/ صفحة 152 /
قال شيخي
لحضرة الكاتب الفاضل الاستاذ أحمد محمد بريري
قال شيخي:
على الشنفري ساري الغمام و رائـح غزير الكلي وصيـب الماء باكر
عليك سلام مثل يومـك بالحـجى و قد رعفت منك السيوف البواتر
و يومك يـوم العيكتين وعطـفـة عطفت و قد بل القلوب الحناجر
تحاول دفع الموت فيهـم كأنهـم بشوكتك الحـذا ضئين عواثر
فلا يبعدن الشنفري و سلاحه الــ حديد و شـد خطـوه متواتـر
إذا راع روح الموت راع و إن حمى حمى معه حر كريم مصابـر
الشعر لتأبط شرا يقوله في رثاء الشنفري، و في وسعك أن ترجع إلى قصة مقتله كيف تربص به عدوه تحت جنح الظلام ، و كيف أسروه و شدوا وثاقه ثم قادوه ليقتل صابرا كريما لا يبالي أين يقبر، بل يوصى ألا يقبر:
فـلا تقبرونـي إن قبـري محـرم عليكم ولكن أبشـري أم عامـر
إذا احتملوا رأسي و في الرأس أكثري و غـودر عنـد الملتقـي ثم سائـري
هنـالك لا أرجـو حيــاة تسرنـي سجيس الليالـي مبسـلا بالجـرائر
و لماذا هذه البشرى لأم عامر (الضبع) ألأنها مقدمة على جيفة، و هي طعامها الأثير ، أم لشىء آخر يتحدث به أبو الفرج الأصفهاني؟ و لعلنا نفرغ لهذا الحديث و للشنفري حياته و موته و ما بينهما بعد أن ننتهي مما بدأنا في تأبط شرا.
/ صفحة 153 /
قلت: لقد تناولنا تأبط شرا في أحاديث كثيرة سلفت ، و ما أحسبنا أبقينا منه بقية تصلح مادة حديث.
قال: بل لعل ما فات قليل بالقياس إلى ما هو آت، ولكنك ملول طرف ما إن يقر قرارك إلا ريثما تتنقل.
قلت: مثل (لا فتونتين) الشاعر الفرنسي صاحب الأساطير المشهورة، الذي قضى حياته كالفراشة متنقلا من زهرة إلى زهرة.
قال: أما نحن فمن منازه إلى مو ماة يحار بها القطا و كل ميسر لما خلق له.
قلت: و الخلائق مختلفات إلى حد التناقض و التضاد حتى في الأماني و الأحلام. فها نحن أولاء في الغمام ساريا أو غاديا يستنزله تأبط شرا على جدث خاله العزيز:
فالماء عنده رمز الرحمة و السعة في حين أنه النار عند قوم آخرين فموتى الفرنجة محروقون في دعواتهم لهم.
قال: كلما أنجدت بك في قلل الشرق غرت بي أو غربت في كهوف الفرنجة حيث الظلام و الزمهرير و ابتغاء جهنم للأموات منهم و الأحياء على حد سواء: أنا في القرن الخامس أو السادس مع صعاليك البادية و شطارها و أنت في القرن السابع عشر في معية لويس الرابع عشر.
قلت: أو قولوا في قصر (الملك الشمس) كما كان يسمى سيد ملوك أوربا حين ذاك إن صح في لغتنا العربية أن تكون الشمس نعتا . أجل سيد ملوك أوربا غير منازع لويس الرابع عشر الذي ساد بضعا و ستين سنة و جمع المجد من أطرافه فدانت له الدنيا…
قال: ثم أخذه عذاب الحريق في الدنيا قبل الآخرة فما أبقت الثورة الفرنسية على شمس و لا قمر.
قلت : بل مات على سرير الملك و كان بينه و بين الثورة ملكان، كان حظ ثانيهما عذاب الحريق كما تقولون أو المقصلة.. إنه المسكين لويس السادس عشر.
قال: صه، و إياك ليأخذ عذاب الحريق، فما كنت لأجلس منك مجلس التلميذ من شيخه و ما كنت لتقص علي قصص ملوك فرنسا و أحداث ثورتها بهم.
