/ صفحه 44/

من ثمرات المعقول والمنقول

للشاعر الكبير الأستاذ علي الجندي

العميد السابق لكلية دار العلوم

الهريسة:

في المقريزي: أنها العصيدة. وفيها يقول العسكري:

هريسة بيضاء كافورية * * * في قصعة صفراء دينارية

للأنف منها نفحة مسكية * * * وللعيون لمعة تبرية

تدور في مبيضة فضية * * * مثل السوار في يد الرومية

ويحدث الرواة: أن أبان القاري أكل يوماً مع الرشيد; فجاءوا بهريسة عجيبة، في وسطها مثل السُّكُرُّجة. قال أبان: فاشتهيت ذلك الدسَم، وأجللت الرشيد أن أمد يدي فأغمسها فيه!ففتحت بأصبعي فتحة يسيرة،فانقلب الدسم نحوي!ففطن الرشيد لذلك، فقال ـ ضاحكا ـ: يا أبان، أخرقتها لتغرق أهلها؟! فقلت: لا يا أميرالمؤمنين، ولكن سقناه إلى بلد ميت! قال: فضحك الرشيد حتى أمسك صدره!

مجالس الأحباب:

دخل الأديب غانم الأندلسي يوماً على ابن حيوس صاحب غرناطة(1)، فوسع له على ضيق كان في المجلس، فقال بديها:

صير فؤادَك للمحبوب منزلة * * * سَمُّ الخياط مجال للمحبين

ولا تسامح بغيضا في معاشرة * * * فقلما تسع الدنيا بغيضين

وقد نظم ما روي عن الخليل بن أحمد من أنه: دخل يوماً على بعض أصدقائه ـ وهو على نمرقة صغيرة ـ فقال له الرجل: إنها لا تسعنا! فقال الخليل: ما تضايق سم الخياط بمتحابين، ولا اتسعت الدنيا لمتباغضين!

ــــــــــ

(1) غرناطة ـ بفتح الغين ـ: إحدى عواصم الفردوس المفقود، وقيل: ذلك لحن، والصواب: أغرناطة، ومعناها: الرمانة.

/ صفحه 45/

انتقام الشعراء:

امتدح بعض الظرفاء الشعراء بعض الأمراء فرسم له ببرذعة وحزام! فأخذهما على كتفه وخرج; فرآه بعض أصدقائه فقال له: ما هذا الذي تحمله؟ فأجاب: امتدحت مولانا الأمير بأحسن أشعاري، فخلع على من أفخر ملابسه!

وأجاز بعض الأمراء بعض الشعراء بمد(1) من شعير! فخرج وأنشد:

يقولون لي أرخصت شعرك في الورى * * * فقلت لهم: مِن فقد أهل المكارم

أجِزْتُ على شعري الشعير، وإنه * * * كثير إذا خلصته من بهائم

أبناء الزهراء:

المروي: أن رسول الله ـ (صلى الله عليه واله وسلم) ـ سمى حسناً وحسيناً يوم سابعهما، واشتق اسم حسين من اسم حسن.

وقد حلقت الزهراء شعرهما يوم سابعهما، وتصدقت بوزنه فضة.

أول ذل دخل على العرب!

قال ابن عباس: أول ذل دخل على العرب: موت الحسن بن علي! وقيل لأبي إسحاق السبيعي: متى ذل الناس؟ قال: حين مات الحسن، وادّعي زياد، وقُتل حُجر بن عَدىّ.

موت الحسن بالسم:

قال المدائني: سقي الحسن ـ (عليه السلام) ـ السم أربع مرات; فقال: لقد سقيته مراراً، فما شق علي مثل مشقته هذه المرة! فقال له الحسين: أخبرني من سقاك؟ قال: لتقتله! قال: نعم. قال: ما أنا بمخبرك; إن يكن صاحبي الذي أظن; فالله أشد نقمة، وإلا فما أحب أن يقتل بي برىء.

مروان يحمل نعش الحسن:

لما مات الحسن أخرجوا جنازته، فحمل مروان بن الحكم سريره! فقال الحسين:

ــــــــــ

(1) المد ـ بضم الميم وتشديد الدال ـ: مكيال، وهو رطلان، أو رطل وثلث، أو ملء كفي الإنسان المعتدل إذا ملأهما ومديده بهما.

/ صفحه 46/

تحمل اليوم جنازته، وكنت بالأمس تجرعه الغيظ! قال مروان: نعم: كنت أفعل ذلك بمن يوازن حلمه الجبال!

