/ صفحه 118/
أنا اللّغة
أو
الصراع بين القديم والجديد
لصاحب الفضيلة الشيخ علي محمد حسن العماري
المدرس بالأزهر
ـ 6 ـ
لم يكن الشاعر المحدث المغرور أول من شمخ بأنفه، وغالى بنفسه في موضع لا مكان فيه للمغالاة بالنفس، وصاح ((أنا اللغة)) بل سبقه إلى هذه الكلمة وأشباهها شعراء آخرون، بعضهم قالها في هدوء واستحياء، وبعضهم قالها مع صخب ولجاجة.
وربما كان أول من قالها ـ فيما أعلم ـ همام بن غالب الملقب بالفرزدق، الشاعر التميمي المشهور. فقد كان يخطئ في قواعد اللغة، ويرسل شعره دون تهيب من علماء اللغة الذين وقفوا له بالمرصاد يعدون عليه غلطاته، ويعاسرونه عليها الحساب، وقف عبدالله بن أبي إسحق الحضرمي عند قوله:
إليك أميرالمؤمنين رمت بنا * * * همومُ المنى والهوجلُ المتعسِّف
وعضُّ زمان يابن مروان لم يدع * * * من المال إلا مُسْحتاً أؤ مجّلف
وسأله: علام رفعت ((مجلف)) فأجاب لافرزدق إجابة المتعالي الضائق الصدر وقال لسائله: على ما يسوءك وينوءك.
وتكرر منه الخطأ، وتكرر من العلماء الإنكار عليه، ومطالبته ببيان الوجه الذي ذهب إليه في بعض ما قال فقذفها في وجوههم كلمة لا تختلف في كثير أو قليل عن كلمة صاحبنا الشاعر المحدث، قال الفرزدق للمنكرين عليه من علماء اللغة والنحو: علىَّ أن أقول وعليكم أن تحتجوا.
/ صفحه 119/
أليست هذه العبارة كعبارتنا التي نناقشها منذ شهور تعلن أن اللغة طوع ألسنة هؤلاء القائلين، وأنهم المتصرفون فيها كما يشاءون، ولو رغم أنف اللغويين والنحويين؟
بلى، وهي في الوقت ذاته انطلاق في آفاق مجهولة لا يقف السائر فيها عند حاجز يحجزه، أو قانون يرده عن غايته، ولا منار يهديه إلا ادعاؤه أنه بلغ من كمال القوة اللغوية ما يجعله حرا في أن يخلق ما يشاء من أوضاع اللغة، ثم يجمح به الخيال والغرور فيرى أن من حقه على الناس أن يتقبلوا كل ما يجئ به، لأنه ـ على الأقل ـ أولى بالاتباع من الأعرابي الذي يأكل الشيح والقيصوم، وهو ـ على حد تعبير بعضهم ـ شخص مجهول لا يعرفنا ولا نعرفه، أما الشاعر المعاصر، أو الشاعر القديم الذي يعرفنا ونعرفه فهو جدير بأن نتقبل قوله... هكذا يجادل بعض النقاد الكبار في شأن اللغة.
ولا شك أن أفرادا آخرين من الشعراء بعد الفرزدق رددوا هذه الكلمة، واتخذوها قانوناً لهم، ولعل من أشهرهم: أبا تمام حبيب بن أوس الطائي، وإن كنت لم أقرأ في تاريخه كلمة تشبه كلمة الفرزدق، لكني رأيته في بعض ما يجيب يشير إلى معنى هذه الكلمة.
سأله عالمان جليلان، وناقدان بصيران(1) بالشعر بعد سماع بعض قصائده: لم لا تقول ما يفهم؟ فأجابهما: وأنتما، لم لا تفهمان ما يقال؟
ومضى أبو تمام يحوك وشيه، ويخترع معانيه، وفي سبيل ذلك لا يبالي أحداً من اللغويين أو النحويين، ولا يعبأ باللحن في اللغة، ولا بقوانين الخليل بن أحمد في العروض، ولا بموازين النقاد في الأساليب، حتى قال المنتصرون للبحتري عن لحن أبي تمام إنهم لو راموا أن يخرجوه من شعره لكثر ذلك واتسع، ولوجدوا منعه ما يضيق العذر فيه، ولا يجد المتأول له مخرجا منه إلا بالطلب والحيلة والتمحل الشديد.
