/ صفحة 141 /
من مباديء الشريعة الإسلامية
لحضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ محمد جواد مغنيه
رئيس المحكمة الشرعية الجعفرية العليا ببيروت
ذرية المجاهدين :
قال العلامة الحلي في كتاب التذكرة ، باب الجهاد، نقلا عن الشيخ الطوسي و الإمام الشافعي في أحد قوليه:
(إذا مات المجاهد أو قتل، و ترك ذرية أو امرأة، أعطوا كفايتهم من بيت المال حتى يبلغوا، لأن راتبه فرض للكفاية، لا للادخار، فإذا لم يعطوا لم يجرد نفسه للجهاد خوفا عليهم من الضياع بعده).
إحياء الموات:
قال الشيخ محمد حسن في كتاب الجواهر باب إحياء الموات، نقلا عن السبكي: (ليس للإنسان أن يحجر من أرض الموات إلا ما يطيق إحياءه، بل ينبغي أن يختصر على قدر كفايته، كي لا يضيق على الناس، فإن تجاوز كان لغيره أن يحيي الزائدعن حاجة من سبق).
و قال الشعراني في ميزانه باب زكاة المعدن : (للإمام أن يضع على أصحاب المعدن ما يراه أحسن لبيت المال، خوفا أن يكثر مال أصحاب المعدن فيطلبوا السلطان، و ينفقوا على العساكر، و بذلك يكون الفساد).
و هذا تعبير ثان عن النظرية القائلة بأن رأس المال يؤدي بأصحابه إلى السيطرة على الحكم.
/ صفحة 142 /
حق المنتشل:
نشرت مجلة آخر ساعة في عدد 30 كانون الثاني (يناير) سنة 1957 الخبر التالي:
طلبت الأمم المتحدة على لسان سكرتيرها داج همر شولد من الدكتور محمود فوزي وزير الخارجية المصرية أن يكون للأمم المتحدة (حق المنتشل) أثناء قيامها بعملية تطهير القناة، و معني حق المنتشل هو الاستيلاء على السفن و الأشياء الأخرى الغارقة في القناة عند انتشالها و إخراجها من الماء ما دامت لا تخص الشخص الذي كلف المنتشل، و قد وافقت الحكومة المصرية على ذلك.
قرأت هذا الخبر فتذكرت ما جاء في أحاديث أهل البيت في هذا الباب، فخامرني شعور بالغبطة، روى الشعيري عن الإمام جعفر الصادق ع (في سفينة انكسرت في البحر فأخرج بعضها بالغوص، و أخرج البحر بعض ما غرق فيها ، فقال: أما ما أخرجه البحر فهو لأهله ، الله أخرجه لهم، أما ما خرج بالغوص فهو لمن أخرجه). قال المرجع السيد محسن الحكيم في كتاب المستمسك ج 8 ص 147 ، ما معناه: إن استيلاء المنتشل للسفن و الأشياء الأخرى لا يتوقف بحال على يأس مالكها من إخراجها، و لا على إعراضه عنها، و إباحتها للجميع.
و إن فيما أقرته الأمم المتحدة الناطقة باسم الشعوب جميعا لدليل بين على أن الفقه الاسلامي يتطور مع التاريخ، و يصلح لكل عصر، على شريطة أن يفهم فهما سليما، أما فهمه على أساس التعليلات الواهية، فيحدث هوة عميقة بينه و بين حياة الشعوب.
شركات التأمين:
إن التأمين على الحياة و التجارة و السيارات، و ما إلى ذلك محرم في الشريعة الإسلامية ، تأخذ شركة التأمين حراما، و تعطي حراما ، لأنها تأخذ دون أن تقوم بأى عمل، و تعطي دون أن تجني أية جناية توجب التغريم و الضمان ، و أسباب الضمان لا تعدو واحدا من ثلاثة:
الأول: مباشرة التلف بالذات، كما لو باشر إنسان إتلاف سيارة غيره بنفسه.
الثاني: التسبيب، كمن حفر حفرة كانت سببا لتدهور السيارة.
/ صفحة 143 /
الثالث: وضع اليد كمن قاد سيارة غيره بدون إذنه، و حدث فيها خلل.
و أي عمل لا يرجع بالنهاية إلى واحد من هذه الثلاثة فلا يكون موجبا للضمان، إذن التأمين بالنحو المعروف نو ع من القمار.
هل الغاية تبرر الواسطة:
إن الجواب عن هذا السؤال يختلف باختلاف ما يراد منه، فإن أريد أنه هل يجوز للإنسان أن يسلك طريق الشر و الباطل ليتوصل إلى الخير و الحق، و أن الغاية النبيلة يصح الوصول إليها بطريق غير نبيل؟
إن أريد هذا فالجواب واضح، فإن الله سبحانه لا يطاع من حيث يعصى، و إن إحقاق الحق لا يكون بارتكاب الباطل، و إن الخير محبوب لذاته، و الشر مكروه لذاته، فكلما قرب الإنسان من أحدهما ازداد بعدا عن الآخر، إذن طلب الخير من طريق الشر أمل لايدرك. و من هنا يتبين أن من يطلب العيش بالكذب و النفاق و إعانة الظالمين فهو مجرم، لأنه كاذب و منافق وظالم، و ما كان الله ليجعل رزق عباده في شىء مما حرم عليهم، و مجرم أيضا من يستعمل الحيل الشرعية توصلا إلى فعل محرم أو ترك واجب، لأنه حلل ما حرم الله، و حرم ما حلل، و رحم الله القائل (إن هؤلاء يخادعون الله كأنما يخادعون صبيا).
و إن أريد أنه هل يحل للمضطر بعض ما كان محرما عليه إذا لم يجد الحلال، كالجائع يأخذ من الميتة أو مال الغير ما يحفظ به الحياة، و المحارب يستعمل الحيلة و الخداع ليصمن النصر على عدوه، و المحسن يتصرف بمال سواه لإنقاذ غريق و إطفاء حريق، و ما إلى ذلك ، إن أريد هذا فهو جائز بحكم القرآن والعقل (فمن اضطر غير باغ و لا عاد فلا إثم عليه) أي على شريطة ألا يتجاوز حد الضرورة، ولكن هذا شىء، و الغاية تبرر الواسطة شىء آخر، إنه من باب ارتكاب أخف المحذورين ، و أقل الضررين، بحث إذا لم يفعله المضطر وقع فيما هو أشد فسادا و أكثر ضررا، أو قل إنه من باب تقديم الأهم على المهم، و الراجح على المرجوح، و هذا مبدأ المتقين و سبيل الصالحين، أما تبرير الغاية للواسطة فهو تبرير للكذب و النفاق و الاثم، هو دبن المستعمرين و مبدأ المشعوذين.