سرعة سير الشر:

وصل نعي الحسن إلى البصرة في يومين وليلتين، ويعتبر ذلك سريعاً بالنسبة لبريد ذلك العصر، فقال الجارود بن أبي سبرة:

إذا كان شر سار يوماً وليلة * * * وإن كان خيرٌ أخر السير أربعا

إذا ما بريد الشر أقبل نحونا * * * بأحدى الدواهي الرُّبد سار وأسرعا

ضرب من التوبيخ:

قيل لحاتم الأصم: لو قرأت لنا شيئاً من القرآن فقرأ:((ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم يكنزون)) فصاحوا به: ليست الآية كذلك!فقال:نعم،ولكن أنتم كذلك!. خروج من مأزق:

كتبت السيدة عائشة إلى زياد كتابا، فلم تدر ما تكتب عنوانه! إن كتبت زياد بن عُبيد، أو ابن أبيه أغضبته، وإن كتبت زياد بن أبي سفيان أثمت! فكتبت من أم المؤمنين إلى ابنها زياد! فلما قرأه ضحك! وقال: لقد لقيت أم المؤمنين من هذا العنوان نصبا!

وجه ((ميمون)) ميمون!

ذكر القزويني: أن من تصبّح بوجه قرد عشرة أيام، أتاه السرور، ولا يكاد يحزن، واتسع رزقه، وأحبته النساء حباً شديداً، وأعجبن به!

القرد والإنسان:

يشبه القرد الإنسان في أشياء: منها: أن لشفر(1) عينيه الأسفل أهدابا، وليس ذلك لشئ من الحيوان غير الإنسان! وإذا زاد به الشبق(2) استمنى بفيه!

ــــــــــ

(1) الشفر ـ بضم الشين ويفتح ـ: منبت الشعر في الجفن، وهو مذكر.

(2) الشبق كسبب: اشتداد الشهوة.

/ صفحه 47/

وتحمل الأنثى أولادها كما تحمل المرأة! وله أصابع مفصلة إلى أنامل وأظافر! ويأنس بالناس، ويمشي على أربع مشية المعتاد، ويمشي على رجليه حيناً يسيراً! وكان الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ إذا رأى القرد سجد لله! تعجباً من خلقه!

اشتقاق النديم:

قالوا: مأخوذ من المنادمة، وقالوا: مأخوذ من الندم; لأنه يُندَم على مفارقته; لوجود الراحة والأنس معه، أو لأنه يندم هو على ما يتكلم به في حال سكره.

فتنة الوالد بولده:

قال الأصمعي: مر بنا أعرابي ينشُد ابنا له، فقلنا له: صفه لنا، فقال: كأنه دُنَيْنير! فقلنا: لم نره. فذهب، ولم نلبث أن جاء بطفل صغير أسود كأنه جُعَل(1) قد حمله على عنقه! فقلنا له: لو سألتنا عن هذا لأرشدناك، فإنه لم يزل عامة يومه بين أيدينا! ثم أنشد الأصعمي:

زيَّنها الله في الفؤاد كما * * * زُيَّن في عين والد وَلدُه

خوف الشاعر من الشاعر:

تلاحى جرير وعدي بن الرقاع العاملي أمام الوليد بن عبدالملك، فخاف عدي جريرا، فوثب على رجل الوليد يقبلها، ويقول: أجرني منه يا أميرالمؤمنين! فالتفت الوليد إلى جرير وقال: وتربة عبدالملك، لئن هجوته، لأحملنك، وأسرّجن عليك، ولأطيفنك بدمشق!!

وعن المدائني قال:قدم البصرة راجز من رُجّاز المدينة،فجلس إلى حلقة فيها الشعراء،فقال:أنا أرجز العرب!أنا لذي أقول:

مروان يُعطي وسعيد يمنعُ * * * مروان نَبْعٌ(2)، وسعيد خِروَعُ

وددت لو أني راهنت من احب الرجز يداً يداً! والله، والله لأنا أرجز من العجاج، فليت البصرة جمعت بيني وبينه! وكان العجاج وابنه رُؤبة حاضرين،

ــــــــــ

(1) الجعل ـ بضم ففتح ـ:((الجعران)).

(2) النبع: شجر ينبت في قلة الجبل يتخذ منه القسي والسهام.

