/ صفحه 348/

بحث حر عن:

رأي الدين

في الصور والتماثيل

لفضيلة الأستاذ العالم الرسام عبد المجيد وافي

المدرس بالأزهر

ـ * * ـ

لا شك أننا إذا رجعنا إلى كلام الفقهاء المسلمين، في أمر الصور والتماثيل فإننا نجدهم على الجملة إلى التشدد في التحريم منهم إلى الاباحة، ولكنهم يتفاوتون في هذا التشدد.

فمثلا نرى النووي (1) ـ وهو من كبار الشافعية ـ يذهب إلى أبعد مدى في التحريم فيقول:

قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: تصوير صورة الحيوان حرام شديد التحريم، وهو من الكبائر، لأنه متوعد عليه بالوعيد الشديد المذكور في الأحاديث، وسواء صنعه بما يمتهن أو بغيره فصنعته حرام بكل حال، لأن فيه مضاهاة لخلق الله تعالى، وسواء ما كان في ثوب أو بساط أو درهم أو دينار أو فلس أو إناء أو حائط أو غيرها (2)، وأما تصوير صورة الشجر ورحال الابل وغير ذلك مما ليس فيه صورة حيوان فليس بحرام، هذا حكم نفس التصوير.

وأما اتخاذ ما فيه صورة حيوان فإن كان معلقاً على حائط أو ثوبا ملبوسا أو عمامة أو نحو ذلك مما لا يعد ممتهنا فهو حرام، وإن كان في بساط يداس ومخدة

*(هوامش)*

(1) صحيح مسلم بشرح النووي ص 81، 82، ج 14.

(2) إحاطة بكل ما يتصور يدل على انتشار ذلك في عصره انتشاراً شديداً.

 

/ صفحه 349 /

ووسادة ونحوها مما يمتهن فليس بحرام، ولكن هل يمنع دخول ملائكة الرحمة ذلك البيت؟ وسيأتي، قال: ولا فرق في ذلك كله بين ماله ظل وما لا ظل له.

قال: هذا تلخيص مذهبنا في المسألة، وبمعناه قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وهو مذهب الثوري ومالك وأبي حنيفة وغيرهم.

وقال بعض السلف: إنما ينهى عما كان له ظل، ولا بأس بالصور التي ليس لها ظل، وهذا مذهب باطل، فإن الستر الذي انكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم الصور فيه لا يشك أحد أنه مذموم، وليس لصورته ظل، مع باقي الأحاديث المطلقة في كل صورة.

وقال الزهري (1): النهي في الصورة على العموم، وكذلك استعمال ما هي فيه ودخول البيت الذي هي فيه سواء كانت رقما في ثوب أو غير رقم، وسواء كانت في حائط أو ثوب أو بساط ممتهن أو غير ممتهن عملا بظاهر الأحاديث، لا سيما حديث النمرقة الذي ذكره مسلم، وهذا مذهب قوي.

وهكذا نرى النووي يتشدد هذا التشدد في حكم تصوير الحيوان، سواء كان رقما في ثوب أو بساط أو درهم أو دينار أو فلس أو إناء أو حائط أو غير ذلك (2).

فلو أخذنا برأيه هذا لما جاز لأي فنان أن يرسم أي نوع من أنواع الحيوان أو الإنسان في غرض من أغراض الحياة.

كما نراه يتشدد في تحريم استعمال ما صوره الغير أو رسمه، فلا يبيح ذلك إلا إذا كان مستعملا على سبيل الامتهان، كبساط يداس عليه أو عير ذلك، ومعنى هذا

*(هوامش)*

(1) هو ابوبكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري، من رواة الحديث روى عن صغار الصحابة، سكن الشام، ولد سنة 50 هـ، ومات سنة 124 هـ، تهذيب الاسماء واللغات ص 90 ج 1 ـ تعريب التهذيب لابن حجر ص 207 ج 1.

(2) يذكر المقريزي في رسالة النقود: ان عمر بن الخطاب سك عملة من الدراهم والدنانير وعليها الصور السكروية والبيزنطية ولم يغير في رسم العملة شيئا، وان كان قد أضاف إلى بعضها " لا اله إلا الله وحده، الله أحد، محمد رسول الله، ترى ماذا يكون رأي الفقهاء في عمر إذ فعل ذلك، بل ترك الأمة تزاول التعامل بهذه السكة.

 

/ صفحه 350 /

أنه لا يجوز استعمال الأطباق التي عليها الصور، ولا تعليق الصور في ذاتها فوق الجدران، وما إلى ذلك.

ونراه في هذا النص يعين بتوضيح موقف ملائكة الرحمة من دخول بيت فيه تصاوير أو عدم دخولهم، فيأبى أن يفرق بين ما له ظل وهو التماثيل ونحوها، وما لا ظل له كالصور والرسوم، ويسلك هذا كله في سلك المنع والتحريم، ويأبى أن يقبل ما رواه عن بعض السلف من التفرقة بين ما لا ظل وله ما له ظل، فيحكم ببطلانه، ويعارضه برواية أخرى يحكم بقوتها.

