/ صفحه 293 /
العلم في حاجة إلى الإيمان
للدكتور محمد البهي
ـــ
العلم:
يقصد بالعلم تلك المعرفة الرياضية والطبيعية، التي قامت على تجارب دقيقة والتي وصل عن طريقها الانسان إلى كشف قوة البخار، والكهرباء، والذرة، في النصف الثاني من قرننا العشرين. وقد استخدمت هذه المعرفة في صنع السفينة، والطائرة، والسيارة. كما استخدمت في تكثير المحاصيل الزراعية، واستنباط مواد جديدة يصنع منها الكساء واللباس، وأدوات الحياة المدنية في المنزل وخارجه، كتلك المشتقات التي تعطيها مادة البلاستيك والنيلون، ولأن هذه المعرفة توصل بها العلماء في وقتنا الحاضر إلى اختراع كثير من أنواع الآلات، أو تحسين ما اخترع منها في عهد سابق ـ تميز عصرها بالعصر الميكانيكي أو التيكنولوجي، وأصبح طابعها هو الطابع الميكانيكي. واحتلت الميكانيكية أو التيكنولوجية في حياة الإنسان المعاصر منزلة التقدير والاحترام، وكادت تكون إلهه المعبود، أو أصبحت بالفعل في بعض المجتمعات ذلك الإله المعبود. وكاد يختفي في تقدير هذه المجتمعات إله السماء ورب الكون كله، وقامت فلسفة هذه الميكانيكية على التخفيف من قيمة الإنسان كصاحب إرادة حرة، كما قامت على الاعتراف بإله الأرض وحده، وهو الميكانيكية والآلة.
العلم والشر:
وإذ كان يختفي من حياة الإنسان المعاصر اله السماء، خفت فيها نور الخير، واضمحل الباعث عليه في نفس هذا الإنسان، وقويت بواعث الأنانية، وبالتالي
/ صفحه 294 /
قويت دوافع الانتقام والسيطرة عنده، بدلا من دوافع الانسجام بينه وبين غيره في مجتمع آخر. فلم يقف في استخدامه هذه المعرفة الطبيعية والرياضية، التي تكون ما يسمى: " بالعلم الحديث "، عند حد النافع منها لخير البشرية، ورفع مستوى الأفراد صحياً، وعقلياً، وخلقياً:
أ ـ فلم يقف بصنع السيارة عند حد السيارة العادية؛ بل صنع الدبابة وقاذفة اللهب.
ب ـ ولم يقف بصنع الطيارة عند حد النوع الذي يساعد على تقريب المسافات البعيدة والتفاهم، عن طرق المبادلات التجارية وتبادل الآراء، بين الشعوب؛ بل صنع قاذفات القنابل، والطائرات المقاتلة، والصواريخ الموجهة.
ج ـ ولم يقف بصنع السفينة عند نوع السفينة التي تستعمل لنقل المدنيين، أو البضائع التي تستهلك في الحياة المدنية، من مكان إلى مكان؛ بل صنع البارجة، والمدمرة، والغواصة.
د ـ ولم يقف في تطبيق تلك المعرفة الرياضية والطبيعية عند حد توفير الغذاء، واللباس، والدواء؛ بل اخترع الغازات السامة، وميكروبات الموت، والألغام البحرية والبرية.
و ـ ولم يقف في صنع الآلات الميكانيكية التي تستخدم في الزراعة والحياة المدنية للإنسان عند الحد الذي يساعد الإنسان على توفير المحاصيل والراحة له؛ بل صنع ما يبيده ويهدد حياته البشرية جملة، وهي القنبلة الذرية والهيدروجية.
وكلما طبق " العلم الحديث " في اختراع آلة للإهلاك والإفناء اخترع ما بقي منها أو يقلل من أخطار الإهلاك والإفناء، عن طريق الآلة المبيدة الفتاكة. وهكذا....
هو يسترسل في اختراع المهلك والمبيد، وفي اختراع ما يقلل من آثار الإهلاك والإفناء. وهكذا: " العلم الحديث " أصبح مجال تطبيقه هو التنافس على تكثير مصادر الشر، وهكذا زاد الإنسان، عن طريق هذه المعرفة في اختراع وسائل الهدم والإبادة، أكثر من اختراع وسائل الراحة والصيانة للجنس البشري.