ــــــــــ
(1) هما أبو سعيد الضرير، وأبو العمثيل الأعرابي، وكانا من أعلم الناس بالشعر، وكان عبدالله بن طاهر والي خراسان رسم ألا ترفع إليه قصيدة حتى تعرض أولا عليهما، فلما قصده أبو تمام وسمعا قصيدته أنكرا عليه، وأجابهما بما أجاب.
/ صفحه 120/
ومن علمائنا المحدثين من يلتمس العذر لأبي تمام، ولكنه لا يلتمسه في تأويلات النحويين، وتخريجات أهل اللغة، وإنما يلتمسه في حق الشاعر أن يخالف قواعد اللغة، وأنه إذا كان من السائغ في الكوفة والبصرة في القرن الأول الهجري أن يحرم على الشاعر أن يتصرف في اللغة، فليس ذلك سائغاً ولا مقبولا في بغداد في القرن الثالث، بل إنه يظن أننا ((أصبحنا نعتقد اللغة ملكا لكل شاعر وكل كاتب، فهو ـ إذن ـ يجب أن يصرفها لا أن تصرفه)).(1)
وهذا الكاتب هو الذي نعى على شعراء المهجر أنهم حين آنسوا ضعفهم في اللغة اتخذوا هذا الضعف مذهبا.
وملكية الشعر للغة هي بعينها كلمة أصحابنا ((أنا اللغة)) وقد غبر أبو تمام حياته ينظم وهو يعتقد أن اللغة ملكه، ولكنه لم يصرح بذلك حتى جاء القرن العشرون فإذا كبير من باحثيه يتطوع بها لأبي تمام.
وعلى الرغم من أن الفرزدق ثار في وجه العلماء، وتصرف في بعض أشعاره في اللغة، إلا أن الخصومة العلمية لم تقم حول جديده وقديمه، لأن الرجل لا جديد له يمكن أن يقال إنه خرج به عن عمود الشعر العربي، وكل ما ثار عليه من جدل يتمثل في تقديمه على جرير أو تقديم جرير عليه.
وجاء مسلم بن الوليد بجديد من أسلوب الشعر هو ما سمي بالبديع، وجاء أبو نواس بجديد، ونعى على العرب بكاءهم الأطلال في أول قصائدهم، وكان في حلبة مسلم بن الوليد بشار بن برد وغيره من شعراء البديع، ولكن الخصومة لم تثر حول واحد من هؤلاء، وإنما ثارت حول واحد فقط، واشتدت وعنفت هو أبو تمام.
ويرى الدكتور محمد مندور أن الخصومة لم تنشأ حول مذهب أبي نواس، لأن دعوته ((لم تعد أن تكون محاذاة للشعر القديم، والمحاذاة أخطر من التقليد، وذلك لأننا كنا نفهم أن يدعو إلى نوع جديد من الشعر، وأما أن يحافظ على الهياكل القديمة للقصيدة، مستبدلا ديباجة بأخرى... فذلك ما لا يمكن أن يعتبر خلقا لشعر جديد)).(2)
ــــــــــ
(1) من حديث الشعر والنثر: ص 176 للدكتور طه حسين.
(2) النقد المنهجي: ص 73.
