس إحدى الدولتين المتقاسمتين العالم آنذاك، مع كثرة اعتدائها على الروم، وطمعها في القضاء عليها، ولا ينسى التاريخ الإسلامي جبروت كسرى أبرويز واستهانته بكتاب النبي
(صلى الله عليه وآله وسلم).فان من كاتبهم النبي
(صلى الله عليه وآله وسلم) من الملوك والقياصره في هدنة الحديبية المعروفة أحسنوا جميعاً الرد عدا هذا المجرم الأثيم، فإنه مزق الكتاب استكباراً وعتوا، وأرسل لعامله باليمن أن يوجه للرسول من يأتي به اليه، ولما بلغ ذلك المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) قال " مزق الله ملكه كل ممزق " وقد كان ذلك فعاجله الله بقيام انه شيرويه عليه بمؤازرة الفرس وقتلوه.تمضي الايام سراعا وتنقلب الأوضاع ويقتل المسلمون كسراهم الاخير، ويتملكون إيوانهم، ويلون أمور شعوبهم، ويغنمون منهم ما لا يظنون، وما لا عهد لهم به من أثاث ومال وتيجان وآثر عادية، ويأسرون منهم بعد أن أثخنوا في الأرض، ومرجع هذا الظفر الأبدي إلى اعتصام المسلمين بحبل الله المتين " إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ".
تأمل أيها القارئ بعين الاعتبار، فقد كان من الأسارى بنات يزد جرد العنيد، عومان في المدينة المنورة معاملة كريمة خاصة، أوحى بها الروح الاسلامي، لأن الإسلامي دين الرحمة والاحسان واللطف والحنان.
ــــــــــ
(1) نهاية الأدب ج 15 ص 233 طبع الدار.
/
صفحه 169/بنات يزدجرد:
قال ابن خلكان: " وذكر ابو القاسم الزمخشري في كتاب (ربيع الأبرار) أن الصحابة رضي الله عنهم لما أتوا المدينة بسبي فارس في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان فيهم ثلاث بنات ليزد جرد، فباعوا السبايا، وأمر عمر ببيع بنات يزد جرد أيضا، فقال له علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إن بنات الملوك لا يعاملن معاملة غيرهن من بنات السوقة، فقال: كيف الطريق إلى العمل معهن؟ قال يقومن، ومهما بلغ ثمنهن قام به من يختارهن، فقومن، فأخذهن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فدفع واحدة لعبد الله بن عمر، وأخرى لولده الحسين، وأخرى لمحمد بن أبي بكر الصديق، فأولد عبد الله أمته ولده سالما، وأولد الحسين زيد العابدين، وأولد محمد ولده القاسم، فهؤلاء الثلاثة بنو خالة، وأمهاتهم بنات يزدجرد "(1).
تأثيرهن في التخفيف من العرف الجاري:
كان حكم العرف الجاري في الجاهلية وصدر الإسلام والدولة الأموية يقضي بوضع ابن الأمة بعد ابن الحرة، فكان الهجين يستخذي من أمومته، وقد حماها ودافع عنها ببأسه ومنصله قديماً عنترة إذ يقول:
وأنا امرؤ من خير عبس منصبا ***** شطري وأحمي سائري بالمتصل (2)
ومن النوادر الفكهة: أن الخليفة عبد الملك خطب لبعض بنيه من عقيل
ــــــــــ
(1) وفيات الاعيان (ترجمة علي زين العابدين) وتقل هذا أيضا في رغبة الآمل على الكامل ج 5 ص 49.
(2) شطري مبتدأ والخبر في المجرور قبله، والمراد به أبوه، والشطر الثاني أمه ينوب عن كرمها حمايتي بالسيف، فأنا خير في قومي ممن عمه وخاله منهم وهو لا يغني غنائي. ويعرض في ذلك بقيس بن زهير عند ما فر من تميم ووقف عنترة فقال قيس: والله ما حمى الناس إلا ابن السوداء، والبيت من قصيدة في الديوان أول قافية اللام.
/ صفحه 170/
ابن علقة المرى ابنته الجرباء على ما به من شظف العيش، فأطرق مليا، ثم قال له: يا أمير المؤمنين جنبي هجناءك، فضحك عبد الملك " (1).