/ صفحة 154 /
قلت الحديث ذو شجون و ما كنت لأقتحم الأمور اقتحاما.
قال: بل أقحمتها إقحاما و لو لم تفعل لكان لك فيما نحن فيه سبح طويل.
قلت: ليت شعري فيم السبح؟
قال: في تأبط شرا و شئونه مع أمه مثلا:
قلت: فقد عرفنا خبره معها و كيف صاد لها الأفاعي و تأو بتها فقيل تأبط شرا.
قال: فهذا أحد شئونه معها …. و الظاهر أنها كانت حسناء فاتنة إذ اجتذبت بعد موت أبي تأبط شرا زيرا كبيرا هو (أبو كبير الهذلي).
قلت: ولكنها سخرت منه و أغرته بابنها أن يقتله فتحل له من بعده فأما و هو حي فلا. و هي إنما تكيد لأبي كبير مستيقنة إنه لو استبيح دم فلن يكون إلا دمه دم ذلك الذي تجرأ فطمع في أم فتى فتيان فهد و ينجو أبو كبير و ما كاد ينجو في ليلة ليلاء تبين له فيها أن في الدنيا فتيانا لايجوز أن تتزوج أمهاتهم بعد آبائهم.. و تمضي الأيام و يقتل تأبط شرا و يمتد بأبي كبير العمر حتى تشرق رسالة الإسلام فيأتي النبي صلى الله عليه و آله و سلم ليسلم بشروط أو بشرط واحد هو أن يحل له الزنا، و يقنعه الرسول الأمين بأنه فاحشة و ساء سبيلا و أنه مادام لا يرضاه لنفسه فخليق به ألا يرضاه لغيره .. و هنا سؤال .. ما ذا كان يعني أبو كبير بإحلال الزنا؟ أيعني إحلال الفجر أيا كان شخص الفاجرة التي تشركه في الجريمة أم تراه يعني الزنا كما يحده القانون الوضعي في مختلف البلاد المتمدنة. فنحن نعلم أن جريمة الزنا لا تتوافر عناصرها القانونية إلا أن يكون أحد الطرفين متزوجا على الأقل فلو قامت علائق فاجرة بين شخصين غير متزوجين فهما لا يزنيان في لغة القانون؟
قال : و ماذا تراهما يفعلان في لغة القانون أتراهما يعالجان أعمال البر و الإحسان؟ إنك لتخرف فتعتدي على حقي إن كان لابد أن يخرف أحدنا و إلا فإن زنى يزني زنى و زناء بالمد من الألفاظ المحدودة المعنى بل إن المادة نفسها قصيرة فأصحاب اللغة كصاحب القاموس المحيط مثلا لا يزيدون على أن يصرفوا زنى و زاني بمعناها و لا يعرفون أن الكلمة تعني شيئا آخر غير فجر سواء أكان الفاجران
/ صفحة 155 /
متزوجين أو عدم أحدهما أو كلاهما صفة الزوجية .. هذا علي أن الفاجر قد يكون محصنا كما قد يكون غير محصن.
قلت: مالي و الإحصان أو عدمه، أنا أقرر أن لغة القوانين الوضعية تعتبر الزواج عنصرا أساسيا في تكوين جريمة الزنا فإذا فجر زيد و هند و كانا غير متزوجين فمن المستحيل قانونا أن يوصفا بأنهما زانيان.
قال: إذا فأنت تصفهما بأنهما بران صالحان.
قلت: ليسا برين صالحين و ليسا زانيين و إنما هما في وضع يجهله الشارع الوضعي فهو لا يصفهما و انى له أن يصف ما لا يعرف؟
قال: فأنا زعيم أن أكشف هالته أو عمايته ، أقول له يا حضرة الشارع الوضعي زيد و هند قد فجرا و معي ثلاثة فنحن أربعة نشهد أمام الله و أمام الناس أننا رأيناهما يفجران.
