/ صفحه 329 /

نصيحة قاض لخليفة

للدكتور عبد العظيم شرف الدين

مدرس الشريعة الإسلامية

في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة

ـ *** ـ

حرص خلفاء المسلمين على تحري العدل في الرعية، وتعرف أحكام الله كي يطبقوها على المسلمين، كما حرص علماء المسلمين على بذل النصيحة لهؤلاء الخلفاء، يرون في هذا أداء أمانة نيطت في أعناقهم، وخير شاهد على ما نقول نصيحة القاضي " ابي يوسف " صاحب أبي حنيفة للخليفة العباسي " هارون الرشيد " ولهذه النصيحة قصة إليك تفصيلها:

أراد الخليفة " هارون الرشيد " رفع الظلم عن رعيته، وصلاح أمرهم، فطلب من " أبي يوسف " أن يضع له كتابا جامعا يعمل به في حياته الخراج والعشور والصدقات، وقد استجاب " أبو يوسف " لرغبة الخليفة، فأعد له كتابا يعد الأول من نوعه، رسم له فيه السياسة المالية للدولة، وهذا الكتاب هو كتاب " الخراج " والذي يلفت النظر في هذا الكتاب ما شاع في ثناياه من دعوة صاحبه الملحة الخليفة إلى تحري العدل، والعمل بكتاب الله وسنة رسوله، إلى جانب النصيحة التي جاءت في صدر الكتاب. وقد استغرقت هذه النصيحة عشرين صفحة، ضمنها " أبو يوسف " بيان حق الرعية على الراعي، كما بين له أن الله سبحانه وتعالى سائله عما استرعاه، وقد تكرر هذا في غير موطن:

فتراه أحيانا يقول له: " يا أمير المؤمنين، إن الله ـ وله الحمد ـ قد قلدك أمراً عظيما، ثوابه أعظم الثواب، وعقابه أشد العقاب، قلدك أمر هذه الأمة، فأصبحت وأمسيت، وأنت تبني لخلق كثير قد استرعاكهم الله، وائتمنك عليهم، وابتلاك بهم، وولاك أمرهم، وليس يلبث البنيان إذا أسس على غير التقوى أن يأتيه الله.

/ صفحه 330 /

من القواعد، فيهدمه على من بناه وأعان عليه، فلا تضيعن ما قلدك الله من أمر هذه الأمة والرعية... فأقم الحق فيما ولاك الله وقلدك ولو ساعة من نهار؛ فإن أسعد الرعاة عند الله يوم القيامة راع سعدت به رعيته، ولا تزغ فتزيغ رعيتك، وإياك والأمر بالهوى، والاخذ بالغضب، وإذا نظرت إلى أمرين أحدهما للأخرة، والاخر للدنيا، فاختر أمر الآخرة على أمر الدنيا، فإن الآخرة تبقى، والدنيا تفنى، وكن من خشية الله على حذر، ولا تخف في الله لومة لائم ".

وفي موطن آخر يقول له: " وإني أوصيك يا امير المؤمنين بحفظ ما استحفظك الله، ورعاية ما استرعاك الله، وألا تنظر في ذلك إلا إليه وله ؛ فإنك إن لا تفعل تتوعر عليك سهولة الهدى، وتعمي في عينك، وتتعض رسومه، ويضيق عليك رحبه، وتنكر منه ما تعرف، وتعرف منه ما تنكر، فخاصم نفسك خصومة من يريد الفلج لها لا عليها؛ فإن الراعي المضيع يضمن ما هلك على يديه مما لو شاء رده عن أماكن الهلكة بإذن الله، وأورده أماكن الحياة والنجاة، فإذا ترك ذلك أضاعه، وإن تشاغل بغيره كانت الهلكة عليه أسرع، وبه أضر، وإذا أصلح كان أسعد من هنالك بذلك، ووفاه الله أضعاف ما وفى له، فاحذر أن تضيع رعيتك، فيستوفي ربها حقها منك، ويضيع ـ بما أضعت ـ اجرك، وإنما يدعم البنيان قبل أن ينهدم، وإنما لك من عملك ما عملت فيمن ولاك الله أمره، وعليك ما ضيعت منه ".

