/ صفحه 196/

لمناسبة وفاة أيرين كوري مكتشفة النظائر المشعة:

عود إلى حديث الذرة

للدكتور محمد محمود غالي

دكتوراه الدولة في العلوم الطبيعية من السوربون

ليسانس العلوم التعليمية ـ ليسانس العلوم الحرة ـ دبلوم المهندسخانة

ــــــــــ

وأخيراً انتهت إيرين كوري كما ينتهي كل الناس، وماتت العالمة الكبيرة الشهر الماضي كما يموت البشر، انتهت بعد أن أدت إلى علوم الذرة أجل الخدمات، وانقطعت حياتها بعد أن خطت بسلام العالم أوسع الخطوات.

ولو أننا اعتبرنا أن كشوف الذرة أصبحت الصرح الشامخ لتقدم الإنسان، وأن معرفتنا للنواة وتركيبا هو أهم مرحلة من مراحل العرفان، فإننا نضع إيرين كروي الحائزة على جائزة نوبل مكتشفة النشاط الإشعاعي الصناعي وخالقة النظائر المشعة بين هؤلاء العلماء الأفذاذ الذين أناروا لنا السبيل، وبين هؤلاء المحسنين الذين لهم أكبر الفضل على هذا الجيل، وما علينا لتبيان ذلك إلا أن نستعرض الأحداث العلمية ونتابع الكشوف الذرية لترى مكان إيرين كوري من بين العاملين في تقدم العرفان، ونلمس دورها الخالد في أهم ما ورثه الإنسان، وفي هذا نقسم هذه الناحية الهامة من العلوم إلى قسمين رئيسيين:

/ صفحه 197/

القسم الأول: العلوم الذرية النظرية:

ولعل ألبرت أينشتاين في نظرية النسبية الأولى سنة 1905، والنسبية العامة سنة 1916، كذلك ماكس بلانك في نظرية الكم سنة105، ونيلز بوهر الذي جمع في سنة 1913 بين الكم وخطوط الطيف مفسرا بذلك أدق الأحداث العلمية داخل الذرة هم الفرسان الثلاثة الذين أقاموا أهم المراحل النظرية في العلوم الذرية تلك المراحل التي يستند إليها اليوم جل العلماء المحدثين، أمثال: ديراك وباولي ودي بروي وشرور نجر وماكس بورن وفرمي وغيرهم، وسيفهم الكثير ممن يتابعون الميراث العلمي اليوم لماذا رتبنا هؤلاء الأعلام على هذا النحو، فذكرنا على رأس القائمة أينشتاين وبلانك وبوهر ثم ذكرنا ديراك مع باولي ودي بروي مع شرور نجر وأخيراً بورن مع فرمي.

القسم الثاني: العلوم الذرية العملية والتطبيقية:

ولهذه الناحية أهمية قصوى، فقد كان من آثارها كما نعلم استخدام الطاقة الكامنة في نواة الذرة للحصول على طاقة كبيرة تفوق كثيرا الطاقة التي نحصل عليها من الوقود العادي، أو استخدام النظائز المشعة في علاج الأمراض أو مقاومة الآفات أو في تقدم البحوث العلمية والصناعية، وهذه الناحية الواسعة تستند إلى أعمدة أربعة، كان لإيرين كوري مع زوجها جوليو الفضل في اثنين منها، وكان لزوجها مع غيره الفضل في واحد آخر منها، وهذه الأسس أو الأعمدة الأربعة نجملها في التقسيم الآتي الذي يتضح منه أعمال إيرين العلمية الخالدة.

أ ـ الكشف عن العناصر المشعة الطبيعية مثل اليورانيوم والبولونيوم والراديوم والتوريوم، وكلنا يعلم أن الفضل في هذه المرحلة الهامة التي بدأت سنة 1897 كان للعالم " بكارل " بكشفه إشعاع اليورانيوم، ثم " لماري سكلودوفسكا " (وهي مدام كوري والدة إيرين) بكشفها عن البولونيوم وقوة إشعاعه تعادل ألف مرة قدر قوة إشعاع اليورانيوم، ثم لوالدتها مدام كوري ووالدها بيير

/ صفحه 198/

كوري بكشفهما الراديوم، وقد استحقت والدتها جائزة نوبل مرتين، مرة بالاشتراك مع زوجها ومع بكارل سنة 1903، ومرة بمفردها سنة 1910.

