/ صفحة 216 /
أنباء و آراء
حدث تاريخي في التقريب:
من الأسس التي قامت عليها دعوة التقريب، و أعلنتها الجماعة القائمة على هذه الدعوة السامية منذ أول يوم، أنها تريد أن يتبادل أرباب المذاهب معارفهم و دراساتهم ليعرف بعضهم ما عند بعض في هدوء العالم المتثبت المتبصر، الذي لا هم له إلا أن يرى و يعرف، و لا سبيل له إلا أن يعدل و ينصف.
و لم تقصد في يوم ما إلى إدماج المذاهب المتعددة في مذهب واحد، أو إلى تغليب مذهب على مذهب، فكلهم من رسول الله مقتبس، و كلهم من بحر القرآن مغترف، و بأصول الإسلام معترف.
و ها هو ذا حدث تاريخي جليل يحدث في مصر الكريمة، الموطن العلمي لمذاهب السنة، يرمى إلى ما يرمى إليه التقريب، من التعريف و التأليف، و تقديم الحقائق العلمية في مذهب من مذاهب الأمة الأسلامية إلى أهل العلم في سائر المذاهب.
ذلك أن وزازة الأوقاف المصرية – و هي جهة من جهات الاختصاص الديني، و من بين اختصاصها الإشراف على المساجد، و يتولى هذه الوزراة الآن عالم من علماء الدين – أراد الله أن يكتب لها القيام بعلم إيجابي عظيم له تأثيره في التقريب بين المسلمين، هو تقديم فقه الإمامية إلى العلماء حيثما كانوا في أي شعب إسلامي، و في أية طائفة إسلامية، فكان ذلك تجاوبا مع فكرة التقريب، و تحقيقا لأهدافه، و كان من الطبيعي أن يتم هذا العمل الجليل بتعاون من رجال التقريب، و و زارة الأوقاف، و رأى المشرفون على هذا الأمر اختيار كتاب: (المختصر النافع) الذي ألفه أبو القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن الحلي المعروف بالمحقق من أئمة فقهاء الإمامية في القرن السابع.
/ صفحة 217 /
و برز الكتاب تحفة غالية من تحف العلم إخراجا و تحقيقا و طبعا(1)، وتحقق ما كنا نتوسم كثيرا من إقبال أهل العلم في مصر و غيرها على اقتنائه، حرصا على معرفة هذا اللون من الفقة الإسلامي في مذهب له أتباعه الكثر الذين لايقلون عددا و درسا و كتبا عن غيرهم من أهل المذاهب الإسلامية الأخرى، حتى كادت نسخه أن تنفد، و حتى تكاثر الطلب و ترادف الناس علي وزارة الأوقاف و دار التقريب، رغبة في اقتنائه.
إن ذلك يدل دلالة واضحة على أن العالم الإسلامي يريد أن يقرأ، و يريد أن يتبادل المعرفة و ألوان الدراسات، و يريد أن يتفاهم و يتقارب و يتآلف، و ذلك ما قلناه من قبل، و ما نقوله اليوم، و ما يجب أن يقوله كل مسلم دائما:
و إننا نترك الكلام عن هذا الكتاب و عن بواعث إخراجه إلى ما جاء في تقديمه للسيدين الجليلين صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ أحمد حسن الباقوري وزير الأوقاف المصرية – و هو أحد علماء الأزهر الشريف – و صاحب السماحة الأستاذ العلامة الشيخ محمد تقي القمي السكرتير العام لجماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية - و هو أحد علماء الشيعة الأمامية: -
يقول فضيلة الأستاذ السيد وزير الأوقاف:
(قضية السنة و الشيعة، هى في نظري قضية إيمان و علم معا.
فإذا رأينا أن نحل مشكلاتها على ضوء من صدق الإيمان و سعة العلم فلن تستعصي علينا عقدة، و لن يقف أمامنا عائق.
أما إذا تركنا – للمعرفة القاصرة و اليقين الواهي – أمر النظر في هذه القضية، و البت في مصيرها فلن يقع إلا الشر.