وهكذا يستمر في تقديم النصيحة مستخدماً لفظ الرعية تارة، وأسلوب التحذير تارة أخرى، ولم يفته أن يدعم قوله بالاحاديث والاثار تحث على العدل في الرعية، ورعاية ما لهم من حقوق، فهي بمثابة دستور يلتزمه الحكام نحو الرعية ليعم العدل، ويسود الأمن، وينتشر الرخاء، ومن هذه الأحاديث قول الرسول عليه الصلاة والسلام: " إن من أحب الناس اليّ وأقربهم مني مجلساً يوم القيامة إمام عادل، وإن أبغض الناس إلى يوم القيامة وأشدهم عذابا إمام جائر ".

ومنها قوله عليه الصلاة والسلام: " ألا من ولى من أمر أمتي شيئا، فرفق بهم في حوائجهم رفق الله به يوم حاجته، ومن احتجب عنهم دون حوائجهم احتجب الله عنه خلته وحاجته ".

/ صفحه 331/

وأما الآثار فمنها ما روى عن سعيد بن أبي بردة قال: كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى:" أما بعد، فإن اسعد الرعاة عند الله من سعدت به رعيته، وإن أشقى الرعاة من شقيت به رعيته، وإياك أن تزيغ فتزيغ عما لك، فيكون مثلك عند الله مثل البهيمة نظرت إلى خضرة من الأرض فرتعت فيها تبتغي بذلك السمن، وإنما حتفها في السمن، والسلام ".

ثم بين للخليفة أنه لم يدخر وسعاً في بيان ما طلبه منه الخليفة، ورجا منه أن يعمل بما فيه دون أن يظلم مسلماً أو معاهداً، ويتضح هذا من قوله: " وقد كتبت لك ما أمرت به، وشرحته لك وبينته، فتفقهه وتدبره، وردد قراءته حتى تحفظه، فإني قد اجتهدت لك في ذلك، ولم آلك والمسلمين نصحا، ابتغاء وجه الله وثوابه، وخوف عقابه. وإني لأرجو ـ إن عملت بما فيه من البيان ـ أن يوفر الله لك خراجك من غير ظلم مسلم ولا معاهد، ويصلح لك رعيتك؛ فإن صلاحهم بإقامة الحدود عليهم ورفع الظلم عنهم، والتظالم فيما اشتبه من الحقوق عليهم... فوفقك الله لما يرضيه عنك، وأصلح بك، وعلى يديك ".

فهذه النصائح لها أهميتها ودلالتها، فهي من جانب تدل على رحابة صدر الخليفة فلم يتبرم عند سماعها، ولو حدث شئ من هذا لنقل الينا لتوفر الدواعي إلى نقله، وما هذا إلا لما تمتع به العلماء من منزلة سامية لدى الخلفاء، فكانوا منهم بمنزلة القادة والموجهين، وهي من جانب آخر تعطينا صورة صادقة عن مدى حرص " أبي يوسف " على العمل بما جاء في كتابه من سياسة مالية يجب اتباعها في جباية الاموال وتوزيعها، فكأن " أبا يوسف " يقول للخليفة: " هأنذا قد قمت بما فرضه الله على من بيان أحكامه، وتوضيحها، وبقي عليك أنت واجب أشد خطراً وأعمق اثرا، إلا وهو جانب التنفيذ، فإنك صاحب السلطة في البلاد، وإن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.

وقد استخدم أبو يوسف في هذه النصيحة عنصر التأثير النفسي عن طريق التكرار والاتيان بالموعظة في ثنايا الكتاب، إذ على الرغم من أنه استهل الكتاب

/ صفحه 332/

بهذه النصائح أخذ من حين لآخر يعرض في ثنايا الكتاب هذه الموعظة، ويبين المسئولية الخطيرة التي ناطها الله بعنق الخليفة، فكان يعقب على كل حكم بما يشعر بوجوب تنفيذ أحكام الله، ووجوب العدل بين الرعية.