/ صفحه 121/
أما أبو تمام ((فإنه ـ كما يقول صاحب الوساطة ـ حاول من بين المحدثين الاقتداء بالأوائل في كثير من ألفاظه، فحصل منه على توعير اللفظ، فقبح في غير موضع من شعره، فقال:
فكأنما هي في السماع جنادل * * * وكأنما هي في القلوب كواكب
فتعسف ما أمكن، وتغلغل في التصعب كيف قدر، ثم لم يرض بذلك حتى أضاف إليه طلب البديع فتحمله من كل وجه، وتوصل إليه بكل سبب، ولم يرض بهاتين الخلتين حتى اجتلب المعاني الغامضة، وقصد الأغراض الخفية، فاحتمل فيها كل غث ثقيل، وأرصد لها الأفكار بكل سبيل، فصار هذا الجنس من شعره إذا قرع السمع لم يصل إلى القلب إلا بعد إتعاب الفكر، وكدّ الخاطر، والحمل على القريحة، فإن ظفر به، فذلك بعد العناء والمشقة، وحين حسره الإعياء، وأوهن قوته الكلال، وتلك حال لا تهش فيها النفس للاستماع بحسن، أو الالتذاذ بمستظرف، وهذه جريرة التكلف)).(1)
وإنما سقت هذه الفقرات لأنها على وجازتها خير جماع رأي خصوم أبي تمام، وسر الحملة العنيفة التي أثارها ضده المتعصبون عليه من علماء اللغة، وعلماء النحو، والأدباء المحافظين، والشعراء المتحاملين، والنقاد الذين يتمتعون بذوق عربي سليم، ومن هؤلاء وأولئك ابن الأعرابي والأصمعي والمبرد والمرزباني والآمدي ودعبل بن علي الخزاعي الذي أسقط أبا تمام من قائمة الشعراء في كتابه الذي ألفه في الشعر وكان يقول: لم يكن أبو تمام شاعرا، وإنما كان خطيبا.(2)
وقد بلغ من تعصب ابن الأعرابي على أبي تمام أن قال وقد أنشد شعراً لأبي تمام: إن كان هذا شعراً فما قالته العرب باطل، ويروى: إن كان الشعر ما يقوله أبو تمام فليس معنا منه شئ، وإن كان الشعر ما تقوله العرب فليس مع أبي تمام منه شئ. بل كان يكره أن يروي له شعراً أو يسمع اسمه.
ــــــــــ
(1) الوساطة بين المتنبي وخصومه ص: 19. ط: الحلبي.
(2) الموشح للمرزباني: ص 304.
/ صفحه 122/
وكان الأصمعي الذي يقول فيه بعض الأدبار الكبار: ما رأيت أحداً قط أعلم بالشعر من الأصمعي ولا أحفظ لجيده، كان هذا شديد التعصب على المحدثين، وكان شديد التبرم بالخطأ الذي يقع في أشعارهم، حتى لقد روي عنه أنه قال: كنا نظن الطرماح شيئاً حتى قال:
وأكره أن يعيب على قومي * * * هجائي الأرذلين ذوي الحِنات
لأنها إحنة وإحن، ولا يقال: حنات، فأسقط شاعراً أموياً مشهوراً لأنه أخطأ في كلمة، ولو أردنا أن نعرف رأيه في أبي تمام على هذا القياس لقلنا: إنه كان لايعد أبا تمام إنسانا!
كأن تهمة أبي تمام الأولى أنه خرج عن عمود الشعر العربي، وأن كلامه لا يشبه كلام الأوائل، ومن هنا أبغضه المحافظون.
ولعل مفتاح المسألة عندي أبيات قالها أبو تمام يتحدث فيها عن الشعر، جاء في مدحه لأبي دلف القاسم بن عيسى العجلي:
إليك أرحنا عازب الشعر بعد ما * * * تمهل في روض المعاني العجائب
غرائب لاقت في فنائك أنسها * * * من المجد فهي الآن غير غرائب
ولو كان يفنى الشعر أفناه ما قرت * * * حياضك منه في العصور الذواهب
ولكنه صوب العقول إذا انجلت * * * سحائب منه أعقبت بسحائب
فأبو تمام يريح (عازب الشعر) وقصائده (غرائب) وهي (صوب العقول) لا وليدة العواطف.
في هذه الأمور الثلاثة يكمن السر في تجديد أبي تمام.