قلت: يقول لكم الشارع الوضعي الفجر مجردا لا يعنيني و لا يفقهه فقهي فيد عقابي لا تتناول هذين الفاجرين ما داما لا تربطهما رابطة الزواج أو بعبارة أخرى ما داما لا يزنيان.
قال: فأنت إذا يا حضرة الشارع الوضعي تبيح الزنا لغير الأزواج.
قلت : يقول لك أنت يا شيخ لا تفقهني فأنا أقرر أن وصف زان وزانية لا يتأتي خارج دائرة الزواج.
قال: قد عني من اللفظ في ذاته أفلست تبيح الفجور ما دام الفاجر قد سلم من صفة الزوجية.
قلت: القوانين الوضعية لا تبيح الفجور و لا تمنعه و خير ما يقال إنها تجهله و لكأنكم يا سيدي الشيخ تتطلبون من الشارع الوضعي أن يلتزم قواعد الخلق الكريم.
قال: رويدك بعض شأنك أفهو في حل منها؟
قلت: نعم فتلك قاعدة قانونية ثابتة: ليس من شأن الشارع الوضعي أن يحافظ على
/ صفحة 156 /
مكارم الأخلاق.. سلوا من شئتم من واضعي الشرائع الحديثة فكلهم مجمعون على أن أحكام القانون شيء و أحكام الخلق الحميد شيء آخر.
قال: أو ترغب إلى شيخك في أن يرجع إلى شارع لا تعنيه قواعد الخلق الكريم فيسأله عن تفصيلات شرعه؟ إنه لحسبي أن يجهل من شئت من شارعين قواعد الخلق الكريم كي أجهله بل أجهل عليه.
قلت: لو سمعكم الشارع الفرنسي مثلا لضحك ساخرا منكم باعتبار كونكم شيوخا متخلفين.
قال: و هل كنت تريد أبا كبير الهذلي على أن يفقه فقهك هذا أو فقه الشارع الفرنسي فلا يرى الزاني يزني إلا و معه وثيقة الزواج التي تصحح فعلته أم هل تراك تحسبه كان يستأذن الرسول الأمين في الاعتداء علي أزواج المتزوجين متعففا عن النساء غير المتزوجات؟ ألا فلعنةالله على الشارع الفرنسي و من تبعه من الشارعين و تابع التابعين لهم إلى يوم الدين.
قلت: حملة ظالمة على الشارع الفرنسي و سابقيه و لا حقيه من الشارعين الذين يرون الفاحشة جريمة خاصة لا تعني غير الزوج فهو وحده صاحب الحق في تحريك الدعوى العامة – أو قل الخاصة – ضد الزاني و في وسعه أن يعفو و يصفح فيغمض عينه على القذى و ليس بضائر المجتمع أن يغمض عينه على قذاها.
قال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم، لقد قدر لنا أن نعيش و نرى و نسمع أن الفاحشة لا تعدو أن تكون من الهنات الهينات أو قذى في العين يُسرٌ خطبه، لله درك و در شارعيك أولئك! أي مجتمع هذا الذي لا تضيره الفاحشة، و أي مجتمع شاعت فيه فثبت لها و لم ينحل إن فرنسا هذه التي تحتج بشرعها و فقهها هي المثل الصارخ لما يجره الفجور على جسم المجتمع كله، بله الفرد من علل قمينة أن تقضى عليه في الزمن القصير، لقد كانت فرنسا إلى عهد ليس بالبعيد الدولة الأوروبية الأولى، و تا لله لقد انبعث فيها أكثر من اسكندر فكر في أن يكون إليه مصير الدنيا كلها. ثم انظر ما ذا ترى الآن و اتل القرآن: (و إذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا).
/ صفحة 157 /
قلت: واقع الأمر أن دائرة الفساد أوسع من فرنسا، بل لعل الترف و ما إليه لازمة من لوازم الحضارة القائمة.
قال: (و هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا و يذيق بعضكم بأس بعض).
قلت: يبدو أن الإنسانية قد استحقت هذا العذاب ينزل بها من فوق و من تحت و تلبس شيعا و يذوق بعضها بأس بعض.