وربما بدا للوهلة الأولى أن فيما تخلل الكتاب من نصيحة للخليفة نوعا من التكرار لا فائدة من ورائه، ولكن الواقع أن " أبا يوسف " لجأ إلى هذا ـ كما قلنا ـ حتى يتمكن من التأثير على الخليفة، فهو بين الحين والحين يتخوله بالموعظة، ويطرق الباب مرة أخرى، وحسبه في هذا منهج القرآن الكريم في معالجة المشكلات الإنسانية، والقرآن لا يطرق الفكرة مرة واحدة ثم يتركها إلى غير رجعة، وذلك لأنه يخاطب البشر، ومن طبع الإنسان إلا يستجيب منذ الوهلة الأولى، فالقرآن جاري الطبائع الإنسانية فنجح كل النجاح في تقويمها، والحق أن المشكلات التي عالجها القرآن الكريم، وبصفة خاصة ما كان منها خاصاً بالعقيدة كانت في أمس الحاجة إلى التكرار مرة إثر أخرى؛ وذلك لأن الإطاحة بعقيدة وإحلال أخرى محلها من أشق ما يعانيه الدعاة إلى الأديان الجديدة، فالعقائد القديمة قد رسخت ووطدت أركانها، فلابد من زمن لتقويض دعائمها وإقامة صرح الدين الجديد مكانها، وهذا ما فعله القرآن الكريم، فاستجابت له النفوس، ودانت له القلوب.

لهذا كله نستطيع أن نقرر هنا مطمئنين أن الكتاب الذي ألفه " أبو يوسف " للخليفة " هارون الرشيد " لم يكن كتاب قوانين وقواعد تتبع في النظام المالي فحسب، وذلك لما شاع في أنحائه من عنصر النصيحة والارشاد في مواطن متعددة، وقد كان " أبو يوسف " موفقا في هذا كل التوفيق؛ إذ لا فائدة ترجى من كتابه هذا ما لم يعمل به الخليفة، ويخرجه إلى حين التنفيذ، ويطبق ما جاء فيه على الرعية.

وإن لهذا الكتاب قيمة توجيهية، وترجع أهميته إلى ما تضمنه من مبادئ ينبغي اتباعها في سياسة الرعية، وحسبنا أن نجتزئ من هذه المبادئ بما يأتي:

1 ـ الجلوس للنظر في المظالم:

أهاب " أبو يوسف " بالخليفة أن يعدل ويجلس للنظر في المظالم، مبينا له ما للعدل من أثر في تعمير البلاد، وما للظلم من اثر في تدميرها، ويقول في هذا الشأن:

/ صفحه 333/

" إن العدل وإنصاف المظلوم مع ما في ذلك من الأجر يزيد به الخراج، وتكثر به عمارة البلاد، والبركة مع العدل تكون، وهي تفقد مع الجور، والخراج المأخوذ مع الجور تنقص البلاد به وتخرب، هذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يجبي السواد مع عدله في أهل الخراج، وإنصافه لهم، ورفعه الظلم عنهم، مائة ألف ألف، فلو تقربت إلى الله عزوجل يا أمير المؤمنين بالجلوس لمظالم رعيتك، في الشهر أو الشهرين مجلساً واحداً تسع فيه من المظلوم، وتنكر على الظالم، رجوت ألا تكون ممن احتجب عن حوائج رعيته، ولعلك لا تجلس مجلسا أو مجلسين حتى يسير ذلك في الامصار والمدن، فيخاف الظالم وقوفك على ظلمه، فلا يجترئ على الظلم، ويأمل الضعيف المقهور جلوسك ونظرك في أمره، فيقوى قلبه، ويكثر دعاؤه، فإن لم يمكنك الاستماع في المجلس الذي تجلسه من كل من حضر من المتظلمين نظرت في أمر طائفة منهم في أول مجلس، وفي امر طائفة أخرى في المجلس الثاني، وكذلك في المجلس الثالث، ولا تقدم في ذلك إنساناً على إنسان، مع أنه متى علم العمال والولاة أنك تجلس للنظر في أمور الناس يوماً في السنة، ليس يوماً في الشهر، تناهوا بإذن الله عن الظلم، وأنصفوا من أنفسهم، وإني لأرجو لك بذلك أعظم الثواب؛ إنه من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب الآخرة.