/ صفحه 48/

فأقبل رؤبة على أبيه العجاج، وقال له: قد أنصفك الرجل! فأقبل عليه العجاج قائلاً: هأنذا العجاج، فهلم إلىّ، وزحف عليه! فقال الرجل: وأي العجاجين أنت؟! قال: ما خلتك تعني غيري! أنا أبو عبدالله الطويل ـ وكان يكنى بذلك ـ فقال الرجل: ما عنيتك ولا أردتك! فقال العجاج: وكيف ذلك، وقد هتفت باسمي؟ فقال الرجل: أما في الدنيا عجاج سواك؟! فقال العجاج: ما علمت! فقال الرجل: ولكنني أعلم وإياه عنيت!فالتفت العجاج إلى ابنه رؤبة وقال:وهذا ابني رؤبة فراجزه إن شئت.فقال الرجل: اللهم غفرا! ما بيني وبينكما عمل، وإنما مرادي غيركما! فضحك أهل الحلقة، وكف العجاج ورؤية عنه!

حب الرشيد لفنان:

نظر الرشيد يوماً إلى إبراهيم الموصلي وقال: يا إبراهيم، أرى الشيب يضحك بعارضيْك! فأنشد إبراهيم:

تولى شبابي إلا قليلا * * * وحل المشيب فصبراً جميلا

كفى حزنا بفراق الشباب * * * وقد أصبح الشيب منه بديلا

ولما رأى الغانيات المشيب * * * رددن عني طرفا كحيلا

سأندب عهداً مضى للصبا * * * وأبكي الشباب بكاء طويلا

قال: فبكى الرشيد، وقال: والله لو قدرت على رد شبابك لفعلت!

علم الكف عند العرب:

قال الأعشى من قصيدة يفضّل فيها عامر بن الطفيل العامري على عَلقمة بن علاثة:

فانظر إلى كف وأسرارها * * * هل أنت إن أوعدتني ضائري

وهذا يدل على أن علم الكف كان معروفا عند معروفاعند العرب القدامى.

لكل جنس آدم وحواء!

قال أبو عبيدة: زعم بعض المفسرين، وأصحاب الأخبار: أن أهل سفينة نوح كانوا قد تأذوا بالفأر! فعطس الأسد عطسة، فخرج من منخريه زوج سنانير! فلذلك كان السنور أشبه شئ بالأسد!

/ صفحه 49/

فقال كيسان لأبي عبيدة: ينبغي أن يكون ذلك السنَّور هو آدم السنانير، وتلك السِّنورة حواؤها! فقال ـ وهو يضحك ـ: ألم تعلم أن لكل جنس من الحيوان آدم وحواء! فضحك القوم حتى أغربوا في الضحك!

شاعر كثير التضمين:

كان الشاعر الأمير مجير الدين بن تميم لهجاً بالتضمين مولعاً به! فقلما نجد بيتاً إلا ضمنه، ونقله إلى معنى آخر، وإلى ذلك يشير بقوله:

أطالع كل ديوان أراه * * * ولم أزُجر عن التضمين طيري

أضمن كل بيت فيه معنى * * * فشعري نصفه من شعر غيري

ثرثرة الحجامين:

ضِقت ذرعا بثرثرة الحجامين ((الحلاقين)) حتى كدت أضرب عن قص شعري! ثم عدت إليهم صاغرا بعد أن وقفت على هذه الكلمة للسلف من العلماء: كثرة الكلام وقف على أهل الحجامة!

لا يوقد الشمع في الشمس:

زار ابنَ تميم الشاعر، أحدُ أصدقائه ليلا، فأطفاً الشمعة وقال:

ومخْطَفة(1) أوقدتها جنح ليلة * * * وقد زار من أهوى وتم بها أنسي

فأطفأتها إذ أشرقت شمس وجهه * * * ومن سفه أن يوقد الشمع في الشمس

وفي هذا المعنى يقول بعضهم أيضاً:

يا حامل الشمعة في كفه * * * ووجهه يغنيه عن شمعته

ما تصنع الشمعة في كف من * * * بدت لنا الشمس على قامته

جرأة الأخطل على الخلفاء:

قال عبد الملك بن مروان للأخطل الشاعر يوما: أراك تكثر وصف الخمر نظما ونثرا، وأولها مُرار، وآخرها خُمار! فقال الأخطل:

ــــــــــ

(1) المخطفة: الدقيقة الخصر.

