/ صفحه 22/

الدّراسات الإسْلاميَّة في اللغات الأورُبيّة

للكتاب الكبير الأستاذ عباس محمود العقاد

عادت الدراسات الإسلامية إلى نشاطها المعهود في اللغات الأجنبية بعد فترة وجيزة من الركود أو الانتظار.

وهذه الدراسات تعترضها أحيانا فترات من الانتظار والتوقف خلال الحروب والأزمات العالمية، ثم تستأنف نشاطها في اتجاهها الأول، أو في اتجاه جديد تمليه الحوادث والظروف.

ويصح أن يقال إن الدراسات الإسلامية في اللغات الأجنبية لم تنقطع قط زمناً طويلاً منذ سبعة قرون، أي منذ أن تنبه الأوربيون للدراسة في مختلف الشؤون وتحركوا للنهضة التي اشتهرت باسم نهضة العلوم.

فمنذ القرن الثالث عشر أخذ الأوربيون في دراسة الإسلام، فلم ينقطعوا عن هذه الدراسة إلا ريثما يعودون إليها بنشاط جديد، إلا أن هذه الدراسات تتغير في موضوعها، وفي غرضها، وفي اتساع أفقها بين آونة وأخرى. وهذا التغير في الغرض والوجهة يعنينا كما يعنينا موضوع الدراسة في جملته، لأن التغير في موضوع الدراسة عظيم الدلالة على أحوال الغرب، وأحوال الحضارة والثقافة على التعميم. فإذا تتبعنا دراسة الإسلام بين الغربيين من القرن الثالث عشر، فنحن في الواقع نتتبع أطوار العالم كله خلال سبعة قرون.

مرت هذه الدراسة بمراحل كثيرة منذ القرن الحاضر، ولعلها تلتقي في مراحلها المشهورة: وهي مرحلة الدفاع، ومرحلة التبشير، ومرحلة الاستعمار، ومرحلة البحث العلمي الذي تشرف عليه السياسة الدولية... وهي مرحلة عامة واسعة، تطوي سائر المراحل من قريب أو بعيد.

/ صفحه 23/

كانت الثقافة الإسلامية هي الثقافة الغالبة على العقول في القرن الثالث عشر، وكان مذهب الفيلسوف الأندلسي ابن رشد مذهب المفكرين جميعاً زهاء ثلاثة قرون، وقد ترك هؤلاء المفكرون لغة اللاتين واليونان ليقبلوا على دراسة اللغة العربية، وشكا بعض ذوي الرأي ـ كما جاء في تاريخ دوزي أن المثقفين من الأوربيين يعجبون بشعر العرب وأقاصيصهم، ويدرسون التصانيف التي كتبها الفلاسفة والفقهاء المسلمون، ولا يفعلون ذلك لإدحاضها والرد عليها، بل لاقتباس الأسلوب العربي الفصيح!

فالدراسات الإسلامية التي اشتغل بها الأوربيون في تلك الآونة، إنما كانت لتحويل المفكرين منهم عن هذه الوجهة: كانت للرد على الفلاسفة المسلمين وإدحاض أقوالهم، وتجديد العناية باللاتينية واليونانية بدلا من العربية، وهذه هي مرحلة الدفاع الأولى، وغايتها الكبرى أن يتخلص القوم من سيطرة الفكر العربي والدراسات العربية الإسلامية.

وبعد مرحلة الدفاع هذه بدأت مرحلة أخرى هي مرحلة الهجوم.

وكان الغرض منها استخدام المعارف الإسلامية في حركة التبشير الديني وحركة الدعوة الثقافية التي تصطبغ بصبغة التبشير، ثم اتجهت حركة الدراسة الإسلامية بعد وجهة التبشير إلى وجهة الاستعمار، ثم عرف الإستعمار مصيره بين الأمم الإسلامية، وعرف أن هذه الأمم خليقة في العصر الحديث أن يحسب لها حساب آخر غير حساب الأتباع والأذناب، وأنها قوة عالمية تتقدم وتوثر في مصير العالم بأسره، ويتساءل العالم بأسره في الشرق والغرب عن حقيقتها، ويجب عليهم لمصلحتهم أن يفهموا هذه الحقيقة ولا يغالطوا أنفسهم فيها،لأن المغالطة فيها تصيبهم ببأضرارها قبل أن تصيب الأمم الإسلامية.

من هنا كانت هذه المرحلة، مرحلة البحث العلمي الذي تشرف عليه السياسة الدولية، وكان القائمون به على الأكثر أساتذة من الجامعات، أو معاهد البحوث،

/ صفحه 24/

بعد ان كانت هذه الدراسات الإسلامية وقفا على المرسلين الدينيين، ثم على الوكلاء المستترين أو الظاهرين.

ومن المفهوم بصفة عامة أن البحوث العلمية في عصرنا هذا تتناول سائر الأمم كما تتناول الأمم الإسلامية: تتناول أمما كثيرة في القارتين: الإفريقية والأسيوية، وتعرض من أحوال هذه الأمم كل ما يهم الاطلاع عليه، ومنه شؤون الدين والعقائد الخلقية إلى جانب الشؤون التي ترتبط بالموقع، والمناخ، ومعالم الأرض، وينابيع الثروة الطبيعية. وفي كل موسم من مواسم النشر تظهر العشرات من الكتب عن أكبر البلدان وأصغرها في أقطار العالم المعمور، ويظهر معها الإعلان عن عشرات غيرها تصدرها المطابع في المواسم التالية. فليست العناية بالبحوث العلمية موقوفة على أمم الإسلام، ولا على الدراسات الإسلامية، ولا فرق في عدد المؤلفات من حيث الكثرة والقلة بين ما يؤلف عن الدراسات الإسلامية، وما يؤلف عن سائر الدراسات. إلا أن يكون الفرق على قدر الفرق في حساب السكان والمساحات وما إليها.