نشأ أبو تمام بمصر، وكان ـ كما يقال ـ يسقي الماء بجامع الفسطاط، وفي هذا الجامع آنذاك حركة علمية ناشطة، يجلس فيه العلماء، ويفد إليه المتعلمون، ويحتدم الجدل والمناقشات حول مسائل كثيرة، وما من شك في أن أبا تمام الغلام الذكي المغترب جلس إلى هذه الحلقات، وأخذ كثيراً منها، وحين رجع إلى بغداد وجد حركة علمية واسعة النطاق، وجد المترجمين ينشطون بتشجيع الخلفاء والولاة
/ صفحه 123/
والوزراء في ترجمة كثير من الكتب اليوناينة والفارسية، حتى قيل إنه لم يبق علم من العلوم التي ألف فيها الهنود والسريان والفرس واليونان إلا ترجم منها في العلم الواحد الكتاب أو الكتابان أو الثلاثة، ما عدا السحر وعبادة الأوثان.
كان ذلك في عصر المأمون، وفي هذه الفترة وما وليها عاش أبو تمام في بغداد، وكان حريصا على القراءة والدرس، فتثقف ثقافة واسعة، ويروي ابن المعتز عن محمد بن قدامة أنه قال: دخلت على حبيب بن أوس بقزوين وحواليه من الدفاتر ما غرق فيه فما يكاد يرى، فوقفت ساعة لا يعلم بمكاني لما هو فيه، ثم رفع رأسه فنظر إلى وسلم علي، فقلت له: يا أبا تمام إنك لتنظر في الكتب كثيرا، وتدمن الدرس فما أصبرك عليها، فقال: والله، مالي إلف غيرها، ولا لذة سواها، واني لخليق إن أتفقدها أن أحسن.(1)
وما زال أبو تمام يعب من هذه الدفاتر وأمثالها حتى أطلق عليه الناس لقب ((العالم)).
ويبدو أن ذاكرته كانت قوية، حتى قيل إنه كان يحفظ أربعة عشر ألف أرجوزة للعرب، غير المقاطيع والقصائد.(2)
بهذه الثقافة الواسعة دخل أبو تمام رياض الشعر فظهر أثر هذه الثقافة في شعره، وبذلك بعد عن الطبع، ذلك أن الشعر إذا صدر عن وعي لم يكن شعرا، فهو ربما أرضى العقل، ولكنه لا يرضي العاطفة، وهل الشعر إلا عاطفة؟!
ولنرجع إلى كلمة صاحب الوساطة لنرى ما عابه المحافظون على أبي تمام، وما جعلهم من أجله يتعصبون عليه، ويحاولون إسقاطه.
كان أبو تمام يحاول الاقتداء بالأوائل، فيأتي بألفاظهم، وينسج على منوالهم، وتلك طريق كثيرة العثار، فإن الشعر إذا أصبح صنعة يصنع كما تصنع الثياب على حذو ثياب أخرى بعدت عن الطبع، وبذلك يقل ماؤها، ويغيض رواؤها، رووا أن أبا تمام سمع أرجوزة أبي نواس التي مدح بها الفضل بن الربيع (وبلدة
ــــــــــ
(1) طبقات الشعراء لابن المعتز: ص 284.
(2) معاهد التنصيص: ج 1 ص 38: ط. السعادة.
/ صفحه 124/
فيها زور) فاستحسنها وقال: سأروض نفسي في عمل مثلها، فجعل يخرج إلى الجنينة ويشتغل بما يعمله، ويجلس على ماء جار، ثم ينصرف بالعشي، حتى فعل ذلك ثلاثة أيام، ثم خرق ما عمل، وقال: لم أرض ما جاءني.
فهذه المعاناة الشديدة، وذلك الاحتفال الغريب لتقليد أرجوزة أبي نواس لا يمكن أن تخرج شعراً عليه طلاوة الطبع، وسماحة الفطرة، بل هي جديرة أن تقوده إلى الألفاظ الوعرة، والكلمات الوحشية، والتعقيد والكزازة، وذلك ما كان في جزء كبير من شعر أبي تمام.