/ صفحه 50/

إذا ما نديمي علني ثم علني * * * ثلاث زجاجات لهن هدير

خرجت أجر الذيل حتى كأنني * * * عليك ـ أميرالمؤمنين ـ أمير

والحق: أن بني أمية جرّءوا هذا الشاعر منذ عهد معاوية حتى توقح فهتك حرمات الإسلام! وسب ((أنصار الإسلام)) أليس هو القائل:

ولست بصائم رمضان عمري * * * ولست بآكل لحم الأضاحي

ولست بصائح في جنح ليل * * * كمثل العَيْر: حىَّ على الفلاح

وهو القائل من أبيات بذيئة يهجو الأنصار:

خلوا المكارم لستم من أهلها * * * وخذوا مساحيَكم(1) بني النجار

ذهبت قريش بالمفاخر كلها * * * واللؤم تحت عمائم الأنصار

وحسبنا أن هذا الشاعر كان يدخل على جبار بني أمية ((عبدالملك)) ورائحة الخمر تفوح من فيه، وقطراتها تتحادر من لحيته!

الأيام أربعة:

كان يحي البرمكي يقول: الأيام أربعة: يوم الريح للنوم، ويوم الغيم للصيد، ويم المطر للشرب، ويوم الشمس لقضاء الحوائج.

حمر الألوان، وسمان الأجسام:

قال الجاحظ: كنت أظن بالحمر الألوان: التسرع والحدة، فوجدت الحلم فيهم أعم. وكنت أظن بالسمان الجدال العظام: أن الفالج إليهم أسرع، فوجدته في الذين يخالفون هذه الصفة أعم.

بين متواضع ومتكبر:

كان ابن التلميذ شيخ النصارى المتطبب متواضعا، وكان أوحد الزمان الحكيم متكبرا، فقال فيهما البديع الإسطرلابي:

أبوالحسن الطبيب ومقتفيه * * * أبو البركات في طَرفىْ نقيض

فهذا بالتواضع في الثُّريّا * * * وهذا بالتكبر في الحضيض

ــــــــــ

(1) المساحي: جمع مسحاة، وهي آلة القشر والجرف.

/ صفحه 51/

حظوظ الشعراء:

لما قتل الأفشينُ قائد المعتصم بابك الخرُّمىّ، مدحه أبو تمام بقصيدته التي أولها:

بعثتَ الخيل، والخيرُ * * * عقيد بنواصيها(1)

وهي من جيد شعره، فأمر المعتصم للشعراء الذين مدحوا الأفشين بثلثمائة درهم، جرى تفرقتها على يد أحمد بن أبي دُواد، فأعطى منها محمد بن وهيب ثلاثين ألفا، وأعطى أبا تمام عشرة آلاف، قال ابن أبي كامل: فقلت لعلي بن يحيى بن المنجم: أولا تعجب من هذا الحظ؟ يُعطى أبو تمام عشرة آلاف درهم، وابن وهيب ثلاثين ألفا، وبينهما كما بين السماء والأرض!

فقال ابن المنجم; لذلك علة لا تعرفها; لقد كان ابن وهيب مؤدب الفتح بن خاقان، فلذلك وصل إلى هذه الحال!

أقول: إن تفاوت الحظوظ عرف من قديم الزمان، ولكن التفاوت في حظوظ الشعراء أربى على كل ما سواه حتى ليعد من الأعاجيب! فقد استطاع أبو تمام والبحتري مثلا أن يخملا في زمانهما خمسمائة شاعر ربما كان فيهم من هو خير منهما، ولكن اتصال الطائيين بالخلفاء والوزراء في حاضرة الملك كان له هذا الأثر.

وفي عصرنا رُفع بعض الشعراء إلى مرتبة الفحول، قفزوا إلى الصف الأول بحكم المجاملات والصداقات، وفي ظل السهرات المريبة الماجنة، وليسوا من الشعر في قليل ولا كثير، ولا مغدي ولا مراح! بل إن هناك من يطلق عليهن أسماء الشاعرات زوراً وبهتانا، ويذكرن كل يوم في الصحف ممجدات مكرمات، وكبار الشعراء، يطبق عليهم الخمول، مع أن هولاء الشاعرات المزيفات لا يستطعن نظم بيت واحد، ولا يعرفن الموزون من المكسور، ولكن يشترين القصائد من الشعراء الفقراء كما يشترين السلع، فحدث ـ ولا تحرج ـ عن مدى نكبتنا في أدب النفس وأدب الدرس، فلا حول ولا قوة إلا بالله!

ــــــــــ

(1) ضمن البيت الأثر:((الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة)).

/ صفحه 52/

التخادع:

قال يزيد بن معاوية لأبيه ـ يوم أن أخذ له البيعة بولاية العهد، ورأى الناس يمدحونه ويقرظونه ـ: والله يا أميرالمؤمنين، ما ندري أنخدع الناس، أم يخدعوننا؟! فقال له معاوية: كل من أردت خديعته فتخادع لك حتى تبلغ منه حاجتك، فقد خدعته!