ب ـ الكشف عن النيوترون:

والنيوترون هو ذلك الجسيم الأساسي في بناء نواة الذرة التي نعلم اليوم أنها تتألف من البروتونات ومن النيوترونات، وليس المجال هنا لأذكر هنا لأذكر أهمية هذا الجسيم (النيوترون) في جميع مراحل العلوم الذرية، فباستخدامه وصلت هذه العلوم إلى هذا التقدم والنجاح، وهو موجود في جميع نويات العناصر المختلفة ابتداء من العنصر الثاني الهيليوم إلى العنصر الـ (101) الفرميوم، ولقد كان الفضل في الكشف عن هذا الجسيم الهام لفرسان خمسة كانت إيرين كوري أحدهم، وهؤلاء الفرسان هم:

شادويك الانجليزي، وإيرين كوري، زوجه فردريك جوليو الفرنسيان، وبوث، وبكر الألمانيان.

ج ـ الكشف عن النشاط الاشعاعي الصناعي ومعرفة النظائر المشعة:

والنشاط الاشعاعي الصناعي هو نشاط إشعاعي ذري لم يكن موجوداً في الطبيعة، والنظائر المشعة هي عناصر أو نظائر للعناصر المختلفة، أمكن بفضل إيرين كوري وزوجها جوليو جعلها مشعة كالمواد المشعة بطبيعتها ولها كل خواصها.

ولقلة المواد المشعة الطبيعية وصعوبة استخلاصها، وبالتالي ندورتها وارتفاع اثمانها، وكثرة النظائر المشعة وسهولة استحضارها تقدمت التطبيقات الذرية باستخدام النظائر المشعة ودخلت جميع فروع العلوم التطبيقية، وهنا يجدر بنا أن نؤكد أن الفضل في كشف هذه الظاهرة للنشاط الاشعاعي الصناعي ووجود النظائر المشعة يرجع وحده إلى إيرين كوري وزوجها جوليو، وقد نالا من أجل هذا الكشف جائزة نوبل سنة 1933.

ولأهمية الكشف الأخير أذكر الظروف العلمية التي تم لها فيها هذا الكشف الخطير الذي كان له أكبر الأثر في تقدم الذرة من أجل السلام.

/ صفحه 199/

يعرف الباحثون في نواة الذرة أن لعنصر الألومنيوم عدة تحولات عندة الضرب بقذائف النواة، وقد ذكرت في محاضرة سابقة في المجمع المصري للثقافة العلمية وفي قاعة مصلحة الكيمياء في 21 يناير سنة 1946، وفي أخرى بجمعية المهندسين في 3 مارس من السنة ذاتها ستة من هذه التحولات، اثنان بقذف نواة الألومينيوم بالبرتونات أو الديترونات، واثنان منها بالقذف بالنيوترونات، واثنان بالقذف بجسميات ألفا الخارجة من المواد المشعة الطبيعية، وفي هذين التحولين الأخيرين يحصل الباحث عوضاً عن الألومينيوم على سيليسيوم وبروتونات سريعة، أو يحصل على سيليسيوم ونيوتورنات سريعة وكذلك على بوزيتونات سريعة، وقد لاحظت إيرين وزوجها أن البوزيتونات يستمر خروجها من الصفيحة المعدنية بعد إبعاد المنبع المشع الذي يستخدم للحصول على القذائف مما يدل على وجود مادة جديدة اكتسبت نشاطا إشعاعياً ـ هذه المادة الجديدة في تجربة إيرين وزوجها كانت الفوسفور، ولكنه فوسفور مشع، تحول بعد مدة وجيزة إلى سيليسيوم، وهي المادة الأخيرة الثابتة الت تصادف كل باحث دون أن يفطن إلى وجود فوسفور مشع، وبعبارة أخرى أرجعا متساوية الألومنيوم إلى تفاعلين نووين أي متساويتين الأولى أنه عند قذفه بجسيمات ألفا تحول إلى فوسفور مشع مع خروج نيوترونات والثانية أن هذا الفوسفور المشع تحول بدوره وفي سرعة إلى سيليسيوم مع خروج بوزيتونات.

