/ صفحه 32 /
لحضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الجليل الشيخ محمد عرفه
عضو جماعة كبار العلماء
لعل قائلا يقول: إنك تسبق إخفاق الإسلام في تثبيت المساواة،وقلع التمايز في المجتمع الإسلامى إلى أن عصر الخلفاء الراشدين الذين كانوا يفهمون مبادىء الإسلام ويحرصون على أن مراعاتها لم تطل حتى تقتلع المبدأ القديم ،ويحل محله المبدأ الجديد ،ولم تذهب إلى ماذهب إليه بعض علماء الاجتماع من أن الطريق إلى ذلك غير مانقل الإسلام ،فالخصاً في المبدأ نفسه لا في الخطوات التالية ،وهم يقولون أن الطريق الحق هو تكوين عصبية من القفراء والمال و الضعفاء حتى تقاوم عصبية الأغنياء والمرسرين وذوى الجاه والنفوذ ،فيحرص الضعفاء على حقوقهم ،وتسندهم عصبيتهم ،و تكون المقاومة ،وبهذا الطريق أخذ الأقوياء امتازهم واستعلوا على الضعفاء والعبيد والأجراء والعمال ،فإن أريد العكس فليكن بالطريق نفسه والعزة للغالب. أما أن تترك الضعفاء تحت رحمة الأقواياء وتستدر المساواة برحمة أو بدين ،فهذا ليس طريقا طبيعيا ،وسيؤدى في النهاية إلى الفشل والإخفاق .وهذا هو سير التاريخ ،فقد ظل الملوك والأمراء والاقطاعيون على امتيازهم حتى قامت الثورة الفر نساوية ،فقاومت الطبقات المهضومة حتى تغلبت وأخذت الحقوق قسراًوغلابا ،ولم يلتمسوها سؤالا ورحمة و عطفاًو حناناً،ومثل ذلك كان في الثورة الروسية.
/ صفحه 33 /
وقد زاد بعض الفلاسفة فقالوا :أنه يجب أن يكون العامل صديق العامل في جميع الدول ،وأن يكونوا ألبا واحداً على الرأسماليين حتى يتم الظفر الأخير للكادحين والفقراء والمعوزين .قلنا:أن هذا طريق من الطرق ،فيه تمزيق الأمة إلى طوائف يعادى بعضها بعضا،وإلى سيع تتغالب وتتناحر،فإن قيل: أن الطريق الثانى هو الطريق الطبيعى ،لأنه مبنى على مبدأ المقاومة ،وقد أشار إليه الإسلام وأقره في قوله:«ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض».قلنا :ؤن الطريق الأول صحيح أيضا وطبيعى ،وهو مبنى على مبدأ المقاومة أيضاً،فقد أراد الإسلام أن تكون القوة في جانب مبادئه لتغالب النزاعات المخالفة ،وقدكان الأمر كذلك في زمن الخلفاء الراشدين ،فقد كانت قوة السلطان مع المبادىء الإسلامية،ولماانحرف السلطان عن أصول المبادىء الإسلامية في زمن بنى أمية والعباسيين والملوك الذينبعدهم ضعفت المبادىء الإسلامية الاجتماعية والاقتصادية ومنها المساواة .وهذا يسلمنا إلى اعتراض آخر قوى ،كيف تحرس الذئب على الغنم ،أو كما يقول المثل العامى :كيف تعطى القط مفاتيح البن .أن الحكام قد ينتفعون بإبطال هذه المبادىء ،لاسيما إذا كانت توجب عليهم حقاً فيبطلونها ،وأنت قد اعترفت بهذا في ملوك بنى أمية ومن بعدهم ،فقد قلت لما انحرف السلطان عن المبادىء الإسلامية ضعفت هذه المبادىء،فقد ترك الإسلام لضمير الرعاة الدينى ،فإن قوى حكم بالعدل ،وإن ضعف جار وظلم ،وأضاع المبادىء الاءسلامية التي جاءت بالقسط، والأمراءوالحكام بشر من البشر ،يعتريهم الطمع والجشع ،والحب والبغض ،والرضا والسخط ،وقد يعترى ضميرهم الدينى الضعف والقوة ،بل هو عرضة للزوال فتسلم المبادىء الإسلامية إلى حارس غير أمين ،وأصدق شاهد على ذلك التاريخ .و جوابنا عن هذا أن الإسلام لم يسلم السلطات كلها للملوك والأمراء،بل جعل سلطة عليا هى سلطة أولى الأمر ،وأولوا الأمر هم قوم من الأمة لهم علم بالأمور ،
/ صفحه 34 /
وخبرة بالشئون ،يقومون بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ،ويتولون تقويم ما اعوج من ال مور ،وهؤلاء يؤيدون السلطان إذا عدل ،ويقومونه إذا انحرف ،وقد أوجب الله قيام هذه الطائفة بقوله:«ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر و أولئك هم المفلحون».وقد بين قيمة هذه الوظيفة وأهميتها في ال مة ،وأنها إذا ضيعت استحقت الأمه اللعن والطرد في قوله تعالى:«لعن الذين كفروا من بنى اسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ،كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون».وبين أيضاًأن سعادة الأمة ونعميها في إقامة هذه الوظيفة ،وشقاءها و عقابها في تضييعها .