/ صفحه 270/

من ثمرات المعقول والمنقول

للشاعر الكبير الأستاذ علي الجندي

العميد السابق لكلية دار العلوم

لا يحيط بالعلم إنسان:

تكلم يوماً شاب عند الشعبي بكلام، فقال له الشعبي: ما سمعنا بهذا!! فقال له الشاب: أكل العلم سمعت؟ قال: لا. قال: فشطره؟ قال: نعم، قال: فاجعل هذا في الشطر الذي لم تسمعه!! فأفحم الشعبي!!.

سعة أفق:

ذكر الحريري في درة الغواص: أن الأمير حامد بن العباس سأل وزيره: علي بن عيسى ـ وكان في ديوان الوزارة ـ عن دواء الخمار (1)! فأعرض الوزير عن كلامه وقال: ما أنا وهذه المسألة في مثل هذا المقام؟ فخجل الأمير حامد!.

وحدث أن كان قاضي القضاة أبو عمرو حاضرا، فتحرك وتمكن في جلوسه، وتنحنح لإصلاح صوته، ووضع كما على كم، ثم قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: " وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا " وقال النبي (صلى الله عليه وسلم): " استعينوا على كل صنعة بصالحي أهلها " وقال الأعشى وهو إمام هذه الصناعة في الجاهلية:

وكاس شربت على لذة ****وأخرى تداويت منها بها

ثم تلاه شاعر الحب مجنون ليلى فقال:

تداويت من ليلي بليلي من الهوى **كما يتداوى شارب الخمر بالخمر

وتبعهما على ذلك أبو نواس فقال:

دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ***وداوني بالتي كانت هي الداء

*(هوامش)*

(1) الخمار بضم الخاء: ألم الخمر وصداعها وأذاها.

 

/ صفحه 271/

فتهلل وجه الأمير حامد فرحا، وسرى عنه الخجل، والتفت لعلي بن عيسى قائلا: ما منعك يا بارد أن تجيب ببعض ما أجاب به قاضي القضاة، وقد استظهر في الجواب بقول الله تعالى، ثم بقول الرسول ـ (صلى الله عليه وسلم) ـ ثم بكلام العرب، ثم بقول المولدين، وبين الفتوى، وأدى المعنى، وخلص من العهدة!!.

فكان خجل علي بن عيسى من الأمير أشد من خجل الأمير منه!.

تجارة العطر:

قال عمر ـ رضي الله عنه ـ لو كنت تاجراً ما اخترت غير العطر! إن فاتني ربحه لم يفتني ريحه!.

فضيلة الصمت:

كان يجلس إلى أبي يوسف القاضي رجل يطيل الصمت ولا يتكلم، فقال له أبو يوسف يوما: ألا تتكلم؟ فقال الرجل: بلى، متى يفطر الصائم؟ قال: إذا غابت الشمس! قال: فإن لم تغب إلى نصف الليل فكيف يصنع؟ فضحك أبو يوسف وقال: أصبت في صمتك، وأخطأت أنا في استدعائي نطقك، ثم أنشد:

عجبت لإزراء الغبي بنفسه ****وصمت الذي قد كان بالقول أعلما

وفي الصمت ستر للغبي وإنما****صحيفة لب المرء أن يتكلما

وكان رجل يجالس الشعبي ويطيل والصمت، فقال له الشعبي يوماً: ألا تتكلم؟ فقال له: أصمت فأسلم، وأسمع فأعلم، إن حظ المرء في أذنه له، وفي لسانه لغيره.

جنود العقل:

قالوا: العقل سلطان وله جنود، فرأس جنوده: التجربة، ثم التمييز، ثم الفكر، ثم الفهم، ثم الحفظ.

حب الاجتهاد:

كتب عمر بن عبد العزيز ـ رضي الله عنه ـ إلى أحد عماله: إذا أمرتك أن تعطي فلانا شاة سألتني: أضأن هي أم معز؟ فإن بينت لك، قلت: أذكر هي أم أنثى؟ فإن اخبرتك، قلت: أسوداء هي أم بيضاء؟ فإذا أمرتك بشئ فلا تراجعني فيه.

/ صفحه 272/

الخاطب كذاب:

مر سليمان ـ (عليه السلام) ـ بعصفور يدور حول عصفورة، فقال لاصحابه: أتدرون ما يقول؟ قالوا: وما يقول يا نبي الله؟ قال: يخطبها لنفسه، ويقول: تزوجيني: أسكنك أي قصور دمشق شئت!! قال سليمان: وإنه ليعرف أن قصور دمشق مبنية الصخر لا يقدر أن يسكنها، ولكن كل خاطب كذاب!.

