/ صفحه 96/
من خصائص شعر الشيعة
للدكتور أحمد الحوفي
أستاذ الأدب بكلية دار العلوم
أعتقد أن القارئ في غنى عن التمهيد مهما يكن وجيزا، فالشيعة مذهب إسلامي عريق النشأة. واضح النهج، قوي النزعة، زاخر الإنتاج العلمي والأدبي.
فلأتحدث عن خصائص شعره، مكتفيا بالتمثيل المشير.
1 ـ السياسة الدينية:
دار شعرهم حول نصرة مذهبهم، فكان وثيق الصلة بتفكيرهم وآلامهم وآمالهم.
(1) فهم يشيدون بحبهم لآل البيت، ويجدون في هذا الحب سعادة ومثوبة، ولا يزيدهم اللوم إلا تماديا، كما في قول عبدالله بن كثيِّر:
أيُعدُّ ذنبا أن أحبهم * * * بل حبهم كفارة الذنب
وفي قول أبي الأسود الدؤلي:
أحبهمُ لحب الله حتى * * * أجئ إذا بعثت على هَوَيّا
فإن بك حبهم رشدا أصبه * * * ولست بمخطئ إن كان غيا
(2) ويتفجعون على موتاهم وقتلاهم، ويرثون أنصارهم، كما نجد في رثاء أبي الأسود الدؤلي للإمام علي، ورثاء عبدالله بن الأحمر للحسين، ورثاء هند بنت زيد لحجر بن عدىّ.
(3) ويدللون على استحقاق الشيعة للخلافة، بل على أن الخلافة أو الإمامة منهم وحدهم، بأدلة دينية وعقلية.
/ صفحه 97/
ولا شك أن الكميت زعيمهم في هذا الضرب من المقال، فهو الذي مهد لشعرائهم طريق المحاجة، وفتح لهم أبوابها، وجهر بما كان يختلج في نفوس كثير من الشيعة، كقوله:
يقولون: لم يورث ولولا تراثه * * * لقد شركَتْ فيه بكيل وأرْحبُ
ولا نتشلتْ عضوين منه يحابر * * * وكان لعبد القيس عضو مؤرَّب
كذلك حملوا على الزبيريين، مثل حملة كثير عزة على ابن الزبير لما سجن ابن الحنفية بسجن عارم.
2 ـ غلبة السياسة على شعرهم:
والطابع الذي يغلب على شعرهم هو الطابع المذهبي، ويتبين هذا في شعرهم السياسي، وفي مدائحهم وأهاجيهم ومراثيهم، ومناجاتهم لله، لأن أكثر هذا المدح والهجاء والرثا يصل بهم إلى غرضهم المنشود، وهو الدفاع عن حق الشيعة المسلوب.
وليس من الصواب أن نحكم على شعرهم كله بأنه سياسي مذهبي، لأن بعض شعرائهم قرضوا الشعر في أغراض أخرى.
فالكميت اضطر إلى مدح بني أمية حفاظا على دمه.
وأيْمن بن خُرَيْم الأسدي مدح الأمويين، واتصل بعبد الملك بن مروان، وشخص إلى مصر، ومدح واليها عبدالعزيز بن مروان، ثم تركه إلى الكوفة حيث مدح واليها بشر بن مروان.
وأما السيد الحميري فقد كان متشيعاً صادقاً في تشيعه، وكان يحب آل البيت حباً فيه إخلاص وفيه سذاجة، ما في ذلك شك.
على أنه لم يحد عن تشيعه في العصر العباسي، ولم يستره كله أو بعضه، بل إنه كان يعلن حبه، ويجهر به، ويذيع الدعوة لآل علي.
وكان في الوقت نفسه مداحاً لبني العباس، ينال عطاياهم، وينعم بالقرب منهم، ولا يجد في تقريبهم له إنكاراً لتشيعه، أو محاولة لصرفه عنه.
وليس بعسير تعليل ذلك، فإن السيد الحميري كان مخلصاً لآل علي، وكان مخلصاً لآل العباس معاً، لكن إخلاصه للعلويين كان أعمق وأقوى وأشد، كان علوي
/ صفحه 98/
المذهب أيام بني أمية، وكان يضيق أشد الضيق، ويألم أشد الألم، مما يلقى الشيعة من نكال بني أمية، ويتشوف إلى زوال ملكهم، والقصاص منهم، ويتلهف على أن يرث الشيعة سلطان بني أمية، لأنه حقهم الشرعي المغتصب.