اتقوا أشياء:

كانوا يقولون: اتقوا صولة الكريم إذا جاع، وصولة اللئيم إذا شبع! وقالوا: نعوذ بالله من صولة الكريم إذا جاع، وضربة الجبان إذا خاف! وقالوا: اتقوا ضربة الجبان إذا خاف; لأنه لا يبقي ولا يذر; ومن أمثالهم: عصا الجبان أطول!

حمل النفس على ما تكره:

كان علقمة بن قيس كثير الاجتهاد، فقيل له: كم تهين نفسك؟ فقال: كرامتها أريد! ولما نسك عتبة الغلام، كان لا يهنأ بطعام ولا شراب! فقالت له أمه: يا بني، ارفق بنفسك! فقال: الرفق لها أطلب! دعيني أتعب قليلا، لأنعم طويلا!

لا يرضى بتصغير اسمه:

كان أبو الحزم مكي بن ريان النحوي الضرير، يلقبه جيرانه ومعارفه في صغرهم ((مكيكي)) تصغير مكي، ثم ارتحل عن بلده ((ماكسين))(1)، واشتغل بالعلم ونبُه قدره، وبعد صيته، فاشتاقت نفسه إلى وطنه، فعاد إليه، وتسامع به من بقي ممن كان يعرفه، فزاروه وفرحوا به لكونه فاضلا من أهل بلدهم، وفي الليلة التي بات فيها، سمع في السحر حين خرج إلى الحمام امرأة في غرفتها تقول لأخرى: أتدرين من حضر؟ فقالت: لا، قالت: إنه مكيكي بن فلانة، فقال أبو الحزم: والله لا أقمت في بلد أدعى فيها مُكيْكيا! وسافر من غير رَيْث وعاد إلى الموصل، بعد أن كان نوى الإقامة في مسقط رأسه!

يتصدق بقميصه:

قيل لمعروف الكرخي في مرض موته أوص! فقال: إذا مت فتصدقوا بقميصي; فإني أريد أن أخرج من الدنيا عريان، كما دخلتها عريان!

ــــــــــ

(1) ماكسين: بلدة جبلية من أعمال الجزيرة على نهر الخابور.

/ صفحه 53/

الفقراء ثلاثة:

قال بشر الحافي: الفقراء ثلاثة: فقير لا يسأل وإن أعطي لا يأخذ. فهذا مع الروحانيين في عليين. وفقير لا يسأل وإن أعطي أخذ، فهذا مع المقربين في الفردوس. وفقير يسأل عند الحاجة، فهو مع الصادقين أصحاب اليمين!

لا تسخر من الصالحين:

حكى ابن خلكان: أنه كان بقرطبة رجل فيه بعض الحدّة، وكان مُسلطا على الشيخ أبي محمد حموش القيسي المقري; فكان يدنو منه ـ إذا خطب ـ فيغمزه ويحصي عليه سقطاته، فيتعلثم الشيخ لذلك ويتوقف! وحضر الرجل ذات مرة في بعض الجمع، وجعل يحد النظر إلى الشيخ ويغمزه! حتى أضجره! فلما خرج الشيخ ونزل في الموضع الذي كان يقرأ فيه قال لمن حضر أمِّنوا على دعائي، ثم رفع يده وقال: اللهم أكفنيه! اللهم أكفنيه! فأمنوا على دعائه!

قال: فأقعد الرجل، ولم يدخل الجامع بعد ذلك اليوم!

تخريج حسن:

قال السري السقطي لرجل: التوبة: أن لا تنسى ذنبك! فقال الرجل: بل التوبة أن تنسى ذنبك! ووافق الجنيد الرجل على قوله، وخالف خاله السري وأستاذه; لأن المعصية جفاء، والتوبة صفاء، وذكر الجفاء في حال الصفاء جفاء!

منزلة المؤمنين:

بدأ ـ سبحانه ـ المؤمنين بالإحسان، وكتب في قلوبهم الإيمان، وخصهم بنعمة العرفان!

وكم باسطين إلى وصلنا * * * أكفهمُ لم ينالوا المنى

قطعناهُم ووصلناكُم * * * فكانوا بعيداً، وكنتم لنا!

قوة العزيمة:

كانت رابعة العدوية تحيي الليل كله! وكان أبو أيوب السختياني يحيي الليل كله، فإذا كان وقت السحر رفع صوته، كأنه قد قام ذلك الوقت من النوم!

