/ صفحه 240/

الاقتصاد الإسلامي

لحضرة صاحب  الفضيلة الأستاذ الجليل شيخ محمد أبو زهرة

أستاذ الشريعة الإسلامية في كلية الحقوق بجامعة القاهرة

ـ 3 ـ

1 ـ انتهينا في كل كلامنا السابق إلى الكلام في ملكية المعادن، وبين اختلاف الفقهاء في مدى حق الدولة الممثلة للمجتمع الإسلامي فيها؛ وانتهينا إلى أن أمثل الآراء هو رأي الإمام مالك رضي الله عنه، وهو أن الملكية في المعادن تكون للدولة الإسلامية ولو وجدت في أرض مملوكة ملكا خاصاً، لأن مالك الأرض إنما يملك ظاهرها دون باطنها، وهو يملك ما تستخدم له الأرض عادة، وهو الزرع أو البناء، وليس من الانتفاع المعتاد بالأرض استخراج المعادن منها، ولأن ما يخرج من فلزات الأرض وجواهرها لا يستلزم من الجهد ما يتكافأ مع ما تنتجه، وهي وديعة الله في الأرض فتكون لكل خلقه، لا يختص بها إنسان دون آخر، ولأنها لا يستغني الناس عنها عادة، فهي تشبه الماء والنار والكلأ، فلا يستبد بملكيتها أحد، لأن الناس جميعاً شركاء فيها.

2 ـ وهناك نوع من الأشياء يتنازعه شبهان:

أحدهما ـ شبهه بالمعادن من حيث إن الإنتاج فيه ليس بعمل العامل وحده، ولكن برعاية الله وكلاءته.

والثاني ـ أنه ثمرة جهد وتمييز الأنواع المختلفة والجد المتواصل تحت عين الله تعالى وفي ظله، كالشأن في عمل كل عامل، وذلك النوع هو الأراضي الزراعية، ويجب أن نتعرض لمقدار سلطان الملكية الفردية فيها، وسلطان الدولة التي تمثل الحقوق الإنسانية فيها.

 

/ صفحه 241/

3 ـ ولكي نتعرف أحكام الإسلام لا نرجع إلى عهود الجاهلية، بل نرجع إلى العهد الإسلامي الأول حيث كان الشرع ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم، ومن فعل النبي صلى الله عليه وسلم يؤخذ الشرع الإسلامي كما يؤخذ من أقواله وأحاديثه الشريفة.

ولعل أول أرض استولى عليها المسلمون بعد الهجرة هي أرض بني النضير، وذلك لأنهم بعد الواقعة التي اختبر الله فيها المؤمنين ليمحص قلوبهم ـ خانوا العهد، وحالفوا المشركين مخالفين بذلك ما تعاهدوا عليه، ولذلك أخرجهم النبي صلى الله عليه وسلم من جواره ليأمن شرهم، وهؤلاء هم الذين نزل في أموالهم قوله تعالى: « ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين، وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب، ولكن الله يسلط رسله على من يشاء، والله على كل شيء قدير، ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول، ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم، وما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا، واتقوا الله إن الله شديد العقاب، للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضواناً، وينصرون الله ورسوله، أولئك هم الصادقون، والذين تبوءوا الدار والايمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم، ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم، ولو كان بهم خصاصة، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ».

4 ـ وإن هذا النص صريح في أن ذلك الفئ بأرضه ومنقوله وثمره يكون لبيت المال يوزعه على فقراء المهاجرين والأنصار لكيلا يكون دولة بين الإغنياء، ولم يصرف على غيرهم، لأنه لم يكن ثمة فتح. وقد قسم على المهاجرين وفقراء الأنصار أموال بني النضير، وما ناله المهاجرون كان أكثر مما ناله الأنصار، وذلك لكثرة الحاجة في المهاجرين، لأنهم خرجوا من أموالهم وديارهم يبتغون فضلا من الله ورضواناً، وأما الأنصار فقد كانت الحاجة فيهم

 

/ صفحه 242/

أقل، وإنه بما ناله المهاجرون من هذا الفئ قد استطاعوا أن يقوموا بأنفسهم، وأغناهم الله عن طلب العون من الأنصار، فقد أكرم الله المهاجرين بهذا الفئ الذي ساقه الله تعالى رزقاً حسناً.