ويتبين مما ذكره النووي ـ وإن لم يرتضه ـ أن بعض العلماء يفرق بني التماثيل والصور أو الرسوم، فيحرم التماثيل صناعة أو اقتناء، ويبيح الصور والرسوم إذا كانت رقماً في ثوب أو نحو ذلك، سواء كانت مقتناة على سبيل الامتهان أو معلقة في حائط أو غيره.

ونرى من الفقهاء من يتوسع ويترخص شيئا ما، كالقاضي عياض (1) من المالكية الذي يقرر جواز اتخاذ لعب البنات " التماثيل التي تتخذها البنات لعباً من مثل عرائس الحلوى أو الجبس أو القطن ونحوه " استنادا إلى ما ورد من ان عائشة عند ما تزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت صغيرة، وكانت لها لعب صغيرة من هذا النوع، وكان لها صواحب يلعبن معها، ويعلق القرطبي (2) على ذلك بقوله: " قال العلماء: وذلك للضرورة إلى ذلك وحاجة البنات حتى يتدربن على تربية أولادهن " ص 275 ج 14 القرطبي.

ويذهب بعض العلماء (3) إلى جواز التماثيل عامة، فضلا عن الصور والرسوم،

*(هوامش)*

(1) هو أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي ـ قبيلة من حمير ـ الاندلسي السبتي، ولد سنة 496هـ، وتوفي سنة 544 هـ، الصلة لابن شكوال ص 429 ج 1، الديباج للذهب ص 168.

(2) هو أبو عبد الله محمد بن أحمد الانصاري القرطبي، توفي سنة 671 هـ، بمنية ابن خصيب بمصر.

(3) لم يذكر القرطبي ما يشير إلى شخصيات هؤلاء العلماء.

 

/ صفحه 351/

استناداً إلى ما جاء في قوله تعالى عن نبيه سليمان (عليه السلام): " يعملون له ما يشاء من محارب وتماثيل " قالوا ان التماثيل هو كل ما صور على صورة حيوان أو إنسان، وقالوا كان لسليمان أنواع من التماثيل من زجاج ونحاس ورخام، وإن بعضها كان يمثل صور أنبياء تقدموا أو علماء أو صلحاء، وبعضها كان يمثل حيوانات أخرى، كما يروي أنه كان يجلس على كرسي يقوم على أسدين من أسفله ونسرين فوقه، فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما، وإذا قعد أطلق النسران أجنحتهما، أي أنها لم تكن مجرد تماثيل ساكنة، ولكنها كانت تماثيل ذات حركات معينة.

وهذا الرأي حكاه مكي (1) في الهداية، وذكره النحاس (2) قبله.

وكما استدلوا لذلك بفعل سليمان، استدلوا له ايضا بفعل المسيح (عليه السلام) الذي حكاه عنه القرآن في قوله تعالى: " إني أخلق لكم من الطين كهيأة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله ".

وقد ذكرت هذه الاراء في تفسير القرطبي، وإن كان قد روى ما يعارضها ويقرر خطأها ص 274 ج 14.

والواقع أن لكل فقيه أو عالم من هؤلاء وجهة فيما ذهب إليه، وأن هناك طائفة من الأحاديث النبوية يتبادلها أصحاب هذه الاراء ويستندون إليها.

وسبيلنا في هذا الأمر الذي وقع فيه الاختلاف ان نرده إلى الله ورسوله، عملا بقوله تعالى: " فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الأخر ذلك خير وأحسن تأويلا ".

فلنستعرض أهم ما ورد في هذا الباب من الكتاب والسنة لنعلم الحقيقة، ولنبدأ بما ورد في السنة لكثرته وكثرة ما دار حوله، فمن ذلك:

*(هوامش)*

(1) هو مكي بن ابي طالب محوش بن محمد بن مختار المغربي القارئ النحوي صاحب الهجاية إلى بلوغ النهاية (تفسير) ولد سنة 355 هـ، وتوفي سنة 437هـ، (كشف الظنون ص 455 ج 1 ـ بغية الوعاة للسيوطي ص 396).

(2) ويعرف أيضا بابن النحاس، وهو أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس المرادي النحوي المعصري، توفي سنة 338هـ، (كشف الظنون ص 460 ج 1 بغية الوعاة ص 157).

 

/ صفحه 352/

1 ـ عن عائشة انها نصبت ستراً وفيه تصاوير، فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنزعه، قالت: فقطعتها وسادتين فكان يرتفق عليهما ـ متفق عليه، وفي لفظ أحمد: فقطعته مرفقتين فلقد رأيته متكئاً على إحداهما وفيها صورة.