/ صفحه 54/

ومكث إبراهيم التميمي عشرين سنة يصلي الصبح بوضوء العشاء! وكان السري السقطي يقوم من أول الليل إلى وقت السحر، ثم يجلس فيبكي حتى يطلع الفجر! وكان داود الطائي ينادي في الليل: إلهي، همك عطل علي الهموم، وحال بيني وبين الرقاد، وشوقي إلى لقائك حال بيني وبين اللذات، فأنا في السجن يا كريم! وأصاب عبدالرحمن بن الأسود وجع في إحدى رجليه، فكان يقوم اللبل على قدم واحدة، ويصلي بوضوء العشاء صلاة الصبح!

الأنس بالله:

قال إبراهيم بن أدهم لرجل لقية نازلا من جبل: من أين أقبلت؟ قال: من الأنس بالله! وقيل لرابعة العدوية: بم نلت هذه المنزلة؟ قالت بتركي ما لا يعنيني، وأنسي بمن لم يزل؟

الفناء في الله:

قيل لذي النون المصري: أين أنت من يوم ألست بربكم؟ فقال: كأنها الساعة في أذني!

الاستحياء من الله:

قال مالك بن دينار: لقد استحيت من الله ـ تعالى ـ من كثرة ترددي إلى بيت الخلاء! فوددت لو أن الله ـ سبحانه ـ جعل رزقي في حصاة أمضغها حتى ألقى الله! وكان بعض الصالحين يصلي خارج المسجد، فقيل له في ذلك، فقال: أستحي من الله أن أدخل بيته وقد عصيته!

أسلوب الحكيم:

قيل لبعض الصالحين: في أي وقت تصلي وِرْدك؟ فقال: ما ظننت أن عبداً يسمع بالجنة والنار، وتمضي عليه ساعة لا يصلي فيها! وقال بعض الصالحين: لقيت رجلا في البرِّية فقلت له: من أين أتيت؟ فقال: من عند قوم لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذلك الله! فقلت: إلى أين تريد؟ فقال: إلى قوم تتجافى جنوبهم عن المضاجع!

/ صفحه 55/

أجَلُّ من أن يُجلّ:

في محاضرات الراغب الأصفهاني: أن الشبلي سمع رجلا يكثر عند ذكر الله من قوله ـ عزوجل ـ: فقال أحب أن تجله عن هذا; فإنه أجل من أن يجل!

شاب صالح:

دخل جماعة على عمر بن عبدالعزيز ـ رضي الله عنه ـ في مرض موته يعودونه، وفيهم شاب ناحل الجسم، فقال له عمر: يا فتى، ما الذي بلغ بك إلى ما أرى؟ فقال: يا أميرالمؤمنين، أمراض وأسقام، فقال عمر: سألتك بالله إلا ما صدقتني، فقال: يا أميرالمؤمنين، ذقت حلاوة الدنيا فوجدتها مرة، فصَغُرت زهرتها وحلاوتها في عيني، فكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، والناس يساقون إلى الجنة والنار، فأظمأت لذلك نهاري وأسهرت ليلي، وقليل حقير كل ما أنا فيه في جنب ثواب الله ـ تعالى ـ وعقابه!

قلب الأعيان لدى العارفين:

مرض يعقوب بن الليث والي خراسان مرضا شديداً، فقيل له: إن في ولايتك رجلا صالحا يقال له: سهل بن عبدالله التُّستَري، فلو استحضرته ليدعو لك، لرجونا لك العافية! فأحضره وسأله الدعاء، فقال سهل: كيف يستجاب لك، وأنت مقيم على الظلم؟ فنوي يعقوب التوبة والرجوع عن المظالم، وحسن السيرة في الرعية، وألق من سجنه المظلومين،فقال سهل: اللهم كما أريته ذل المعصية، فأره عز الطاعة، وفرج عنه، قال: فنهض يعقوب كأنما نشط من عقال، وعوفي من ساعته! فعرض على سهل مالا جزيلا، فأبى قبوله! فقيل له في أثناء الطريق: لو قبلت المال الذي عرضه عليك وفرقته على الفقراء! فنظر سهل إلى الحصباء، فإذا هي جواهر! فقال: خذوا ما أردتم! ثم قال: من أعطي مثل هذا يحتاج إلى مال يعقوب!

قال العلماء: وهذا يعد من قلب الأعيان، وهو كثير عند العارفين.

الخير في أربع:

اجتمع الخير كله في أربع خصال، وبها صار الأبدال أبدالا: الجوع، والسهر، والصمت، والخلوة. ويقال: من سهر أربعين ليلة مخلصا كوشف بشئ من الملكوت.