و هذا الشر الواقع إذا جاز له أن ينتمى إلى نسب، أو يعتمد على سبب، فليبحث عن كل نسب في الدنيا، و عن كل سبب في الحياة، إلا نسبا إلى الإيمان الصحيح، أو سببا إلى المعرفة المنزهة.
ــــــــــ
(1) قام بهذا لجنة علمية من علماء الأزهر الشريف الممثلين لكل من وزارة الأوقاف و دار التقريب ذكرت أسماؤهم و صفاتهم في صفحات التقديم لهذا الكتاب.
/ صفحة 218 /
نعم قضية علم و إيمان…
فأما أنها قضية علم، فإن الفريقين يقيمان صلتهما بالإسلام على الإيمان بكتاب الله و سنة رسوله، و يتفقان اتفاقا مطلقا على الأصول الجامعة في هذا الدين فيما نعلم، فإن اشتجرت الآراء بعد ذلك في الفروع الفقهية و التشريعية، فإن مذاهب المسلمين كلها سواء في أن للمجتهد أجره، أخطأ أم أصاب…
و عند ما ندخل مجال الفقه المقارن، و نقيس الشقة التي يحدثها الخلاف العلمي بين رأي و رأي، أو بين تصحيح حديث و تضعيفه ، نجد أن المدى بين الشيعة و السنة كالمدى بين المذهب الفقهي لأبي حنيفة، و المذهب الفقهي لمالك أو الشافعي.
و أما أنها قضية إيمان فإني لا أحسب ضمير مسلم يرضى بافتعال الخلاف و تسعير البغضاء بين أبناء أمة واحدة، و لو كان ذلك لعلة قائمة.
فكيف لو لم تكن علة قط؟
كيف يرضى المؤمن صادق الصلة بالله أن تختلق الأسباب اختلاقا لإفساد ما بين الإخوة، و إقامة علائقهم على اصطياد الشبه، و تجسيم التوافه، و إطلاق الدعايات الماكرة، و التغرير بالسذج و الهمل.
و هب ذلك يقع فيه امروء تعوزه التجربة، و تنقصه الخبرة فكيف تقع فيه أمة ذاقت الويلات من شؤم الخلاف، و لم يجد عدوها ثغرة للنفاذ إلى صميمها إلا من هذا الخلل المصطنع عن خطأ أو عن تهور.
و لقد رأينا مع بعض رجال التقريب أن نقوم بعمل إيجابي لعله أن يكون حاسما، سدا لهذه الفجوة التي صنعتها الأوهام، بل إنهاء لهذه الجفوة التي خلقتها الأهواء، فرأيت أن تتولى وزارة الأوقاف، ضم المذهب الفقهي للشيعة الإمامية إلى فقه المذاهب الأربعة المدروسة في مصر، و ستتولى إدارة الثقافة تقديم أبواب العبادات و المعاملات من هذا الفقه الإسلامي إلى جمهور المسلمين.
و سيرى أولو الألباب عند مطالعة هذه الجهود العلمية، أن الشبه قريب بين ما ألفنا من قراءات فقهية، و بين ما باعدتنا عنه الأحداث السيئة.
/ صفحة 219 /
و ليس أحب إلى نفسي من أن يكون هذا العمل فاتحة موفقة لتصفية شاملة تنقى تراثنا الثقافي و التاريخي من أدران علقت به و ليست منه…)
و يقول سماحة الأستاذ العلامة الشيخ محمد تقي القمي:
(بسم الله نقدم كتاب (المختصر النافع) - و هو على إيجازه – يعطى صورة واضحة لمذهب فقهي لا يقل أتباعه عن أتباع أي مذهب من المذاهب المعروفة، ذلك هو: مذهب الإمامية.
و لعل القاريء حين يطلع على الكتاب، يعجب من أن هذا الفقه لم يكن في متناول يد الجمهور إلى اليوم ، ولكن لا غرابة، فإن الماضي قد شحن بكثير من الأغراض التي دفعت إلى محاربة من يسند إليهم هذا الفقه، فانسحب ذلك على الفقه ذاته و إن لم يكن فيه ما يحارب.