لا بكاء بعد ثلاث:

عن عبد الله بن جعفر: أن النبي (صلى الله عليه وسلم) أمهل آل جعفر ثلاثا، ثم أتاهم فقال: " لا تبكوا على أخي بعد اليوم " ثم قال (صلى الله عليه وسلم): ادعوا إلى بني أخي، فجئنا كأننا أفرخ فقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: ادعوا إلى الحلاق، فأمره بحلق رءوسنا.

علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين:

قال ابن القيم: الفرق بين علم اليقين وعين اليقين، كالفرق بين الخبر الصادق والعيان، وحق اليقين فوق هذا. وقد مثلت المراتب الثلاث بمن أخبرك أن عنده عسلا، وأنت لا تشك في صدقه، ثم أراك إياه فازددت يقينا، ثم ذقت منه.

فالأول: علم اليقين، والثاني: عين اليقين، والثالث: حق اليقين ؛ فعلمنا الآن بالجنة والنار: علم يقين، فإذا أزلفت الجنة في الموقف وشاهدها الخلائق، برزت الجحيم وعاينها الخلائق فذلك: عين اليقين، فإذا أدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، فذلك حينئذ حق اليقين.

مراتب الناس في الدراية:

قال الخليل بن أحمد: من الناس من يدري، ويدري أنه يدري؛ فذاك عالم فاتبعوه. ومنهم من يدري، ولا يدري أنه يدري، فذاك ضال فارشدوه. ومنه من لا يدري ويدري أنه لا يدري، فذاك طالب فعلموه. ومنهم من لا يدري، ولا يدري أنه لا يدري، فذاك جاهل فاحذروه.

أقول: وفي الأخير يقول الشاعر:

/ صفحه 273/

جهلت وما تدري بأنك جاهل ****فمن لي بأن تدري بأنك لا تدري

ويقول المتنبي:

وما التيه طبي فيهم غير أنني ****بغيض اليَّ الجاهل المتعاقل

كل شكل مع شكله:

قال مالك بن دينار: الناس أشكال كأجناس الطير: الحمام مع الحمام، والبط مع البط، والصعو (1) مع الصعو، والغراب مع الغراب، وكل إنسان مع شكله.

العقل:

سئل أبو عبد الله المحاسبي عن العقل فقال: نور الغريزة مع التجارب، يزيد ويقوى بالعلم والحلم.

بين جميلة وقبيح:

كان عمران بن حطان الخارجي شديد السواد، وكانت امرأته من أجمل النساء. فأطالت يوماً نظرها في وجهه وقالت: الحمد لله! فسألها عن ذلك، فقالت: حمدت الله على أني وإياك في الجنة. قال: وكيف؟ قالت: لأنك رزقت مثلي فشكرت، ورزقت مثلك فصبرت، وقد وعد الله عباده الصابرين والشاكرين الجنة!!.

لا تتعرض لعدوك:

من كلام الفضل بن مروان وزير المعتصم: لا تتعرض لعدوك وهو مقبل؛ فإن إقباله يعينه عليك!! ولا تتعرض له وهو مدبر، فإن إدباره يكفيك أمره!!

تيمور:

ضبطه ابن عرب شاه بكسر التاء، وذكر أن العرب نطقت به أحياناً بما يخالف هذا الضبط. ومنه من قال: تيمور لنك، ومعناه بالتركية الحديد.

إمام مبارك:

قال ابن عبد الحكم: لما حملت أم الشافعي به، رأت كأن كوكب المشتري (2)

*(هوامش)*

(1) الصعو بوزن دلو: صغار العصافير الحمر الرءوس، جمع صعوة.

(2) المشتري ك الكوكب السادس في المجموعة الشمسية، وهو أكبر الكواكب السيارة، ومن كواكب السعد.

 

/ صفحه 274/

خرج من بطنها حتى انقض بمصر، ووقعت في كل بلد منه شظية!! وقد أوله أصحاب الرؤيا: أنه يخرج منها عالم عظيم يختص بعلمه أهل مصر، ثم يتفرق في سائر البلاد!