أما الأرضون فلم يوزعها النبي صلى الله عليه وسلم، فأبقى الأرض والغراس تحت سلطانه لتكون غلاتها للفقراء واليتامى والمساكين وأبناء السبيل.

وبذلك يتبين أن النبي صلى الله عليه وسلم أبقى أول أرض فتحها تحت سلطانه، وهو سلطان الدولة الإسلامية كلها، ولم يقسمها بين الآحاد، ولو كانوا فقراء، حتى لا يكون ينبوع تلك الثروة المغلة التي تدر الدر الوفير في أيد محدودة تدار بينهم، ولا تنتقل إلى غيرهم.

وليس في هذا منع لملكية الأراضي، ولكنه السياسة الاقتصادية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم اختارها نظاماً لدولته، في وقت كان يحتاج إلى السلاح والخيل، ليعد للأعداء ما يستطيع من قوة، فقد قال الله سبحانه وتعالى: « وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم، وآخرين من دونهم لا تعلمونهم، الله يعلمهم ».

ومن جهة أخرى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مطلق اليد في التوزيع، لأن هذه الأراضي لم يكن لها مستحقون يطالبون بحقهم، فلم يكن قتال، ولكن كان حصار، حتى صاروا يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فلا ملكية ولا استحقاق للملكية ولو ظاهراً ولم يمنع ذلك الاستحقاق لأن الأراضي غير قابلة للملكية، بل لهذا المعنى.

وعلى ذلك لا نستطيع أن نستنبط من عمل النبي صلى الله عليه وسلم في أرض النضير حكما عاماً بالنسبة لمنع ملكية الأراضي، أو إجازتها.

5 ـ وفي السنة السابعة من الهجرة النبوية بعد عقد الحديبية اتجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر ففتحها، واستولى على حصونها، وكانت ثمانية حصون، كل حصن فيه قوة، وفيه معتصم، واستولى النبي صلى الله عليه وسلم على أموالهم

 

/ صفحه 243 /

وأراضيهم، وقد قسم الحصون والأموال على الفاتحين، وأبقى لنفسه بصفته رئيس الدولة الإسلامية حصنين، أما الأراضي الزراعية والنخيل فقد أبقاها تحت أيدي أهلها مناصفة، أي يكون لهم نصف ما تنتجه الأرض والنخيل، وللنبي صلى الله عليه وسلم باعتباره رئيس الدولة الإسلامية، ومدبر أمورها، النصف الآخر عن طريق خراج المقاسمة.

وبعد تمام فتح خيبر جاء أهل فدك فصالحوا النبي صلى الله عليه وسلم، على أن تكون أرضهم ونخليهم بأعيانها مناصفة بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم، فالنصف الذي ملكيتهم فيه مطلقة يملكون الرقبة والمنفعة، والنصف الذي للرسول صلى الله عليه وسلم يكون له، وقد دفعه إليهم مزارعة، بأن يكون له بعض الغلات. ولهم الباقي في نظير العمل الذي يقومون به في فلح الأرض وبذرها، وإصلاح الشجر وسقيه، ويكون حكم هذا النصف حكم أرض خيبر، وإن ما كان يعود إليه من غلات هذا النصف ينفقه على أبناء السبيل واليتامى والمساكين.

6 ـ وباستقصاء عمل النبي صلى الله عليه وسلم يتبين أن حكم الأرض في الملكية كان يختلف في الصلح عنه في حال الحرب، والاستيلاء على أرضهم عنوة، ففي الحال الأولى تبقى أرضهم على ملكهم، ويجوز أن يكون في الصلح أخذ جزء منها لمصالح المسلمين كما حصل في « فدَك » إذ أخذ جزءا منها للمسلمين تنفق غلاته في التكافل الاجتماعي والمرافق العامة.

وفي حال فتح البلاد وأخذ الأرض عنوة كانت تبقى الأرض بأيدي أهلها على أن تكون ملكيتها لبيت المال، وعلى أن تكون غلاتها بالمقاسمة بينهم وبين بيت المال، وذلك على سبيل المزارعة التي تجعل للعامل حظا معلوما شائعا في الزرع أو الثمر، ولبيت المال حظ معلوم، هو كالأجرة في إجارة الأراضي، وإن سماه المتأخرون بعد ذلك بغير هذه التسمية، ومهما تكن التسمية فهو في حكم الإجارة.

