/ صفحه 337/
أنا اللغة
أو
الصراع بين القديم والجديد
لصاحب الفضيلة الشيخ على محمد حسن العماري
المدرس بالأزهر
ـ 5 ـ
... وأول من رأينا له قولا معتدلا في الحكومة الأدبية بين القديم والحديث هو أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، حين عرض في كتابه " الحيوان " لأبي نواس فامتدحه بجودة السبك، وجودة الطبع، والحذق في الصنعة، ثم قال: " وإن تأملت شعره فضلته، إلا أن تعترض عليك فيه العصبية، أو ترى أن أهل البدو أبدا أشعر، وأن المولدين لا يقاربونهم في شئ، فإن اعترض هذا الباب عليك فإنك لا تبصر الحق من الباطل ما دمت مغلوبا ".
وتبسط ابن قتيبة في مقدمة كتابه " الشعر والشعراء " حيث يقول: " ولم أقصد فيما ذكرته من شعر كل شاعر مختارا له سبيل من قلد أو استحسن باستحسان غيره، ولا نظرت إلى المتقدم منهم بعين الجلالة لتقدمه، ولا المتاخر منهم بعين الاحتقار لتأخره، بل نظرت بعين العدل إلى الفريقين، وأعطيت كلا حقه، ووفرت عليه حظه؛ فإني رأيت من علمائنا من يستجيد الشعر السخيف لتقدم قائله، ويضعه موضع متخيره، ويرذل الشعر الرصين، ولا عيب له عنده إلا أنه قيل في زمانه ورأى قائله ".
وهو يفضل الشعر القديم بالجزالة والسلاسة، وبما فيه من الشاهد في اللغة والنحو، ويفضل الشعر الحديث بعذوبة ألفاظه وحلاوة معانيه وشدة ارتباطه.
ولم يقصر الله الشعر والعلم والبلاغة ـ كما يقول ـ على زمن دون زمن، ولا خص قوماً دون قوم، بل جعل ذلك مشتركا مقسوما بين عباده في كل دهر، وجعل كل قديم حديثاً في عصره.
/ صفحه 338/
وابن قتيبة عاش في القرن الثالث الهجري، وتوفي في السنة الأولى من الربع الاخير من هذا القرن، وبذلك نعرف ماذا عني بالقديم، وماذا عني بالحديث.
وقد يتبادر إلى بعض الاذهان أن القديم في نظره ـ كما هو في نظر من سبقه من العلماء والرواة ـ هو الشعر الجاهلي، وكذلك كان يرى أبو عمرو بن العلاء ـ مثلا ـ فإنه لم يستشهد ببيت إسلامي طوال عشر سنوات، كما ذكر الأصمعي، وكان يرى أن الفرزدق وجريراً والأخطل من المحدثين، ولكن عبارات ابن قتيبة تشير إلى أن القديم هو ما سبق زمنه، والحديث هو ما قيل في عصره أو قريبا منه، فانه ـ كما يقول ـ رأى بعضه علمائهم يعيبون الحديث، ولا عيب له إلا أنه قيل في زمانه ورأى قائله، ويقول: وجعل " الله " كل قديم منهم حديثا في عصره، وكل شريفا خارجيا (1) في أوله، فقد كان جرير والفرزدق والأخطل يعدون محدثين، وكان أبو عمرو بن العلاء يقول: لقد نبغ هذا المحدث وحسن، حتى لقد هممت بروايته، ثم صار هؤلاء قدماء عندنا ببعد العهد منهم. وكذلك يكون من بعدهم لمن بعدنا، كالخريمي، والعتابي، والحسن بن هانئ.
فنرى أن ابن قتيبة يحدد القديم " ببعد العهد " والحديث بقربه، وليست المعاصرة عنده هي الحد الفاصل، فإن هؤلاء الشعراء الثلاثة الذي ذكرهم لم يعاصروا ابن قتيبة، فبعضهم توفي وابن قتيبة لم يولد بعد، كالحسن بن هانئ وهو أبو نواس، فقد كانت وفاته في سنة 198 هـ، وابن قتيبة ولد سنة 213هـ، والعتابي توفي سنة 220هـ، فكان ابن قتيبة حينئذ في سن الثامنة.
