/ صفحه 225/

رسالة الإسلام

مجلة إسلامية عالمية

تصدر عن دار التقريب بين المذاهب الإسلامية بالقاهرة

محرم 1378 هـ السنة العاشرة.

يوليو 1958 م العدد الثالث.

/ صفحه 226/

 

إن هذه أمتكم أمةً واحدةً

وأنا ربُكُمْ فاعْبدُونْ

/ صفحه 227/

بسم الله الرحمن الرحيم

كلمة التحرير:

إن الحقائق الكاملة تتكون من جزئيات أو عناصر متضامة، فإذا نظرت إلى عنصر من هذه العناصر وحده، أو إلى جزئية من هذه الجزئيات منفردة ً: فقد تجد فيما تنظر إليه معنى ربما راقك، وربما كرهته أو صدفت عنه، ولكنك حينئذ لا تكون قد أصدرت حكماً صحيحاً على المجموع الذي يتكون من هذه الجزئيات باعتباره مجموعا.

وبع الناس لا يفرق بين الشي كوحدة، والعناصر التي يتكون منها، أو الجزئيات التي تؤلفه، ولذلك نراه يصدر أحكاما من زوايا معينة، ويعتبرها أحكاما عامة، وذلك ظلم للحقيقة، أو علمى عنها، خطأ في تقديرها.

إن المجموع أو الكل إنما يقل أو يرفض، أو يحب او يبغض، أو يعتبر جميلا أو قبيحا، باعتباره صالحاً أو ليس بصالح من الناحية الجملية، لا من الناحية الجزئية التفصيلية، وبعبارة أخرى: إذا كان هذا المجموع الكلي تغلب عليه العناصر الصالحة عد صالحا، وإذا كانت تغلب عليه العناصر الفاسدة عد فاسداً، والشيء الكامل على التفصيل، أي كمالا راجعا إلى كمال جميع جزئياته وعناصره، لا يوجد، ولكن الذي يوجد إنما هو الشيء الذي يغلب جماله قبحه فيعد جميلا، أو قبحه جماله يعد قبيحا، فمن التمس أحسن الأشياء على معنى الحسن الجملي فقد طلب

/ صفحه 228/

ممكنا، ولم يكن فيما طلبه متجنيا ولا متعنتا، ومن التمس أحسن الأشياء على معني الحسن التفصيلي الجزئي الذي لا يشذ في أية ناحية؛ فذلك هو صاحب الشطط، وطالب المحال!.

والله سبحانه وتعالى هو وحده الموصوف بالكمال على الإطلاق، وجميع أسمائه الحسنى هي عبارات عن الظاهر التفصيلية لكماله في جماله وجلاله، ومع ذلك فإن اجتلاء عظمته الإلهية إنما يكون إذا نظرنا إلى جميع صفاته منضما بعضها إلى بعض: فكماله لا يرجع إلى كونه رحيما فقط، أو عزيزاً فقط، أو عدلا فقط، أو حكيما فقط، ولكن يرجع إلى مجموع هذه الصفات كلها، وكلها صفات كمال حقا، ولكن عظمتها في اجتماعها، وفي اعتبار كل منها مع انضمامه إلى غيره.

ولذلك نرى القرآن الكريم يسوق جملة من أسماء الله الحسنى دون أن يعطف كلا منها على الآخر بحرف، فيقول: " هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر " فهذا النسق من التتابع الخالي من العطف؛ يفيد أن كل واحد منها لاحق بالآخر، متعاون معه على بيان معنى معين كامل.

* * *

فإذا كان الاجتماع والكلية هما أساس الحقيقة، ومظهر الكمال والفوق في كل شئ حتى فيما لله من صفات وأسماء؛ أفلا يوحى ذلك إلى الأمة الواحدة أن تبدو كلا لا يتجزأ، ومجموعا لا يتفرق، لتتآزر عناصرها الصالحة الكثيرة فيشد بعضها بعضا، ويغمر صلاحها ما عسى أن يكون من نقص أو ضعف في بعض نواحيها:

تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسراً وإذ افترقن تكسرت آحادا