/ صفحه 56/

كرامة للإمام:

عن عطاء بن السائب عن أبيه، قال: بينما علي ـ (عليه السلام) ـ على منبر الكوفة، إذ دخل رجل، فقال: يا أميرالمؤمنين، مات خالد بن عرفطة! فقال الإمام: لا، والله مامات ولا يموت حتى يدخل من باب المسجد ـ وأشار إلى باب الفيل ـ ومعه راية ضلالة يحملها حبيب بن حماد، وفي رواية: ابن عمار، قال: فوثب رجل فقال: يا أميرالمؤمنين، أنا حبيب بن حماد، وأنا لك شيعة! قال: فإنه كما أقول!

قال الراوي: فوالله لقد قدم خالد بن عرفطة على مقدمة معاوية يحمل رايته حبيب بن حماد!

ما خُص به الرسول:

مما خص بالرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ تحريم أكل البصل والثوم عليه، وكان يسمي الثوم: البقلة الخبيثة، وقد أبيح للمسلمين شرب دمه، وقد شربه بعض الصحابة!

حزن الزهراء على أبيها:

ذكر البلا ذُري في تاريخه: أن فاطمة ـ (عليها السلام) ـ لم تُر مبتسمة بعد وفاة النبي ـ (صلى الله عليه واله وسلم) ـ!

كلمة تصعق جبارا!

للإمام علي ـ (عليه السلام) ـ وصية ختمها بقوله: رويداً يسفر الظلام، كأن قد وردت الأظعان، يوشك من أسرع أن يلحق! قال ابن أبي الحديد: استقرأني أبوالفرج محمد بن عباد ـ وأنا يومئذ حَدث ـ هذه الوصية، فقرأتها عليه من حفظي. فلما وصلت إلى هذا الموضع منها، صاح صيحة شديدة وسقط، وكان جباراً قاسي القلب.

بين الحسن البصري وأبي حنيفة:

قال والي العراق عمر بن هبيرة الفزاري للحسن البصري في ملأ من الناس، منهم الشعبي وابن سيرين: يا أبا سعيد، إن أميرالمؤمنين ـ يعني يزيد بن عبدالملك ـ يأمرني بالشئ أعلم أن في تنفيذه الهلكة في الدين، فماذا تقول في ذلك؟

/ صفحه 57/

قال الحسن: ماذا أقول، إن الله مانعك من يزيد، ولن يمنعك يزيد من الله! يا عمر، خف الله، واذكر يوما يأتيك تتمخض ليلته عن يوم القيامة، إنه سينزل عليك ملك من السماء، فيحطك عن سريرك إلى قصرك، ويضطرك من قصرك إلى لزوم فراشك، ثم ينقلك عن فراشك إلى قبرك، ثم لا يغني عنك إلا عملك، فقام عمر بن هبيره باكيا يصطك لسانه. أما أبو حنيفة فقد لجأ إلى التقية، وقد أسعفته براعته في الحيل التي ضرب بالحنفية المثل فيها; وذلك أن الربيع حاجب المنصور ـ وكان لا يحبه ـ قال له ـ في دهليز الخلافة في ملأ من الناس -: إن أميرالمؤمنين، يأمرني بالشئ بعد الشئ من أمور ملكه، فأنفذه وأنا خائف على ديني، فما تقول في ذلك؟ قال أبو حنيفة: فقلت له: أفيأمر أميرالمؤمنين بغير الحق؟ قال: لا! قلت: فلا بأس عليك أن تفعل الحق، ثم قال أبو حنيفة: فأراد أن يصطادني فاصطدته!

التصوف عند ابن حنبل:

قال رجل للإمام أحمد بن حنبل: هؤلاء الصوفية جلسوا في المسجد بلا علم، فقال الإمام: العلم أجلسهم; إن أحدهم يرضى بكسرة، وما أحسن من يرضى من الدنيا بكسرة! فقال: إنهم يرقصون ويتواجدون، فقال: من فرحهم بالله!

يستغفر ثلاثين عاما:

قال السري السقطي: منذ ثلاثين عاما وأنا في الاستغفار من قولي مرة: الحمد لله! قيل له: وكيف ذلك؟ قال: وقع ببغداد حريق، فاستقبلني أحد الناس قائلاً: نجا حانوتك! فقلت: الحمد لله! فأنا نادم من ذلك الوقت على ما قلت، حيث أردت لنفسي الخير دون الناس!