وبما أنه قد نشأت مادة جديدة هي الفوسفور المشع، ولم يكن معروفاً أن من بين نظائر الفسفور نظيراً مشعاً فقد اعتبر العلماء هذا خلقا صناعيا لمادة مشعة، غير المواد المشعة الطبيعية التي كانت معروفة، وتساءل العلماء بعد هذا إذا كان من الجائز عمل مواد أخرى مشعة صناعياً، وفتح الباب على مصراعيه بخلق عدد عديد منها فكان الصوديوم المشع والبوتاسيوم المشع والكوبلت المشع وغيرها من مئات النظائر المشعة المعروفة اليوم، والتي أصبحت نافعة للإنسان في الطب

/ صفحه 200/

والزراعة والصناعة وغير ذلك من شتى التطبيقات التي تهدف كلها إلى تقدم الجنس البشري.

وإني لأهمية الكشف أذكر نص نشرة إيرين وجوليو من واقع محاضر المجمع العلمي الفرنسي، حيث ظهرت نشرتهما عن خلق النظائر المشعة بعد نشرة والدتها الخالدة بخمسة وثلاثين عاما، وهي النشرة التي نالت عليها إيرين وجوليو جائزة نوبل وفيما يلي نص النشرة:

" نضرب صفيحة من الألومينيوم بضع دقائق بجسيمات " الفا " الخارجة من البولونيوم، وعند سحب الصفيحة نلاحظ أنها تكتسب نشاطاً إشعاعياً يتناقص للنصف في ثلاث دقائق.

على أن الاشعاع الخارجي الممكن ملاحظته بواسطة عداد أو في غرفة ولسون هو بوزيتوني، ويتناقص الاشعاع وفق قانون أسى، وهذا يدل أننا أمام مادة مشعة ".

لقد عاصرنا هذا الكشف الخطير وكنا في المعامل والأروقة المجاورة للمعامل التي تم فيها هذا الحدث العلمي الذي هز العالم، ولقد لفتت إيرين كوري وجوليو نظر العلماء في مؤتمر لندن 1933، وفي باريس في حديقة النباتات عند عرض تفصيلات هذا البحث، وانتظم من أعمالها علم جديد.

د ـ المرحلة الرابعة والأخيرة انقسام أو انشطار نواة البليتونيوم.

نستطيع ان نقسم هذه المرحلة الهامة والفاصلة من البحوث التجريبية خاصا بنواة الذرة إلى مرحلتين هامتين تم الكشف عنهما في مدة قصيرة حوالي الأسبوع وذلك في يناير سنة 1939، أما الأولى فهي حدوث انشطار للبليتونيوم وهو اليوروانيوم 94 وكان ذلك في تجارب أوتوهان الألماني الخالدة في أواخر ديسمبر سنة 1938 حيث ظهرت النشرة عنه في 7 يناير سنة 1939، والمرحلة الثانية هي ملاحظة جوليو كوري مع زميليين له ـ هما هلبان وكوراسكي، وبعد كشف أتوهان

/ صفحه 201/

بأسبوع واحد ـ وجود نيوترونات متطوعة من الانشطار الأولى تعمل بدورها على إحداث انشطارات أخرى واستمرار السلسلة، ولم يكن لإيرين كوري دور مع زوجها وزميليه في هذا الكشف الاخير رغم أني ذكرت في كتابي الثاني " ماذا تخبئه نواة الذرة للإنسان " المنشور سنة 1949 اشتراكها مع زوجها في هذا الكشف الاخير، ولكنها صححت لي عقيدتي هذه عند انعقاد مؤتمر الجسيمات المتناهية في الصغر الذي عقد في باريس في الأسبوع الأخير من شهر إبريل سنة 1950، ويجد المطلع تفصيل ذلك في كتابي الثالث " الذرة ومستقيل العالم " المنشور حديثاً، وفي هذا نلمس لهذه العالمة الجليلة خلقا عاليا ـ بنسبة الفضل لذويه ـ وهو خلق العلماء.

* * *

هذه هي الأسس الأربعة أو الدعائم الكبيرة التي قامت عليها العلوم الذرية التجريبية في الستين سنة الأخيرة، ونرى منها أنه لا يمكن أن نفصل عمل يرين كوري عن أهم أحداث العلم التجريبي من ناحية ولا عن أعمال عائلتها الخالدة من ناحية أخرى، فوالدتها كما سبق أن ذكرنا كشفت البولونيوم بمفردها على أثر كشف هنري بكارل اليورانيوم، ووالدتها كشفت من جديد الراديوم مع والدها بحيث امتزج بكارل ووالدتها ووالدها في أكبر عمل علمي تم في آخر القرون التاسع عشر، وهي وزوجها لهما فضل وفير في الكشف عن النيوترون مع ماله من أهمية، وأخيراً لهما أكبر الفضل في الكشف عن النظائر المشعة كثيرة الاستخدام اليوم، وفي النهاية كان لزوجها مع زميليه الفضل في تنبيه العالم أجمع لحدوث سلسلة هامة في عمل أوتوهان الخالد.