/ صفحه 295 /
وليس ما اخترعه وأعده من وسائل الهدم والتدمير أكثر فقط من وسائل البناء والراحة، والصيانة ـ بل ما أنفقه على تلك المخترعات الهادمة يزيد أضعافاً مضاعفة على ما ينفقة في الحياة المدنية ورخائها للأفراد أو المجتمعات. وبسبب هذه النفقات المضاعفة على وسائل الهدم، ثم في مقابل ذلك النقص في نفقات البناء والرخاء في الحياة المدنية ـ انخفض مستوى المعيشة في تلك الحياة للأفراد والشعوب معاً، فأصبحت حاجة الاستهلاك المدني تفوق كثيراً انتاج المواد الضرورية للحياة المدنية. وبذلك ارتفعت أثمان سلع الاستهلاك في الحياة المدنية. وترتب على ارتفاع هذه السلع أن قلت المقدرة الشرائية لدى كثير من الأفراد والطبقات. وهذا الارتفاع أدى بدوره إلى انخفاض مستوى المعيشة لديها.
وظهر عندئذ العامل الاقتصادي في الحياة المدنية الحديثة ذا أثر قوي في توجيه سياسة الشعوب، وذا سلطان واسع على اتجاه الأفراد والتحكم في ميولهم وحرياتهم. وأصبح سعي الإنسان المعاصر يكاد يكون مركزاً في توفير لقمة العيش له ولأسرته، ومن هنا خفت القيم المثالية والأخلاقية في نفسه، لأنه أصبح يتخذ من لقمة العيش ميزاناً تقديرياً للسلوك العملي في الحياة.
ثالوث العلم والآلة والاقتصاد:
وبهذا ارتبط " العلم الحديث " بـ " بالآلة " وبـ " الاتقصاد ". وأصبح ثالوث العلم، والآلة، والاقتصاد، محور الحياة المعاصرة. وأصبح العلم يطلب للآلة، والآلة تنتهي إلى خفض مستوى المعيشة، وبالتالي إلى " الحساسية " بالمشكلة الاقتصادية في حياة الإنسان والعلم الحديث أصبح سبباً غير مباشر في خلق المشكل الاقتصادي في حياة الانسان. وإذا قلنا إنه سبب غير مبار في انخفاض مستوى المعيشة، فمعنى ذلك أنه سبب غير مباشر أيضاً قلق الإنسان واضطرابه، وفي توجية سعيه في الحياة نحو " ملء معدته " وإلقاء زمام أمره لمن يضع في معدته لقمة من لقم العيش. وأصبح الإنسان، الحر الكريم في أصل تكوينه ونشأته، إنساناً مقوداً لبطنه. كما أنه أصبح مكرها لأن يلقي بحريته وبكرامته، في سبيل الاحتفاظ بعيشته المادية والبدنية.
/ صفحه 296/
تلك نتيجة " العلم الحديث " يدمر ولا يبني، ويجيع ولا يشبع، ويسترق ولا يعتق ويحرر. وكما خلق الإنسان المعاصر الآلة الصماء أخرس الانسام المتكلم، وكما حرك الآلة في غير وعى أصاب الإنسان بفقدان الوعي الذي كان خصيصته كإنسان.
ولم يصب علم الإنسان الحديث الإنسان بسلب خصيصته كإنسان، إلا لأن هذا العلم اتجه على خلق وسائل الشر أكثر من إيجاد وسائل الخير. ولم يكن ذاك، إلا لأن الإنسان المعاصر عبده من دون الله، ووضعه في الارض مكان إله السماء، واستغنى بمخترعاته عن الاستعانة بالله؛ وخدع نفسه بأنه أصبح رب هذه الأرض، لأنه يملك علم ما في الارض، وكذا ما في السماء.