ثم أكد ابن قتيبة حكمه ووضحه، وذكر نهجه وطريقته في اختيار الشعر فقال بعد ما تقدم: " فكل من أتى بحسن من قول أو فعل ذكرناه له، وأثنينا عليه به، ولم يضعه عندنا تأخر قائله، ولا حداثة سنة، كما أن الردئ إذا ورد علينا للمتقدم أو الشريف لم يرفعه عندنا شرف صاحبه ولا تقدمه ".
وكذلك فعل معاصره أبو العباس المبرد، فنراه وهو يتحدث عن الفرزدق
*(هوامش)*
(1) الخارجي ـ هنا ـ من يسود بنفسه من غير ان يكون له قديم.
/ صفحه 339/
مقارنا بين شعر له سخيف، وآخر جيد رصين، يقول " وليس لقدم عهد يفضل القائل، ولا لحدثان عهد يهتضم المصيب، ولكن يعطى كل ما يستحق ".
فهو يعد الفرزدق من المتقدمين: ثم يعد أبا نواس من المحدثين، فقد ذكر له أبياتاً في صفة الخمر، ثم قال: فهذه قطعة من التشبيه غاية على سخف كلام المحدثين، بل عيد بشار بن برد المتوفي سنة 167 هـ من المحدثين، ومن ذلك قوله: ومن تشبيه المحدثين المستطرف قول بشار: (1)
كأن فؤاده كرة تنزى ***حذار البين إن نفع الحذار
هذا، وقد توفي أبو العباس في سنة 285 هـ.
* * *
ثم يأتي القرن الرابع وتتجدد المشكلة، ويتصارع أنصار القديم والحديث، ويبدو التطرف في أقوال كل من الفريقين، بل يبدو التطرف في رأي العالم الواحد في فترتين مختلفين، ولنضرب المثل بأحمد بن فارس المتوفي سنة 390 هـ، يقول الدكتور زكي مبارك: " يحار الباحث في تحديد حياة ابن فارس العقلية، ومرجع هذه الحيرة هو ظهور هذا الرجل بلونين مختلفين كل الاختلاف. أما سبب هذه الحيرة فهو إغفال المتقدمين تاريخ آثار هذا اللغوى الأديب، فقد نعرف أنه راجع كتاب " الصاحبي " في سنة 382 هـ، ولكننا لا نعرف في أي سنة من سني حياته العلمية وضع رسالته في الرد على محمد بن سعيد الكاتب، والفرق بعيداً جداً بين رسالته هذه، وكتابه ذاك، فهو في " الصاحبي " رجل حذر هيوب يحسب مسايرة العقل جريمة، وبعد التفكير من حملة الذنوب، ولكنه في رسالته إلى ابن سعيد باحث مملوء بالغيرة والحمية لكل حق، ولكل جديد " (2).
ومع أن من الممكن تعليل هذا الاختلاف، فتزول الحيرة، وذلك أن الإنسان ولا سيما العلماء الباحثون، تتغير آراؤهم، وتتناقض نظراتهم، فقد يرى الواحد
*(هوامش)*
(1) الكامل ج2 ص 44، 45، ط: التجارية سنة 1355 هـ.
(2) النثر الفني في القرن الرابع ج 2 ص 32، الطبعة الأولى.
/ صفحه 340/
منهم رأيا، ويعنف في النضال دونه، ويتمادي في الخصومة من أجله، ثم يعدل عنه بعد زمن طويل أو قصير، ويرى ضد هذا الرأي، والأمثلة في عصرنا قريبة التناول.
مع هذا أرى أن تمسك ابن فارس بالقديم كان في ناحية، ودفاعه عن الجديد كان في ناحية أخرى.