وفي حال فتح البلاد صلحاً وملكية الأهلين لأراضيهم يفرض عليهم خراج هو جزية الأرض، وهو مقابل ما يدفعه المسلمون من عشر الزرع والزكوات

 

/ صفحه 244/

والكفارات وكل هذا لبناء الدولة، وللتكافل الاجتماعي، وبذلك كانت أكثر الأراضي العربية ملكا لأهلها، لأنهم صالحوا عليها، وعليها عشر أو خراج.

7 ـ وإذا تركنا عصر التنزيل، وهو عصر النبي، وانتقلنا إلى عصر الراشدين، وهو عصر الصحابة، وعصر الحكم الإسلامي السليم الذي لا تشوبه شائبة ـ نجد الجيوش الإسلامية تخرج من أقطار الجزيرة العربية ضاربة في شرق الأرض ومغاربها، فاتجهت في الشرق إلى العراق وفارس، واتجهت إلى الشمال في الشام، وإلى الغرب في مصر، وكان ذلك تحقيقاً للبشارة الكبرى التي بشر بها القرآن في قوله تعالى: « ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض، ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين » وتحقيقاً لما بشر به النبي صلى الله عليه وسلم من أن الله تعالى سيفتح عليهم بلاد كسرى وقيصر، وقد تم لهم النصر فيما اتجهوا إليه من بلاد.

وكان أول أرض مثمرة مغلة وقعت في أيديهم أرض العراق، ولم يدر الفاتح الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص ماذا يصنع فيها وقد أراد المحاربون أنتسم الأرض بينهم ملكا حرا خالصاً إلا من العشر يؤخذ من غلاته، فأرسل إلى الإمام عمر بن الخطاب، ينبئه أن الناس سألوه أن يقسم بينهم مغانمهم، وما أفاء الله عليهم، ومن بعد ذلك بقليل أو في هذا الإبان فتح أو عبيدة عامر ابن الجراح أراضي من الشام فأرسل إليه أيضاً بأن المسلمين من الفاتحين سألوه أن تقسم بينهم المدن وأهلها؛ والأرض وما فيها من شجر وزرع، وأنه أبى عليهم ذلك حتى يبعث الإمام عمر برأيه.

8 ـ وهنا نجد أمير المؤمنين لا يستبد بأمر المؤمنين، بل بجمع عليه الصحابة وفقهاءهم، ليخرج بالرأي السليم من وسط آرائهم، وقد ابتدأ بعرض القضية عليهم ورأيه، فقال رضي الله عنه.

« لو قسمت الأرضين لم يبق لمن بعدكم شيء، فكيف بمن يأتي من المسلمين، فيجدون الأرض قد انقسمت وورثت عن الآباء وحيزت ما هذا برأي، فما يسديه الثغور، وما يكون للذرية والأرامل بهذا البلد، وبغيره من أرض الشام والعراق ».

 

/ صفحه 245/

تقدم عمر رضي الله عنه بذلك الرأي الصريح المصلحي، ونلاحظ أنه بناه على المصلحة المجردة، ولكن عارضه بعض كبار الصحابة كعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام وبلال بن رباح، وكان بلال الحبشي شديداً في معارضته، قويا فيها حتى لقد استغاث عمر بربه منه فقال: « اللهم اكفني بلالا وأصحابه ».

وهؤلاء الذين عارضوا كانت حجتهم آية الغنائم، وهي قوله تعالى:

« واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه، وللرسول ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقي الجمعان، والله على كل شيء قدير » فقد فهموا من هذ النص أن الأراضي تعد من الغنائم فتقسم، ولعل الإمام عمر الفاروق رضي الله عنه فهم من النص أن هذا فيما يؤخذ من أ موال منقولة تتلقفها الأيدي، أما الأراضي فإنه يستولي عليها ولا تتلقفها الأيدي، فلا تجري عليها أحكام الغنائم ولكن يجري عليها حكم الاستيلاء.

وقد أيد عمر رضي الله عنه في رأيه جمع من فقهاء الصحابة كعلي وعثمان وطلحة ومعاذ بن جبل وغيرهم كثير، وقد كثر الخلاف واستمر الإمام يجادلهم ويقرع الحجة بالحجة ثلاثة أيام، وأخيرا رأي بحكمته وثاقب نظره أن يجمع وأن يحتكم في الامر إلى طائفة من الأنصار فاختار عشرة من الأوس وخمسة من الخزرج، والعشرة من الكبراء وذوى البلاء في الإسلام، ولما جمعهم نهض وألقى الخطاب التالي بعد أن حمد الله وأثنى عليه.

