/ صفحة 173 /

من زلات المستشرقين

للأستاذ عبدالوهاب حموده

-2-

ألف (جولد تسيهر) كتابه: (المذاهب الإسلامية في تفسير القرآن).

في هذا الكتاب عند بحث القراءات، زلات لا يمكن السكوت عليها، و قد كان كل هم المؤلف أن يدلل على أن الاختلاف في القراءات إنما كان عن هوى من القراء، لا عن توقيف و رواية. و هذا هو سر خطئه في منهجه، حيث لم يعتبر أن القراءات إنما هي رواية بالسند الصحيح، و هي سنة يتبعها الآخر عن الأول ، و نسى أن القراء لم يأخذوا قراءاتهم إلا بعد بحث و تمحيص للسند، و للرجال الذين أخذوا عنهم، و نسى أيضا مقياسهم الذي وضعوه ليميزوا بين صحيح القراءة و سقيمها ، و بين متواترها و شاذها، ثم نقله عن كتب غير جديرة بالنقل منها، و الارتكان إلى آراء ضعيفة لا يقيم لها علماء القراءات و زنا.

هذا إلى خطئه في فهم النصوص، و عجزه عن الغوص إلى أعماقها و فهم أسرارها.

يقول في ص 4: (و القسم الأكبر من هذه القراءات يرجع السبب في ظهوره إلى خاصية الخط العربي، فإن من خصائصه أن الرسم الواحد للكلمة الواحدة قد يقرأ بأشكال مختلفة تبعا للنقط فوق الحروف أو تحتها ، و عدم وجود الحركات النحوية، و فقدان الشكل في الخط العربي جعل للكلمة حالات مختلفة كانت السبب الأول في ظهور حركة القراءات فيما أهمل نقطه أو شكله من القرآن).

هذا الرأى خطأ من أساسه، فإن القراءات رويت و تدوولت و شاعت قبل. تدوين المصاحف بالخط العربي.

كما كان القرآن محفوظا في الصدور قبل تدوين المصاحف، و جمع القرآن بقراءاته ثم حين دونت المصاحف لم يكن النقط و الضبط، فكانت قراءتهم للكلمة على حسب ما يروون و ينقلون، لا على حسب ما يقرءون في المصاحف.

يقول أبو شامة في شرح الشاطبية:

و القراءة نقل فما وافق منها ظاهر الخط كان أقوى، و ليس اتباع الخط بمجرده واجبا ما لم يعضده نقل، فإن وافق فيها ونعمت، ذلك نور على نور، كما في قوله تعالى في سورة الحج (ولؤلؤا) فقرأ عاصم و نافع بالنصب هنا و في فاطر، وقرأ الباقون بالجر فيهما، و قد رسم بالألف في الحج خاصة دون فاطر، فلو اتبعوا الخط و الرسم فقط، لقرءوا ما في الحج بالألف، و ما في فاطر بالخفض.

و من أخطاء (جولد تسيهر) أيضا أنه كان يحمل القراءة ما لا تحتمله، و يتطوع في تفسير السبب الذي حمل القاريء على اختياره هذه القراءة، و القاريء نفسه بريء من هذا الاستنباط، بل و يصرح أحيانا بما يخالفه، ولكنه حرص (جولد تسيهر) على التشكيك في القراءات ، و إثبات أنها من محض الرأى لا النقل، يجعله يسلك ذلك السبيل.

من ذلك ما ذكره من قوله في ص 5: (و قد رأى بعض شيوخ المفسرين (قتاده البصري المتوفى سنة 117 هـ) أن الأمر بقتل النفس، أو قتل العصاة في قوله تعالى: (فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم) (54 البقرة) هو من القسوة و الشدة بحيث لا يتناسب مع الفعل ، فقرأ : (فأقيلوا أنفسكم) أي حققوا الرجوع و التوبة من الفعل بالندم على ما فعلتم، و في هذا المثال نرى وجهة نظر موضوعية كانت سببا أدى إلى القراءة المخالفة).

أرأيت إليه كيف يصور قراءة قتادة أنها من اجتهاده و عدم رضائه على المعنى الذي تدل عليه القراءة الأخرى، و لا ندري من أين استقى (جولد تسيهر) وجهه نظر قتادة هذه؟ و كيف جاز أن يعتبر هذه القراءة من قتادة رأيا ارتآه ليناسب المعنى،

/ صفحة 175 /

و نسي أن الأصل في القراءة، النقل و الرواية، و أن قتادة لم يذكر في أي مرجع مما هو تحت أيدينا من كتب التفسير أو كتب القراءات هذا الرأي، بل الأمر بالعكس.