تمسك ابن فارس بالقديم فيما يتعلق بالعقيدة وببعض العلوم، وإذا كان يفضل العروض على الفلسفة، فذلك لما يظن من خطر الفلسفة على العقيدة، وليس ابن فارس وحده من العلماء هو الذي نعى على أبحاث المناطقة في " الاعداد والخطوط والنقط " التي لا يعرف لها فائدة ـ كما يقول ـ والسر العميق في نفسه وفي نفوس غيره ممن أنكرها أنها مع قلة فائدتها ترق الدين، وتنتج كل ما نعوذ بالله منه.
ودافع ابن فارس عن الجديد حين اتصل الأمر بالأدب، بل على وجه الخصوص بالتأليف في الأدب، فقد بلغه أن ابن سعيد أنكر على أبي الحسن محمد بن علي العجلي تأليف كتاب في الحماسة، فعجب لذلك، وكتب إليه يحجه، ويقول له: " ومن ذا حظر على المتأخر مضادة المتقدم؟ ولم تأخذ بقول من قال: " ما ترك الأول للآخر شيئا " وتدع قول الأخر: " كم ترك الأول للآخر "؟ وهل الدنيا إلا أزمان، ولكل زمن منها رجال؟ وهل العلوم بعد الأصول المحفوظة إلا خطرات الأفهام ونتائج العقول؟ ومن قصر الاداب على زمان معلوم؟ ووقفها على وقت محدود؟ ولم لا ينظر الأخر مثل ما نظر الأول حتى يؤلف مثل تأليفه، ويجمع مثل جمعه، ويرى في كل ذلك مثل رأيه؟ ولم جاز أن يقال بعد أبي تمام مثل شعره، ولم يجز أن يؤلف مثل تأليفه؟.
والرسالة كلها في هذا الاتجاه، ونحن نعرف تحرج ابن فارس في كل ما يتصل بالعقيدة، أما الاداب، واما التأليف فيها بخاصة فأمر لا ينبغي حظره على المتأخر، وقد وردت في الرسالة إشارات إلى وجوب الاجتهاد في التأليف، والزيادة على ما كتب المتقدمون " ولو اقتصر الناس على كتب القدماء لضاع علم كثير، ولذهب أدب غزير، ولضلت أفهام ثاقبة، ولكلت ألسن لسنة، ولما توشى أحد لخطابة،
/ صفحه 341 /
ولا سلك شعبا من شعاب البلاغة، ولمجت الاسماع كل مردد مكرر، وللفظت القلوب كل مرجع ممضغ".
فابن فارس لا يقف في سبيل التجديد في كل العلوم، ولكنه ـ في رأينا ـ يقف في سبيل التجديد الذي يضر بالعقيدة، ويرق الدين.
* * *
وكل حديث في وقته سيصبح قديما بتطاول الزمان، ففي كل عصر قديم وحديث وقد نشأ الكلام في الأدب العربي أو ما نشأ في إعراض الرواة عن شعر عدي ابن زيد، وأبي داود الايادي ـ كما أسلفت ـ ولا شك أن النغمة تجددت حين نشأ هؤلاء الشعراء الذين سموهم " عبيد الشعر " فقد انتقل الشعر بهؤلاء من دور الطبع إلى دور الصنعة والتكلف، فالشاعر الذي يبدأ خطبته نثرا فتصير شعرا، كما فعل الحارث بن حلزة ـ فيما حدثوا ـ غير الشاعر الذي يبيت بجمع شمل قصيدته، ويظل ينظر فيها ليقوم ما بها من عيوب:
وقصيدة قد بت أجمع شملها ****حتى أقوم ميلها وسنادها
نظر المثقف في كعوب قناتة****حتى يقيم ثقافة منآدها
وفي مبدأ الدعوة الإسلامية طرأ على الشعر ما يمكن ان يحدث معركة بين القديم والجديد لو كان الناس فارغين كفرا غنا اليوم للحديث عن الأدب وتطوره، ولا شك أن ظهور الشعراء الغزلين من أمثال جميل بن معمر، وكثير عزة، ووضاح اليمن، والشعراء السياسيين المدافعين عن أحزابهم من جماعية وخوارج وشيعة، لا شك أن ظهور هؤلاء كان حدثا جديداً في الأدب العربي.