وهذا الحديث يذكر كلمة " تصاوير " فهل يتحتم ان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كرهه ونزعه لمجرد ان فيه تصاوير؟

إننا لا نستطيع أن نقر ذلك، لان الحديث نفسه يذكر أن أحدى المرفقتين قد بقيت منها صورة، وأنه قد اتكأ عليها، مع بقاء هذه الصورة، فلو كانت الكراهية والنزع موجهة ضد التصوير والصورة لكان الحكم بالتحريم قريبا، ولو كان النص دالا على أن الستر حين قطع أزيلت الصورة أو فسد وضعها كصورة لكان الأمر مقبولا، ولكن الصورة بقيت والرسول اتكأ عليها، فلابد لنا ان نلتمس سراً آخر لانتزاع الرسول للستر، ولتقطيع عائشة أياه وسادتين، وذلك السر في نظرنا هو كراهية النبي صلى الله عليه وآله وسلم للترفه، واتجاهه لأن يكون بيته خالياً من وسائل الزينة والنعيم، وليس ذلك لأن الزينة والنعيم والمستوى الرفيع في اتخاذ الستور والبسط وما إليها محرم على المؤمنين، وإنما هو لموضع القدوة في حق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فالأولى ألا يفعل ذلك.

وهذا الذي نقرره تدل عليه رواية أخرى ـ فقد روى مسلم عن عائشة قالت: كان لنا ستر فيه تمثال طائر، وكان الداخل إذا دخل استقبله، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: حولي هذا، فإني كلما دخلت فرأيته ذكرت الدنيا.

وفي رواية أخرة عنها: " أنه كان لها ثوب فيه تصاوير ممدودة إلى سهوة ـ والسهوة بيت صغير منحدر في الأرض قليلا شبيه بالمخدع ـ فكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي إليه ـ أي أنه كان تجاهه وهو يصلي مستقبلا القبلة ـ فقال: أخريه عني، قالت: فأخرته فجعلته وسادتين ".

قال القرطبي معلقاً على ذلك: قال بعض العلماء: ويمكن أن يكون تهتيكه (عليه السلام) الثوب وأمره بتأخيره ورعاً، لأن محل النبوة والرسالة الكمال، فتأمله: ص 274 ج 14.

/ صفحه 353/

بذلك يتبين ان السر الذي دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى كراهيته الستر في الحديث الذي نتحدث عنه، وفي طلب تأخير ستر آخر عنه كان منصوبا في مكان واضح في مدخل البيت يستقبله المستقبل، أو في مكان يتجه إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين يصلي، كما تذكر الروايتان الاخريان، كل هذا يؤذن بأن السر هو كراهيته الدنيا، والترفع عن متاعها وما يشغل القلب منها تورعاً وتكملا، فليس له صلة بالصورة أو الصور التي في هذا الستر أو ذاك.

2 ـ عن ابي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " أتاني جبريل فقال: إني كنت أتيتك الليلة فلم يمنعنى أن أدخل البيت الذي أنت فيه إلا أنه كان فيه تمثال رجل، وكان في البيت قوام ستر فيه تماثيل، وكان في البيت كلب، فمر برأس التمثال الذي في الباب يقطع يصير كهيئة الشجرة، وأمر بالستر يقطع فيجعل وسادتين منتبذتين توطآن، وأمر بالكلب يخرج. ففعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك، وإذا بالكلب جرو، وكان الحسن والحسين تحت نضد لهما ". رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه وأخرجه النسائي.

وكل ما ذكر في هذا الحديث أن جبريل (عليه السلام) امتنع عن دخول البيت وفيه هذه الاشياء، فلقائل ان يقول: هل كان امتناعه كراهية للصور والتماثيل والكلب؟ أو كان لما يدل عليه ذلك من اتجاه إلى اتخاذ هذه الاشياء، وما لها من دلالة على التأنق والترفة واللهو، بينما يراد من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يكون بعيدا عن كل ما يجعله كالرؤساء الذين يقصدون إلى الفخامة والعلو.

نعم إن الحديث تصريحا بأن جبريل أمره بأن يقطع رأس التمثال، وأن يقطع الستر فيحوله إلى وسادتين، وأن يخرج الكلب، ولكن ذلك في رأينا لا يقصد به إلا إلى ابطال اتخاذ هذه الاشياء على الوضع الذي اتخذت عليه، ترفيعا لمقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن مظاهر العلو المصطنعة على سنة الرؤساء والكبراء من أهل الدنيا! ولا شك أن هناك فرقا بين اتخاذ ستر فيه تصاوير، وتحويل هذا الستر إلى وسادتين ينتفع بهما وتبطل معهما الدلالة على التزيد والتمتع، كما ان قيام تمثال رجل يؤذن بلون من ألوان التأنق والتكثر والزينة، وكذلك اقتناء كلب صغير بدون

/ صفحه 354/

حاجة إليه إلا لمجرد اللعب به واللهو، ولذلك فإن اتخاذ الكلب للحراسة ونحوها جائز ولا بأس به، أما اتخاذه لمجرد اللهو والتفاخر بمظهره فانه أناقة لا يحبها الإسلام، ولا يرضى أن ينشأ على حبها أبناء المسلمين.