اقول: وقد جاء في خزانة الأدب للبغدادي: أن أم جرير الشاعر رأت في منامها ـ وهي حاملة به ـ أنها ولدت جريراً ـ والجرير: الحبل من أدم يكون في عنق الدابة أو الناقة ـ فكان يتلوي على عنق رجل فيخنقه، ثم في عنق آخر، ثم في عنق آخر، حتى كاد يقتل عدة من الناس!! ففزعت من رؤياها وقصتها على معبر، فقال لها: إن صدقت رؤياك، ولدت ولدا يكون بلاء على الناس!! فلما ولدته سمته جريراً، وكان تأويل رؤياها: أنه هجا ثمانين شاعرا فغلبهم كلهم إلا الفرزدق والأخطل. وكانت أمه ترقصه وهو صغير بقولها:

قصصت رؤياي على ذاك الرجل ***فقال لي قولا وليت لم يقل

لتلدن عضلة من العضل ****ذا منطق جزل إذا قال فصل

مثل الحسام العضب مامس فصل****يعدل ذا الميل ولما يعتدل

ينهل سما من يعادي ويعل

خلوص السريرة:

في الحديث الشريف: " دع ما يريبك إلى مالا يريبك، وإن أفتاك المفتون " ورد المفتون بضم الميم: جمع مفت. وجاء في رواية بفتح الميم: اسم مفعول من الفتنة.

تقويم اللسان:

قال الرشيد للأصمعي: ما أحسن ما مر بك في تقويم اللسان؟ فأجاب: أوصى رجل بعض بنيه، فقال: أصلحوا من ألسنتكم، فإن الرجل تنوبه النائبة فيتجمل فيها فيستعير من اخيه وأبيه ومن صديقه ثوبه، ولا يجد من يعيره لسانه، وأنشد في ذلك:

وما حسن الرجال لهم بزين ***إذا لم يسعد الحسن البيان

كفى بالمرء عيبا أن تراه ***له وجهٌ، وليس له لسان

قيمة اللسان:

جاء في الأمثال: ما الإنسان لولا اللسان إلا صورة ممثلة، أو بهيمة مهملة.

/ صفحه 275/

المروءة:

المروءة بالهمز وتركه؛ قال الجوهري: هي الإنسانية، وقال ابن فارس: هي الرجولية. وقيل: إن ذا المروءة: من يصون نفسه عن الأدناس، ولا يشينها عند الناس. وقيل: ذو المروءة: من يسير بسيرة أمثاله في زمانه ومكانه. وقال الدارمي: المروءة في الحرفة. وقيل: في آداب الدين؛ كعدم الأكل والصياح في الجم الغفير، وانتهار السائل، وقلة فعل الخير مع القدرة عليه، وكثرة الاستهزاء والضحك.

تحقير:

مرض عبد الملك بن عمير قاضي الكوفة، فاعتذر إليه رجل من تخلفه عن عيادته، فقال له: ما كنت لألوم على ترك عيادتي رجلا لو مرض لما عدته!!.

ويقول بعض الشعراء:

من لم يعدنا إذا مرضنا ****إن مات لم نشهد الجنازة

الكرامة في الاستغناء:

قال الأصمعي: مررت في بعض سكك الكوفة، فإذا برجل قد خرج من مرحاض وعلى كتفه جرة، وهو يقول:

وأكرم نفسي إنني إن أهنتها ***وحقك لم تكرم على أحد بعدي

فقلت له: أتكرمها بمثل هذا؟ قال: نعم، وأستغنى عن مثلك من السفلة إذا سألته.

قال الأصعمي: فقلت: أتراه عرفني؟ فأسرعت!! فصاح: يا أصمعي، فالتفت فقال:

لنقل الصخر من قمم الجبال ***أحب الي من منن الرجال

يقول الناس كسبك فيه عار ***وكل العار في ذلك السؤال

احذروا البذاءة:

كان أبو عبيدة علامة أهل البصرة النحوي جبّاها للناس، فلم يكن أحد بالبصرة إلا وهو يداجيه ويتقيه على عرضه!! ومن سيرته: أنه خرج إلى فارس قاصداً موسى بن عبد الرحمن الهلالي، فلما قدم عليه قال الهلالي لغلمانه: احترسوا من أبي عبيدة ؛ فإن كلامه دق، أي دقيق.

/ صفحه 276 /

ثم حضر الطعام، فصب بعض الغلمان على ذيله مرقة، فقال الهلالي: قد أصاب ثوبك مرق، وأنا أعطيك عوضه عشر ثياب!! فقال أبو عبيدة: لا عليك؛ فإن مرقك لا يؤذي! يقصد: أنه خال من الدهن! ففطن لها الهلالي وسكت.

وكان الأصمعي ـ إذا أراد الدخول إلى المسجد ـ قال: انظروا لا يكون فيه ذاك ـ يعني أبا عبيدة ـ خوفاً من لسانه! ولما مات أبو عبيدة لم يحضر جنازته أحد، لأنه لم يكن يسلم من لسانه شريف ولا مشروف!.