فلم يكن الشعراء الجاهليون يعتبرون الغزل غرضا مستقلا بذاته، ولذلك لا نجد قصيدة قصرت على الغزل إلا ما حدثوا عن قصيدة للمرقش الأكبر، وربما كانت كغيرها من القصائد ثم ضاعت بقيتها، ولم يبق منها إلا مطلعها، كما أن الغزل الجاهلي كان ماديا يدور حول جسد المرأة، والتمتع بها، ثم جاء الشعراء الاسلاميون فجعلوا من الغزل فناً راقياً مستقلا، وتحدثوا عن خلجات نفوسهم ولواعجهم وآلامهم، وكان منهم العذريون الذين أحبوا فعفوا فماتوا، فكان ذلك نغما جديداً في الشعر العربي.
/ صفحه 342/
وكذلك لم يعرف العربي إلا القبيلة، يشيد بمناقبها، ويذيع مفاخرها، ويدافع عنها، ولم تكن هناك أهداف مرسومة يناضل دونها غير عزة القبيلة وسيادتها، وانتصافها ممن اعتدى عليها، ثم جاء الإسلام، ولم يمكث إلا نحو نصف قرن حتى تفرقت الأمة شيعاً وأحزاباً، ونشأ الشعر السياسي، وأخذ الشعراء يدافعون عن مذاهب سياسية خاصة، ويتعرضون للخلافة، ومن يكون أحق بها، وينعى كل فريق على الأخر استئثاره بالسلطة، وطلبه ما ليس له بحق، وهكذا. فكان هذا ايضاً تطوراً جديداً في الشعر العربي.
* * *
ثم جاء العصر العباسي، فكانت مظاهر التجديد فيه واضحة بارزة، وتعددت هذه المظاهر:
فأبو نواس يدعو إلى ترك الوقوف على الأطلال، والدمن البوالي، ويعيب على العرب بكاءهم واستبكاءهم الصحب، ويعرض ذلك حيناً في معرض الجد، وحيناً في معرض السخرية:
قل لمن يبكي على رسم درس ******واقفاً ما ضر لو كان جلس
ـ
عاج الشقي على رسم يسائله ******وعجت أسأل عن خمارة البلد
يبكي على طلل الماضين من أسد*****لادر درك قل لي من بنو أسد؟!
لاجف دمع الذي يبكي على حجر *****ولا صفا قلب من يهفو إلى وتد
ومسلم بن الوليد يهتدي إلى ما سمى ـ فيما بعد ـ " بالبديع " ويجئ أبو تمام فينغمس في هذا البديع انغماسا، ويظهر ابن الرومي مفلسفا الشعر، مالئا إياه بالفكر، وهو أكثر الشعراء اختراعا للمعاني، ويدافع أبو العتاهية عن طريقته السهلة في الزهد، ويرى أنها هي المثلى فيقول: " لأن الشعر ينبغي أن يكون مثل أشعار الفحول المتقدمين، أو مثل شعر بشار وابن هرمة، فإن لم يكن كذلك فالصواب لقائله أن تكون ألفاظه مما لا تخفى على جمهور الناس مثل شعري، ولا سيما الأشعار التي في الزهد، فإن الزهد ليس من مذاهب الملوك، ولا من مذاهب رواد الشعر،
/ صفحه 343/
ولا طلاب الغريب، وهو مذهب أشغف الناس به الزهاد، وأصحاب الحديث، والفقهاء، واصحاب الرياء، والعامة، وأعجب الأشياء ما فهموه.
ويجئ المتنب وأبو العلاء فينكر عليهما المتزمتون خروجها على أصل الشعر العربي، مما جعل ابن خلدون يقول: فما كان من الكلام منظوما وليس على تلك الاساليب ـ يريد أساليب القدماء ـ فلا يكون شعراً، وبهذا الاعتبار كان الكثير ممن لقيناه من شيوخنا في هذه الصناعة الأدبية يرون أن نظم المتنبي والمعري ليس هو من الشعر في شئ ؛ لأنهما لم يجريا على أسلوب العرب.