وقد يفسر لنا هذا ما نراه في بعض البيوت الآن من عناية باقتناء الكلاب أو نحوها من النسانيس والقرود أحياناً، كل ذلك للعبث والتظاهر بمظهر من مظاهر الزينة، والاسلام يكره ذلك، ولا يجب ان تكون الامم عليه، ومن باب اولى لا يجب ان يكون بيت الرسول على شئ منه، وهذا في نظرنا هو ما ينبغي أن يفسر به الحديث، وبذلك يكون في معزل عن حرمة التصوير أو التماثيل أو عدم حرمتها.

3 ـ عن ابن عباس: " وجاء رجل فقال: إني أصور هذه التصاوير فأفتني فيها، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفساً تعذبه في جهنم، فإن كنت لابد فاعلا فاجعل الشجر وما لا نفس له " متفق عليه.

هذا الحديث هو الذي استند إليه من فرق بين تصوير الحيوان وتصوير الشجر ونحوه، وأشد ما فيه ما رواه سماعا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: " كل مصور في النار.. الخ ".

4 ـ ومثله ما روى عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: " الذين يصنعون هذه الصورة يعذبون يوم القيامة يقال لهم أحيوا ما خلقتم " متفق عليه.

وما روى من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " من صور صورة عذبه الله يوم القيامة حتى ينفخ فيها الروح وما هو بنافخ " رواه البخاري والترمذي والنسائي عن ابن عباس.

ونلاحظ على هذه الأحاديث ما يأتي:

1 ـ أن كلا من حديث ابن عباس وحديث بن عمر يقول ما يفهم منه ان الكلام في صور معينة، إذ يقول الرجل الذي سأل ابن عباس: " إني أصور هذه

/ صفحه 355/

التصاوير فأفتني فيها " ويقول ابن عمر نقلا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " الذين يصنعون هذه الصور ".

وإذن فهي صور معينة جرى عليها القول، وانصب عليها الحكم، ومن الجائز ان تكون صورا لها دلالة دينية مخالفة لما عليه المسلمون، كالأصنام التي تعبد من دون الله، وقد يدل على ذلك ما ورد في حديث مسلم وغيره " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هتك درنوكا لعائشة كان فيه صور الخيل ذوات الأجنحة حتى اتخذت منه وسادتين، والدرنوك نوع من النسيج ذو وبر كالقطيفة كان يرسم عليه في صناعة النسيج، فهذا الحديث الأخير يتحدث عن نوع معين من الصور هو الخيل ذوات الأجنحة، ومن المعروف ان العادة جرت بتصوير الملائكة ذوى أجنحة، أخذا مما ورد في الكتب الدينية من وصفها، كما في قوله تعالى: " أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع " فالمتبادر أن صور الخيل لها أجنحة يلتقي بتصوير الملائكة وأجنحتها، فكأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كره الاقتحام على الملائكة، ولو من بعيد، فلم يرض عن هذا النوع من الصور.

وبذلك يمكننا أن نقول إن تصوير من له قداسة من ملك أو نبي أو نحو ذلك ينبغي ألا ينظر إليه بارتياح.

2 ـ أن هذه الأحاديث قد تحدثت عن المصورين أو عن التصوير عامة، إن بعضها يشير إلى تخصيص التحريم بما كان ذا روح، وبعضها يستثنى ما كان رقماً في ثوب ونحوه، وبذلك يتردد معناها بين التعميم والتخصيص، وبين التماثيل المجسمة والصور والرسوم المرقومة.

وهذا ما دعى بعض العلماء إلى الخروج من تضارب الأقوال فيها بتأويلها، ومن أهم ما رأينا في ذلك رأى ابي علي الفارسي (1)، فهو يقرر أن القدر المتفق عليه في هذه الأحاديث وأمثالها هو الحكم بتعذيب المصور، ووراء هذا القدر المتفق عليه

*(هوامش)*

(1) هو الحسن بن علي بن أحمد بن عبد الغفار بن محمد بن سليمان بن ابان الفارسي (288 هـ ـ 377هـ) عن وفيات الاعيان ج 1 / 361، معجم الابداء ج 7 / 132.

 

/ صفحه 356/

روايات أخرى أحادية لا تقيد القطع تضيف إلى هذا القدر المشترك شيئا آخر هو أنه " يقال لهم أحيوا ما خلقتم ".

