/ صفحة 135 /

كيف يستعيد المسلمون وحدتهم و تناصرهم

لحضرة صاحب الفضيلة الاستاذ الجليل الشيخ محمد عرفه

عضو جماعة كبار العلماء

-7-

لقد بقي عنصر مهم من أسباب الاختلاف بين المسلمين ، و من أسباب الفرقة و الانقسام، ذاكم هو العنصر السياسي.

يكون للسلطان مصلحة في رأى من الآراء ، أو في الفرقة و الاختلاف: فيروج لهذا الرأى و تقوى دعائمه، و توضع لهذا الاختلاف أسباب تبرره حتى يستحكم الاختلاف و يتم الانقسام، و تتم مصلحة السلطان الوقتية من توطيد ملكه أو كيد عدوه.

إن الإسلام وضع مبادئه و أحكامه على أساس مصلحة المجتمع الإسلامي كله بجميع طوائفه و أجناسه و هيآته المختلفة، فإذا حرفت هذه القواعد أو بعضها لمصلحة طائفة كمصلحة الحاكمين مثلا نالت هذه الطبقة مصلحة وقتية، و دخل النقص و الضرر على مصلحة المحكومين، و من ثم على المصلحة العامة: مصلحة المجتمع.

والقائم على هذه المباديء الإسلامية يمنعها عن التحريف و سوء التطبيق هم العلماء الذين يعرفون روح الإسلام و ما به مصلحة المسلمين، و لا تزال هذه القواعد تؤدي النفع منها ما حافظ العلماء عليها من تحريف المحرفين و ابتداع المضلين، فإذا فرطوا في المحافظة عليها و طاوعوا السلطان عليها في التحريف و التغيير فقدت ثقتها و أصبحت

/ صفحة 136 /

لا تؤدي ما كان يرجى لها من خير، لذلك جعل الإسلام هذه القواعد أبدية لا يجوز لأحد تغييرها أو التحكم فيها، فهي بمثابة القواعد الأساسية في الدساتير الحديثة التي لا يجوز لحكومة ما أن تغيرها أو تعطلها، و أخذ الله على العلماء القائمين عليها المواثيق المغلظة ألا يكتموها و لا يحرفوها (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات و الهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله و يلعنهم اللاعنون).

(أفتطمعون أن يؤمنوا لكم و قد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه و هم يعلمون).

(لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود و عيسى بن مريم ذلك بما عصوا و كانوا يعتدون كانوا لايتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون).

فإذا استجاب العلماء للسلطان، و مغريات السلطان كثيرة، فعنده المال و الجاه و متاع الدنيا و حظوظها، و عنده العذاب و التنكيل فمنه سيف المعز و ذهبه دخل على الأمة من البلاء بقد ما يضيع العلماء من هذه القواعد العادية الحافظة للصلاح، و الدارئة للفساد، و قد أشار إلى هذا عبدالله بن المبارك في قوله:

                                  رأيت  الذنوب  تميت القلو      ب وقد يورث الذل إدمانها

                                  و ترك  الذنوب  حياة القلو      ب و خير لنفسك عصيانها

                                  و ما أفسد الدين إلا الملوك      و أخبارها سوء و رهبانها

يقول إنه لم يفسد الدين إلا الملوك و علماء السوء، أولئك برغبتهم الجامحة، و هؤلاء باستجابتهم و عدم المحافظة على ما استودعوا عليه من صيانة الدين من التبديل و التحريف، و يتبع فساد دين الناس فساد دنياهم، لأن الدين جاء بقواعد العدل التي تصون مصالح الأفراد و الطوائف، فإذا أضيعت هذه القواعد بضياع الدين، ضيع العدل بين الأفراد و الطوائف، و إذا ضيع العدل ساءت الأحوال و فسد أمر الدنيا.

هذه الأمانة التي في أعناق العلماء إذن أمرها عظيم، و خطرها جسيم،

/ صفحة 137 /

إذا أديت صلح الدين و الدنيا، و إذا ضيعت فسد الدين و الدنيا، لذلك عظم الإسلام أمرها، و زن أداءها في قلوب الناس، قال النبي (صلى الله عليه و آله و سلم): (أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر).