الزهد والورع:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الزهد: ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع: ترك ما تخاف ضرره في الآخرة.

قال ابن القيم: وهذه العبارة من أحسن ما قيل في الزهد والورع وأجمعها.

نظرته ونظرت فيه وإليه:

قال الثعلبي: إذا أرادت العرب بالنظر: الانتظار، قالوا: نظرته؛ كما قال تعالى: " هل ينظرون إلا الساعة "، " هل ينظرون إلا تأويله "، " وما ينظرون إلا صيحة واحدة " وإذا أرادوا بالنظر التفكر والتدبر قالوا: نظرت فيه. وقال الأزهري: نظرت إلى فلان: ليس إلا رؤية عين؛ فإذا أرادوا الانتظار قالوا: نظرته، ومن الأول قول امرئ القيس:

نظرت إليها والنجوم كأنها ****مصابيح رهبان تشب لقفال (1)

ومن الثاني قول الشاعر:

فإنكما إن تنظراني ساعة ****من الدهر تنفعني لدى أم جندب

لما أراد الانتظار قال: تنظراني.

قد تكون الحمدلة ريبة:

لقي مزبد المدني رجلا، فقال له: ممن أنت؟ فقال الرجل: من قريش والحمد لله! فقال مزبد: الحمد لله في هذا الموضع ريبة.

*(هوامش)*

(1) القفال: جمع قافل، وهو الراجع من السفر.

 

/ صفحه 277/

أكرم أخاك في وطنه:

قال القاضي الجرجاني: كان الصاحب بن عباد يقسم لي من إقباله وإكرامه بجرجان أكثر مما يتلقاني به في سائر البلاد.

وقد استعفيته يوماً من فرط تحفيه بي وتواضعه لي، فأنشدني لنفسه:

أكرم أخاك بأرض مولده ***وأمده من فعلك الحسن

فالعز مطلوب وملتمس ****وأعزه ما نيل في الوطن

ثم قال لي: قد فرغت من هذا المعنى في قصيدتك العينية، فقلت: لعل مولاي يريد قولي:

وشيدت مجدي بين قومي فلم أقل **أيا ليت قومي يعلمون صنيعي

فقال: ما أردت غيره. والأصل في ذلك قوله تعالى: " يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي، وجعلني من المكرمين ".

توبة مغن:

قيل: كان عبد الله بن المبارك من أصنع الناس في الألحان، وضرب العود.

فبينما هو يغني ذات يوم:

الم يأن لي منك أن ترحما ***وتعصى العواذل واللوما

وترثى لصب بكم مغرم****أقام لهجرانكم مأتما

إذ سمع من جوف العود هاتفا يقول: " ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله " فكسر ابن المبارك العود وساح في البرية!.

أربعة رجال:

كان يقال: أربعة كانوا ـ ومحال أن يكونوا ـ: زبيري سخي، ومخزومي متواضع، وهاشمي شحيح، وقرشي محب لآل محمد!! والسر في كراهة قريش لبني هاشم: أنها نفست عليهم بعثة الرسول ـ صلوات الله عليه منهم ـ فكرهوا أن يجمعوا لهم بين النبوة والخلافة، ثم لكثرة ما قتل منهم الإمام علي ـ (عليه السلام) ـ في الغزوات النبوية فاضغنوا عليه! وقال معاوية ـ رحمة الله ـ يوماً: إذا لم يكن الهاشمي جوادا،

/ صفحه 278/

والأموي حليما، والزبيري شجاعا، والمخزومي تياها، لم يشبهوا آباءهم. فبلغ قوله الحسن السبط ـ (عليه السلام) ـ فقال: إنه والله، ما أراد بها النصيحة! ولكن أراد أن ينفق بنو هاشم ما بأيديهم، فيحتاجوا إليه! وأن يحلم بنو أمية فيحبهم الناس! وأن يشجع آل الزبير، فيقتلوا في الحرب، وأن يتيه بنو مخزوم، فيمقتهم الناس!.

الثناء بعد الموت:

قال المهلب أو ابنه يزيد بن المهلب: الحياة خير من الموت، والثناء الحسن خير من الحياة، ولو أعطيت ما لم يعطه أحد، لأحببت أن يكون لي أذن أسمع بها ما يقال في غدا إذا مت!.