فإذا قطعنا النظر عن هذه الزيادات لم يبق معنا إلا الاخبار بتعذيب المصورين في مثل قوله: " إن أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون " وهنا يقول أبو علي الفارسي: " إن المراد بالمصورين الذين يكونون أشد الناس عذابا يوم القيامة هم فرقة المجسمة التي ترى أن الله تعالى جسم ويشبهونه بما خلق، هؤلاء قد خالفوا صريح القرآن في مثل قوله تعالى: " ليس كمثله شئ "، " ولم يكن له كفواً أحدا "، فاستحقوا أشد العذاب لأنهم افتروا على الله في أمر من أمور العقيدة، بل هو أمم عقيدة من العقائد التي جاءت بها الاديان لاتصالها بذات الله جل وعلاه، لذلك يكون مفهوماً أنهم يستحقون أشد العذاب تبعاً لعظم جريمتهم وشناعتها، ولا يعقل أن يكون مجرد تصوير صورة مجسمة تبعاً لعظم جريمتهم وشناعتها، ولا يعقل أن يكون مجرد تصوير صورة مجسمة أو مرقومة سبباً في نظر الشارع لاستحقاق أشد العذاب بهذا الاطلاق، فأين هذا من جريمة الزنا مثلا، أو من جريمة قتل النفس التي حرم الله قتلها، أو غير ذلك من الجرائم العظمى، ويجدر بنا أن ننقل كلام أبي علي نفسه بعد أن قدمنا له بهذه المقدمة.

قال أبو علي الفارسي في كتابه " الحجة " (1):

فأما قوله: " ثم اتخذوا العجل " وقوله: " باتخاذكم العجل "، " اتخذوه وكانوا ظالمين "، " واتخذ قوم موسى من بعده حليهم عجلا جسداً " فالتقدير في ذلك كله: اتخذوه إلهاً، فحذف المفعول الثاني.

والدليل على ذلك أن الكلام لا يخلو من أن يكون على ظاهره، كقوله: " مثل العنكبوت اتخذت... " أو يكون على إرادة المفعول.

فلا يجوز أن يكون على ظاهره دون إرادة المفعول الثاني لقوله عزوجل: " إن الذين اتخذوا سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا ".

ومن صاغ عجلا أو نجره أو عمله بضرب من الأعمال لم يستحق الغضب من الله

*(هوامش)*

(1) مخطوط بدار الكتب تحت رقم 462 " مصور " ص 356 ج 1.

 

/ صفحه 357/

عزوجل والوعيد عند المسلمين، فإذا كان كذلك علم أنه على ما وضعنا من إرادة المفعول الثاني المحذوف في هذه الآي.

فإن قال قائل قد جاء في الحديث: يعذب المصورون يوم القيامة، وفي بعض الحديث: ويقال لهم أحيوا ما خلقتم: قبا: يعذب المصورون يكون على من صور الله تصوير الأجسام، وأما الزيادة فمن أخبار الآحاد التي لا توجب العلم، فلا يقدح بذلك في الإجماع على ما ذكرنا.

إلى هنا ينتهي نص كلام أبي علي، ومما يلتفت النظر ويسترعي الانتباه أنه يقرر جواز صياغة عجل أو نجره إلى آخره تقرير المسلمات، وأن هذا الفعل لا يمكن ان يكون بذاته سببا لاستحقاق غضب الله.

فإذا بدا أمام عينيه أن أحداً سيعترض على هذا الذي يقرره بحديث: " إن من أشد الناس عذابا.. الخ " خرج من هذا الاعتراض بتأويل الحديث على النحو الذي اوله به.

ولا شك أن هذا رأي خطير يدلي به عالم في شأن التصوير، عالم عظيم في القرن الرابع الهجري، ويهيئ السبيل لمن لم يطمئن إلى حكم التحريم، أو يؤول أحاديث تعذيب المصورين بمثل ما أولها به أبو علي.

* * *

بهذا يتبين أن استنباط التحريم من الأحاديث ليس ضربة لازب كما يرى المتشددون، وأن الأمر لا يعدو أن يكون فهما فيما روى عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لنا أن نعارضه بفهم آخر.

ويبقي بعد ذلك أن ننظر في القرآن الكريم، لنرى هل فيه دليل أو شبه دليل على منع التصاوير أو التماثيل.

1 ـ يفسر بعض الناس " الأنصاب " في قوله تعالى: " إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه " بأنها الأوثان، ومع أن هذا التفسير ليس هو أظهر الآراء في تفسير " الانصاب " بل أظهرها أنها الأحجار التي كانت تنصب وتذبح عليها القرابين.

/ صفحه 358/

فإن أحدا لا ينازع في أن اتخاذ الأوثان وصناعتها ترويجاً للوثنية والشرك أمر محرم إجماعا، فليكن هذا النوع من التماثيل محرما، ولكن لا يصح أن نطلق معه القول بتحريم جميع التماثيل حتى التي لم يقصد بها ولا يفهم منها أي معنى من معاني الوثنية.