فلما أدال الله من بني أمية، وخلفهم بنو العباس لا بنو علي، أنكر كثير من الشيعة هذا المصير، وانصرفوا عن الدولة الجديدة، وتربصوا بها، وثاروا عليها، ولم ينكر كثير منهم هذا المصير، بل ارتضوه واطمأنوا إليه وأخلصوا له، لأنه حقق ما كانوا يأملون، إذ تقوض صرح بني أمية، وقام صرح بني هاشم.
وقد كان السيد الحميري من هؤلاء الراضين الذين اطمأنوا وأخلصوا لبني العباس، فلم ينقم منهم أنهم استأثروا بالخلافة دون بني علي الذين كان يهواهم، وما زال على هواه إياهم، ولم يبتهج بهم لأنهم غلبوا بني علي على الخلافة، واختصوا بها نفوسهم، بل استبشر بقيام دولتهم، لأنهم من بني هاشم، وقد فازوا على بني أمية، وما علي والعباس إلا فرعان من هاشم، بل فرعان قريبان أشد القرب، وأبناء هذا وأبناء ذاك يتنازعون في أيهم أعظم قرابة من الرسول عليه الصلاة والسلام، وأيهم أحق بوراثته؟ أعمه العباس، أم ابن عمه وزوج ابنته علي؟ فأيهم غلب على الملك، وفاز علي بني أمية كان جديراً بأن يرضى به السيد الحميري، ويخلص له.
على أن هذا التعليل لا يتنافى مع رغبته في عطايا بني العباس، فلو أن الأمر قد صار إلى بني علي لكان له من أموالهم نصيب، ولصار المال الذي يناله منهم غير صالح لأن يعلل به وحده إقباله على مدحهم والدعاية لهم، لأنه من شيعتهم والسلطان ليس لهم، ومن شيعتهم وليس في يده من أموالهم شئ.
3 ـ حرارة العاطفة:
شعرهم حار ملتهب، لأنه تعبير عن عواطف قوية صادقة، وتنفيس عن نفوس مهتاجة ثائرة.
فهم غضاب ساخطون، لأن بني أمية سلبوهم حقهم، وغصبوهم مكانهم، فصورا غضبهم في شعر حانق على الأمويين.
/ صفحه 99/
وهم حزناء كثيرو البكاء مما حل بهم من عسف واضطهاد وتنكيل وتقتيل، شديد والحسرات على حقهم المغصوب، وملكهم المسلوب، لهذا برعوا في تصوير ما نزل بهم من نكبات وأهوال، وبرعوا في الموازنة بين حالهم وهم أصحاب الحق الشرعي، وحال بني أمية وولائهم وهم غاصبون للحكم، ليستثيروا العزائم إلى الثورة.
وهم يحبون آل البيت أقوى الحب وأصدقه، لا يبتغون من حبهم ما ولا جاها ولا عرضا من أعراض الدنيا، وإنمايجدون فيه زلفى إلى الله، وأملا في ثوابه، ويصبرون على ما ينزل بهم من شدائد ومظالم، عقابا لهم على هذا الحب، فلم يزدهم الاضطهاد إلا تماديا في حبهم لآل البيت وتشيعاً لهم.
وعن هذا الولاء الخالص صدرت مدائحهم لزعمائهم من آل البيت.
ملاءمة الأسلوب للباعث:
وأسلوبهم يختلف باختلاف الباعث.
فإذا حملوا على بني أمية جاء أسلوبهم قويا مهتاجا، لأنه يصور حنقهم وثورة نفوسهم، كما نجد في حملات الكميت، وفي قصائد عبدالله بن هشام السلولي، وإذا جنحوا إلى المحاجة والتدليل على استحقاق الشيعة للخلافة أو التبشير برجعة الإمام، كان أسلوبهم هادئا، كما نجد في شعر الكميت وكثير عزة والسيد الحميري.
وإذا صوروا نكباتهم، وبكوا آلامهم، وتحسروا على حقهم المسلوب، جاء أسلوبهم باكيا حزينا، كما نرى في قصيدة الحارث بن عبدالله الجعدي. وإذا مدحوا آل البيت جاء مدحهم جزلا فخما متدفقا، كقول الكميت:
بل هواي الذي أُجنُّ وأبدي * * * لبني هاشم فروع الأنام
القريبين من ندى والبعيديـ * * * ن من الجور في عرى الأحكام
والمصيبين باب ما أخطأ النا * * * س ومُرْسي قواعد الإسلام
والحماة الكفاة في الحرب إن لفَّ * * * ضرامٌ وقوده بضرام
والغيوث الذين إن أمحل الناس * * * فمأوى حواضن الأيتام
هذه لمحة عن بعض الخصائص العامة لشعر الشيعة، أرجو أن أعقب عليها بموازنة بين شعرهم وشعر غيرهم من الذين عاصروهم حيناً من الزمن.