دين المجان:

سئل بعض المجان: كيف أنت في دينك؟ قال: اخرقه بالمعاصي، وأرقعه بالاستغفار!! ويقول بعض المجان أيضا:

نرقع دنيانا بتمزيق ديننا ***فلا ديننا يبقي ولا ما يرقع

ابن الزبير وتشرشل:

قال المستر تشرشل في الحرب العالمية الثانية حينما سئل: كيف تتحالف مع الروس الشيوعيين؟ إنني مستعد أن أتحالف مع الشيطان ضد هتلر!! ومن قبله قال عبد الله بن الزبير: لو شايعني الترك والديلم على قتال أهل الشام لشايعتهم!.

سوء أدب الحجاج:

قال الحجاج لأنس بن مالك رضي الله عنه: هل بين خيلي وخيل رسول الله فرق؟ فقال أنس: شتان بينهما، كانت أبوال خيل الرسول وأرواثها أجراً!! وخيلك اتخذتها رياء وسمعة! فقال الحجاج: لولا كتاب أمير المؤمنين لقتلتك!.

موجبات العداوة:

قالوا: موجبات العداوة: الشركة، والمناسبة، والمنازعة، والميراث، والجوار، والمنزلة المتنازعة، والخلاف في الديانة، والحقد، والترة، والإساءة المتقدمة.

/ صفحه 279/

الكتب ضرائر:

قال ابن أخت الزبير بن بكار لزوجته: خالي خير رجل لأهله ؛ لا يتخذ ضرّة، ولا يشتري جارية! فقالت زوجته: لهذه الكتب أشد عليّ من ثلاث ضرائر.

غضب الحليم:

كان الحارث بن عباد البكري من أحلم أهل زمانه، وأشدهم بأسا. فلما قتل مهلهل بن ربيعة بحيراً ابن أخيه وقال له: بؤبشسع نعل كليب! غضب ودعا بفرسه النعامة، فجز ناصيتها وهلب ذنبها ـ وهو أول من فعل ذلك بالخيل، وقال قصيدته المشهورة التي تبلغ مائة بيت، وأولها:

قرّبا مربط النعامة منى ****لقحت حرب وائل عن حيال

عقل الخبز:

وفد هوذة بن علي الحنفي على كسرى، فسأله عن غذائه في بلده، فقال: الخبز. فقال كسرى لجسائه: هذا عقل الخبز.

يفضله على عقول أهل البوادي الذين يغتذون باللبن والتمر.

علامة بغض المرأة لزوجها:

إذا كانت امرأة مبغضة لزوجها، فآية ذلك: أن تكون عند قربه منها مرتدة النظر عنه، كأنها تنظر إلى إنسان من ورائه. وإذا كانت محبة له: لا تقلع عن النظر إليه، وإذا نهض نظرت من ورائه إلى شخصه، حتى يزول عنها.

وقال رجل: أردت أن أعلم كيف حالي عند امرأتي، فالتفت ـ وقد نهضت من بين يديها ـ فإذا هي تكلح! أي تكشر في عبوس.

أدب الرياسات:

قال الشعبي: أخطأت عند عبد الملك أربعا: حدثني بحيدث فاستعدته، فقال: أما علمت أنه لا يستعاد أمير المؤمنين. وقلت له ـ حين أذن لي ـ: أنا الشعبي، فقال: ما أدخلناك حتى عرفناك. وكنيت عنده رجلا، فقال: أما علمت أنه لا يكني أحدٌ عند أمير المؤمنين. وسألته أن يكتبني حديثا، فقال: إنا نُكتَب ولا نُكتِب.

/ صفحه 280/

وعطس الرشيد مرة، فشمته الأصمعي! فتكلف الرشيد الرد عليه! فلما خرج عاتبه الفضل بن الربيع، فشكاه الأصمعي إلى الرشيد، فقال الرشيد: أصبت السنة، وأصاب الأدب!.

أقول: إن أكثر هذه الآداب من سنن الملكية لا الخلافة، حينما صارت إمارة المؤمنين ملكا عضوضا استمد نواميسه من القيصرية والكسروية، والا فكيف يصيب الإنسان السنة ويخطئ الأدب ـ كما يزعم الرشيد ألا لعنة الله على هذا الأدب.

العقل والمروءة:

قال الإمام أبو الحسن الماوردي: الفرق بين العقل والمروءة: أن العقل يأمر بالأنفع، والمروءة تأمر بالأجمل.

المال والحسنة في القرآن الكريم:

قال مجاهد: الخير في القرآن: المال. وقال السريّ وابن زيد في قوله تعالى: " ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ": إن الحسنة في الدنيا: المال، وفي الآخرة: الجنة.