و كما زين أداء هذه الأمانة خوف من تضييعها، فقد ورد عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أنه قال: (و الذي نفسي بيده لتأمرون بالمعروف و لتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم).

و عن عبادة بن الصامت (رضى الله عنه) قال: بايعنا رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) على السمع و الطاعة في العسر و اليسر، و المنشط و المكره، و على أثرة علينا، و على ألا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله تعالى فيه برهان، و على أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم. و روى عن أبي مسعود (رضى الله عنه) أن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: (ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون و أصحاب يأخذون بسنته و يقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولن ما لا يفعلون، و يفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ، و من جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، و من جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل).

و على رأس ذلك كله قوله تعالى:( ولتكن منكم أمة بدعون إلى الخير و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر و أولئك هم المفلحون) و قوله: (و نجينا الذين ينهون عن السوء و أخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون).

و قد قال النبي (صلى الله عليه و آله و سلم): (الدين النصيحة الدين النصيحة الدين النصيحة ، قيل لمن يا رسول الله؟ قال : لله و لكتابه و لرسوله و لأئمة المسلمين و عامتهم) و قد عرف العلماء هذا الحمل الذي ألقى على كاهلهم، فكانوا يقومون بعبئه و لا ينوءون به، روى الحسن البصري أن عائدا بن عمرو دخل على عبيدالله بن زياد فقال: أى بنى إني سمعت رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) يقول: إن شر الرعاة الحطمة

/ صفحة 138 /

فإياك أن تكون منهم، فقال له اجلس، فإنما أنت نخالة أصحاب محمد (صلى الله عليه و آله و سلم)، فقال: و هل كانت لهم نخالة؟ إنما كانت النخالة بعدهم و في غيرهم.

و روى أنه دخل أبو مسلم الخولاني على معاوية بن أبي سفيان فقال: السلام عليك أيها الأجير، فقالوا: قل أيها الأمير، فقال: السلام عليك أيها الأجير، فقالوا: قل أيها الأمير، فقال: السلام عليك أيها الأجير، فقالوا: قل الأمير، فقال معاوية: دعوا أبا مسلم فإنه أعلم بما يقول، فقال إنما أنت أجير استأجرك رب هذه الغنم لرعايتها، فإن أنت هنأت جرباها، و داويت مرضاها، و حبست أولاها على أخراها و فاك سيدها أجرك ، و إن أنت لم تهنأ جرباها، و لم تداو مرضاها و لم تحبس أولاها على أخراها عاقبك سيدك.

و قد كان من الحاقدين على الفقهاء من لا يعينونهم علي عبئهم بل يستعدون السلطان عليهم بحجة أن الأحكام التي اجتهدوا فيها و استنبطوها تسيء إلى السطان من قريب أو من بعيد، و كان من الفقهاء من تبلغ به الفطنة و الذكاء إلى أن يعكس القضية عليه، و يبين أن في اجتهاده تأييدا للسلطان، و أن تقويض السلطان من أساسه هو فيما يريده هذا اللاحي، كما وقع بين الربيع حاجب المنصور و أبي حنيفة النعمان.

و رد في تاريخ بغداد عن أبي يوسف قال: دعا المنصور أبا حنيفة، فقال الربيع حاجب المنصور – و كان يعادي أبا حنيفة – يا أميرالمؤمنين هذا أبو حنيفة يخالف جدك، كان جدك عبدالله بن عباس يقول: إذا حلف على اليمين ثم استثنى بعد ذلك بيوم أو يومين جاز الاستثناء، فقال أبو حنيفة: لا يجوز الاستثناء إلا متصلا باليمين. فقال أبو حنيفة: يا أميرالمؤمنين إن الربيع يزعم أنه ليس لك في رقاب جندك بيعة، قال وكيف، قال يحلفون لك ثم يرجعون إلى منازلهم فيستثنون فتبطل أيمانهم، قال: فضحك المنصور و قال: يا ربيع لا تعرض لأبي حنيفة، فلما خرج أبو حنيفة قال له الربيع: أردت أن تشيط بدمي، قال لا، و لكنك أردت أن تشيط بدمي فخلصتك و خلصت نفسي.