« إني لم أزعجكم إلا لأن تشتركوا في أمانتي، فيما حملت من أموركم، فأني واحد كأحدكم، وأنتم اليوم تقرون بالحق، خالفني من خالفني ووافقني من وافقني...

أرأيتم هذه الثغور لابد لها من رجال يلزمونها، أرأيتم هذه المدن العظام لابد لها من أن تشحن بالجيوش وإدرار العطاء عليهم، فمن أين يعطي هؤلاء إذا قسمت الأرضون ومن عليها... لقد وجدت الحجة في كتاب الله الذي ينطق بالحق»، « وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء، والله على كل شيء قدير ». هذه نزلت في نبي النضير، والآية

 

/ صفحه 246/

« ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم » هذه عامة في القرى كلها.. ثم قوله تعالى « للفقراء الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا » إنها للمهاجرين، ثم الآية بعدها « والذين تبوءوا الدار والايمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم، ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ». وهذه للأنصار ثم ختم الآية « والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان » هذه عامة لمن جاء بعدهم، فاستوعبت الآية الناس، وقد صار هذا الفئ بين هؤلاء جميعاً، فكيف نقسمه لهؤلاء، وندع من يجيء بعدهم ».

بعد هذا البيان الذي يستمد الأدلة من كتاب الله تعالى اتفق رأي المحكمين على رأي الإمام عمر رضي الله عنه فأجابوا جميعاً الرأي رأيك فنعم ما قلت وما رأيت.

وقد قرر أبو يوسف راوي هذه البيانات أن رأي عمر هو الذي كان فيه خير المسلمين، وقال في ذلك: « والذي  رأي عمر رضي الله عنه من الامتناع من قسمة الأرضين بين من افتتحها عند ما عرفه الله مما كان في كتاب الله من بيان ذلك توفيقا من الله له فيما صنع، وفيه كانت الخيرة لجميع المسلمين، وفيما رآه من جمع خراج ذلك وقسمته بين المسلمين عموم النفع لجماعتهم، لأن هذا لو لم يكن موقوفا على الناس في الأعطيات والأرزاق لم تشحن الثغور، ولم تقو الجيوش  على السير في الجهاد ».

9 ـ نحن نرى أن فعل الإمام عمر هو نظام الإسلام، وذلك للأسباب الآتية:

أ ـ أن ذلك هو فعل النبي صلى الله عليه وسلم في خيبر وفي أرض بني النضير وفي كل أرض استولي عليها النبي صلى الله عليه وسلم عنوة، وصار للإسلام الكلمة العليا فيها، فقد أبقى  صلى الله عليه وسلم أرض خيبر وقفاً على المسلمين.

 

/ صفحه 247/

ب ـ أن الآية صريحة في أن الأراضي التي يفيء الله بها على المسلمين لا تقسم بين الفاتحين.

ج ـ أن الأراضي لا تنطبق عليها أحكام آيات الغنائم، لأنها لا تؤخذ ولكن يستولي عليها، فلا تقسم واليد عليها يد حكمية لا يد فعلية.

د ـ أن الجنود لو اقتسموها لانقلبوا زراعا، ولتركوا الجهاد، وفي ذلك ضعف للإسلام والمسلمين.

10 ـ وننتهي من هذا إلى أن الأراضي كانت بحكم النبي صلى الله عليه وسلم، وتبعه في حكمه الراشدون ينقسم إلى قسمين ـ أراض ملكيتها مطلقة لواضعي اليد عليها، وهذه هي الأراضي التي فتحت بلادها صلحاً، وذلك كنصف أرض فدك، وأراض فتحت عنوة، وهذه يد واضعي اليد عليها ليست يد ملك للرقبة، ولكنها ملك للمنفعة، والفرق بين ملكية الرقبة والمنفعة، والمنفعة وحدها واضح في الفقه الإسلامي، إذ ملكية الرقبة ملكية مطلقة تجيز التصرف في العين، ولا تكون مؤقتة، واليد لا تكون يدا نائبة، بل تكون أصيلة لا تستمد قوتها من غيرها، أما ملكية المنفعة، فإنها تقبل التوقيت، وهي يد نائبة وليس يدا أصيلة، وللأصيل أن يتصرف فيما يملك كما يشاء، وله أن يمنع اليد النائبة من التصرف وبمقتضى ذلك يكون لولي الامر في الأراضي التي تملكها الدولة، أو هي على حد تعبير الفقهاء التي تكون موقوفة على مصالح المسلمين، أن ينزع الأراضي من أيدي أصحابها، ويعطيها غيرهم.