حب الناس من حب الله:

في الحديث الشريف: " إذا أحب الله عبدا حبب فيه الناس " ومن قول الحكماء: اعرف منزلتك عند الله بمنزلتك عند الناس. وفي ذلك يقول الشاعر:

وجه عليه من الحياء سكينة***ومحبة تجري مع الأنفاس

وإذا أحب الله يوماً عبده ***ألقى عليه محبة للناس

ألذّ الأشياء:

قيل للمأمون: ما ألذ الأشياء؟ قال: التنزه في عقول الناس. يعني قراءة أقوالهم.

اسألوا الوجوه الصباح:

قال محمد بن حازم الباهلي لابنه: يا بني، إذا سألت الحوئج، فتأمل بها الصباح الوجوه: من ذوى العناصر السنية، والشيم المرضية، واحذر ذوى الوجوه العابسة والأكف اليابسة، من ذوى القراريط، وكسبة الدوانيق، المعروفين بالضيق،

/ صفحه 281/

المنسوبين إلى التضييق، الذين إن سئلوا ضنوا، وإن أعطوا منوا، فلا تخلقن بالطلب إليهم وجهك، ولا تدنس بالسعي إليهم عرضك، وعليك بمن أنعم الله على وجهه بالصباحة، وعلى كفه بالسماحة، فأولئك هم المعروفون بالصبر على ما ينوبهم من ملمات الرجال.

كرم الحسين:

حكى الرازي: أن أعرابيا قال للحسين ـ (عليه السلام) ـ: سمعت جدك ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يقول: إذا سألتم حاجة فاسألوها من أحد أربعة: إما عربي شريف، أو مولى كريم، أو حامل قرآن، أو صاحب وجه صبيح.

فأما العرب فقد تشرفت بكم، وأما الكرم فهو سيرتكم، وأما القرآن ففيكم نزل، وأما الوجه الصبيح فقد سمعت جدك ـ عليه الصلاة والسلام ـ يقول: " إذا أردتم النظر اليّ فانظروا إلى الحسن والحسين. فقال له الحسين: ما حاجتك؟ فكتبها الرجل على الأرض، فقال الحسين: سمعت جدي ـ (صلى الله عليه وسلم) ـ يقول: " المعروف بقدر المعرفة ". وسمعت أبي ـ (عليه السلام) ـ يقول: قيمة كل امرء ما يحسنه. وأنا أسألك عن ثلاث مسائل، فإن أجبت عن واحدة فلك ثلث هذه الصرة، أو اثنتين فلك ثلثاها، أو عن الثلاثة فكلها، فقال الرجل: اسأل، فقال الحسين (عليه السلام): أي الأعمال أفضل؟ قال: الإيمان بالله، قال: فما نجاة العبد من الهلكة؟ قال: الثقة بالله. قال: فما يزيد العبد؟ قال: علم معه حلم.

قال: فإن أخطأه ذلك؟ قال: مال معه كرم. قال: فإن أخطأه ذلك؟ قال: فقر معه صبر. قال: فإن أخطأه ذلك؟ قال: فصاعقة تحرقه.

فضحك الإمام الحسين وأعطاه الصرة بأكملها.

إطفاء النار عند النوم:

في الصحيح: أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: " لا تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون حتى تطفئوها " قال النووي: هذا عام يدخل فيه نار السرج وغيرها وعلل ذلك بأن " الفويسقة " وهي الفأرة تضرم على أهل البيت بيتهم ناراً.

/ صفحه 282/

أقول: أكثر الحرائق في القرى، وفي المدن بين من يستضيئون بمصابيح الجاز ترجع إلى ذلك، فالحديث الشريف ـ كما ترى ـ من الآداب الإسلامية العالية، ودعامة من دعائم الإصلاح والعمران والاجتماع.

مكة والمدينة:

ذهب أكثر العلماء على أن مكة أفضل من المدينة. وذهب الإمام مالك ـ رضي الله عنه ـ إلى تفضيل المدينة، والامام مالك من سكان المدينة المنورة وإمام علمائها.

توقيع نبيل:

رفع إنسان إلى يحيى بن خالد البرمكي قصة يقول فيها: إنه قد مات رجل تاجر غريب، وقد خلف جارية حسناء وولداً رضيعاً ومالا كثيراً، والوزير أحق بهذا!.

فوقع خالد على رأس القصة: أما الرجل فرحمه الله، وأما الجارية فصانها الله، وأما الطفل فرعاه الله، وأما المال فثمره الله، وأما الساعي الينا بذلك فلعنه الله!.