2 ـ محاسبة العمال:

رسم للخليفة سياسة محاسبة العمال، وفرض الرقابة عليهم في سلوكهم، فإن بدر من أحدهم مخالفة أوخذ بحرمه تأديبا له وزجراً لغيره، وخلاصة القول أنه ضيق الخناق عليهم حتى لا يطلقوا أيديهم في أموال الرعية، ولا يستغلوا سلطانهم، ويظهر هذا واضحا جلياً من قوله: " وأنا أرى أن تبعث قوماً من أهل الصلاح والعفاف ممن يؤثق بدينه وأمانته يسألون عن سيرة العمال وما عملوا به في البلاد، وكيف جبوا الخراج على ما أمروا به، وعلى ما وظف على أهل الخراج واستقر، فإذا ثبت ذلك وصح أخذوا بما استفضلوا من ذلك أشد الأخذ حتى يؤدوه بعد العقوبة الموجعة والنكال حتى لا يتعدوا ما امروا به وما عهد إليهم فيه، فإن كل

/ صفحه 334/

ما عمل به والي الخراج من الظلم والعسف فإنما يحمل على أنه قد أمر به، وقد أمر بغيره، وإن أحللت بواحد منهم الموجعة انتهى غيره واتقى وخاف، وإن لم تفعل هذا بهم تعدوا على أهل الخراج واجترأوا على ظلمهم وتعسفهم، وأخذهم بما لا يجب عليهم، وإذا صح عندك من العامل والوالي تعد بظلم وعسف وخيانة لك في رعيتك، واحتجان شئ من الفئ أو خبث طعمته أو سوء سيرته، فحرام عليك استعماله والاستعانة به، وأن تقلده شيئاً من أمور رعيتك، أو تشركه في شئ من أمرك، بل عاقبه على ذلك عقوبة تردع غيره من غير إن يتعرض لمثل ما تعرض له، وإياك ودعوة المظلوم فإنها دعوة مجابة ".

فتراه يدعو الخليفة إلى فرض الرقابه على العمال، ويشير عليه بعزل الوالي متى ظهر منه ظلم للرعية، وليس هذا فحسب، بل يرى تحريم أعمال الدولة عليه لظهور عدم صلاحيته لتولي أمر من أمور الرعية.

3 ـ تخير الجباة من أهل العدل:

كذلك رسم " أبو يوسف " للخليفة منهجاً قويماً يجب اتباعه في تخير الجباة، وتتضح معالم هذا المنهج من قوله: " ورأيت ـ أبقى الله أمير المؤمنين ـ أن تتخذ قوماً من أهل الصلاح والدين والامانة، فتوليهم الخراج، ومن وليت منهم فليكن فقيهاً عالماً مشاوراً لأهل الرأي، عفيفاً لا يطلع الناس منه على عورة، ولا يخاف في الله لومة لائم، ما حفظ من حق، وأدى من أمانة احتسب به الجنة، وما عمل به من غير ذلك خاف عقوبة الله فيما بعد الموت، تجوز شهادته إن شهد، ولا يخاف منه جور في حكم إن حكم، فإنك إنما توليه جباية الاموال واخذها من حلها، وتجنب ما حرم منها، فإذا لم يكن عدلا ثقة أمينا فلا يؤتمن على الأموال... ويجب الاحتياط فيمن يولي شيئا من أمر الخراج، والبحث عن مذاهبهم، والسؤال عن طرئقهم، كما يجب ذلك فيمن أريد للحكم والقضاء ".

فهو يرى وجوب الاحتياط في تخير من يلي أمر الخراج، كما يجب الاحتياط في تخير الحاكم والقاضي، فلا يختار الخليفة لأحد هذه المناصب إلا من كان إذ ضمير حي يحاسب على ما يأتي وما يدع من الأعمال.

/ صفحه 335 /

ثم يقول: " وتقدم إلى من وليت إلا يكون عسوفاً لأهل عمله، ولا محتقراً لهم، ولا مستخفاً بهم، ولكن يلبس لهم جلباباً من اللين يشوبه بطرف من الشدة، من غير أن يظلموا، أو يحملوا ما لا يجب عليهم، وعليه أن ينصف المظلوم، ويشتد على الظالم، ويعفو عن الناس، فإن ذلك يدعوهم إلى الطاعة، وأن تكون جبايته للخراج كما يرسم له، وعليه ترك الابتداع فيما يعاملهم به، والمساواة بينهم في مجلسه ووجهه حتى يكون القريب والبعيد، والشريف والوضيع عنده في الحق سواء، وعليه ترك اتباع الهوى؛ فإن الله ميز من اتقاه وآثر طاعته وأمره على من سواهما " فهو هنا يبين للخليفة الصفات التي ينبغي أن تتوفر في الولاة، كما يرسم المنهج الذي يجب عليهم سلوكه في جباية الخراج متوخين العدل وترك الهوى مع التزام اللين في غير ضعف، والشدة في غير عنف، فإن هذا ادعى إلى طاعة والاستقرار المنشود.