وبمقتضى المنطق السابق كان لا يجوز التصرف من واضعي اليد على الأراضي الموقوفة على مصالح المسلمين، ولكن أجيز التصرف فيها بالبيع والشراء والاجارة وغير ذلك من التصرفات، لأن هذه تجري في المنافع كما تجري في الأعيان، وأجيز الارث فيها، لأنها حقوق تورث عند جمهور الفقهاء لقول النبي صلى الله عليه وسلم: « من ترك حقا أو مالا فلورثتة » والحنفية الذين لم يجيزوا وراثة المنافع أجازوا وراثة هذه الأراضي؛ لأنه قد تعلق لواضعي اليد فيها حقوق عينية، ولأنهم

 

/ صفحه 248/

إن لم يكونوا مالكين للرقبة، فلهم بمقتضى الوضع القديم المستمر  حق الأولوية في الانتفاع في نطير الخراج المعروف. فاشبه بذلك حق الحكر، وإنه يورث بوراثة الأعيان التي امتلكها واستحق بها الاحتكار.

11 ـ وإن ولي الامر كما رأيت من عمل الرسول يترك الأراضي في أيدي أهلها على جعل يؤخذ منه، وهو الذي يسمى الخراج، أو جزية الأراضي، وهذا يفترق عن الأراضي التي تبقى ملكا في يد أهلها، فإنهم إذا لم يكونوا مسلمين يؤخذ منهم ضعف ما يؤخذ من المسلم، وهذا فريضة شرعية تختلف عن الأول، والفرق بينها كالفرق بين مالك للزرع والأرض، ولكن يدفع ضريبة، وبين مالك للأرض فقط والزرع شركة بينه وبين ولي الامر باعتبار نصيب ولي الامر أجرة للأرض.

ولذلك قرر الفقهاء أن الخراج الذي يؤخذ من أراضي مصر والشام والعراق وغيرها من البلاد التي فتحها المسلمون عنوة وبقيت تحت أيدي أهلها ـ إنما هو أجرة، وقد صرح بذلك الفقهاء في كل المذاهب الإسلامية المعروفة.

أما الخراج الذي كان مفروضاً في أرض بني تغلب وغيرها من القبائل التي صالحت النبي صلى الله عليه وسلم على أن تبقى على دينها مع دفع ضرائب معينة، فإن الخراج في هذه الحال ليس أجرة، بل يقابل الزكوات المفروضة في أموال المسلمين، ولذلك سمى صدقة، لأنه يقابل ما يؤخذ من المسلمين من صدقات.

12 ـ ولقد بنى على اعتبار الأراضي في مصر والشام ليست ملكا لواضعي اليد عليها أنه في صدر الدولة الإسلامية إلى الدولة الفاطمية التي استولت على مصر والشام ـ لم يجز الوقف فيها، فقد كان الوقف في تلك الأزمنة مقصوراً على الدور والرباع والحوانيت وغيرها من المباني التي كانت تعد ملكيتها مطلقه، ولم يجز في الأراضي الزراعية، حتى جاءت الأيوبية فتجاوز الرباع والدور إلى الأراضي وكثر وقف الأراضي من بعد ذلك في عهد المماليك والعهد العباسي.

ومما بنى على ذلك النظر أيضاً الكلام في أن ولى الامر له أن ينزع الأراضي

 

/ صفحه 249/

من أيدي واضعي اليد عليها أم لا يجوز إنه بمقتضى الفقه ومنطق التوزيع، يجوز لولي الامر تغيير التوزيع ونزع الأراضي من يد إلى يد، وذلك لأن يد الزراع ليست يد ملك، وهي يد مسلطة من قبل ولي الأمر، ومن يملك الإعطاء يملك المنع، ولكن تصرفات أيام المسلمين تبني على المصلحة الشرعية، وأنه يفرض في كل عمل يعمله مراعاة مصالح المسلمين، وقد كان في التوزيع الأول مصلحة، فلا يجوز العدول عنه إلا إلى مصلحة أقوى من الأولى، وإن وضع اليد الأولى أوجد حقوقاً لأصحاب التوزيع الأول فلا تزال هذه الحقوق إلا لفساد يترتب عليها، ولذلك لا يجوز نزع أرض من واضعي اليد، ولو كانوا غير مالكين للرقبة إلا لمصلحة تترتب على النزع، ويكون ضرر بقاء اليد أكبر من ضرر نزعها، فإن الضرر يزال، والضرر القليل يدفع بالضرر الكبير.