2 ـ ورد في سورة سبأ إخباراً عن سليمان (عليه السلام) وما يسره الله له قوله عزوجل: " يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعلموا آل داود شكراً وقليل من عبادي الشكور ".

وقد سبق لنا أن ذكرنا أن هناك فريقاً من العلماء يرى إباحة التصوير بجميع أنواعه مجسما أو غير مجسم استناداً إلى هذه الآية، والذين يمنعون ويحرمون يستندون إلى أن حكم الإباحة إنما هو في شريعة غير شريعتنا، وقد حرمت الصور والتماثيل في شريعتنا.

والواقع أن المسألة لا يمكن أن تمر بهذه السهولة استناداً إلى الأحاديث التي شرحناها وناقشنا آراءهم فيها، وأن الآية الكريمة التي تذكر هذا عن سليمان، يدل سياقها على تمجيد نعم الله تعالى على سليمان، وتعديد مظاهر الحاضرة والرقي الصناعي في عهده، فهي تذكر المحاريب والتماثيل والجفان والقدور، كما ذكرت من قبل تسخير الريح غدوها شهر ورواحها شهر، وكما ذكرت من قبل نعم الله على داود أبي سليمان من إلانة الحديد له، وأسالة عين القطر، وتأويب الجبال معه والطير.. الخ وقد ختم ذلك كله بقوله تعالى: " اعملوا آل داود شكراً وقليل من عبادي الشكور " فاعتبر أن هذا كله نعم تستحق الشكر، وطلب أن يكون هذا الشكر أعمالا إيجابية، فلم يقل: اشكروا يا آل داود، ولكن قال: اعملوا شكراً.

ويبعد ان يباح لنبي من الانبياء شئ ويمجد هذا التمجيد، ويعد نعمة تستحق الشكر العملي، ثم يقال إن هذا مما نسخته شريعة الإسلام، لان شريعة الإسلام ما جاءت لتنسخ مثل هذا، وإنما تمنع عنهم اصرهم والأغلال التي كانت عليهم، وليس هذا من قبيل الإصر والأغلال، وإنما هو من قبيل الرقي الصناعي والفن.

/ صفحه 359/

وظاهر أن التماثيل التي كانت تصنع لسليمان ليست تماثيل وثنية وشرك، والا لما أبيحت في أي دين الاديان طرفة عين.

والخلاصة أن هذه الآية أجدر بأن تدل على الاباحة لا على التحريم، وشبيه بهذا ما ورد في الكتاب العزيز حكاية عن عيسى: " إني أخلق لكم من الطين... الخ ". فهذا رسول كريم استباح بإذن ربه أن يخلق، أي يصنع تمثالا كهيئة الطير ولو كان ذلك قبيحاً من البشر، لما أذن الله أن يفعله رسول من رسله، ولا يقال إن هذا إنما هو مقام المعجزة في شأن عيسى، لأننا نقول إن المعجزة ليست في صنعته مكوناً عن هيئة الطير، ولكن في النفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله.

ومن يتأمل اسلوب القرآن الكريم في إثبات وجود الله وعظمته، يجد أن هذا الأسلوب يعين على لفت الأنظار إلى ما خلق الله من شئ في السموات والأرض، إلى دقة الصنعة التي تتجلى في النبات، وتتجلى في الحيوان، وتتجلى في الجماد.

فالله تعالى يقول: " قل انظروا ماذا في السموات والأرض " ويقول: " قل سيروا في الأرض ثم انظروا " فكيف يطلب من الناس النظر والتدبر ومشاهدة العجائب من خلقه، وصنع الله الذي أتقن كل شئ للوصول إلى الإيمان بوجود الله ووحدانيته، ثم يمنع المصور أن يصور هذه الاشياء، أو الرسام ان يرسمها، أو النحات أن يمثلها، أليس ذلك كله تمجيداً لصنعة الله وإعرابا عن جمالها ودقتها بريشة الفنان أو آلة المثال، وهل يختلف هذا عن تصوير عجائب خلق الله بالشعر الذي هو أيضا من الفنون؟ إن هذا وذاك ما هو إلا مخاطبة للعاطفة عن طريق ما يسمع إذا قلت شعرا أو نثرا، وعن طريق ما ينقش إذا رسمت أو مثلت أو صورت، وعن طريق ما ينظر إذا سرت في الأرض ثم تأملت.

* * *

ويجدر بي هنا أن أنقل رأى الإمام محمد عبده في ذلك الموضوع (1).

قال الإمام: " لهؤلاء القوم حرص غريب على حفظ الصور المرسومة على

*(هوامش)*

(1) نقلا عن تاريخ الإمام السيد رشيد رضا ص 498 ج 1.

