/ صفحه 3/

بسم الله الرحمن الرحيم

كلمة التحرير

يصدر هذا العدد من ((رسالة الإسلام)) في شهر المحرم، وهو شهر حرام يثير في نفوس المسلمين ذكرى حادث جَلل، وخطب عظيم، ألمَّ بالإسلام في عهده الأول فاهتز له، ولم يزل، ولن يزال، فواد كل امرئ يخفق قلبه بالإيمان، ويتلو آية ((المودة في القربى)) من القرآن: ذلك هو حادث مقتل فخر الشهداء، وسيد شباب أهل الجنة، الإمام أبي عبدالله الحسين بن علي رضي الله عنه وعن أبيه وأمه وآل بيته أجمعين.

لقد بكر هذا الحادث الجلل على المسلمين، كما بكرت عليهم أحداثٌ من قبله، واحداثٌ من بعده، افْتَلذَ كلُّ منها فلذةً من فَلذات النبوة، ولكنَّ هذا الحادث كان من بينها فريداً بأوَّليته في معناه، وأوحديته فيما يوحى به من مُثُل، ويرمز إليه من مبادئ.

لقد كان الإمام الحسين ـ سلام الله عليه ـ يستطيع أن يعيش في بحبوحة من النعيم، مرموق المكانة، مهيب الجانب، مكر ما من الولاة والأمراء، لو أنه أراد، ولقد ساوموه على ذلك لا يطلبون منه في مقابلة إلا السكوت، ولكنه أبى، وما كان له، وهو فرع تلك الدوحة الطاهرة، إلا أن يأبى، فإن المؤمن، لا يبيع الحقَّ بالباطل، ولا يشتري عرض الدنيا بالآخرة، ولا يرضى بأن يكون إمَّعَةً يعيش خانعاً أو قابعاً، والفساد من حوله، ومظاهر البغي، وآثار الظلم تملأ البلاد، وتقهر العباد!

لذلك أبي الحسين إلا أن يضرب المثلَ، مثلَ الفِداء الحق، والجهاد الحق، حتى استشهد في معركة غير متكافئة القوَى، ستظل مثالا للنضال بين الحق والباطل، والصلاح والفساد، إلى أن تقوم الساعة.

/ صفحه 4/

لقد وصف الله المؤمنين في سورة ((الشورى)) بأوصاف، منها ما يحقق ثبات إيمانهم، وحسن يقينهم، ومنها ما يصور سلطانهم على شهواتهم ورغبات نفوسهم، ومنها ما يمثل استجابتهم وخشوعهم وقيامهم بحقوق ربهم ومجتمعهم. ثم ختم الله ذلك كله بوصف فريد في أخلاق أهل المجتمعات الراشدة، يبين أنهم أحرارٌ أباةٌ لا يقبلون

ـ2ـ

الضيم، ولا ينامون على الخسف، ولا يرضون أن يساموا خطة الظلم، فقال جل شأنه:((والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون)).

فهل كان للإمام الحسين، وهو يتلو كتاب الله آناء الليل، وقد سمعهُ يرّتل من فم جده الأعظم، أن يرى البغي يصب الأمة، والظلم والفساد ينتشر ان في ربوعها، ثم لا ينهض لينتصر؟ فلمن إذن نزل القرآن؟ ومن ذا الذي يستجيب له إن لم يستجب له سبط محمد وابن فاطمة وعلي؟

هو إذن كان مثلاً باقياً في الأولين والآخرين، ضربه الله للناس، ولقد احتذاه في التاريخ ثوارٌ ثاروا على الباطل فزلزلوا عروشه، ودكدكوا صروحه، ولسوف يحتذيه ـ ما بقيت الدنيا ـ ثوراٌ وثوار، فإن دم الشهيد يظل يغلي ويقذف بالحمم حتى يقضي على الظالمين.

وإذا كان شهر المحرم يثير هذه الذكرى الحزينة في كل عام; فما أجدر المسلمين في كل شعب، وكل طائفة، أن يلقَنوا دروس هذه الذكرى، ويفقهوا عبرها، فإنها ليست لقوم دون قوم، ولا لفريق دون فريق، وإنما هي لأصحاب المبادئ والمثل أينما كانوا، وفي أي زمان عاشوا، وإن الذين يقومون بالحق، ويستشهدون في سبيله، من بعد الحسين، لكالذين قاموا معه، واستشهدوا بين يديه في كربلاء.

فسلام على الإمام الشهيد، وعلى المستشهدين معه، وسلام على الذين استشهدوا، ويستشهدون في سبيل الحق من بعده، وسلام على الذين يبذلون دماءهم في مقاومة الطغاة والجبابرة تأسياً به، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.

محمد محمد المدني