ذكر أبوحيان في تفسيره: و قرأ قتادة فيما نقل المهدوي و ابن عطية و التبريزي و غيرهم (فأقيلوا أنفسكم) و كان المعنى أن أنفسكم قد تورطت في عذاب الله بهذا الفعل العظيم الذي تعاطيتموه من عبادة العجل، و قد هلكت فأقيلوها بالتوبة و التزام الطاعة، و أزيلوا آثار تلك المعاصي بإظهار الطاعات.

و ذكر ابن كثير في تفسيره 92/1 : و قال قتادة : أمر القوم بشديد من الأمر فقاموا يتناحرون بالشفار يقتل بعضهم بعضا، حتى بلغ الله فيهم نقمته، فسقطت الشفار من أيديهم فأمسك عنهم القتل، فجعل لحيهم توبة، و للمقتول شهادة.

و ذكر ابن جرير في تفسيره 228/1 : حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبدالرزاق قال: أخبرنا معمر عن الزهري و قتادة في قوله: (فاقتلوا أنفسكم) قال: قاموا صفين، فقتل بعضهم بعضا حتى قيل لهم: كفوا. قال قتادة: كانت شهادة للمقتول و توبة للحي.

و ذكر القرطبي في تفسيره 342/1: قال تعالى: (فاقتلوا أنفسكم) قال أرباب الخواطر : ذللوها بالطاعات و كفوها عن الشهوات، و الصحيح أنه قتل على الحقيقة هنا قال سفيان بن عينية: كانت توبة بني إسرائيل القتل، وقرأ قتادة (فأقيلوا أنفسكم) من الإقالة أي استقيلوها من العثرة بالقتل.

قال جولد تسيهر: (و تتجلى هذه الظاهرة – ظاهرة القراءة بسبب أن المعنى غير مستساغ في نظر القاريء- في قوله تعالى في الآيتين الثامنة و التاسعة من سورة الفتح حيث يخاطب الله النبي قائلا : (إنا أرسلناك شاهدا و مبشرا و نذيرا. لتؤمنوا بالله و رسوله و تعزروه و توقروه و تسبحوه بكرة و أصيلا).

(فقرأ بعضهم بدلا من (و تعزروه) بالراء (و تعززوه) بالزاى من العزة و التشريف).

/ صفحة 176 /

(و إني أرى في الانتقال من تلك القراءة إلى هذه القراءة – و إن كنت لا أجزم بذلك – أن شيئا من التفكير في تصور أن الله قد ينتظر مساعدة من الإنسان قد دعا إلى ذلك).

ثم أحس (جولد تسيهر) أن هذا الرأي منقوض بما ورد في الآيات المتعددة من معني التعزير، و هو التقوية، و النصر منسوبا إلى الله، فلجأ إلى علة أخرى و هى قوله: (و التعبير بعزر تعبير حاد يقوم على أساس من المساعدة المادية) مع أن اللغة العربية لا تفرق بين (عزّر و نصر).

جاء في اللسان 236/6 : (عزّره : فخّمه و عظّمه و قوّاه و نصره. قال الله تعالى: (لتعزروه و توقروه) و قال تعالى: (و عزرتموهم) نصرتموهم – قال إبراهيم السرى: وهذا هو الحق.

(و التعزير في كلام العرب: التوقير و التعزير النصر باللسان و السيف. و في حديث المبعث، قال ورقة بن نوفل: إن بعث و أنا حي فسأعزره و أنصره).

و ذكر الطبري في تفسيره 47/1: معنى قوله (و تعزروه) تنصروه. قال ابن زيد: معنى التعزير في هذا الموضع التقوية بالنصرة و المعونة، و لا يكون ذلك إلا بالطاعة و التعظيم و الإجلال.

ثم انتقل (جولد تسيهر) إلى الكلام على الزيادات التي ذكرها بعض الصحابة تفسيرا لما غمض من الآيات ، و قال في جرأة الذي يريد أن يسمم الآبار، و يزعزع الإيمان بالكتاب الكريم – (و يأبى الله إلا أن يتم نوره):

(لم يتضح بعد تمام الوضوح هل هذه الزيادات – في الحقيقة – من الأصل نفسه أو انها ليست منه و كان القصد منها مجرد الشرح و التفسير؟)

(فاعتبرها بعض المتأخرين أنها من الأصل. و تبريرا لهذا العمل – أعني إثبات التفسير بجانب الأصل – روي عن الصحابة أنهم أجازوا ذلك، و هو جواز إثبات بعض التفسير على المصحف و إن لم يعتقدوه قرآنا).

