/ صفحة 317 /
للكاتب الفاضل الأستاذ غلام رضا النمائي الطسي
قرأت في العدد الرابع من السنة التاسعة مقالاً لحضرة الأستاذ الكبير الشيخ عبد المتعال الصعيدي الأستاذ في كلية اللغة العربية أيده الله وسدده وراعني تحقيقه الأنيق وراقني فكره العميق في قصة المعراج الذي هو من أهم قصص القرآن المجيد وأكبر معجزة للرسول الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم ولما كان مخالفاً لما عليه جمهور المسلمين سيما المؤرخين والمفسرين منهم وبالأخص نحن معاشر الشيعة نعتقد أن الأسراء كان بالروح والجسد معاً أستأذن من جناب الكاتب (والمرجو منه الإذن) أن أناقش فيما استدل عليه لتصحيح توجيهه الجديد وبعد الاستئذان أعرض عليه أن بحثي من المناقشة يدور حول ثلاث جهات.
الجهة الأولى في السؤال عن تغيير تسمية الإسراء بالرؤيا.
الثانية في نقد الآيات والأحاديث التي استدل بها الكاتب على مراده.
الثالثة في سرد الآيات الكريمة حول الإسراء والمعراج وتبين المراد منها.
الجهة الأولى:
أطلق الكاتب أيده الله كلمة رؤيا الإسراء للمعراج وأطالب حضرته بالدليل الذي جوز للمستدل المعظم أن يسمى الإسراء والمعراج بالرؤيا الإسرائية? أكان آيات الإسراء منحصرة في آية 60 من سورة الإسراء?
ألم تكن آية (1) من هذه السورة أبين وأوضح دلالة من آية الرؤيا التي جعلتم حجر الأساس من بناء هذا التوجيه وبينتم عليها ما شئتم مع ابهام وغموض في آية الرؤيا على الإسراء كما ستجيء المناقشة فيها مفصلة إن شاء الله ولا أقل من أن نسامح حضرته ونقبل في أن كلتيهما نزلت في الإسراء. أليس من القواعد المسلم بها في التوفيق بين المجمل والمبين حمل المجمل على المبين ولا عكس. أليس كلمة
/ صفحة 318 /
الإسراء صريحة في السير بالروح والجسد ليلا كما يقول الشاعر:
وجهك بالعنبر والمسك الزكي أبيت أسرى وتيتين تدلكي
ولما أراد فضيلة الكاتب دام علاه أن يقرر دليل الجمهور كتب (ثم لا يرى بعضهم باساً في أن يقرب الإسراء والمعراج الجسديين لقياسه على ما حصل في عصرنا من الصعود في الجو بالطائرات). لا. أيها الكاتب الأستاذ لا نقرب الإسراء والمعراج الجسديين بالقياس من الصعود في الجو بالطائرات لأن هذا من صناعة البشر. ومعجزات الأنبياء صلوات الله عليهم من أفعال الله وفوق ذلك.
لماذا لا نقيس برفع ادريس والمسيح عليهما السلام وبما أعطاه الله لسليمان النبي عليه السلام كما نطق به القرآن المجيد واستعبد دام عزه أن يكون الإسراء بالجسد وكتب. (لأن قريشاً اقترحت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم الله عليه وآله مثل ما رآه الجمهور في الإسراء والمعراج في الآيات 90، 91، 92، من سورة الإسراء وفي آخر هذه الآيات أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم الله عليه وآله. (أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولا).
استعظم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يقترحوا على بشر مثله ما اقترحوا ومنها أن يرقى في السماء.
فإن كان هذا الاقتراح قبل قصة الإسراء والمعراج فإنه يكون استجابة لاقتراحهم وهو ينافي الاستعظام على أنه كان الواجب أن يحصل على مشهد منهم كما اقترحوا لا أن يحصل في غيبتهم ثم يخروا به لأنه خلاف ما اقترحوه عليه وقد جاءت معجزات الأنبياء على وفق ما اقترح عليهم فليكن شأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم الله عليه وآله في ذلك كشأنهم.