روى حذيفة عن النبى صلى الله عليه و آله و سلم قال:«والذي نفسى بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباًمنه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم».ولما في إقامة هذه الوظيفة من الخير ،وفي تركها من الشر كانت جهاداً،بل من أعظم الجهاد.روى أبوسعيد الخدزى رضى الله عنه عن انبى صلى الله ووآله وسلم قال:«أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر».ومن استقراء ما ورد في هذا الباب بعلم أن الشريعة الإسلامية تريد أن يكون للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر قوة تضطر السلطان إلى أن يكون داخل حدود الله.روى ابن مسعود رضى الله عنه قال :قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أن أول ما دخل التلقى على بنى اسرائيل أنه كان الرجل فيقول ياهذا اتق الله ودع ماتصنع ،فإنه لايحل لك ،ثم يلقاه من الغد و هو على حاله ،فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده ،فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ثم قال:«لعن الذين كفروا من بنى إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ،ترى كثيراًيقولون
/ صفحه 35 /
الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون ،ولوكانوا يؤمنون بالله والنبى و ماأنزل ما اتخذوه أولياء ولكن كثيراًمنهم فاسقون »ثم قال:«كلا والله لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق إطرا ولتقصونه على الحق قصوا ،أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعنكم كما لعنهم »لتأطرانه :أى لتعطنفه ،ولتقصونه :أى لتحبسه .وعطفه وحبسه على الحق لايكون إلا بقوة و رهبة .وقد بين النبى صلى الله عليه وآله وسلم أن العقاب الذي يكون من ترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لا يصيب الذين ظلموا خاصة ،وضرب لذلك مثلا من أحسن الأمثال. وعن النعمان بن بشير رضى الله عنهماعن النبى صلى الله وعليه وآله وسلم قال:«مثل القائم في حدود الله و الواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها ،و كان الذين في أسفلها إذا استقموا من الماء مروا على من فوقهم ،فقالوا لو أنا خرقنا ولم نؤذ من فوقنا ،فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا ،وإن أخذوا على أيديهم نجوا جميعا».وقدكان النبى صلى الله عليه وآله وسلم يبايع أصحابه على أن السمع والطاعة ،وعلى أن لا ينازعوا الأمر أهله ،إلا أن يروا كفراًبواحا ،وعلى أن يقولوا بالحق أينما كانوا.روى أبو الوعيد عبادة بن الصامت رضى الله عنه قال :بايعنا رسولالله صليالله عليه وآله وسلم على السمع والطاعة في العسر و اليسر ،والمنشطوالمكره ،وعلى أثرة علينا ،وعلى أن لاننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراًبواحا عندكم من الله تعالى فيه برهان ،وعلى أن نقول بالحق أينماكنا لا نخاف في الله لومة لائم .وقد حرص الإسلام على يقظة الضمير الإنسانى وحياته، وعلى أن يبقى دائماً
/ صفحه 36 /
متيقظاًلحدود الله ،ولم يعفه من كراهية المنكر والنهى عنه ،وأبى عليه أن يموت فلا يهتم بمنكر يؤتى و كأن الأمر لايعنيه .روى أبو سعيد الخدرى قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول:«من رأى منكم منكراًفليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه ،فإن لم يستطع فبقلبه و ذلك أضعف الإيمان »وقد كان الصحابة كذلك في عهدهم الأول .روى الحسن البصرى أن عائذ بن عمرو رضى الله عنه دخل على عبيد الله ابن زياد فقال:أى بنى إنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم يقول:«إن شر الرعا ء الحطمة ،فإياك أن تكون منهم ،فقال له اجلس ،فإنما أنت نخالة أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم ،فقال: وهل كانت لهم نخالة ،إنما كانت النخالة بعدهم وفي غيرهم .مما تقدم يعلم ما يأتى :
(1)إن الحكم في المدينة الحديثة للأمثرية تحكم بمذاهبها ومبادئها .
(2) أن الإسلام وضع مبادىء ونظما تضمن العدل في المجتمع ،وأنه و كل التنفيذ للحكام الذين يتجردون عن العصبية ،والذين يقيمون حدودالله ،وجعل حراساًعلى الحكام الأمة ،وفي مقدمتهم أولوا الحل والعقد الذين يقومون المعوج ،ويأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر ؟