ثم يعود فيؤكد هذا الحكم، وينسبه في هذه المرة إلى " شيوخه " لا إلى " الكثير " ويضيف أنهم ـ أي شيوخه ـ كانوا يعيبون شعر " ابن خفاجة " لكثرة معانيها وازدحامها في البيت الواحد، وهو يرى أن في ذلك نوع تعقيد.
وقد أردت أن أفهم ما هو " أسلوب العرب " في نظر ابن خلدون، ذلك الأسلوب الذي لم يجر عليه المتبني وأبو العلاء، فرأيته يذكر أنه " الموال الذي تنسج فيه التراكيب أو القالب الذي تفرغ فيه " وليس راجعاً ـ في نظره ـ إلى الاعراب، ولا إلى البلاغة والبيان، ولا إلى العروض، فإن هذه العلوم الثلاثة ـ كما يقول ـ خارجة عن هذه الصناعة الشعرية، وإنما يرجع الأسلوب ـ عنده ـ إلى صورة ذهنية للتراكيب المنتظمة كلية باعتبار انطباقها على تركيب خاص، وتستفاد هذه الصورة من تتبع التراكيب في شعر العرب ونثرهم، وليست معرفة القونين البلاغية كافية لذلك، لأن قوانين البلاغة إنما هي قواعد علمية قياسية تفيد جواز استعمال التراكيب على هيئتها الخاصة بالقياس.
وهو يضرب في هذا الموضع مثلين لتصرف العرب في أساليبهم ـ مثلا ـ سؤال الاطلال يجئ عندهم على أنحاء مختلفة، فهو ـ في الشعر ـ يكون بخطاب الطلول، كقوله: (يا دارمية بالعلياء فالسند) ويكون باستدعاء الصحب للوقوف والسؤال، كقوله: (قفا نسأل الدار التي خف أهلها) أو باستبكاء الصحب على الطلل، كقوله: (قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل) أو بالاستفهام عن الجواب لمخاطب غير معين بتحيتها، كقوله: (حي الديار بجانب العزل) أو بالدعاء لها بالسقيا كقوله:
/ صفحه 344/
أسقي طلولهم أجشّ هزيم ****وغدت عليهم نضرة ونعيم
أو سؤاله السقيا لها من البرق كقوله:
يا برق طالع منزلا بالأبرق ****واحد السحاب لها حداء الأينق
وكأن ابن خلدون يرى أن سؤال الطلل بغير هذه الطرق خروج عن الأسلوب العربي.
ومن عجب أنه يعد أبا تمام من الفحول الإسلاميين، ذلك الشاعر الذي أثقل شعره بالبديع، وعقده بالغوص عن المعاني، والذي قال فيه بعض الرواة من المتقدمين: ان كان الشعر ما يقوله أبو تمام فليس معنا منه شئ، وإن كان الشعر ما يقوله العرب فليس مع أبي تمام منه شئ.
ويستند ابن خلدون في كل أحكامه إلى " الذوق " فهو ـ مثلا ـ حين يفضل الشعراء الإسلاميين على الشعراء الجاهليين يقول: والطبع السليم والذوق الصحيح شاهدان بذلك للناقد البصير بالبلاغة، ويقول مرة أخرى: وتأمل ذلك يشهد لك به ذوقك إن كنت من أهل الذوق والبصر بالبلاغة.
وتتم صورة الأسلوب كما كان في ذهن ابن خلدون بقراءة هذه القصة التي ساقها، قال: إنه أنشد أحد أصحابه مطلع قصيدة ولم ينسبها وهو هذا:
لم أدر حين وقفت بالأطلال ***ما الفرق بين قديمها والبالي
فقال له على البديهة: هذا شعر فقيه، فسأل ابن خلدون: ومن أين لك ذلك؟ فقال من قوله: ما الفرق، إذ هي من عبارات الفقهاء، وليست من أساليب كلام العرب، قال: فقلت له: لله أبوك، إنه ابن النحوي.
