/ صفحه 107/
حديث خطير لفضيلة الاستاذ الأكبر
الشيخ محمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر:
* * *
أدلى فضيلة الاستاذ الاكبر الشيخ محمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر الى احدى الصحف المصرية الكبرى بحديث خطير الشأن، بين فيه اهتمامه بالتقريب بين المسلمين. و ما اعتزمه من تقرير تدريس الفقه في كلية الشريعة بالجامعة الأزهرية، على المذاهب الاسلامية المعروفة الأصول، و من بينها مذهبا الشيعة الامامية و الشيعة الزيدية.
و هذه بعض فقرات الحديث نسجلها في رسالة الاسلام مرحبين بها مغتبطين بالروح الشريف الذي أملاها، مبشرين بذلك جميع قرائنا في مختلف المذاهب و الشعوب الاسلامية. و بالله التوفيق.
قال فضيلة الاستاذ الاكبر:
لقد دعا الاسلام الى الوحدة، و جعل المحور الذي يتمسك به المسلمون، و يلتفون حوله هو الاعتصام بحبل الله، و قد جاء الله ذلك في كثير من آيات الذكر الحكيم، و أصرحها في ذلك قوله تعالى في سورة آل عمران:
«و اعتصموا بحبل الله جميعاً و لا تفرقوا» نهى عن التفرق، و التفرق بعمومه يشمل التفرق بسبب العصبية، و قد صح «لا عصبية في الاسلام» و بسبب المذهبية و قد انبثقت المذاهب الفقهية الاسلامية على كثرتها و اختلاف طرقها من أصول واحدة هي كتاب الله و سنة نبيه…
و قال فضيلته:
لقد كان للاجتهاد في الأحكام مجال واسع تفرقت به المذاهب و تعددت، و على رغم تعددها و اختلافها في كثير من الأحكام، و تعدد الآراء في المسألة الواحدة،
/ صفحه 108/
كان الجميع يلتقون عند حد واحد، و كلمة سواء، هي الايمان بالمصادر الأولى، و تقديس كتاب الله و سنة الرسول، و قد ورد عن جميع الأئمة: «اذا صح الحديث فهو مذهبي» و من هنا تعاون الشافعي و الحنفي و المالكي و الحنبلي و السني و الشيعي، و لم يبرز خلاف بين أرباب المذاهب الاسلامية الا حينما نظروا الى طرق الاجتهاد الخاصة، و تأثروا بالرغبات، و خضعوا للايحاءات الوافدة، فوجدت ثقوب نفذ منها العدو المستعمر، فأخذ يعمل على توسيع تلك الثقوب، حتى استطاع أن يلج منها الى وحدة المسلمين يمزقها، و يفرق شملها، و يبعث العداوة و البغضاء بين أهلها، و بذلك دبت فيما بينهم عقارب العصبية المذهبية، و كان من آثارها السيئة ما كانن مما يحفظه التاريخ من تنابز أهل المذاهب بعضهم و بعض، و تحين الفرص لايقاع بعضهم ببعض، و الدين من ورائهم يدعوهم: هلموا الى كلمة الله «و لا تنازعوا فتفشلوا و تذهب ريحكم و اصبروا ان الله مع الصابرين».
و قال فضيلته:
لا أنسى أني درست المقارنة بين المذاهب بكلية الشريعة، فكنت أعرض آراء المذاهب في المسألة الواحدة، و أبرز من بينها مذهب الشيعة، و كثيراً ما كنت أرجح مذهبهم خضوعاً لقوة الدليل، و لا أنسى أيضاً أني كنت أفتى في كثير من المسائل بمذهب الشيعة، و أخص منها بالذكر ما تضمنه قانون الأحوال الشخصية الأخير، و منه على سبيل المثال المسائل الآتية.
أولاً: الطلاق الثلاث بلفظ واحد، فانه يقع في المذاهب السنية ثلاثاً، و لكنه في مذهب الشيعة يقع واحدة رجعية.
و قد رأى القانون العمل به، و أصبحت الفتوى بمذهب أهل السنة لا يقام لها وزن في نظر القضاء الشرعي السني.
ثانياً: رأي قانون الأحوال الشخصية في تنظيمه الأخير أن الطلاق المعلق منه ما يقع و منه ما لا يقع، تبعاً لقصد التطليق، أو قصد التهديد، و لكن مذهب الشيعة يرى أن التعليق مطلقاً قصد به التهديد أو التطليق لا يقع به الطلاق،
/ صفحه 109/
و قد رجحت هذا الرأي، و كثيراً ما أفتيت به، و كثيراً ما أذعته و كتبته في أحاديثي المتعلقة بالطلاق و أجوبة السائلين عن ايقاع الطلاق.
و الباحث المستوعب المنصف سيجد كثيراً في مذهب الشيعة ما يقوى دليله، و يلتئم مع أهداف الشريعة من اصلاح الأسرة و المجتمع، و يدفعه الى الأخذ به، و الارشاد اليه.
و سئل فضيلته:
هل هناك خطوات اتخذت أو تتخذ للقضاء على العصبية بين السنة و الشيعة؟ و ما هو برنامجكم في هذا المجال؟
فقال: لقد قر رأيي بمعونة الله على أن أعمل على دراسة الفقه الاسلامي في كلية الشريعة بجميع المذاهب الفقهية، المعروفة الأصول، البينة المعالم، و التي من بينها دون شك مذهب الشيعة امامية و زيدية.
و قد استجابت وزارة الأوقاف في مصر لروح التقريب فطبعت كتاب المختصر النافع في فقه الامامية، و وزعته بالمجان على المسلمين، كما استجابت جماعة التقريب القائمة في مصر منذ سنين، و التي شاركت في تأسيسها من أول نشأتها، و شاركت في رسالتها و دعوت اليها، فطبعت كتاب «مجمع البيان» الذي دعا الى طبعه من قبل أستاذنا المغفور له الشيخ عبد المجيد سليم شيخ الجامع الأزهر الأسبق، و قد كتبت مقدمته، و الكتاب لامام من أئمة الشيعة، و هو الامام السعيد أبو الفضل ابن الحسن الطبرسي من كبار علماء الامامية.
* * *
و ها نحن أولاء ندعو باسم الله مرة أخرى، و باسم كتاب الله، و باسم الوحدة الاسلامية، و باسم الاعتصام بحبل الله، ندعو علماء الفريقين الى التقارب و المصافحة، و أكرمهم عند الله أسبقهم الى ذلك حتى نسد الثقوب التي فتحت في الماضي، و يعود الينا مجدنا و شعارنا، و هو الوحدة الاسلامية، وفق الله الجميع.