وقد قال الآمدي: إن أبا تمام رأى بعض الكلمات الغريبة التي لم يستعملها الأوائل إلا نادرا فأحب ألا تفوته، فأكثر منها في شعره، وهي كلمات لم يعرف الأصمعي معناها.(1)
وكان أبو تمام ربما سئل عن بعض المعاني فيرشد إلى الموضع الذي أخذها منه، وكانت رغبته في الإغراب ربما دعته إلى استعمال ألفاظ مستكرهة يستعاذ بالله منها، فهي ـ كما يقول المرزباني ـ من الغريب المصدود عنه، وليس يحسن من المحدثين استعمالها، لأنها لا تجاور بأمثالها، ولا تتبع بأشكالها، فكأنها تشكو الغربة في كلامهم!
ومن غرام أبي تمام بالإغراب أنه بكر باستعمال مصطلحات العلوم، وربما كان أول شاعر ذهب هذا المذهب، وما كنت أظن أن شاعرا قديما كأبي تمام يقصد إلى هذا النحو من التعبير، رأيت ذلك في قوله في الخمر:
لقد تركتني كأسها وحقيقتي * * * مجاز، وصبح من يقيني كالظن
ففي أوائل القرن الثالث لم تكن كلمتا الحقيقة والمجاز قد شاعتا، بل إن المجاز الذي عرف في كتاب أبي عبيدة معمر بن المثنى المتوفى سنة 211هـ، وفي ((معاني القرآن)) للفراء المتوفى سنة 207هـ، لم يكن مجازا بالمعنى الذي شاع فيما بعد عند علماء البلاغة، والغريب حقا هو قرن المجاز بالحقيقة في هذا البيت.
ــــــــــ
(1) الموازنة: ص 243. ط: محي الدين.
/ صفحه 125/
و((البديع)) لعله يحمل العبء الأكبر في فساد شعر أبي تمام، فقد قالوا: أول من أفسد الشعر بالبديع مسلم بن الوليد، ثم اتبعه أبو تمام، واستحسن مذهبه وأراد ألا يخلو بيت من شعره من بعض هذه الأصناف، فسلك طريقاً وعرا، واستكره الألفاظ والمعاني ففسد شعره.
وبذلك خالف الأوائل، فإن الشاعر منهم كان يقول من هذا الفن البيت في القصيدة، وربما قرئت من شعر أحدهم قصائد من غير أن يوجد فيها بيت بديع وكان يستحلي ذلك منهم إذا أتى نادرا، ويزداد حظوة بين الكلام المرسل.(1)
وكان أبو تمام متأنقا في كل شئ حتى في مطعمه وملبسه، فسرى حب التأنق إلى فنه، ولكنه تنكب الطريق الصحيح فأثقل شعره بالبديع فكرهه أصحاب الأذواق العربية السليمة.
وقد أعجبتني كلمة للآمدي في وصف شعر أبي تمام تعبر أقوى تعبير، وتعرب أتم إعراب عما يجده القارئ لأبيات البديع، وصف الآمدي هذا الشعر بقوله: ذهبت طلاوته، ونشف ماؤه، فهذه الكلمة الأخيرة ((نشف ماؤه)) من أدق ما يقوله ناقد نفاذ في وصف أبيات البديع التي بناها أبو تمام، فإنما الشعر رونق وطبع وماء كماء الشباب في خدود الغيد الحسان.
والكلام المطبوع سهل عذب، وله ماء ورقة وحلاوة، أما الكلام المتكلف فمعقد كز، وجاس غليظ، وهكذا كان بعض شعر أبي تمام.
وطبيعة الشعر القديم تميل إلى السهولة والقصد إلى المعنى، والاعتدال في الأحكام، أما الإسراف والمبالغة فمن طرائق المحدثين.
ولذلك نجد المحافظين من الشعراء والعلماء يفضلون الشعر القديم، لأنه جاء عن طبع وإسجاح، كما يفضلون الشعراء الذين يسيرون على نهج القدماء، ولذلك كانوا يفضلون البحتري ويقدمونه على أبي تمام، لأنه حسن العبارة، حلو الألفاظ، صحيح المعاني.