 

/ صفحه 360/

الورق والنسيج، ويوجد في دار الاثار عند الامم الكبرى ما لا يوجد عند الامم الصغرى، كالصقليين مثلا، يحققون تاريخ رسمها واليد التي رسمتها، ولهم تنافس في اقتناء ذلك غريب، حتى أن القطعة الواحدة من رسم " روائيل " مثلا ربما تساوى مئات من الالاف في بعض المتاحف، ولا يهمك معرفة القيمة بالتحقيق، وإنما المهم هو التنافس في اقتناء الامم لهذه النقوش، وعد ما اتقن منها من أفضل ما ترك المتقدم للمتأخر؛ وكذلك الحال في التماثيل، وكلما قدم المتروك من ذلك كان أعلى قيمة، وكان القوم عليه أشد حرصا، هل تدري لماذا؟.

إذا كنت تدري السبب في حفظ سلفك للشعر وضبطه في دواوينه. والمبالغة في تحريره، خصوصا شعر الجاهلية، وما عنى الأوائل رحمهم الله بجمعه وترتيبه، أمكنك أن تعرف السبب في محافظة القوم على هذه المصنوعات من الرسوم والتماثيل، فإن الرسم ضرب من الشعر الذي يرى ولا يسمع، والشعر ضرب من الرسم الذي يسمع ولا يرى، إن هذه الرسوم والتماثيل قد حفظت من أحوال الأشخاص في الشئون المختلفة، ومن أحوال الجماعات في المواقع المتنوعة، ما تستحق به أن تسمى ديوان الهيئات والأحوال البشرية، يصورون الإنسان والحيوان في حال الفرح والرضا، والطمأنينة والتسليم، وهذه المعاني المدرجة في هذه الألفاظ متقاربة لا يسهل عليك تمييز بعضها عن بعض، ولكن تنظر في الرسوم المختلفة فتجد الفرق ظاهراً باهراً، يصورونه مثلا في حالة الجزع والفزع، والخوف والخشية، والجزع والفزع مختلفان في المعنى، ولم أجمعهما ههنا طمعا في جمع عينيه في سطر واحد، بل لأنهما مختلفان حقيقة، ولكنك ربما تعتصر ذهنك لتحديد الفرق بينهما وبين الخوف والخشية ـ ولا يسهل عليك أن تعرف متى يكون الفزع ومتى يكون الجزع ـ وما الهيئة التي يكون عليها الشخص في هذه الحال أو تلك. وأما إذا نظرت إلى الرسم وهو ذلك الشعر الساكت فإنك تجد الحقيقة بارزة لك تتمتع بها نفسك، كما يتلذذ بالنظر إليها حسك.

ثم يقول: فحفظ هذه الاثار حفظ للعلم في الحقيقة، وشكر لصاحب الصنعة على الابداع فيها، إن كنت فهمت من هذا شيئاً فذلك بغيتي، وأما إذا لم تفهم فليس

/ صفحه 361/

عندي وقت لتفهيمك بأطول من هذا، وعليك بأحد اللغويين أو الرسامين أو الشعراء المفلقين ليوضح لك ما غمض عليك إذا كان ذلك من ذرعه.

ربما تعرض لك مسألة عند قراءة هذا الكلام، وهي: ما حكم هذه الصور في الشريعة الإسلامية إذا كان القصد منها ما ذكر من تصوير هيئات البشر في انفعالاتهم النفسية، أو اوضاعهم الجسمانية، هل هذا حرام، أو جائز أو مكروه، أو مندوب، أو واجب؟.

فأقول لك: إن الراسم قد رسم. والفائدة محققة لا نزاع فيها، ومعنى العبادة وتعظيم التمثال أو الصورة قد محى من الاذهان، فاما ان تفهم الحكم من نفسك بعد ظهور الواقعة، واما ان ترفع سؤالا إلى المفتي وهو يجيبك مشافهة، فإذا أوردت عليه حديث: " إن أشد الناس عذاب يوم القيامة المصورون " أو ما في معناها مما ورد في الصحيح، فالذي يغلب على ظني أنه سيقول لك إن الحديث جاء في أيام الوثنية وكان الصور تتخذ في ذلك العهد لسببين: الأول: اللهو، والثاني: التبرك بمثال من ترسم صورته من الصالحين، والأول مما يبغضه الدين، والثاني مما جاء الإسلام لمحوه، والمصور في الحالين شاغل عن الله أو ممهد للإشراك به، فإذا زال هذان العارضان وقصدت الفائدة كان تصوير الاشخاص بمنزلة تصوير النبات والشجر في المصنوعات، وقد صنع ذلك في حواشي المصاحف وأوائل السور ولم يمنعه احد من العلماء. مع ان الفائدة في نقش المصاحف موضع النزاع، وأما الفائدة الصور فيها لا نزاع فيه على الوجه الذي ذكر.