ولقد حفظ التاريخ أن بعض الملوك أراد انتزاع الأراضي من أيدي أهلها بدعوى أنه لا دليل على ملكيتهم لها، أو على وضع اليد الشرعي عليها، وذلك هو الظاهر بيبرس البندقداري، ولكن وقف في وجهه كبير العلماء في ذلك الإبان محيي الدين النووي، وقال له: « إن ذلك غاية العناد، وأن عمله لا يحله أحد من علماء المسلمين، ومن في يده شيء فهو ملكه لا يحل لأحد الاعتراض عليه، ولا يكلف إثباته » وما زال يعظه مرة بالعظات الرفيقة، وأخرى بالعظات الزاجرة حتى كف عن ذلك.

وقد جاء محمد على واستولي على الاراضي المصرية كلها، ونزعها من أيدي واضعي اليد، واتخذ طلب الدليل على وضع اليد الشرعي ذريعة للإستيلاء، فقد طلب إلى كل واضع يد على أرض أن يقدم السند المثبت للملكية، فقدم بعضهم دليلا، وبعضهم لم يقدم ومن قدم دليلا زيِّف أو حرق، وأنتهى الامر بأنه لا دليل، فآلت الملكية ووضع اليد إلى الدولة.

وقد عادت الأراضي إلى حيازة الأهلين في عهد الوالي سعيد بن محمد علي، وكانت حيازة مقيدة، قد أخذت تتسع شيئاً فشيئاً، حتى صدر الأمر العالي

 

/ صفحه 250 /

في 15 من أبريل سنة 1981 بإعطاء الملكية في الأطيان، ولكن يجب أن يلاحظ أن هذه الملكية هي في دائرة الوضع الشرعي للأراضي المصرية بحكم الفتح الإسلامي الأول، لأن هذا الوضع لا يقبل التغيير، لأنه بمقتضاه تكون غلاتها موقوفة على مصالح المسلمين، وذلك الوقف حكم شرعي لا يقبل التغيير، وفوق ذلك فإن ما يكون لمصلحة الكافة لا يملك ملكا خاصا على ما هو مقرر في الشرع الإسلامي.

13 ـ وبهذا يتبين أن حقوق اليد على الأراضي في الإسلام ثابتة بحكم شرعي، وأن الملكية على الأراضي ثابتة سواء أكانت ملكية رقبة ومنفعة، أم كانت ملكية منفعة بيد مسلطة من الشرع الإسلامي، وإن كانت يدا نائبة وليست يدا أصيلة، وبهذا تكون الأيدي محترمة، ولا يجوز انتزاعها إلا إذا ترتب ضرر على بقائها ووجدت مصلحة راجحة على البقاء، فإن الضرر يزال كما هو مقرر شرعا بمقتضى الحديث الشريف: « لا ضرر ولا ضرار ».

ولا فرق عند وجود الضرر بين أرض مملوكة ملكا تاما في الرقبة والمنفعة، وأرض مملوكة ملكا ناقصا مقصورا على المنفعة وحدها لا يتجاوزها، فإن الضرر يجب دفعه في كل حال، وحيث وجد الضرر ضعف الحق وزال لأن دفع الأضرار مقدم على جلب المصالح.

وإن ذلك ليس استنباطا فقهيا مجردا، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم نزع أراضي من أيدي واضعي اليد عليها، وجعلها لعامة المسلمين، فقد روى الإمام أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حمى أرضا بالمدينة لترعى فيها خيل المسلمين، ومعنى ذلك أنه جعلها للعامة، ولم يجز أن تقوم عليها ملكية خاصة وذلك للمصلحة العامة ولا يقتصر عمل النبي صلى الله عليه وسلم على دفع ضرر العامة، بل يدفع الضرر الخاص إذا أساء المالك استعمال ملكه، وصار يتخذ الملكية للمضارة، ولقد روى في ذلك أنه كان لسمرة بن جندب نخل في بستان رجل من الأنصار، فكان يدخل البستان هو وأهله فيؤذي ذلك مالك البستان، فشكا المالك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لسمرة: بعه فأبى، فقال « فاقلعه » فأبى، فقال الرسول

 

/ صفحه 251 /

الكريم: هبها لي، ولك مثلها في الجنة، فأبى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أنت مضار، ثم قال للمالك اذهب فأقلع نخله ».