4 ـ تخير الجنود المرافقين للولاة:

لم يكتف " أبو يوسف " بما تقدم من رسم السياسة الواجب اتباعها في تخير الولاة، بل أضاف إلى هذا: الدعوة إلى تخير الجنود والاعوان المرافقين للولاة، حتى لا يستغلوا سلطتهم ويسلبوا الأموال من الرعية معتمدين على ما لهم من جاه عند الولاة، ويقول في هذا الصدد: " ولتصير مع الوالي الذي وليته قوماً من الجند، في أعناقهم بيعة على النصح لك؛ فإن من نصحك ألا تظلم رعيتك، وتأمر بإجراء أرزاقهم عليهم من ديوانهم شهراً بشهر، ولا تجري عليهم من الخراج درهما؛ فإنه قد بلغني أنه قد يكون في حاشية العامل والوالي جماعة، منهم من لهم به حرمة، ومنهم من لهم إليه وسيلة، ليسوا بأبرار ولا صالحين، يستعين بهم، ويوجههم في أعماله، فلا يحفظون ما يوكلون بحفظه، ولا ينصرفون من يعاملونه، وإنما مذهبهم أخذ شئ، من الخراج كان أو من أموال الرعية، ثم إنهم يأخذون ذلك فيما بلغني بالعسف والظلم والتعدي، ثم لا يزال الوالي ومن معه قد نزل بقرية يأخذ اهلها من نزله (1) بما لا يقدرون عليه، ولا يجب عليهم حتى يكلفوا ذلك فيجحف بهم،

*(هوامش)*

(1) النزل ـ بزنة قفل ـ: ما يهيأ للضيف.

 

/ صفحه 336/

ثم قد بعث رجلا من هؤلاء الذين وصفت لك أنهم معه إلى رجل ممن له عليه الخراج ليأتي به فيأخذ منه الخراج، فيقول له: قد جعلت لك أن تأخذ منه كذا وكذا، حتى لقد بلغني أنه ربما وظف له أكثر مما يطالب به الرجل من الخراج، فإذا أتاه ذلك الموجه إليه قال له: أعطني جعلي الذي جعله لي الوالي؛ فإن جعلي كذا وكذا، فإن لم يعطه ضربه، وعسفه، وساق البقر والغنم ومن أمكنه من ضعفاء المزارعين حتى يأخذ ذلك منهم ظلما وعدوانا، وهذا كله ضرر على أهل الخراج ونقص للفئ، مع ما فيه من الاثم، فمر بحسم هذا وما أشبه وترك التعرض لمثله حتى لا يكون مع الوالي من هؤلاء الذين سميت أحد، ويكون ما يؤخذ لك من المال من باب حله، ولا يوضع إلا في حقه، وتقدم في اختيار هؤلاء الجند الذين تصيرهم مع الوالي، وليكونوا من صالحي الجند ومن له الفهم واليسر والنعمة منهم إن شاء الله تعالى ".

وصفوة القول أن " أبا يوسف " قد أحس بما تعانيه الرعية من ضروب الظلم والعسف، فانتهز الفرصة حينما طلب منه الخليفة أن يضع له كتابا يكتبه في سياسة الدولة المالية، ووضع للخليفة دستورا يتكون من مبادئ لها قيمتها، ورسم له خطة شاملة للإصلاح، هذه الخطة تقوم على أسس منها:

1 ـ الجلوس للنظر في المظالم.

2 ـ اتباع سياسة محاسبة العمال.

3 ـ تخير الجباة من اهل العدل.

4 ـ تخير الجنود والأعوان المرافقين للولاة.

والى اللقاء في الحديث القادم إن شاء الله.