قال: استحقت و حاق بها الوعيد و إن كنت لا ترى فإن من تمام البلاء أن المبتلى يغفل عن كونه واقعا فيه.
قلت: لست أدرى من الكتاب الأوروبي الذي صور حال جماعة من الفلاسفة ظلوا حينا من الزمن يتناقشون في عذاب جهنم ثم ماتوا فكانوا لها وقودا، إلا أنهم مع هذا أخذوا في مناقشتهم، و كأنهم ما زالوا من أبناء الدنيا، و كأنهم لا تلفح وجوههم النار و هم فيها كالحون.
قال: و كأن ذاكرتك لا تعي، و عقلك لا يدرك، و حواسك لا تحس شيئا إلا أن ينتسب إلى أوروبا … إنه المسخ في أوضح صوره … كانت الناس في العصر الخوالي لا تتصور المسخ إلا أن يصبح الإنسان أو يمسي ماشيا على أربع قردا أو خنزيرا ، ولكن شيخك يرى المسخ في العقول و الفطر لا في الأجسام و الصور، و لو نظرت بعيني لرأيت قردة و خنازير تمشي على رجلين.
قلت: معني هذا أن من حاكى الأوروبيين محاكاة تامة كان في نظركم قردا يمشي على رجلين.
قال: يتم المسخ و ينقص بقدر ما تتم المحاكاة و تنقص.
قلت: ولكننا مع هذا إذا لم نحاك الغرب، فنحن قاعدون مع الخوالف من الأمم الميتة.
قال: هذه مغالطة لا تخفي على البليد بله الأريب، فإن العلم و وسائل القوة التي تنأي بك عن الخوالف ليست غربية و لا شرقية، و أمامك التاريخ فاقرأ تجد المعرفة
/ صفحة 158 /
تنقلت من بلد إلى بلد، و من لون إلى لون، و أنت إذا طلبت العلم فلست متصفا بأنك تحاكي زيدا أو عمرا من الناس، فالمحاكاة إنما تتأتي في ضروب العيش الاجتماعية، لقد كانت اليابان و قد تصبح أمة عالمة قوية، و لم تكن تحاكي الغرب من حيث المظاهر الاجتماعية، فجروا الذرة أو فأجمعوا شتاتها بعد انفلاقها، و لن يقال عنكم إنكم حاكيتم أو مسختم، أما أن ترقصوا أو تبدو الفتاة في زي الفتى، إلى آخر ما هنالك مما أنت به أعلم، فهنا المحاكاة و هنا المسخ.
قلت: المدنية كل لا يتجزأ، و لنا أن نقبلها جملة أو نرفضها جملة، أما أن نأخذ منها جزءا و نذر منها جزءا فهذا هو المسخ أو التشويه.
قال: أنت في المغالطة لم تعدها أو تبين لي أن صاحب الرياضة أو الطبيعة أو ما شئت من ألوان المعرفة لا يعرفها إلا إذا تزيا بزي معنى، أنا أعرف النحو و الصرف و علوم البلاغة، أفتراني مدينا للجبة و العمامة بما أعرف، فإذا استبدلت بهما زيا آخر أنكرتني معارفي أو أنكرتها؟ اسمع يا بني إن تتبعون إلا الظن و ما تهوى الأنفس، و لقد جاءكم من ربكم الهدى.
قلت: و هل اتبعنا إلا البحث عن الحقيقة، و إنها لهي الهدى لو وجدنا إليها السبيل.
قال: قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة، و كيف تبحث عن الهدى بعد قوله تعالى (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) و ما ذا بعد الهدى إلا الضلال؟
قلت: لا ريب أن الهدى هدى الله كتابه المبين، ولكن العقدة في أننا نختلف في فهمه اختلافا جوهريا.
قال: حجة داحضة، أو هو عذر الذين في قلوبهم زيغ يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة و ابتغاء تأويله، فأما المسلمون حقا فإن كتاب الله يجمعهم، و إذا اختلفوا في فهم أحكامه التفصيلية فليس من شأن ذلك أن يؤثر في المفهوم العام أو في الأصول أو في كينونة جماعة المسلمين.