رفع الشر رهن بعودة الايمان:
ولكي يعيد الإنسان المعاصر للإنسان قيمته وخصيصته يجب أن يضم إلى " العلم الحديث " الايمان بالله العلي القدير. فإذا رجع إلى الايمان بالله وملك الايمان عليه قلبه، واتجه بعلمه إلى صالح البشرية، وابتعد في تطبيقه عن المخترعات الفتاكة المبيدة للجنس البشري. إذ الايمان بالهل ينطوي على الرغبة في الخير، والسعي إلى تحقيقه. ولا يكتفي أن يكون عمل الخير من غير إيمان بالله، لأن الايمان بالله هو وحده العاصم للإنسان من أن يحيد عن عمل الخير في فترة من الفترات، لسبب من الأسباب وقد ظن بعض الفلاسفة أنه إذا تكون لدى الإنسان ضمير إنساني فإنه يدنيه إلى الخير وإلى عمله، ولا حاجة له عندئذ إلى الاعتقاد بالله، والايمان برسالته. ولكن فات هذا البعض أن الاعتقاد بالله إذا كان هو طريق تكوين الضمير الباعث على الخير فإن هذا الضمير يكون أبقى وأقوى من أي ضمير آخر، تكوّن عن طريق الفلسفة أو الرأي. لأن خاصّية العقيدة الرسوخ والثبات وعدم الاهتزاز بالأهواء واختلاف الظروف. أما الفلسفة والآراء الانسانية فإنها تخضع للظروف والعوامل المختلفة التي تحيط بالانسان وتؤثر عليه. ونتيجة لذلك: ما يدركه الإنسان اليوم حسنا يدركه في غده غير حسن. وهكذا...
ثم من جانب آخر الاعتقاد بالله ينطوي على خشية منه، وهذه الخشية هي الصمام
/ صفحه 297 /
الدائم لاحتفاظ الإنسان بضميره، واحتفاظ الضمير ببقائه وقوته. ومن هنا كان عمل الخير من صاحب الضمير الديني ومن صاحب الايمان بالله، أدوم وأخلص.
فإذا أضيف إلى " العلم الحديث " إيمان بالله اتجه العلم إلى خير البشرية، وإلى رفع المستوى الصحي والثقافي والأخلاق لدى الأفراد والمجتمعات، وأمن الإنسان من الانزلاق بالعلم إلى إبادة الجنس البشري، أو إثارة القلق والاضطراب النفسي من أجل انخفاض مستوى الحياة الاقتصادية، كما هي الظاهرة الواضحة للحياة الانسانية المعاصرة، بفضل سوء توجيه العلم الحديث وسوء استخدامه، على نحو ما أشرنا قبلا.
الايمان بالله ليس هو الايمان بالخرافة:
والايمان بالله ليس هو الايمان بالخرافة، حتى يقال: إن العلم الحديث ـ وهو نتيجة للرياضة الدقيقة أو التجربة الطبيعية التي خلت تماماً من شوائب الخداع أو الظن ـ يضاد الخرافة، ومن شأنه أن يبصر بالحقائق المجردة، كما تقدمها الطبيعة المكشوفة. وحتى يقال أيضا: إنه نفسه ـ أي الايمان ـ لذلك لا يشجع على كشف الحقيقة المجردة، ولا يعيش إلا في ظل الوهم أو مع القصص المتخيلة.
الايمان بالله هو الايمان بالحقيقة الكبرى، التي ينقشع عندها حجاب الخيال. هو الايمان بحقيقة الكون الكلية. وما في الكون من حقائق ترجع في حقيقتها وجوهرها إلى تلك الحقيقة الكلية. وهوب هذا لا يتفق فحسب مع " العلم الحديث " وهو العلم التجربي. بل إنه يدعو إليه كذلك. لأنه كلما وصل الإنسان إلى درجة في كشف حقائق الكون، كلما اقترب من حقيقته الكلية، وهي حقيقة الألوهية، وكلما ازداد إيماناً بها. فالإيمان يدعو إلى العلم، والعلم بدوره يوصل إلى الايمان. والايمان القوي الواضح هو الذي يدعو إلى العلم الدقيق، والعلم الدقيق هو الذي يوصل إلى الايمان القوي.
يقول الله تعالى: " إن في خلق السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار، والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس، وما أنزل الله من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها، وبث فيها من كل دابة، وتصريف الرياح والسحاب المسخر
/ صفحه 298/
بين السماء والارض، لآيات لقوم يعقلون ". فساق القرآن الكريم العلم بهذه المظاهر الطبيعية دليلا على الايمان بالله، خالق الكون كله. وكلما دق علم الإنسان بالطبيعة ومظاهرها كلما قوى إيمانه بالله. وإذن الايمان القوي بالله يطلب العلم الدقيق بالطبيعة والكون كله، كما أن العلم الدقيق بذلك يوصل توصيلا واضحاً إلى الايمان بالله إيمانا قوياً.
