/ صفحة 324 /
لحضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ علي العماري
المدرس بالأزهر
ثم نعود إلى نسق هذه المرويات نتبينه، ونعوض نقد العلماء لها، ولكنا لا نقف عندما وقفوا، هم نقدوها ليدللوا على سقوطها وتفاهتها، ونحن نتخذ من هذا النقد ومما نراه فيها وسيلة إلى ما أسلفنا من إنكارها وردها.
ولسنا ندافع عن مسيلمة وأشباهه، ولا نريد أن نبرئ ساحتهم، بل إننا نقصد أن نبين وجه الحق، والحق وحده هدف جميل، وليس في إثبات هذه المعارضات ما يخدم القرآن لأنه فوق كل كلام، شهد بذلك أعداؤه، ولأنه أعجز أساطين البلاغة من العرب ومن غيرهم فلا يزيده شرفاً أن يقول بعض من يتعاطى البلاغة، أو بعض المتنبئين كلاماً لا يدانيه ولا يقف أمامه، ينبو في بعض الأحايين عن أذواق أوساط الناس.
وقد حكم التاريخ على مسيلمة بأنه كذاب، ولم نر أحداً ـ بعد عهده ـ تعصب له أو آمن به، أو دافع عن دعوته، بل رأينا من أتباعه من يقول له. أشهد أنك كذاب ولكن كذاب ربيعة خير عندنا من صادق مضر.
وأمر طليحة وسجاح خير من أمر مسيلمة فقد أسلم طليحة وحسن إسلامه، وكذلك أسلمت سجاح، فلا حاجة بنا إلى أن نظل نتابع وضاع الأخبار لنحط من شأن هؤلاء.
من هذه المعارضات قول مسيلمة: (والمبذرات زرعاً، والحاصدات حصداً،
/ صفحة 325 /
والذاريات قمحاً، والطاحنات طحناً، والعاجنات عجناً والخابزات خبزاً والثاردات ثرداً، واللاقمات لقماً، أهالة وسمناً، لقد فضلتم على أهل الوبر، وما سبقكم أهل المدر، ريفكم فامنعوه، والعتر فآووه والباغي فناوئوه) وقوله: (والشاء وألوانها، وأعجبها السود وألبانها، والشاة السوداء، واللبن الأبيض إنه لعجب محض، وقد حرم المذق، فمالكم لا تمجعون).
ونلاحظ في المعارضة الأولى الاستقصاء الذي لا يعرفه إلا أهل الصناعة من محترفي الكتابة، أما العربي الأول فما أظن أن يبلغ به التتبع والاستقصاء هذا الحد الذي نراه في هذه المعارضة فيبتدئ ببذر الزرع وينتهي بلقم الثريد، وما بقي عليه، إلا أن يختم عبثه بالخاتمة الطبيعية لهذا الترتيب!.
وطبيعة العربي تميل ميلاً شديداً إلى الايجاز، وما كان يخفي على مسيلمة سر قوة الكلام، وضرورة حذف الفضول طبعاً ونحيزة.
وقد وجدت في كتب التاريخ والسير كلمات لمسيلمة ـ غير ما عارض به القرآن ـ كلها موجزة غاية الإيجاز، مع قوة وفصاحة.
الأولى: قوله لسجاح التميمية حين اجتمعت به: هل لك أن أتزوجك فآكل بقومي وقومك العرب.
وهذه الكلمة تدل على مكان الرجل من الفصاحة وسعة الحيلة، وحسن البصر بالأمور، وجميل التأتي لما يريد وهل أوقع في نفس سجاح، وأكثر تأثيراً في نفوس قومها من أن يخيل لها أنه سيأكل بقومه وقومها العرب، وهل كانت تقصد سجاح غير هذا? وهل كان يقصد من أتبعوها إلا أكل العرب والاستيلاء عليهم.
فإذا قارنا بين كلمته هذه، وما شعر به لسجاح وجدنا فارقاً كبيراً في الأسلوب وفي الروح.
هذه الكلمة صادرة عن نفس جادة حازمة تتطلب أمراً عظيماً، أما الشعر فصادر عن نفس ما جنة عابثة لا تدرك ما وراء هذه المغامرة من المخاطر.