ولقد حدثت مهاترات بين بعض النابهين من الهجناء وبعض الصرحاء تراها مبسوطة في كتب الأدب وطالت الألسنة في هذه الناحية، قال المبرد: وأنشدني الرياشي:
إن أولاد السراري ***** كثروا يارب فينا
رب أدخلني بلاداً ***** لا أرى فيها هجينا
كان هذا فاشياً إلى أن ولدت بنات يزد جرد من لهم في الإسلام قدم صدق ممن يعتز بهم المسلمون (بنو الخالات المرموقون بالتبجيل والتعظيم) فخفت صوت هذه النعرة القديمة المستمرة، حتى قال سيدنا علي رضي الله عنه: (ليس قوم أكيس من أولاد السراري، لأنهم يجمعون عز العرب ودهاء العجم) وأقبل كثير من سراة المسلمين على التسرى، وأمحت من النفوس تلك العادة البالية، وهاك طريفة يلتمس منها جمال التأسي.
طريفة:
قال المبرد في الكامل: " ويروى عن رجل من قريش لم يسم لنا، قال: كنت أجالس سعيد بن المسيب، فقال لي يوما: من أخوالك؟ فقلت أمي فتاة، فكأني نقصت في عينه، فأمهلت حتى دخل عليه سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رحمه الله، فلما خرج من عنده قلت يا عم من هذا؟ فقال: يا سبحان الله، أتجهل مثل هذا من قومك؟ هذا سالم بن عبد الله بن عمر، قلت: فمن أمه؟ قال: فتاة، قال: ثم أتاه القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رحمه الله فجلس عنده ثم نهض، فقلت: يا عم من هذا؟ فقال: أتجهل من أهلك مثله، ما أعجب هذا، هذا القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، فقلت: فمن أمه؟ قال: فتاة، فأمهلت شيئا حتى جاء علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه فسلم عليه ثم نهض، فقلت:
ــــــــــ
(1) راجع الأغاني ـ ج11 ص 82 ساعتي، والعقد الفريد ج 3 ص 405 طبع لجنة التاليف.
/ صفحه 171/
يا عم من هذا؟ قال: هذا الذي لا يسع مسلماً أن يجهله، هذا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، قلت: فمن أمه، قال: فتاة، قال: قلت: يا عم رأيتني نقصت في عينك لما علمت أني لأم ولد، أفما لي في هؤلاء اسوة؛ قال: (فجللت في عينه جداً) (1).
إن نفسي تطيب، وصدري ينشرح للحديث عن هؤلاء الثلاثة المعلمين، لو لا أني أخاف أن يمتد الحديث ويطول، وليس المقام للتاريخ خاصة، لكن لا يفوتني الاشارة إلى سيدنا زين العابدين، لأن الله أراد له أن يكون سلالة الحسين سبط رسول الله صلى الله عليه ومن أم معروفة ومن خيرات النساء: سلافة بنت يزدجرد، ولذا قال المبرد: " وكان يقال له: ابن الخيرتين لقول رسول عليه وسلم الله عليه وسلم: (( لله من عباده خيرتان، خيرته من العرب قريش ومن العجم فارس " (2) وكان مضرب المثل في البر بالأم.
بر زين العابدين بأمه:
اشتهر بين المسلمين وفي المدينة بهذه الفضيلة، ولما رأى الناس منه ما ظنوه منافيا للبر كان جوابه آية السمو في البر. قال المبرد: " ويروى أنه قيل لعلي بن الحسين رحمه الله إنك من أبر الناس ولست تأكل مع أمك في صحفة، فقال: أكره أن تسبق يدي إلى ما سبقت إليه عينها فأكون قد عققتها " (3).
معذرة:
كنت قدرت أول المقال أن يتم فيه الحديث عن الأخوين، ولكن. وتقدرون فتضحك الأقدار، إذ أن حلوان ومدينته وتاريخها العاطر تطلب كل من الثلاثة الانباه عن مجمل من خبره فاستنفى المحسوب للمقال، مما اضطرني إلى إرجاء الحديث عن الأخت إلى الغد.
ــــــــــ
(1) الكامل شرح الرغبة ح 5 ص 48 وما بعدها، ونقله عن المبرد ابن خلكان في الوفيات (ترجمة زين العابدين).
(2) الكامل ج 5 ص 50.
(3) الكامل ج 5 ص 50.