وإذن فطريقة شاعري العربية المتنبي وأبى العلاء ليست هي طريقة العرب في شعرهم، كما قال شيوخ ابن خلدون، وأقرهم هو عليه.
والذي عندي أن شيوخ ابن خلدون وتلميذهم، أخطأوا وجه الصواب، ولعل مما يعيننا على ذلك لم أجد في ثبت أساتذته من اشتهر بالأدب، ونحن نعلم أن القرن الذين عاش فيه ابن خلدون كان عصر تخلف في الأدب، لا سيما في بلاد
/ صفحه 345/
المغرب، فإذا اضفنا إلى ذلك أن كل أساتذته كانوا من علماء الفقه أو النحو أو الفلسفة، وان هذه العلوم ـ كما يقول هو ـ تبعد عن تكوين ملكة عربية عالية.
وأنا أتهم ابن خلدون نفسه في ذوقه، فالرجل يفضل الشعراء الاسلاميين مثل حسان بن ثابت، وابن أبي ربيعة، والحطيئة، وجرير، والفرزدق، وبشار، على الشعراء الجاهليين مثل النابغة، وعنترة، وزهير، وطرفة، ويرى أن شعر الاسلاميين أرفع طبقة في البلاغة من شعر الجاهليين، وأن كلامهم في نظمهم ونثرهم أحسن ديباجة، وأصفى رونقا، وأرصف مبنى، وأعدل تثقيفا من أولئك، ويجعل السر في ذلك ما استفادوه من الكلام العالي الطبقة: القرآن والحديث.
وقد غفل ابن خلدون عن " الطبع " وعن أن كثيراً من هؤلاء الشعراء الاسلاميين لم يظهر تأثرهم بالقرآن واضحاً، بل لعل الحطيئة والفرزدق وذا الرمة كان تأثرهم بالشعر الجاهلي أظهر وأوضح من تأثرهم بالقرآن والحديث.
وغفل كذلك عما أجمع عليه النقاد من أن شعر حسان لان وضعف بعد الإسلام.
وابن خلدون نفسه يتهم ذوقه، فقد قال لصديقه لسان الدين بن الخطيب: أجد استصعابا على في نظم الشعر متى رمته مع بصري به، وحفظي للجيد من الكلام من القرآن والحديث، وفنون من كلام العرب، وإن كان محفوظاً قليلا، وإنما أتيت ـ والله اعلم ـ من قبل ما حصل في حفظي من الأشعار العلمية، والقوانين التأليفية، وبعد أن عدد كتبا حفظها، قال: فامتلأ محفوظي من ذلك، وخدش وجه الملكة التي استعددت لها بالمحفوظ الجيد.
وإذا كان ابن خلدون فلتة في عصره لما حصله من العلوم والمعارف، وما ابتكره من النظريات، فإن الرجل لم يكن ذواقة، ولذلك تابع شيوخه في الحكم على المتنبي وأبي العلاء بأن ما نظماه ليس من " الشعر" (1).
* * *
ويمكن أن نلخص مظاهر التجديد في العصر العباسي في هذه الامور:
*(هوامش)*
(1) لخصت هذه الاراء من فصول كتبها ابن خلدون في (المقدمة) عن فني النظم والنثر في أخريات الكتاب.
/ صفحه 346/
ظهور البديع، وأبطاله الأولون: مسلم بن الوليد، فهو عند صاحب الموازنة (1) أول من تكلف البديع، وأخذ نفسه بالصنعة، وهو زهير المولدين، وأول من أفسد الشعر بالبديع، وبشار بن برد وابن هرمة، وكان بديعهما مستساغا مقبولا لظهور الطبع في شعر بشار، ولاقتصاد ابن هرمة في البديع، ثم انتهى علم البديع إلى ابن المعتز بعد أن عبث أبو تمام بالشعر في تحميله من البديع أوزارا، وإيقاعه منه في شر مستطير.