وإن كان الإقتراح بعد قصة الإسراء والمعراج فكيف يستعظمه النبي صلى الله عليه وآله وسلم على بشر مثله وقد حصل له في هذه القصة على رأي الجمهور وحينئذ لا يكون استعظامه له مقبولاً على رأي الجمهور، سواء أكان قبل قصة الإسراء والمعراج أم كان بعدها مدى الاستدلال على رد رأي الجمهور: أنه إن كان اقتراح الرقي إلى السماء قبل الإسراء فيجب على النبي إراءة رقية وإسرائه، ويرقي في أعينهم ولا يستعظمه.
/ صفحة 319 /
وإن كان بعد الإسراء على رأي الجمهور فلم لم يرق في أعينهم مع أنه رقى قبله وكأنه إعتاده? ولم استعظمه?. ويلوح من عباراته المنيفة أن الإسراء إن كان معجزة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم كما يعتقده الجمهور يجب أن يكون بعد اقتراح الناس كما كانت معجزات الأنبياء صلوات الله عليهم بعد اقتراح الناس عليهم.
هذه خلاصة استدلال الكاتب في تفسير الإسراء وتأويله بالرؤيا.
ورويداً رويداً نجيب عن ذلك.
أما الترديد بين تاريخ الاقتراح في أنه كان بعد الإسراء أو قبله فعلى كلا الوجهين لا ينافي الإسراء على مذهب الجمهور.
أولاً ـ لأن الرقي المقترح عليه صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن رقياً مطلقاً بل كان شرط إيمانهم بعد الرقي إلى السماء أن ينزل عليهم كتاباً يقرءونه وصرحوا بذلك والإنيان بالمعجز بعد الإقتراح يجري على يد النبي إذا رأى فيه فائدة في إيمانهم وأما إذا لم ير النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك ما يفيده في إيمانهم فيمكن أن ينزل عليهم العذاب ويستعجل لهم العقوبة، ولا يرضى بهذا نبي الرحمة.
وثانياً ـ أن الإتيان بالمعجزات من الأنبياء لم يكن من قبل أنفسهم بل كان بإذن من الله كما نطق به القرآن. وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله.
سورة الرعد آية 38. ولما أبطأ الوحي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقدر أن يتكلم بالقرآن حتى قالت قريش ودعه ربه وقلاه فجاءت الآيات. ما ودعك ربك وما قلى. ولما طلبوا منه على أن يتلو عليهم أخبار أصحاب الكهف وذي القرنين فوعدهم ولم يستثن فحبس عنه الوحي مدة حتى نزل. ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله سورة الكهف آية 22.
ويدل على المطلوب آيات: 21 سورة يونس، 12 سورة هود، 10 ـ 11 سورة إبراهيم. فعلى هذا عدم استجابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لإقتراحهم واستعظامه ما اقترحوه على بشر مثله لا ينافي الإسراء المعجز لأنه لم يكن بفعله إرادته بل كان بفعل الله وإذن منه وهذا خارج من طوره وقدرته، وإن يسر له عين ما اقترحوه قبل أو بعد.
/ صفحة 320 /
ثالثاً ـ القول بأن معجزات الأنبياء كانت بعد الاقتراح عليهم قول للنظر فيه مجال، ولا ننكر بأنه يصادف الاقتراح أحياناً، مع إذن الله وإرادته، فيأتي النبي بمعجزة بإذن من الله، أما أنه لم يكن معجز ما لم يكن مسبوقاً بالاقتراح وسبق الاقتراح شرط في صيرورة المعجز معجز فلا. لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أشبع يوم الدار أربعين نفراً من طعام قليل وجعل هذا معجزاً له وهو لم يقترح عليه.
والقرآن من أعظم معجزات النبي ولم يقترح عليه نعم اقترحوا عليه أن ينشق القمر ليلة البدر فانشق القمر ولما رأوا هذا قالوا سحر مستمر. وصار الكليم عليه السلام مأموراً بإدخال اليد في الجيب وإخراجها بيضاء وإلقاء العصى وصيرها الله ثعباناً، وأحيا الله تعالى لعزيز النبي الوفا من الموتى وأحيا لإبراهيم عليه السلام الطيور الأربعة وصير النار عليه برداً وسلاما ولم تكن واحدة منها مسبوقة بالاقتراح.
وليس معجزات الأنبياء صلوات الله عليهم من قبيل الصناعات البشرية حتى تصير ملكة للصانع يفعلها مهما شاء وأراد.