الثانية: قوله حين استحر القتل في قومه، وأخذتهم سيوف المسلمين من كل
/ صفحة 326 /
جانب، وقد سأله قومه ما وعد به، فقال: أما الدين فلا دين، قاتلوا عن أحسابكم.
فأي إيجاز، وأي قوة، وأي إيجاء وتحميس، أقوى من هذا، (قاتلوا عن أحسابكم).
الثالثة: وإن كانت دون الكلمتين السابقتين في قوتها إلا أن عليها سمة الوجازة في مقام يستدعى التطويل، كتب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: من مسيلمة رسول الله إلى محمد بن عبد الله. أما بعد فإني قد أشركت معك في الأمر، وإن لنا نصف الأرض ولقريش نصفها، ولكن قريشاً قوم يعتدون.
وقد روى صاحب الأغاني في ترجمة الأغلب العجلي صورة هذه الرسالة ـ وهي مشهورة عن مسيلمة ـ رواها لسجاح على أنها من قرآنها الذي أنزل عليها. والمنصف لا يشك في أن صاحب هذه الكلمة الموجزة الصارقة ليس صاحب هذه المعارضات الركيلة المسهبة في بعض الأحايين.
وبسبيل من ذلك أن نقارن بين ما روي عن طليحة الأسدي من معارضة للقرآن وبين ما جاء في كتب التاريخ من اعتذاره لسيدنا عمر عن قتله رجلين من كبار الصحابة.
روى سهل بن يوسف قال: أخذ المسلمون رجلاً من بني أسد فأتى به خالد بالغمر ـ وكان عالماً بأمر طليحة ـ فقال له خالد: حدثنا عنه، وعما يقول، فزعم أن مما أتى به (والحمام واليمام والصرد الصوام، قد صمن قبلكم بأعوام، ليبلغ ملكنا العراق والشام).
وجاء في الطبري(1)، أن طليحة وفد على عمر ـ وكان طليحة قد أسلم ـ فقال له عمر: أنت قائل عكاشة وثابت ـ يريد عكاشة بن محصن وثابت بن أكرم ـ وهما سيدان من سدات المسلمين وفارسان من فرسانهم ـ والله
ــــــــــ
(1) تاريخ الطبري ج3 ص239.
/صفحه 327/
لا أحبك أبداً، فقال طليحة: يا أمير المومنين، ماتهم من رجلين كرّمهما الله بيدى ولم يهنى بأيديهما؟!
فإننا نجد الفرق واضحاً بين معرضته وعبارته أمام سيدنا عمر، هذه كلمة فيها روح أمكن بها الرجل أن يؤثر على عمر ـ وهو من هوـ
أو جزوأثّر، وذكّر عمر بأن الرجلين ذهبا إلى الجنة فأكرمها الله على يدى طليحة، وهو ـ أعنى طليحة ـ يأمل أن يدخلها، ولو قتلاه لمات على الكفر، بل على أقبح الكفر، وأى شىء أحب إلى عمر من أن تكون الجنة نصيب عكاشة وثابت، وأن يسلم طليحة بعد كفرته الصلعاء!
على أن فى نص الطبرى ما يؤكد افتعال هذه المعارضة، فسهل بن يوسف لا نعرف عنه شيئاً. وقد روى عن رجل، رجل مجهول، وصدر روايتة بقوله «زعم» على أن فى العبارة مخالفة نحوية فالصرد مفرد، وجمعه صردان، وفى ضمن ضمير الجمع، فكيف عاد على المفرد ثم لماذا التزم طليحة القسم بهذه الطيور الصغيرة، على أمر عظيم؟!
والمعارضة الثانية لمسيلة، فيها تكرار لا مبرر له، فقد أقسم بالشاء وألوانها ثم بالشاء السوداء، وكذلك أقسم الألبان ثم باللبن الأبيض، وربما تحذلق بعض العارفين فقال، أن القس بالشاة السوداء تخصيص بعد تعميم، وكذلك اللبن الأبيض، ولو عجبت من وصف اللبن بالأبيض لقال لك من يجد لكل سؤال جواباً أنه نعت كاشف، ولكن للتخصيص بعد التعميم فى كلام العرب الصميم مغزى، وللنعت الكاشف سر، ولا أرى هنا مغزى ولا سرا.