وأما إذا أردت أن ترتكب بعض السيئات في محل فيه صور طمعاً في أن الملكين الكاتبين أو كاتب السيئات على الاقل لا يدخل محلا فيه صور كما ورد، فإياك أن تظن ان ذلك ينجيك من إحصاء ما تفعل، فإن الله رقيب عليك وناظر إليك، حتى في البيت الذي فيه صور، ولا أظن أن الملك يتأخر عن مرافقتك إذا تعمدت دخول البيت لأن فيه صورا.

ولا يمكنك أن تجيب المفتي بأن الصورة على كل حال مظنة العبادة، فإني أظن

/ صفحه 362/

أنه يقول لك إن لسانك أيضا مظنة الكذب، فهل يجب ربطه، مع أنه يجوز أن يصدق، كما يجوز أن يكذب.

وبالجملة إنه يغلب على ظني أن الشريعة الإسلامية أبعد من أن تحرم وسيلة من أفضل وسائل العلم بعد تحقق أنه لا خطر فيها على الدين، لا من جهة العقيدة، ولا من جهة العمل.

* * *

وإذا تركنا الإمام محمد عبده من علماء هذا العصر، فإن عالماً آخر فقيهاً مالكياً مصريا، هو الإمام القرافي (1) صاحب كتاب الذخيرة، الذي لا نظير له في الفقه المقارن بين المذاهب عامة وفقه المالكية خاصة، وصاحب كتاب الفروق الذي يدل على عمق في دراسة الشريعة الإسلامية وتبحر في قواعدها.

يقول الإمام القرافي (2): بلغني أن الملك الكامل وضع له شمعدان كلما مضى من الليل ساعة انفتح باب منه، وخرج منه شخص في خدمة الملك، فإذا انقضت عشر ساعات طلع الشخص على أعلى الشمعدان، وقال: " أصبح الله السلطان " فيعلم أن الفجر قد طلع.

إلى هنا والأمر مجرد إخبار عن الغير، لكنه يقول بعد ذلك عن نفسه:

وعملت أنا هذا الشمعدان، وزدت فيه: أن الشمعة يتغير لونها كل ساعة، وفيه أسد تتغير عيناه من السواد الشديد إلى البياض الشديد إلى الحمرة الشديدة، ويسقط حصانان من طائرين، ويدخل شخص ويخرج شخص غيره، ويغلق باب

*(هوامش)*

(1) هو شهاب الدين أبو العباس أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي المصري المشهور بالقرافي (626 هـ 684 هـ).

(2) في كتابه المخطوط بدار الكتب " نفائس الأصول شرح المحصول " مخطوط رقم 472 أصول ج أول ص 108.

 

/ صفحه 363/

ويفتح باب في كل ساعة لها لون، وإذا طلع الفجر طلع الشخص على أعلى الشمعدان وأصبعه في أذنه يشير إلى الأذان، غير أني عجزت عن صنعة الكلام (1).

ثم هو يقول بعد ذلك:

" وصنعت أيضا صورة حيوان يمشي ويلتفت يميناً وشمالا وبصفر ولا يتكلم ". فليت شعري هل نسى هذا الإمام الجليل أو تناسى تلك الروايات الحديثية التي فسروها ذلك التفسير الضيق المتزمت، وهل سوغ لنفسه وهو إمام جليل فقيه في الشريعة وأصولها أن يخرج على أحكامها عاصيا الله ورسوله بصناعته تلك التماثيل التي وصفها.

وهل يجب علينا أن نعتقد أن الإمام القرافي سيأتي يوم القيامة واقفا على رأس صف طويل من رجال الفنون التصويرية منتظراً أن يلقى به وبهم في أشد العذاب لأنه صور رجلا أو أسدا أو طائرا؟.

وإذا كان المسلمون ينظرون إلى مثل هذا العالم الفذ الذي يخدم عقيدة الإيمان بالله مثل هذه النظرة، فماذا يكون وضعهم بين الأمم والحكم عليهم من أهل الحضارات والمدنيات.

*(هوامش)*

(1) وقريب من ذلك ما رواه ابن جبير (ولد سنة 540 هـ) في رحلته عن وصف الساعة التي كانت يجامع دمشق وفيها تمثال صقور، وكانت هذه الساعة عبارة عن طيقان من نحاس يعدد ساعات النهار، وعند انقضاء ساعة يسقط من كل طاق صنجتان من نحاس في فمي الصفرين المصنوعين من النحاس أيضا، وكانت تحت كل صقر طاس من النحاس المثقوب، فإذا انتهت ساعات النهار ألقى كل صقر بندقه من فمه في الطاس فترجع بسرعة إلى الغرفة محدثة صوتاً عظيماً، وكانت هذه الساعة تضاء بالليل بما يقرب من ذلك في الحيل.

ورحلة ابن جبير إلى دمشق في عصر صلاح الدين.