نعم يمكن أن يكون لرجل صنعة أو مهارة في عمل لا يقدر عليه غيره، ويستبد هو برموزه وفنونه كما نسب إلى المتنبي الشاعر من قدرته على دفع المطر عن نفسه ولكن كان هذا العمل معروفاً عند أهل البدو من ساكني صحاري الشام فلا يصير مثل هذا معجزاً إذا كان بأسباب عادية، وخوارق العادات التي تكون للأنبياء لا تكون مسبوقة بالأسباب ـ والاختصار لا يقتضي التفصيل في ذلك.
الجهة الثانية:
في نقد الآيات والأحاديث التي استدل بها الكاتب على مراده.
فأما الآية التي جعلتم أيدكم الله الأصل في قصة الإسراء وعنونتم كلامكم بها حيث قلتم (رؤيا الإسراء) وهي قوله تعالى في سورة الإسراء: (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن).
فقد نقل في تفسيره أقول.
أحدها أن المراد بالرؤيا الرؤية بالعين ليلة الإسراء ولما كان بالليل سماها رؤيا وهذا منقول عن ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن وقتادة ومجاهد.
/ صفحة 321 /
ثانيها ما نقل أيضاً عن ابن عباس في أحد قوليه: أنه كان فيما رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم الله عليه وآله من أنه دخل المسجد الحرام ونقل الرؤيا لأصحابه وعنده المشركون وصار هذا فتنة لبعض أصحابه حتى سأل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم الحديبية وقال له قد أخبرتنا أنا ندخل المسجد الحرام آمنين وأجابه بقوله أو قلت لكم إنكم تدخلونه العام? فقالوا لا.
ثالثها أنه رؤيا رآها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في منامه أن قروداً تصعد على منبره وتنزل فساءه ذلك واغتنم ولم يستجمع بعد ذلك ضاحكاً حتى مات صلى الله عليه وآله وسلم، وفسر القرود والشجرة الملعونة في القرآن ببني أمية وما أصدق هذه الرؤيا على أمثال يزيد بن معاوية الماجن شريب الخمور قاتل الحسين السبط عليه السلام ومسيح المدينة لجند مسلم بن عقبه وهادم الكعبة على ابن الزبير، ويزيد بن عبد الملك عشيق حبابة الوالبية وأمثال هؤلاء ممن يتبرأ القرود من أفعالهم وأعمالهم، فالآية التي هذه تفاسيرها واحتمالاتها لا تعارض سائر الآيات الواضحة الإسرائية ولا يمكن المصير إلى أن الإسراء كان بالروح ولا يصح تسمية الإسراء والمعراج بالرؤيا الإسرائية.
وأما استدلالكم بحديث السيدة عائشة فمخدوش بتعارضه مع حديث آخر منقول عنها. قال مسروق سألت عائشة عن ذلك (أي رؤية النبي صلى الله عليه وآله وسلم) ربه، فقالت إنك لتقول قولاً يقف شعري منه، قال مسروق: قلت رويداً يا أم المؤمنين، وقرأت عليها (والنجم إذا هوى) حتى أنتهيت إلى قوله (قاب قوسين أو أدنى) فقالت رويداً أنى يذهب بك إنما رآى جبرائيل في صورته. من حدثك أن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم رأى ربه فقد كذب والله لا تدركه الأبصار، ومن حدثك أن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم الله عليه وآله يعلم الخمس من الغيب فقد كذب والله تعالى يقول إن الله عنده علم الساعة إلى آخره ومن حدثك أن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم كتم شيئاً من الوحي فقد كذب والله تعالى يقول (بلغ ما أنزل إليك من ربك) ولقد بين الله سبحانه ما رآه النبي بياناً شافياً فقال (لقد رأى من آيات ربه
/ صفحة 322 /
الكبرى)(1). هذا الحديث يؤيد جميع ما اعتقده الجمهور. وغير ذلك من الأحاديث التي تدل على أنه صلى الله عليه وآله وسلم ركب دابة موسومة بالبراق وطاف السموات السبع ورأى الجنة والنار والمتنعمين والمعذبين فيها. كثيرة لا تقتضي هذه العجالة ذكرها. وبأن أم المؤمنين لم تكن وقت الإسراء في بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم بل كانت في بيت الصديق رضي الله عنهما وإن كانت في حبالة النبي لأن زفافها كان بعد الهجرة، والإسراء والمعراج كان قبل الهجرة. ومع الإغماض عن هذا، كان في ذاك الوقت لأم المؤمنين أقل من تسع سنين وتحمل شهادة هذه الواقعات بعيد منها. وبأن أخبار الآحاد ما دامت مخالفة للقرآن تضرب على الجدار.