أما الكلمة الأخيرة فهى أشبه بأن تكون موضع الفكاهة، أو مركز الدائرة من السورة! فما خطب المجمع؟ وكيف عزف قوم مسيلمة عنه وتركوه؟ حتى جعل يتعجب فى حسرة من تركههم أياه، ويقسم بأشد الأيمان غلظا على أنه لا عيب
/صفحه 328/
فيه، وماذا ينقص نبوته أن يترك قومه المجع!
ان المجمع هو أكل التمر ثم شرب اللبن عليه، أو عجن التمر باللبن، وهو طعام ما أظن العرب تركوه وقد أمكنهم، وهو ـ ولا شك ـ أفضل من المذق (خلط اللبن بالماء) فكيف اعتلت طبائع هؤلاء الناس وانحرفت أمزجتهم فحرموا المجع، وحللوا المذق فجاء مسيلمة برسالته ليردهم عن هذا الوضع المقلوب؟! ولا غرو فالرجل كما يقول أرسل فى محقرات الأمور!
ولكن كيف يعفى أتباعه من تعاليم الاسلام، ويجرم عليهم خلط اللبن بالماء؟! ويشغل باله التحريم حتى يوحى إليه فيه بقرآن يبتدى بالقسم وينتهى بهذا الحكم العظيم.!
واذا كانت المعارضة الأولى تدرجت إلى أمر عظيم، وجاءت مؤكدة أن قوم مسيلمة فضلوا على أهل الوبر والمدر، فان المعارضة الثانية تدرجت إلى أمر عظيم أيضا، وهو تحريم المذق، وتحليل المجع!
ومن هذه المعارضات «الفيل، ما الفيل، له ذنب وبيل، وخرطوم طويل» وفى رواية الخطابى «الفيل وما الفيل، وما أدراك ما الفيل، له مسفر طويل، وذهب أثيل، وما ذاك من خلق ربنا بقليل» وقد نسبها الرافعى لمسيلمة، ونسبها الخطابى لمجهول، ولعل هذا الاختلاف فى الرواية هو من اختلاف القراءات!
وقد أحسن مسيلمة حين جمع بين القول فى الضفدع والقول فى الفيل، وكيف لا؟ وأحدهما بحرى والآخر برى، وأحدهما حيوان ضخم كبير والآخر صغير لا يكدر ماء ولا يمنع شاربا «والعجب من هذا النبى الذى يقول فى الفيل، وقد وصف نفسه بأنه أرسل فى محقرات الأمور، كأن الفيل شىء تافه صغير، وإن قال هو غير ذلك حين أعلن أنه ليس من خلق ربنا بقليل.
وقد تفنن الخطابى فى نقد هذه المعارضة حيث قال: «يقال لصاحب الفيل، يا فائل، افتتحت قولك بالفيل ما الفيل، وما أدراك مالفيل، فهوّلت وروعت،
/صفحه 329/
وصعدت وصوبت، ثم أخلفت ما وعدت، وأخدجت ما ولدت حين انقطعت، وعلى ذكر الذنب والمشفر اقتصرت ولو كنت تعرف شيئا من قوانين الكلام وأنواع المنطق ورسومه لم تحرف القول عن جهته ولم تضعه فى غير موضعه، أما علمت يا عاجز أن مثل هذه الفاتحة انما تجعل مقدمة لأمر عظيم الشأن فائت الوصف متناهى الغاية فى معناه كقول الله تعالى «الحاقة ماالحاقة وما أدراك مالحاقة» و «القارعة ماالقارعة وما أدراك ماالقارعة» فذكر يوم القيامة وأتبعها من ذكر أوصافها وعظيم أهوالها مالاق بالمقدمة التى أسفلها وصدر الخطبة بها فقال «يوم يكون الناس كالفراش المبثوث وتكون الجبال كالعهن المنفوش» إلى آخر السورة وأنت علقت هذا القول بدابة يدركها البصر فى مدى اللحظة ويحيط بمعانيها العلم فى اليسير من مدة الفكر، ثم اقتصرت من عظيم ما فيها من العجب على ذكر المشفر والذنب، فما أشبه قولك هذا ألا بما أنشدنيه بعض شيوخنا لبعض نظرائك.