/ صفحة 139 /

إن قيام العلماء بما حملوا من أمانة و نصيحة أئمة المسلمين و عامتهم أيمن على المسلمين من بركات الأرض و السماء و إن تضييع العلماء أمانتهم و غش المسلمين أئمتهم و عامتهم أشأم من الصواعق المحرقة و الطواعين المدمرة.

وسأ ضرب مثلا:

لقد منح الله الأمم الإسلامية في العصر الأخير قوة تجلب لها كل قوة، و تفتح لها باب الرقي و العز.

لقد أعطاها الاكسير الذي في قدرته التحويل و التعيير، ليس الاكسير الذي هو أجدى من ذلك، هو الاكسير الذي يحول الأمم الجاهلة إلى أمم عالمة، و الأمم المنحطة إلي أمم عالية، و الأمم الذليلة إلى أمم عزيزة، أتدرون ما هذا الاكسير؟: أنه النفط الذي تفجرت به أرضها و أمم الأرض بحاجة إليه لأنها بنت حضارتها عليه ، فهو ذهب نضار يتفجر من أرضها، هو مال، و المال عصب الحياة، هو إحدى الدعائم الثلاث التي ترقي الأمم و تعزها و هي المال و العلم و القوة، و دعامة المال يمكن أن تأتي بالدعامتين الأخريين العلم و القوة و دعامة المال لا تفعل ذلك بنفسها ولكن بشرط أن تنفق كما يأمر الشرع الحكيم أما إذا انفق على غير هذا الوجه أورث الترف و حسبكم بالترف مفسدة للأفراد و الأمم.

فإذا قام العلماء ببيان ما أنزل الله و عرفوا الأمراء و الولاة حكم هذا المال في الإسلام و أنه يجب أن ينفق في مصالح الأمة من سد الثغور و تجنيد الجنود و اتقاء الأعداء المغيرة عليهم و تحصين الأمة الإسلامية بالعلم و القوة و حملوا الحكام على ذلك بلغت الأمة الإسلامية أرقى درجات العز و سادت أمم الأرض و نجت من بين براثن و أنياب الأسد المطبق فكيه عليهم.

و إن كتم العلماء ما أنزل الله و أنفق ذلك المال في الترف ساء الحال وزادت الأمة الإسلامية فسادا على فساد و ابتلعتها الهوة الفاغرة فاها لتبتلع الأمم الجاهلة الضعيفة المنحطة.

/ صفحة 140 /

ألا إن القدر قد أنصف الأمم الإسلامية و وضعهم على سلم العز و المجد و أعطاهم العنصر الأهم الأقوى فإذا لم تنج من بين براثن هذا الموت، و لم تعز بعد هذه الضعة و ترق بعد هذا الانحطاط فلا نجت و لاعزت و لا رقيت، و كانت حجة عليهم أمام الله و أمام التاريخ، هذه فرصة و الفرصة كما يقولون صلعاء من الخلف فإذا لم يأخذوا بنا صيتها فاتتهم.

و ليس أحد أحق باللوم ممن رزق أسباب الكمال و ظل ناقصا لا يتم و لا يكمل و سأنشر كتابا أبين فيه حكم الإسلام في المعادن و الركاز و أبين أهو ملك للحاكمين يتصرفون فيه تصرف المالك فيما يملك أم هو ملك للأمة يتصرفون فيه تصرف الوكلاء و الأمناء لا يجوز لهم أن ينفقوه إلا حيث أمرهم الله كما قال النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) (أنا و الله لا أعطى أحدا و لا أمنع أحدا إنما أنا قاسم أضع حيث أمرت).

فمن كان من الحاكمين قد تصرف على مقتضي ذلك أسعده ذلك و سره، و من لم يفعل ذلك فلا تزال في الوقت فسحة و الله ولي المتقين.