الجهة الثالثة:
في ذكر آيات الإسراء. آيات الإسراء مذكورة في سورة الإسراء وفي سورة النجم وفي سورة الزخرف على ما علمت ولعلها في سورة أخرى لم أقف عليها.
قال تعالى في سورة الإسراء (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المجسد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير) وتقريب الاستدلال بهذه الآية على رأى الجمهور أوضح من أن يبين لأن الإسراء لغة السير بالليل ويكون بالجسد والروح وكلمة العبد تطلق على الإنسان الحي واجد الجسم والروح معاً وتعيين مبدأ السير ومنتهاه في هذه الآية يدل على السير بالجسم والبركات الممدوحة حول المسجد الأقصى مما يعرف بالرؤية حالة اليقظة من أصناف النعم الموجودة.
وقال تعالى في سورة النجم: (ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى وهو بالأفق الأعلى ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحي إلى عبده ما أو حي ما كذب الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى إذ يغشي السدرة ما يغشى ما زاغ البصر وما طغى لقد رأى من آيات ربه الكبرى).
ــــــــــ
(1) مجمع البيان سورة النجم.
/ صفحة 323 /
فكونه صلى الله عليه وآله وسلم بالأفق الأعلى ودنوه وتدليه وكونه قاب قوسين أو أدنى ورؤيته جبرائيل الأمين شديد القوى عند سدرة المنتهى والتصريح بأنه ما زاغ البصر وما طغى ورؤيته الآيات الكبرى تدل على كون الرؤية بالبصر وفي اليقظة. نعم في خلال تلك الآيات آية (ما كذب الفؤاد ما رأى) وهذه لا تدل على كون الإسراء بالرؤيا والروح لما ورد في التفسير أنه ما كذب فؤاد محمد صلى الله عليه وآله وسلم ما رآه بعينه وعلى ما نقل عن المبرد. المعنى أنه رأى شيئاً فصدق فيه(1)، ومعنى الدنو والتدلي وكونه قاب قوسين أو أدنى مما يدل بالظاهرة على التجسم فسبيله سيل سائر الكلمات الدالة على التجسم ظاهراً كما في يد الله وجنب الله فيجب المصير إلى التأويل بقرب المعنوي بتقريب أنه لو كان القرب من الله بالجسم كان هذا ميزانه ومقداره.
وقال تعالي في سورة الزخرف (واسأل من أرسلنا قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون). وقد نقل في تفسيره عن أبي سعيد الخدري وابن زيد رضي الله عنهما(2)، أنه كان في ليلة الإسراء فجمع عنده تسعون نبياً وتقريب الاستدلال بهذه الآية على رأي الجمهور هو أنه لم يكن في زمن الرسل الذين كانوا قبله ولم يكن يتيسر له السؤال منهم إلا على الوجه الذي نقله المفسرون ليلة المعراج في بيت المقدس، وما قال بعض المفسرين إنه على حذف المضاف والمراد به سل أتباع من أرسلنا فبعيد. لأن هذا خلاف ظاهر الآية وخلاف الأصل، على أنه ينافي ما عليه أتباع الرسل المجاورين لحضرته صلى الله عليه وآله وسلم المعرضين للسؤال عنهم فإن أتباع الرسل كانوا هوداً أو نصارى أو مجوساً أما اليهود فإن مقالتهم تضاهيء قول الذين كفروا، وأما النصارى فإنهم قائلون بالنور والظلمة فلا فائدة في السؤال عنهم لأنهم إن سئلوا وأجابوا بأنهم ما أمروا ليعبدوا غير الله فيسأل عنهم لم اعتنقوا واعتقدوا وعبدوا غير ما أمروا وإن أجابوا بما هم عليه فخلاف المراد من الأمر بالسؤال عنهم فإذا لم يبق سوى ما قلناه والسلام عليكم.
ــــــــــ
(1) المصدر نفسه.
(2) المصدر نفسه.