وأنى وأنى ثم أنى وأننى *** اذا انقطعت نعلى جعلت لها ششعا
أىّ صغير ما أتيت به فى عجز كلامك من عظيم ما أصميته فى صدره، ويسير ما رضيت به فى أخره من كثير ما أنميته فى أوله، واذ قد دلتك فيالة رأيك وسوء اختيارك على معارضة القرآن بذكر الفيل وأوصافه فهلا أتيت بما هو أشف قيلا، وأشفى وأجمع لخواص نعوته وأوفى، فتذكر ما أعطيته هذه البهيمة العجماء من الذهن والفطنة التى بها تفهم سائسها ما يومىء به إليها من تدبيره، وهلا تعجبت وعجبت من ذلك من حسن مواتاتها وطاعتها له اذا أغراها، وقرب ارتداعها اذا زجرها ونهاها، وهلا قرنت الى ذكر مشفرها ذكر نابيها اللذين بهما تصول وبسنانهما تطعن وتجرح، وكيف أغفلت أمر أذينها العريضتين اللتين تلحفهما وجهها، وتذهب بتحريكهما البق رالذباب عن صماخيها وعينيها، وبهما تروح على نواحى رأسها، وكيف لم تفطن لموضع التدببير من قصر رقبتها
/صفحه 330/
واندماج عنقها فانها لو طالت لم تقلّ رأسها ولأوهنها ثقل حمله فاذ قد منعت امتداد العنق فقد عوضت به انسدال المشفر لتتناول به من وجه الأرض حاجتها من القوت والعلف وتدلو به شربها من الماء وتملأكالسقاء فتنضح به أعضاءها اذا شاءت ثم قد منعت البروك بأن لم تجعل لها مفاصل تنثنى، ولو أنها بركت لم تقدر على النهوض اذا ليس لها عنق تتطاول به كالبعير الذى يهنع بعنقه وينبعث ويثور فيما يشبه هذه الأمور من نعوت خلقها، وعجائب تركيبها».
ومن هذه المعارضات ما حكى عن بعضهم من قوله: «الم تر إلى ربك كيف فعل بالحبلى، أخرج منها نسمة تسعى بين شراسيف وحشى» ولم تنسب هذه المعارضة فى أكثر الكتب، ونسبها الطبرى لمسيلمة، وقال أنه قالها فى حضرة سجاح ومما قال فى حضرتها «إن الله خلق النساء.... وجعل الرجال لهن أزواجا...» فلما أتم هذه الكلمة على أفحش ما تتم به الكلمات قالت له: أشده أنك نبى!
ولا أدرى لماذا اقتصر الوحى فى حضرة سجاح على ما يتعالق بالزوج والنكاح والحمل والوضع؟
وهل يمكن أن نفهم من هذه الكلمة (أشهد أنك نبى) بعد أن قرأ لها وحيه الواصف لما يكون بين الرجل والمرأة أن الرواة لم يقصدوا إلا إلى السخرية والتهكم، وإظهار ظبيعة المرأة الغالبة عليها حتى فى أحرج الأوقات، وأكثرها حاجة إلى الجد والصرامة.
فهل كان مسيلمة عابثا وهو يدفع الآلاف المؤلفة من قومه إلى أتون الحرب، وهل كانت سجاح عابثة كل همها أن تجد رجلا يتزوجها؟!
لعلها لم تجد فى قومها نبيا يكون كفئا لها فبحثت عن مسيلمة حتى وجدت كفئها! أن الوضع جد ظاهر فى كل ما يتصل بأمر اجتماع هذين المتنبئين، وهو يرشد إلى الوضع قى بقية المعارضات.
ثم نعود إلى قصة الحملى، ونقد الخطابى لها، قال: أن أول ما غلط فيه هذا الجاهل أنه وضع كلمة الانتقام فى موضع كلمة الأنعام حين قال: ألم تر إلى ربك كيف فعل بالحبلى. وأنما تستعمل هذه اللفطة فى العقوبات ونحوها كقوله: «الم تر كيف فعل ربك باصحاب الفيل» وإنما وجه الكلام مما رامه من المعنى أن يقول: ألم تر إلى ربك كيف لطف بالحبلي… وكيف أنعم عليها، أو نحو هذا من الكلام الذى يجرى مجرى الامتنان والأنعام(1)...
من بحوث مجمع اللغة العربية(2)