وهذا الحديث وإن كان في غير الأراضي هو يدل على أن دفع الضرر أمر مقرر في الإسلام.

ولقد كان عمر يسير على نهج النبي صلى الله عليه وسلم في حماية كل ما يكون فيه نفع عام في الأراضي، فقد جعل أرضاً بالرّبذة، وجعل كلأها لكل المسلمين، وجاء أهلها يشكون قائلين: « يا أمير المؤمنين أرضنا قاتلنا عليها في الجاهلية وأسلمنا عليها، عَلامً تحميها، فأطرق الأمير العادل وقال « المال مال الله. العباد عباد الله، والله لو لا ما أحمل عليه في سبيل الله ما حميت من الأرض شبراً في شبر ».

ولقد كرر هذا المعنى لواليه الذي أرسله، فقد قال له:

« اضمم جناحك على الناس، واتق دعوة المظلوم فإنها مجابة، وأدخل رب الصريحة والغنيمة (1)، ودعني من نعم ابن عفان، ونعم ابن عوف، فإنهما إن هلكت ماشيتهما رجعا إلى نخل وزرع، وإن هذا المسكين إن هلكت ماشيته جاءني ببنيه يصرخ: « يا أمير المؤمنين !! أفتاركهم أنا لا أبالك !! فالكلأ أيسر عليَّ من الذهب والورق، وإنها لأرضهم قاتلوا عليها في الجاهلية، وأسلموا عليها في الإسلام، وإنهم ليرون أني ظلمتهم، ولو لا النعم التي يحمل عليها في سبيل الله ما حميت على الناس شيئاً من بلادهم ».

14 ـ وننتهي من هذا إلى أن الأراضي في الإسلام تثبت فيها أمور ثلاثة: أولها ـ أن الملكية المطلقة قد تثبت عليها بحكم الشرع في حال وأن الملكية الناقصة تثبت فيها بحكم الشرع أيضاً في حال أخرى، وأن هذه الحقوق لا يصح الاعتداء عليها، والتغيير فيها ما دام التغيير لا توجبه ضرورة ملجئة، ولا حاجة واضحة، وأن على الدولة أن تحمي هذه الملكية في الحدود التي رسمها الشارع.

 

ــــــــــ

(1) أي أصحاب الغنم القليلة، والإبل القليلة، فالصريحة الإبل القليلة، والغتيمة الغنم القليلة.

 

/ صفحه 252/

وثانيها ـ أنه يجوز لولي الأمر نزع الأراضي من أيدي مالكيها إذا كان في ذلك نفع عام، كجعلها مراعي عامة.

وقد يكون الاحتكار سبباً من أسباب نزع الملكية بمثل ثمن الأرض، كالشأن في كل شيء محتكر، ومن ذلك وجود أراض كثيرة في حوزة ملاك قليلين، وحرمان الباقين من أن يملكوا، فإن ذلك يكون احتكاراً يحارب صاحبه، بأن تنتزع منه الأرض بثمن مثلها، كالشأن في دفع أذى الاحتكار في كل عين مملوكة.

ثالثها ـ أن كل الأراضي المفتوحة في عصور الإسلام السابقة تعد بحكم الإسلام موقوفة على مصالح المسلمين، وذلك بمقتضى السنة التي سنها النبي صلى الله عليه وسلم في أرض خيبر واقتداء عمر رضي الله عنه به، وانتهاج المسلمين منهاجه عليه الصلاة والسلام.