* * *

* * *

أي فضل عم البشرية أكثر من أفضال هذه السيدة وعائلتها؟ عالمة وزوجها ووالدها تدخل جائزة نوبل من بابهم خمس مرات خلال ثلاثين عاما، أي فضل شمل بني الإنسان أكثر من خلق ما نسميه اليوم النظائر المشعة.

/ صفحه 202 /

يقولون أنها انتهت كوالدتها متأثرة بالنشاط الإشعاعي، وهو قول معقول، فقد أفنت حياتها في هذه الأجواء المشعة قبل أن تصل الوقاية من هذه الأجواء درجة الكمال التي وصلت إليه اليوم.

أذكر يوما في سنة 1934 تناقش فيه علماء السوربون في موضوع دفن أمها في البانتيون مدفن العظماء، وهي التي لم تحظ بهذا الشرف، كنت على مقربة من اثنين من جهابذة العلم، هما: جان بيران من حملة جائرة نوبل في الطبيعة، والمرحوم العالم الكبير من له الفضل في تكويني الأستاذ جييه يحاولان الحصول على تأييد غيرهم ليكون مقرها الأخير في البانتيون، ولا أريد أن أعلل الأسباب الآن فيما وصل إليه الأمر في هذا الشأن، ومن يدري إذا كانت إبرين كوري ستنقل إليه لتكون جوار روسو بمشعله ينير العالم، وترقد قريباً من قلب جامبتا المحفوظ على حائط سلم البانتيون الموصل إلى أسفل الدار إلى مقابر الخالدين، أم أنها ستكون خارج هذه الدار، وأيا كانت رقدتها الأخيرة فقد استقرت في قلوب العالم أجمع، وذلك لما قدمت إليه من آثار علمية ينعم بها في سبيل حياة أفضل ويسير بها سلام دائم.

* * *

في خطاب لفيكتور هيجو ألقاه في سنة 1878 بمناسبة مرور مائة عام على وفاة " فولتير " قال في وصفه: " فولتير هو القرن الثامن عشر " وسرد الأحداث التي جعلت من فولتير زعيماً لهذا القرن بكتاباته التي اشتهر بها أثر حادثين:الحادث الأول: تعذيب وإعدام " جان كالاس " الذي ظهرت براءته بعد إعدامه. والحادث الثاني: تعذيب وإعدام الشاب " لابار " متهماً بأنه اقتلع صليب الكنيسة في بلدة إيفيل، وكان بدوره بريئاً.

لقد خلق الحادثان فولتير العظيم الذي هاجم قضاة فرنسا، وسخر من القساوسة وأطاع بالملكية، وجعل كل هذا منه زعيما لا يبارى للقرن الثامن عشر، وأشرك

/ صفحه 203/

هيجو معه في هذه الزعامة خمسة، هم: جاك جان روسو، ومونسكيو، وديدروه، وبيفون، وبومارشيه.

فهل لي أن أصف القرن العشرين الذي نعيش فيه الان أنه مدام كوري وبكارل وبيير كوري ـ إنه أينشتاين وماكس بلانك وبوهر ـ انه رذرفورد وإيرين كوري وجوليو ـ أنه فرمي وأتوهان ـ إننا نكون بهذا التقرير قد أحسنا صنعا أن وضعناها وسط هذه الزمرة من الرجال المحسنين الذين هم في الواقع بناة القرن العشرين.

لقد كانت الدنيا أيام ألقى هيجو خطابه الرائع في حاجة إلى تذكيرها بحرية الفرد وقيمة الإنسان، أما اليوم فقد بتنا في عصر آخر وأضحينا أمام معركة تختلف عن تلك المعركة التي خاضها فولتير بشجاعة منقطعة النظير ـ اليوم يوم معركة العلوم، معركة البقاء أو الفناء، وترانا في أشد الحاجة إلى من يذكرنا بهؤلاء الأعلام الذين طالما سعوا لإبعادنا برفق عن طريق الفناء، وأخذوا بأيدينا نحو طريق البقاء ـ هذه الزمرة من خدام البشر تجد إيرين كوري مكانها الطبيعي بينها، ولا عجب إذا وضعناها بين بنائي عالم جديد هو عالم الخير والسعادة والهناء لا عالم الشر والشقاء والفناء.