صفة الزاهد:

قالوا: الزاهد الصادق: قوتُه ما وجد، ولباسه ما ستر، ومسكنه حيث أراد، الدنيا سجنه، والقبر مضجعه، والخلوة مجلسه، والاعتبار فكرته، والقرآن حديثه، والرب أنيسه، والذكر رفيقه، والزهد قرينه، والحزن شأنه، والجوع إدامه، والحكمة كلامه، والتراب فراشه، والتقوى رداؤه، والصمت غنيمته، والصبر معتمدة، والتوكل حسبه، والعقل دليله، والعبادة حرفته، والجنة ـ إن شاء الله ـ وطنه!

/ صفحه 58/

بلاغة سورتي النساء والمائدة:

يقول عبدالقاهر: انظر إلى سورة النساء، وبعدها سورة المائدة، الأولى منصوبة الفواصل، والثانية ليس فيها منصوب أصلا; ولو مزجت إحدى السورتين بالأخرى لم تمتزجا، وظهر أثر التركيب والتأليف بينهما!

مزايا الإمام وخصائصه:

يقول ابن أبي الحديد: سبحان من منح هذا الرجل هذه المزايا النفسية، والخصائص الشريفة; أن يكون غلام من أبناء عرب مكة، ينشأ بين أهله، لم يخالط الحكماء، وخرج أعرف بالحكمة ودقائق العلوم الإلهية من أفلاطون وأرسطو، ولم معاشر أرباب الحكم الخلقية والآداب النفسانية، لأن قريشاً لم يكن فيها أحد منهم مشهوراً بمثل ذلك، وخرج أعرف الناس بهذا الباب من سقراط، ولم يُرَب بين الشجعان; لأن أهل مكة كانوا ذوي تجارة، ولم يكونوا ذوي حرب; وخرج أشجع من كل بشر مشى على الأرض; قيل لخلف الأحمر: أيما أشجع، عنبسة وبسطام، أم علي بن أبي طالب؟ فقال: إنما يذكر عنبسة وبسطام مع البشر والناس، لا مع من يرتفع عن هذه الطبقة! فقيل له: فعلى كل حال، قال: والله لو صاح في وجوههما لماتا قبل أن يحمل عليهما!

وخرج أفصح من سَحبان وقس، ولم تكن قريش بأفصح العرب; كان غيرها أفصح منها; قالوا أفصح العرب: جُرهم وإن لم تكن لهم نباهة; وخرج أزهد الناس في الدنيا، وأعفهم، مع أن قريشا ذوو حرص ومحبة للدنيا، ولا غرو فيمن كان محمد ـ (صلى الله عليه واله وسلم) ـ مُربيه ومُخرِّجه، والعناية الإلهية تمده وترفده أن يكون منه ما كان.

ضرب عمر لأبي هريرة:

لما قدم أبو هريرة من البحرين قال له عمر ـ رضي الله عنه ـ: يا عدو الله وعدو كتابه! أسَرقت مال الله تعالى؟ قال أبو هريرة: لست بعدو الله ولا عدو كتابه، ولكنني عدو من عاداهما، ولم أسرق مال الله! فضربه عمر بجريدة على

/ صفحه 59/

رأسه! ثم ثناه بالدرة، وأغرمه عشرة آلاف درهم ثم أحضره فقال: يا أبا هريرة من أين لك عشرة آلاف درهم؟ قال: خيلي تناسلت، وعطائي تلاحق، وسهامي تتابعت! قال عمر: كلا والله! ثم تركه أياماً وقال له: ألا تعمل؟ قال: لا، قال: قد عمل من هو خير منك يا أبا هريرة! قال: من هو؟ قال: يوسف الصديق، قال أبو هريرة: إن يوسف عمل لمن لم يضرب رأسه وظهره، ولا شتم عرضه، ولا نزع ماله! لا والله لا أعمل لك أبداً! وكان عمر يكره قبول الهدية، ومن قوله لابن مسعود: إياك والهدية وليست بحرام، ولكني أخاف عليك الدَّالة!

ذكر الموت:

قال أبو العتاهية:

ستباشر الترباء خدك * * * وسيضحك الباكون بعدك

ولينزلن بك البلى * * * وليخلفن الموت وعدك

وليفنينك مثلما * * * أفنى أباك ـ بِلى ـ وجدك

لو قد رحلت عن القصو * * * ر وطيبها وسكنت لحدك

لم تنتفع إلا بفعل * * * صالح قد كان عندك

وترى الذين قسمت ما * * * لك بينهم حصصا،وكدك

يتلذذون بما جمعت * * * لهم، ولا يجدون فقدك