إن مبدأ الخلافة و الإمامة معروف، و هو الذي ميز بين الطائفتين: السنة و الشيعة، و إن اتجاه الأنظار في الإمامة آل علي عليه السلام، جعل الفقه المسند إليهم يناله ما نالهم من إيذاء و إرجاف يرجع أكثره إلى أسباب سياسية تتعلق بالحكم، و لو لا هذا لم يكن مذهب الإمام جعفر بن محمد الصادق – و تقديره عند أئمة المذاهب معروف – يقاطع ، و لا يدخل في دائرة المذاهب المعروفة عند الجمهور، و كذلك يقال في مذهب إمام كزيد بن علي، و ليس يتسع المقام لسرد ما ترتب علي هذه القطيعة من حرمان و فراغ، و من مصادرة لجانب عظيم من الفكر الإسلامي، ثم ما انتهت إليه هذه القطيعة من سوء ظن أدى إلى التشتت و الأخذ بالأوهام، و تقطيع أواصر الأخوة في الدين.
أن ثروتنا الفقهية – معشر المسلمين – ثروة ضخمة ، لا مثيل لها في أي تشريع من التشريعات. و ليس يغض من قيمة هذه الثروة أن فيها نقط خلاف إلى جانب الآلاف من نقط الوفاق، فإن هذا وذلك له دلالته، أما الوفاق فيدل على أن الأصول تتحكم و لايهملها أحد، و أما الخلاف فيدل على أن مجال النظر فيما يصح فيه الاجتهاد يحترم و يقدر. و الفقه الذي بين أيديكم قلما يوجد فيه رأي لا يكون له مثيل في مذهب آخر…
و قد استعرض ما تضمنه الكتاب وتحدث عن المؤلف و منزلته، و عن الكتاب و شروحه، وعن مصادر الأحكام عند الإمامية فبين أنها الكتاب و السنة و الإجماع و العقل، كما بين السبب في رفضهم للقياس و عدم أخذهم به، ثم رأى أن المجال – في مثل هذه المقدمة – لا يتسع لإعطاء فكرة كاملة عن مذهب إسلامي يعد فقهه ثروة عظمى إلى جانب ما لعلمائه من ثمرات إنتاجية في شتي علوم الدين، ثم قال:
و إنه لجدير بالباحثين في علوم الشريعة أن يعطوا مزيدا من العناية لهذه الكتب فإن الفكرة الإسلامية في أي مذهب هي ملك المسلمين جميعا، لا لأصحاب هذا المذهب فحسب.
(ثم إن هناك مبدأ علمياً هاما متفقا عليه بين الباحثين الراسخين ، ذلك هو أن الإنصاف و الأمانة العلمية، تحتمان على الباحث أن يستقى ما يريده من المعلومات من مصادره الصحيحة، و إنه ما دامت المراجع المعتمدة لمذهب ما ميسرة، فلا يسوغ الرجوع إلى غيرها، و لا سيما إذا كانت تستند إلى الشائعات، أو تصدر عن عصبيات، و إنه لمن الخير أن يطبق أهل العلم في كل مذهب هذا المبدأ ، و عندئذ يستجلي لمن يدرس مذهب الإمامية و يعرف آراءهم من الواقع الماثل أمامه، أى خير و أى علم في هذا المذهب ، ثم يتجلى له مدى التجني الذي ناله من المتحيزين أو المتعصبين عليه، حتى خلطوا بين الغلاة الذين ينتحلون وصف الشيعة، و بين الشيعة أنفسهم الذين يبرءون إلى الله منهم، و يحكمون بكفرهم.
و كم من كتب خلطت بين الشيعة و الفرق البائدة التي لا وجود لها إلا في زوايا التاريخ، أو في تفكير المتحيزين.
إننا معشر المسلمين إذا تمسكنا بهذا المبدأ في كتاباتنا و بحوثنا ، فإنما نخلص للحقيقة، و نساعد على أن يزدهر هذا الميراث الثقافي الإسلامي ازدهارا يجعله موضع أنظار العالم الحديث، كما كان موضع أنظار العالم القديم، و إننا بهذا لنخطو خطوات
/ صفحة 221 /
كبرى في سبيل تحقيق الخير الكثير لأمتنا، و في سبيل إقامة وحدتنا في الدين، و أخوتنا في الإيمان.