الإنسان هو شيطان العلم والايمان:
والذي يحول دون أن يطلب الايمان بالله العلم الدقيق بالكون هو الإنسان وتصوره للإيمان. والذي يحول دون أن يوصل العلم الدقيق إلى الايمان بالله هو الإنسان وغروره بما وصل إليه من درجة في العلم. الإنسان ـ وليس الايمان، وليس العلم ـ هو الذي يحول إذن دون أن تكون هناك صلة وانسجام بين الإيمان والعلم. فإذا انحرف الإنسان في إيمانه تعطل إيمانه عن أن يكون داعياً للعلم. وإذا انخدع بالعلم تعطل علمه عن أن يكون موصلا للإيمان.
والذي يجب أن يحارب ليس هو الايمان، وليس هو العلم، هو الإنسان المنحرف في إيمانه، أو المنخدع بعلمه. يجب أن يحارب الخرافة في إيمانه وصاحب الغرور في علمه. وبذلك يجتمع الايمان والعلم لخير المجتمع البشري.
يجب أن يحارب المذهب الميكانيكي الآلي الذي أساء توجيه الحياة البشرية في عصرنا الحاضر. يجب أن تحارب نزعاته وترفع سطوته على الحياة التوجيهية.
ونزعاته هي: تأليه العلم دون الله، والاتجاه به إلى الشر أكثر من الخير، وإثارة القلق والاضطراب بين الأفراد والشعوب، ونشر القر والعوز، وحمل الناس على التفريط في الكرامة البشرية والتنازل عن الحرية الانسانية في سبيل الحصول على لقمة العيش أو ضمان الوصول اليها.
كما يجب أن يحارب الايمان بالله على طريقة القرون الوسطى: وطريقة القرون الوسطى في الايمان بالله هي نزع الايمان به من تفسير الإنسان وليس من كتاب الله، وترجيح مذهب الإنسان المتأخر عن عصر الرسالة في التفسير أو التخريج عن الشواهد والمثل العملية التي كانت تجري في حياة القريبين من عهدها، مع التمسك
/ صفحه 299/
بالعادات والتقاليد التي طرأت على حياة المجتمع الديني، وأخذت تجري في مجري المبادئ، دون الأصول الضرورية لحياة المجتمع السليم، على نحو ما ينصح بها كتاب الله وسنة رسوله.
حاجة المجتمع الحديث إلى العلم والايمان معا:
المجتمع الحديث في حاجة قصوى إلى العلم والايمان معاً، لا لأن أحدهما يطلب الآخر أو يوصل إليه فحسب؛ بل لأن العلم المعاصر أيضاً ـ وهو علم الميكانيكية أو التيكنولوجيا ـ لا يستطيع بمخترعاته أن يطمئن النفوس القلقة الحائرة، ولا أن يرد إلى المنهزم في الحياة روح السعي والجد فيها، ولا إلى اليائس منها روح الأمل. والذي يستطيع وحده كل ذلك هو الايمان بالله.
وطالما الايمان بالله على الوجه الصحيح يدفع إلى العلم الدقيق، فليس الايمان بالله ـ إن رد الطمأبينة، وروح السعي، وروح الأمل إلى الإنسان المضطرب أو المنهزم أو اليائس ـ طريقا إلى تحذير الإنسان في حياته، ولا سبيلا إلى نقله من عالم الواقع، إلى عالم الخيال والوهم، كما يذكر أولئكم الذين افتتنوا بالعلم المعاصر، وظنوا أنه يحيى ويميت، ويسعد ويشقى، فكفروا بالله، واستخفوا بأصحاب الايمان بالله.
وإذا أدرك هؤلاء أن معرفة الإنسان بالكون ليست نهائية، وإن الإنسان لم يزل في طريق المعرفة به ـ فلا يخدعون أنفسهم بما وصلوا إليه على أنه مرحلة حاسمة من مراحل العلم، فينكرون الله ويزدادون وعتواً وغرورا.
الايمان معتدى عليه:
إن الإيمان بالله معتدى عليه من أنصار العلم الحديث: ويوم يرفع هذا الاعتداء ويعانق العلم الايمان ـ يوم تعود الطمأنينة للعلاقات البشرية، ويوم يرتفع مستوى الحياة ومستوى المعيشة للأفراد والشعوب، ويوم تتمكن المقاييس الأخلاقية الرفيعة في سلوك البشر. وليس هناك سعادة لمجتمع بشري وراء سعادة النفس وهي استقرارها، ووراء سعادة البدن وهي صحته، ووراء سعادة النفوس معاً وهي تبادل الثقة والمحبة والإخاء.