التعزية والتهنئة:

قال يحيى البرمكي: التعزية بعد ثلاثة أيام تجديد للمصيبة، والتهنئة بعد ثلاثة أيام استخفاف بالمودة.

لا تطلب ثلاثة:

كان أبو يوسف القاضي يقول: من طلب غرائب الحديث كذب، ومن طلب المال بالكيمياء افتقر، ومن طلب الدين بالكلام تزندق!.

خلق الأشرار:

الأشرار يتتبعون مساوئ الناس، ويغفلون عن محاسنهم، كما يتتبع الذباب المواضع النغلة (1) من الجسد، ويدع صحيحه.

كلمة حق:

قام الإمام علي بن الحسين ـ (عليهما السلام) ـ من مجلس عمر بن عبد العزيز ـ رضي الله عنه ـ فلما توارى قال عمر: من أشرف الناس؟ فقال بعض المنافقين:

*(هوامش)*

(1) نغل الأديم من باب فرح: فسد في الدباغ.

 

/ صفحه 283/

أنتم يا أمير المؤمنين، لكم الشرف في الجاهلية، والخلافة في الإسلام! فقال عمر: كلا!! اشرف الناس هذا القائم من عندي؛ فإن أشرف الناس من أحب كلٌّ إنسان أن يكون منه، ولا يحب أن يكون من أحد!.

عدالة الإمام:

كان علي ـ (عليه السلام) ـ لا يفضل شريفا على مشروف، ولا عربيا على عجمي. فكان هذا من أوكد أسباب انصراف العرب عنه!! وروى المدائني: أن طائفة مشوا إليه، فقالوا له: يا أمير المؤمنين: أعط هذه الأموال، وفضِّل هؤلاء الأشراف من العرب على العجم، واستعمل من تخاف خلافه من الناس، فقال لهم: أتأمروني أن أطلب النصر بالجور!.

الناس ثلاثة:

قال الإمام علي ـ (عليه السلام) ـ لكميل بن زياد: يا كميل، القلوب أوعية، وخيرها أوعاها للخير، والناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل النجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق! ثم بكى ـ (عليه السلام) ـ وقال: هكذا يموت العلم بموت حامله.

كريمات النساء:

تزوج المعتضد العباسي الأميرة المصرية قطر الندى بنت خمارويه، وكان صداقها ألف ألف، وقد وسمت بفرط الجمال والعقل والأدب الجم. وقد حكى أن المعتضد خلا يوما للأنس بها في مجلس أفرده لها، فأخذت منه الكأس فنام على فخذها، فلما ثقلت رأسه، وضعته على وسادة، وخرجت وجلست في ساحة القصر. فاستيقظ فلم يجدها، فاستشاط غضبا، ونادى بها، فأجابته عن قرب، فقال لها: ألم أخلك إكراما لك؟ ألم أدفع إليك مهجتي دون سائر حظاياي؟ فتضعين رأسي على وسادة وتذهبين! فقالت: يا أمير المؤمنين، ما جهلت قدر ما أنعمت به عليّ، ولكن فيما أدبني به أبي أنه قال لي: لا تنامي عند الجلوس، ولا تجلسي عند النيام.

فسرى عن المعتضد وزاد في إكرامها.

/ صفحه 284/

استجهال:

سأل رجل ابن مسعود عن الجمل! فقال له: هو زوج الناقة! كأنه استجهل من سأله عما يعرف الناس جميعاً.

حسن سؤال:

أرسل الشبلي إلى بعض الوزراء يطلب منه شيئا من الدنيا. فقال له الوزير: أطلب من مولاك!! فأرسل الشبلي إليه: إن الدنيا دنيئة لا تطلب إلا من دنئ، وأما مولاك فلا أطلب منه إلا إياه!!.

إكرام النمل:

كان عدي بن حاتم الطائي ـ رضي الله عنه ـ يفت الخبز لما يجاوره من النمل، ويقول: له علينا حق الجوار!.

لا تستصغر عدوك:

خطب ابن الأشعث بالمربد ـ عند ظهور أمر الحجاج عليه ـ فقال: أيها الناس، إنه لم يبق من عدوكم إلا كما بقي من ذنب الوزغة، تضرب به يمينا وشمالا، فلا تلبث أن تموت!! فسمعه رجل من بني قشير، فقال: قبح الله هذا من أمير!! يأمر أصحابه بقلة الاحتراس من عدوهم، ويعدهم الغرور!!.