(ربنا افتح بيننا و بين قومنا بالحق و أنت خير الفاتحين) . (ربنا اغفرلنا و لإخواننا الذين سبقونا بالإيمان و لا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم).
مشروع لتحقيق الاتجاه العام إلى القبلة المشرفة:
من بين ما تعنى به دار التقريب الآن مشروع له جليل الآثر في تحقيق الاتجاه إلى القبلة المشرفة في كل بقعة من البلاد الإسلامية على وجه دقيق لا يقع به أي اختلاف، و لا يتصور معه أقل انحراف.
و قد تقدم بمجمل هذا المشروع إلى دار التقريب عالم كبير انتقل إلى رحمة الله تعالى، و هو من أسرة علمية شهيرة في كل من إيران و العراق.
و قد عنيت دارالتقريب بهذا الأمر و جعلت المشروع تحت نظر طائفة من العلماء الكونيين أصحاب الاختصاص العلمي في هذا الشأن، ليدرسوه و يمحصوه و يختبروا نتائجه ،و سننشر الموضوع مفصلا بعد الفراغ من تمحيصه و إتمام بحثه ليعلمه قراء مجلتنا إن شاء الله. والله ولي التوفيق.
/ صفحة 222 /
رجاء من التقريب
إلى الكتاب و الباحثين
1- نرجو من الكاتب الإسلامي أن يحاسب نفسه قبل أن يخط أي كلمة، و أن يتصور أمامه حالة المسلمين و ما هم عليه من تفرق أدى بهم إلى حضيض البؤس و الشقاء، و ما نتج عن تسمم الأفكار من آثار تساعد على انتشار اللادينية و الإلحاد.
2- و نرجو من الباحث المحقق- إن شاء الكتابة عن أية طائفة من الطوائف الإسلامية – أن يتحري الحقيقة في الكلام عن عقائدها – و ألا يعتمد إلا على المراجع المعتبرة عندها، و أن يتجنب الأخذ بالشائعات و تحميل وزرها لمن تبرأ منها، و ألا يأخذ معتقداتها من مخالفيها.
3- و نرجو من الذين يحبون أن يجادلوا عن آرائهم أو مذاهبهم أن يكون جدالهم بالتي هى أحسن، و ألا يجرحوا شعور غيرهم، حتى يمهدوا لهم سبيل الاطلاع على ما يكتبون، فإن ذلك أولى بهم، و أجدى عليهم، و أحفظ للمودة بينهم و بين إخوانهم.
4-من المعروف أن (سياسة الحكم و الحكام) كثيرا ما تدخلت قديما في الشئون الدينية، فأفسدت الدين و أثارت الخلافات لا لشىء إلا لصالح الحاكمين و تثبيتا لأقدامهم، و أنهم سخروا – مع الأسف – بعض الأقلام في هذه الأعراض، و قد ذهب الحكام و انقرضوا، بيد أن آثار الأقلام لا تزال باقية، تؤثر في العقول أثرها، و تعمل عملها، فعلينا أن نقدر ذلك، و أن نأخذ الأمر فيه بمنتهى الحذر و الحيطة.
و على الجملة نرجو ألا يأخذ أحذ القلم، إلا و هو يحسب حساب العقول المستنيرة، و يقدم مصلحة الإسلام و المسلمين على كل اعتبار.
/ صفحة 223 /
من القانون الأساسي لجماعة التقريب
المادة الثانية
أغراض الجماعة هي:
ا- العمل على جمع كلمة أرباب المذاهب الإسلامية (الطوائف الإسلامية) الذين باعدت بينهم آراء لا تمس العقائد التي يجب الإيمان بها.
ب – نشر المباديء الإسلامية باللغات المختلفة و بيان حاجة المجتمع إلى الأخذ بها.
ج – السعى إلى إزالة ما يكون من نزاع بين شعبين أو طائفتين من المسلمين ، و التوفيق بينهما.