ويرى ابن رشيق أن ابن المعتز ألطف أصحابه شعرا، وأكثرهم بديعاً وافتنانا، وأقربهم قوافي وأوزانا، ولا أرى وراءه غاية لطالبها في هذا الباب (2).
أما عبد القاهر الجرجاني فيرى ان ابن المعتز كان ينظم الشعر ليلهو به، ولم يكن من المطبوعين (3).
وأيا ما كان فقد أصبحت الصنعة الشعرية ـ كما يقول ابن رشيق ـ ظاهرة فنية مقصودة، وتهذيبا أدبياً واسعاً للشعر، ومذهباً جديداً مأثوراً على يد المحدثين عامة (4).
استنباط الدقيق من الافكار، وتصريف المعاني، والاستقصاء في تمام المعنى، وأستاذ هذه الطريقة ـ غير منازع ـ هو ابن الرومي.
بروز الآراء الفلسفية، وسياقها مساق القضايا المسلمة، وإشاعة الحديث عن الحياة ومشاكلها، وسيد الشعراء في هذه الحلبة أبو العلاء.
وقبل أبي العلاء ظهر الشعر الزهدي، هذا الشعر الذين يبغض في العيش، ويحبب في الموت، ويدعو إلى الاقصار من الامال، ويعتبر هذا الشعر ترديداً لكلام الزهاد الذين أشاعوا في النفوس كثيرا من الخوف والقلق، ودعوها إلى التخلي عن مباهج الحياة وزينتها، والشاعر المجلي في هذا الباب هو أبو العتاهية، وقد سلك في شعره أنسب الطرق لهذا النوع من الشعر، وهو طريق السهولة والواقعية ـ كما أسلفنا ـ.
*(هوامش)*
(1) هو الحسن بن بشر الامدي المتوفي سنة 370 هـ.
(2) العمدة ج 1 ص 109
(3) أسرار البلاغة ص 262.
(4) العمدة ج 1 ص 173.
/ صفحه 347/
الاغراق في الخيال، والمبالغة في اداء المعاني، والاكثار من الاستعمارات والكنايات، وتكاد تكون هذه المظاهر عامة عند شعراء العصر العباسي، وإن كانت مبالغات المتبني جاوزت الحد المعقول، مما كان أسوة سيئة للشعراء الذين جاءوا بعده في عصر الانحطاط، كما كان أبو تمام قبلة أصحاب المعاني وقدوة أهل البديع.
من ناحية الشكل وقع تجديد في الأوزان والقوافي، فقد جدت أوزان جديدة، ونشأت ضروب في الشعر لم تكن معروفة، وسنتحدث عنها في موضعها من هذا البحث.
وقد كان بعض هذه المظاهر مما أساء إلى الشعر العربي كتعمد الفلسفة إلى درجة الغموض، والمبالغات إلى درجة الاحالة، والتصوير إلى درجة الاغراب.
وقد نقلت ألفاظ أعجمية بحالها دون أن تصقل حتى توائم الألفاظ العربية، وظهر كثير من الألفاظ المعربة، كما وجد في الشعر بعض ألفاظ السخف والبذاء، على نحو ما نراه في شعر ابن حجاج وابن سكرة وابن الرومي.
وكان من الطبيعي أن يكون لكل مظهر من هذه المظاهر أصدقاء وخصوم، مدافعون ومهاجمون، فما جدت فكرة من هذه الفكر حتى قابلها بعض النقاد ـ أول الأمر ـ بالاستنكار، وقابلها بعض آخر بالترحيب والإعظام، ثم رمي الأولون الآخرين بالتحلل، والخروج عن الجادة، ورمي الاخرون الأولين بالجمود والرجعية.
كم وجد بين هؤلاء الأدباء الذين آثروا التجديد، ورغبوا فيه، ولو كان سخفاً من السخف، وجد فيهم من يشمخ بأنفه، ويتعالى على معاصريه وأقرانه، ويقول: " أنا اللغة ".