أرأيت إلى التناقض، فمرة يقول: اعتبرت الزيادة من الأصل ، و مرة يقول: و إن لم يعتقدوه قرآنا.

و حقيقة المسألة هو ما ذكره ابن الجزري 131/1 النشر:

/ صفحة 177 /

(نعم ربما يدخلون التفسير في القراءة إيضاحا و بيانا لأنهم محققون لما تلقوه عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قرآنا. فهم آمنون من الالتباس، و ربما كان بعضهم يكتبه معه، لكن ابن مسعود كان يكره ذلك و يمنع منه).

هذا ، و هذه الزيادات جميعها المخالفة للمصاحف العثمانية قد اعتبرت إما أخبار آحاد، و القرآن لا يثبت بخبر الآحاد، و إما أنها نسخت في الفرصة، الأخيرة، و إما أنها تفسيرات زيدت على النص.

ثم تكلم (جولد تسيهر) بعد ذلك على أن هناك نوعا من القراءات دعا إليه الترادف في اللغة.

و كنا نود لو عرف أن هناك نوعا من القراءات يسمى القراءات الشاذة، منها هذا النوع من القراءات و قد رد ما دام مخالفا للمصاحف العثمانية التي أجمع الصحابة على ما فيها، فضلا عن أنها أخبار آحاد لا يثبت بها قرآن، أو هي من قبيل التفسيرات التي ذكرناها فيما سبق.

قال ابن الجزري في كتابه (المنجد) 21/ منجد المقرئين: (فنحن نقطع بأن كثيرا من الصحابة (رضوان الله عنهم) كانوا يقرءون بما خالف رسم المصحف العثماني قبل الإجماع عليه، من زيادة كلمة أو أكثر، و إبدال أخرى بأخرى، و نقص بعض الكلمات، كما ثبت في الصحيحين و غيرهما، و نحن اليوم نمنع من أن يقرأ بها في الصلاة و غيرها منع تحريم لا منع كراهة، و لا إشكال في ذلك).

جاء في تفسير أبي حيان 72/2 البحر المحيط: قال تعالى . (وأتموا الحج و العمرة لله).

قرأ علقمة: (و أقيموا الحج) و قرأ ابن مسعود: (و أقيموا الحج و العمرة للبيت).

/ صفحة 178 /

قال أبو حيان: (و ينبغي أن يحمل هذا كله على التفسير، لأنه مخالف لسواد المصحف الذي أجمع عليه المسلمون).

ثم انتقل (جولد تسيهر) إلى ما سماه (مخالفات جوهرية) حيث قال: 17/ المذاهب الإسلامية : (و هناك أيضا تغيير في الكلمات جاء في بعض القراءات ، ولكنه ليس من هذا النوع السهل الذي لا يرجع إلى تغيير جوهري، كالذي ذكرناه من المثل، و إنما هو تغيير يتناول القراءة المتواترة بمخالفة شديدة).

و نحن نقول: إن الأمر أهون من كل ذلك، فما ساقه من هذه المثل الجديدة لا يخرج عن المثل السابقة، من أنها مخالفة قراءة شاذة لقراءة مجمع عليها، و خبر آحاد مخالف لخبر متواتر. و لا بأس أن نكرر هنا ما قلناه فيما سبق، من أن كل قراءة مخالفة لسواد المصحف العثماني فهي شاذة سواء أحدثت تغييرا جوهريا في المعني أم لم تحدث.

قال أبو عبيد في كتاب فضائل القرآن 82/1 الاتقان: القصد من القراءة الشاذة تفسير القراءة المشهورة و تبين معانيها و ذلك كقراء عائشة و حفصة: (حافظوا على الصلوات ، و الصلاة الوسطى صلاة العصر).

و كقراءة ابن مسعود: (و السارق و السارقة فاقطعوا أيمانهما). و كقراءة جابر : (فإن الله من بعد إكراهن(لهن) غفور رحيم).

فهذه الحروف و ما شاكلها قد صارت مفسرة للقرآن.

و قد جاء (جولد تسيهر) هنا بما لا يقبله مطلع حسن الطوية، سليم المنهج، واسع الاطلاع، و قد أخذ يهلل و يكبر في أنه وجد أن بعض القراءات بينها تناقض في المعنى و اختلاف في التأويل لا يمكن الجمع بينها. و هذا ما سنبينه إن شاءالله في المقال الآتي.