لكن المحقق أن هناك فرقا جوهريا من حيث الروح والوجهة بين ما يكتب عن الإسلام وما يكتب عن سائر الأمم. هناك فرق بين منهج التأليف عن الإسلام ومنهج التأليف عن الأمم المتفرقة، ولو كانت هذه الأمم المتفرقة تدين بعقيدة واحدة، أو كان لها من الكثرة ما يساوي كثرة المسلمين في أوطانهم أو في أرجاء العالم بأسره.

فمعظم المؤلفين عن الإسلام لا ينسون أنه قوة روحية فعالة، ولا ينظرون إلى مسائل الثروة وظواهر الأوضاع الجغرافية والطبيعية كما ينظرون إلى تلك القوى الروحية الفعالة، وإلى ما كان لها من الأثر في تاريخ الماضي، وما يكون لها من الأثر في الحاضر وفي مجرى الحوادث المقبلة.

ولا يفوت القارئ أن يلمح بين السطور عناية الباحثين بقدرة الإسلام على

/ صفحه 25/

البقاء والاحتفاظ بهذه القوة الروحية الفعالة: هل يعيش الإسلام طويلا محتفظا بهذه القوة الروحية؟ هل يشبع ضمائر أتباعه ويغنيهم عن الاعتصام بعقيدة روحية أو فكرية أخرى؟ هل يقاوم غيره من القوى الروحية والفكرية في معترك المنازعات الدولية أو الأممية؟

إن المؤلفين الغربيين يكتبون عن الصين وعن الهند وعن الشعوب الإفريقية، ولكنهم لا يكتبون عنها ليسألوا هذه الأسئلة وأمثالها، وربما سألوا عن قوتها العسكرية، أو علاقتها السياسية، وبحثوا عن قدرتها على الثبات في معارك القتال، وعن قدرتها على المقاومة في مضطرب السياسة الدولية، إلا أن هذه الأسئلة شئ والسؤال عن القوة الإسلامية شئ آخر... لأنهم لاينظرون إلى ثبات الإسلام في معارك الحرب والسياسة، بل ينظرون إلى ما وراء ذلك، وإلى ما هو أهم وأبقى من ذلك: ينظرون إلى ثبات الإسلام أمام الزمن بما اشتمل عليه من زعازع الأفكار، وزلازل العقائد، وتيارات الشكوك، وصدمات القلق والحيرة، وينظرون إلى معارك القوة الروحية قبل أن ينظروا إلى معارك الحرب والسياسة، ويلوح من فلتات القلم وخفايا السطور أنهم يوازنون بين هذه القوة الروحية الفعالة وبين ما يقابلها عندهم من قوى الروح والضمير. ولا يدرون على التحقيق لمن تكون العاقبة في الزمن البعيد، أو إذا انقضى هذا الزمن القريب.

ومن عناوين المؤلفات نلمح هذا الغرض مقصوداً أو غير مقصود.

فهذا مؤلف ضخم في عدة مجلدات يبحث عن المجتمع الإسلامي أمام الغرب، وهذا مؤلف يقاربه في الضخامة يبحث عن الإسلام في تاريخ العصر وما يليه، وذلك مؤلف آخر يبحث عن قبلة الإسلام على مفارق الطريق. وإذا كتب الباحثون عن أمة مسلمة كما يكتبون عن سائر الأمم فلا يفوتهم أن يذكروا نصيبها من تلك القوة الروحية الفعالة، وأن يذكروا مقدار اعتمادها عليها في كفاح الزمن، وفي كفاح الخصوم.

/ صفحه 26/

ولا ننسى أن الدراسات الجامعية تسهم بالقسط الأوفر من جملة هذه الدراسات، ولا ننسى أيضا أن الجامعات تعمل في هذه البحوث بمعونة الدول أو معونة المعاهد المتصلة بالأقطاب السياسية والاقتصادية... ولكننا مع هذا يجب ألا ننسى أن القراء هم المرجع الأخير في شيوع هذه المؤلفات، وفي ظفرها بالثقة والإقبال، فلابد من رغبة ذهنية أو نفسية يرضيها المؤلفون وراء المطالب الدولية التي لا تعني جميع القراء، ولابد من فائدة أدبية في الكتاب تعطيه قيمته في معايير النقد والتقدير: إن الرغبة العامة في الغرب تتعطش إلى الحقيقة في أمر الدين، تتعطش إلى حقيقة تروي ظمأها وتعيد إليها الطمأنينة على مصير الإنسان في الغيب المجهول.

ولقد نظر الغربيون قديما إلى الشرق وأخذوا منه كل ما اعتقدوه. وهم يعودون اليوم فينظرون إليه ولا ييأسون من ودائعه الروحية بعد أن يئسوا ـ أو كادوا ـ من ودائعه المادية، وأولها في الحالتين: ودائع الإسلام.