أقول: إن استصغارنا لشأن اليهود في بدء أمرهم، واستحقارنا لجنودهم وعدتهم وتواكل بعضنا على بعض في محاربتهم، وسماعنا لمن يقول: إن بضعة آلاف من المتطوعين يكفي لطرحهم في البحر، كان سبباً في خذلان سبع دول عربية أمام شراذمهم، ومعظم النار من مستصغر الشرر، والأمر لله، ولا حول ولا قوة ا لا بالله.

داء عضال:

يقول الجاحظ: التقليد داء لا يحسن علاجه جالينوس، فتعظيم الكبراء، واتباع الاسلاف، وإلف دين الآباء، والأنس بما لا يعرفون غيره، يحتاج إلى علاج شديد.

/ صفحه 285/

منع النساء من الخروج:

مما يذكر للخليفة الحاكم بأمر الله الفاطمي ـ رحمة الله ـ: أنه منع النساء من الخروج إلى الطرقات ليلا ونهارا، ومنع الأساكفة من عمل الأخفاف لهن!! ولا تزل النساء ممنوعات من الخروج إلى أيام ولده الظاهر بالله، أي مدة سبع سنوات.

الطلاق يخيف النساء:

قال الجماز: أصبحت في يوم مطير، فقالت لي امرأتي: أي شئ يطيب به هذا اليوم؟ فقلت: الطلاق!! فسكتت عني!.

إنصاف الخصوم:

كان الرشيد ـ إذا ذكر عند البرامكة بسوء ـ تمثل بقول الحطيئة:

أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم ****من اللوم سدوا المكان الذي سدوا

الحاجب والكاتب:

أوصى المهلب ابنه يزيد عند وفاته بوصايا، منها: يا بني استعقل الحاجب، واستظرف الكاتب؛ فإن حاجب الرجل وجهه، وكاتبه لسانه.

بر عميق:

كان يحيى البرمكي في سجنه يتأذى من استعمال الماء البارد في الشتاء ولا يقدر على تسخينه!! فكان الفضل ابنه يأخذ الإبريق النحاس وفيه الماء، فيضعه على بطنه زمانا لينكسر برده بحرارة بطنه حتى يستطيع أبوه استعماله!!.

غلبة الهم:

قيل لحكيم: أخرج الهم من قلبك!! فقال: ليس بإذني دخل!.

وراثة الصنعة:

من كلام الحكمام: من عمل أبيه، كفى نصف المعاش.

أقول: إن التجربات الحديثة كلها تؤيد هذا القول؛ فقد ثبت مثلا بالامتحان أن أبناء النساجين في انجلترة أحذق وأقرب لتعلم النساجة من غيرهم، وهكذا.

/ صفحه 286/

الأدب مع الأشياخ:

كان الإمام ابن خريمة يضرب به المثل في الأدب لا سيما مع شيخه البوشنجي، وحين مات شيخه سئل عن مسئلة في أثناء جنازته، فقال: لا أفتى حتى أواري أستاذي التراب.

يضمن على الله:

بينما كان الإمام ابن حاتم في حلقة الدرس، إذ جاءه رجل فقال: إن سور طرسوس قد انهدم منه جانب واحتيج في عمارته إلى ألف دينار. فقال الشيخ للحاضرين: من يعمره وأنا أضمن له على الله قصراً في الجنة، فقام رجل من العجم وجاء بألف دينار، وقال: أكتب لي ورقة بهذه الضمانة، فكتب له الشيخ. ثم إن العجمي مات ودفنت معه الورقة، فحملتها الريح حتى سقطت في حجر الشيخ، فإذا مكتوب على ظهرها: قد وفينا ما ضمنته ولا تعد!!.

الدينار والدرهم:

في الحديث الشريف: " إذا عظمت أمتي الدينار والدرهم، نزع الله منها هيبة الإسلام ". ومن كلام الشافعي في ذلك:

النار آخر دينار نطقت به*** والهم آخر هذا الدرهم الجاري

والمرء بينهما ـ ما لم يكن ورعا** معذب القلب بين الهم والنار

مجاورة الصالحين:

كان رجل يسكن خربة مجاورة للجنيد ـ رحمة الله ـ فلما توفى الجنيد وفرغ من دفنه، صعد الرجل مكاناً عالياً، وقال: أتروني أرجع على تلك الخربة، وقد فقدت الجنيد، ثم أنشد يقول:

واسفي من فراق قوم ***هم المصابيح والحصون

والمدن والمزن والرواسي***والخير والأمن والسكون

لم تتغير لنا الليالي ***حتى توفتهم المنون

فكل جمر لنا قلوب***وكل ماء لنا عيون