قلت: أما المقولات الإسلامية الأولى و ما أدت إليه من قيام مذاهب، أو بعبارة
/ صفحة 159 /
جديدة قيام مدارس مختلفة فإن (رسالة الإسلام) قد بينت للناس حقيقة مدلولاتها و أنها ما كانت لتفرق كلمة المسلمين الذين هم لا بد مختلفون فيما شاءوا من أمور تفصيلية، كما هم لابد مؤتلفون تحت راية واحدة ائتلافا يجعلهم هيئة واحدة، لايتمايز أفرادها إلا بقدر ما تتمايز أجزاء الجسم الواحد، لقد ظنت عامة المسلمين ، بل ظن كثير من خاصتهم أن ما بين المالكية و الشافعية، أو ما بين الشيعة الإمامية و بين الحنفية قريب مما بين الكثلكة و بين البر و تستانتية، في حين أن الخلاف بين هاتين الفرقتين المسيحيتين يمس أصل العقيدة فهما في حقيقتهما ملتان أو نحلتان، ولكن الفرق الإسلامية كلها دون استثناء تلتئم في ملة واحدة ملة إبراهيم حنيفا، هذه هي الحقيقة الكبرى التي جلتها رسالة الإسلام و اقتنع بها المسلمون الآن اقتناعا نحسه فيما نسمع من رؤساء المذاهب على اختلافها، هذا على أنه إذا كان رؤساء المذاهب قد تقاربوا بعد طول تباعد، فأنه قد جد في أيامنا هذه اجتهاد جديد و مجتهدون من أحدث طراز، إنهم جماعة في العالم الإسلامي يعنون بالشئون العامة و من جملتها الدين، فهم يخطبون و يكتبون و يدعون إلى مقولات لم تعرفها المذاهب الاسلامية على كثرة ما عرفت و قدرت و افترضت … و هؤلاء السادة المجتهدون الجدد مثقفون بل إن منهم لعلماء نبغوا و نبغت لنا بهم شئون في العلوم التي اختصوا بها.
قال: هنا مربط الفرس. العلوم التي اختصوا بها و أحسنوها هى حقل نشاطهم الذي لا يجوز أن يتعدوه فأنت تراني مثلا أحدثك في النحو و الصرف و المنطق أفتراني بوصف كوني رجلا مثقفا جديرا أن أتحدث إليك في أصول لعبة (الجولف) و إذا ألفت رسالة في (الرقص التوقيعي) كيف و متى و أين بدأت أصوله الأول و إلى أين انتهت؟ أفتراها حرية أن تقرأ.
قلت: و الله يا سيدي الشيخ إن قيمة كل امرىء ما يحسن و ما أحسبكم تعرفون من الرقص التوقيعي غير اسمه و إذا ألفتم فيه فلست أشك في أنه يكون ازدواج شخصية.
قال: دعني من ازدواج الشخصية و ما عسى أن يقال عني لو بدوت في غير زيي الذي عرفني فيه الناس أفلا تراني إذا ألفت في الرقص التوقيعي معتديا على حقوق السادة أهل الفن.
/ صفحة 160 /
قلت: اعتداء صارخا ما في ذلك شك.
قال: فلماذا إذا يستبيحون – و هم أهل النظر – أن يغضوا النظر عن مسألة التخصص متى عالجوا أمور الدين. أنا لا أقول بإقفال باب الاجتهاد كلا فبابه مفتوح فيما أرى حتى تزلزل الأرض زلزالها و تخرج أثقالها ولكن أقول بمنع المقتصد أن يكون مجتهدا.
قلت: لو قرأت وفقهت (بداية المجتهد و نهاية المقتصد) لابن رشد أفلا أكون مجتهدا؟
قال: في عنون الكتاب الجواب فأنت مبتديء و لك أن تستمر و لكنك لست مجتهدا و لا يمكن أن تكونه مادمت في (ألف باء الاجتهاد) و أنت مع هذا ترى السادة المجتهدين العصريين بعيدين كل البعد عن استيعاب بداية المجتهد بل إني لأزعم لك أنهم لا يعرفون أن في المكتبة العربية كتابا يحمل هذا الاسم بيد أنهم برغم أنف الاجتهاد و معداته والاستعداد الفطري له، برغم كل هذا و غيره يجتهدون و أنوف المختصين في الرغام.