ملكيات غير محترمة:

15 ـ انتهينا من الكلام في أموال غير قابلة للتمليك لأنها تدر دراً وفيراً، وأموال ملكيتها فيها كلام ونظر وهي الأراضي، ولننتقل إلى أشياء لا تثبت فيها الملكية، أو ملكيتها غير محترمة، وبعض هذه الأشياء الملكية لا تثبت عليها كالخنزير ولحم الميتة وغيرهما من الأشياء التي لا يباح الانتفاع بها، ولا يمكن أن تتحول إلى حال يمكن الانتفاع بها، ولذلك إذا كان بعض أجزاء الميتة غير اللحم قد تحول إلى أمر ينتفع به، فإن الملكية نثبت عليه، فالجلد تثبت الملكية وتكون ملكية محترمة إذا دبغ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: « أيما أهاب دبغ فقد طهر، وذلك إذا كان الحيوان الذي دبغ جلده كان طاهراً في حال حياته، فالخنزير مثلا لا تطهر الدباغة جلده، لأنه في حياته نجس العين بالاتفاق، فالدباغة لا تطهره في الحياة.

والخمر. وإن كانت الملكية تثبت عليها ابتداء بالميراث، أو كتخمرها في يد مالك كالعنب إذا تخمر في يد صاحبه، فإن الملكية تستمر، ولكنها تكون

 

/ صفحه 253/

ملكية غير محترمة، ولذا لو أراقها شخص ليس للمسلم طلب قيمتها، لأنها في يد المسلم مال غير محترم، أما في يد غير المسلم ممن يستظلون بالراية الإسلامية، فإن ملكيته تكون محترمة عند بعض الفقهاء كأبي حنيفة، فإن الشخص إذا أراق خمراً في يد شخص غير مسلم للمحرمات الشرعية تكون غير محترمة، فإذا أتلف شخص خمراً أو خنزيراً لغير المسلم، فإنه لا يضمن قيمته، لأن لهم ما لنا وعليهم ما علينا، فما دام محرماً عندنا فيدهم عليه، كيدنا عليه غير محترمة، وملكيته غير مصونة.

ووجهة الرأي الأول أننا أمرنا بتركهم وما يدينون، فما داموا يدينون بإباحة هذه الأشياء، فليس لنا أن نتعرض لهم، بل علينا أن نصون لهم ما يتدينون به، وإن كان باطلا، ولقد سأل عمر بن العزيز الحسن البصري لماذا نترك المجوس ينكحون بناتهم، والنصارى يأكلون الخنزير، ويشربون الخمر، فأجابه الحسن رضي الله عنه إجابة لا تخلو من عنف بقوله: م

« على هذا أعطوا الجزية، وعلى هذا كان السلف، إنما أنت متبع لا مبتدع ».

ومن الأحوال التي تكون الملكية فيه غير مَرضيّة في الإسلام، ملكية المكاسب الخبيثة، فمن كسب كسباً خبيثاً لا يحل له أن ينتفع به، فمن أكل مالا ربوياً، لا يحل له أن ينتفع به، بل عليه أن يرده لصاحبه، فإن لم يعلم له صاحب تصدق به، ولا يحل له أن يبقيه في ملكه، كما أنه لا يجوز لغيره أن ينتفع به عن طريقه، فمن اغتصب طعاماً، لا يحل للضيف الذي يستضيفه المغتصب أن يتناول من هذا الطعام، وقال الكثيرون من الفقهاء إن الصلاة في الأرض المغصوبة لا تجوز.

وبذلك يتبين أن في الإسلام ثلاثة أنواع من الأموال لا يجري فيها الانتفاع بالملكية.

أولها ـ أشياء لا تقع عليها الملكية، وهي المحرمات للتي لا يمكن تحويلها إلى حال تباح فيها، كلحم الميتة والخنزير.

 

/ صفحه 254/

وثانيها ـ أشياء تقع عليها الملكية، ولكن لا يصح الانتفاع بها ولا تحترم هذه الملكية، وهي الأشياء المحرمة وهي على صفة معينة، ويمكن تحويلها إلى صفة أخرى تكون فيها غير محرمة.

وهذان النوعان لا يصح التعامل بهما، أي لا يجري فيهما البيع والشراء والهبات؛ لأنها غير مملوكة، ملكية غير محترمة، وكلا النوعين لا يصح التصرف فيه، لأن التصرفات الشرعية تستمد قوة الالزام من أحكام الشارع، وليس من المعقول أن يحمى الشارع ملكية لا يحترمها، بل يبيح الاعتداء عليها.

والنوع الثالث من الأموال ـ هو الأموال ا لتي تجئ من طرق غير محللة شرعاً، وهذه تثبت فيها أو الملكية من حيث الشكل، ولكنها مال لا يباح الانتفاع به بل يرد إلى صاحبه. وقد قال النبي عليه السلام: « ليس لعرق ظالم حق ».