قلت: ذلك بأنهم يرون الإسلام عاما للناس كافة و ليس وقفا على ذوات أو هيئات معينة.
قال : هو كذلك من حيث كونه دينا يعتنق و ينتفع به، فأما من حيث تفسير أحكامه فهو شرع كغيره من الشرائع لا بد له من فقهاء و علماء يبينونه للناس.
قلت: فنحن المجددين – و لا مؤاخذة – نأخذ عليكم وقوفكم المتسم بسمة القرن السابع أو الثامن لا يتعداه على أن المنطق الإنساني قد تغير و هو في عقولكم ما زال كما كان منذ أربعة عشر قرنا.
قال: بل كما كان منذ ثمانية و عشرين أو ستة و خمسين قرنا. ذلك بأن العقل الإنساني هو هو كماكان و كما هو كائن و سوف يكون أبد الدهر، نعم إنه كسب كثيرا و سوف يكسب أكثر على كر الغداة و مر العشي.
قلت: أفعقل من فجر الذرة هو عقل من كان يحسب الأرض مركز الكون؟
/ صفحة 161 /
قال: نعم إلا إنه كان فقيرا ثم أثرى سمو حباب الماء حالا على حال. إنكم لمفتونون بالغرب إلى درجة أن عقولكم باتت مع عنقاء مغرب فإذا قال لك شيخك مثلا (أبغض الحلال إلى الله الطلاق) و كشف لك عما يتضمنه هذا القول المأثور من معان دقيقة فإنه لن يثير منك ما يثيره قول (مسيو كابيتان) إن عدم إباحة الطلاق قد يشقي اثنين من الآدميين شقاء دائما ، في حين إن الطلاق قد يسعد أربعة منهم سعادة دائمة ، أو قول (مسيو نامبروت كي) يبدو أن تعدد الزوجات نظام فطري إذ يلاحظ أن المخادنة السرية تكاد تكون عامه في البلاد التي يمتنع فيها التعدد: قلت: إنه لجد طبعي أن نقابل بالإجلال و الإعظام كل كلام يأتي من الغرب فالقوم قد سبقونا و لا غرو أن المتخلف يلهث في أعقاب المتقدم.
قال: و الله يعلم أننا ما تخلفنا إلا لأننا افترقنا.
قلت: ولكنكم لا بد ملاحظون أن الوطنية قد انبعثت في كثير من الأمم الاسلامية.
قال: ما دامت أمما بصيغة الجمع فلا انبعاث فالإسلام ذاته هو وطن المسلمين أيا كان الأقليم أو الأقاليم التي يحلونها. (قالوا فيم كنتم؟ قالوا كنا مستضعفين في الأرض، قالو ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها) فوطن المسلم هو حيث يستطيع أن يكون حرا عزيزا، و أرض الله واسعة و فيها لمن شاء مراغم كثير ألا و إن انبعاث الوطنية في الأمم الإسلامية لهو إحساسها ضلال هذه التسمية فهي أمة واحدة تفرق بنوها من بعد ما جاءتهم البينة.
قلت: أولئك أهل الكتاب تفرقوا من بعد ما جاءتهم البينة.
قال: و نحن على آثارهم أهل كتاب تفرقنا من بعد ما جاءتنا البينة ففشلنا و ذهبت ريحنا:
قلت: لعل الله محدث أمرا ، و لعل الجامعة الاسلامية تجمعنا.
قال : و تلك المنى لو أننا نستطيعها، و الموجع أننا مستطيعون لو أردنا، أفترانا لا نريد؟ و إذا كنا لا نريد أو في الأقل ضعفت منا الإرادة افترانا نستحق شرف الانتساب إلى الإسلام؟