ــــــــــ
(1) البديع لابن المعتز: ص 16. ط: الحلبي.
/ صفحه 126/
ثم عاب الجرجاني على أبي تمام كما عابه من سبقوا الجرجاني بأنه اجتلب المعاني الغامضة، فاحتمل فيها كل غث وثمين، وذلك ولا شك من أثر صدور الشعر عن فكر، وعقل، ووعي، والشعر لمح تكفي إشارته، ويغني عن شعره كذبه، ومن الخطأ أن يخضع للمنطق ـ كما يقول الشاعر البحتري ـ.
وقد سمع أعرابي قصيدة أبي تمام التي مطلعها:(طلل الجميع لقد عفوت حميدا) فقال: إن في هذه القصيدة أشياء أفهمها، وأشياء لا أفهمها، فإما أن يكون قائلها أشعر الناس، وإما أن يكون جميع الناس أشعر منه.
وقد دافع بعض الكتاب المحدثين عن غموض المعاني عند أبي تمام، ورأى أنه ليس على الشاعر أن ينزل إلى الجمهور، وإنما على الجمهور أن يرتفع إلى الشاعر، والشعر حين يرقى ويصبح ترفاً يكون للمثقفين ثقافة عميقة دون العامة.(1)
وقد أطال في هذا الدفاع، ولكن الكلمة الوحيدة التي ينبغي أن تقال هنا، إن الشعر لم يكن يوماً من الأيام فصلا من فصول الثقافة، ولا كان وسيلة لإرضاء العقل، وتزويده بما يريد أن يتزود.
وإذا كان النقاد في القرن الثالث، وفي القرن الرابع قد سخطوا شعر أبي تمام، أو على وجه الدقة بعض شعره، فإننا لا نزال وقد امتد بنا الزمن نشعر بمثل ما كانوا يشعرون به حين نقرأ شعر أبي تمام.
فلا زلنا ننكر هذه الاستعارات البغيضة التي أسرف أبو تمام في إثقال شعره بها، ولا زلنا ننكر المعاني الغامضة التي لا تفهم إلا بعد العناء والمشقة في استخراجها.
وأحب أن أقول بعد هذه المرحلة القصيرة إن الإسراف كان طابع الخصومة حول أبي تمام، وإن للرجل شعراً لا يعلوه شعر غيره من معاصريه، وقد أنصف علي بن عبد العزيز الجرجاني صاحب الوساطة إذ قال بعد أن ساق عباراته التي
ــــــــــ
(1) الدكتور شوقي ضيف في كتابه:((الفن ومذاهبه في الشعر العربي)) وقد كتب فصلا رائعا عن أبي تمام، لكنه أراد نفسه على أن يحتج له، ويشيد بما أنكره النقاد وهو ـ فيما أعتقد ـ دفاع العالم، ونحن إنما يعنينا دفاع الأديب.
/ صفحه 127/
صدرنا بها هذا البحث:((ولست أقول هذا غضا من أبي تمام، ولا تهجيناً لشعره، ولا عصبية عليه لغيره، فكيف وأنا أدين بتفضيله وتقديمه، وأنتحل موالاته وتعظيمه، وأراه قبلة أصحاب المعاني، وقدوة أهل البديع)).
فالفرق واضح بين موالاة الرجل، وذكر الحق في شأنه، فما من شك في أن أبا تمام أساء في كثير من استعاراته، وفي كثير من أبياته التي أكثر فيها من ألوان البديع، أما حين يترك نفسه لسجيتها، ويستجيب لطبعه فإنه يبلغ القمة في حسن التعبير والتأثير، ألا يعجبنا قوله:
أعوام وصل كاد ينسى طيبها * * * ذكرُ النوى فكأنها أيام
ثم انبرت أيام هجر أردفت * * * نحوي أسى فكأنها أعوام
ثم انقضت تلك السنون وأهلها * * * فكأنها وكأنهم أحلام
ولو أن أبا تمام أنصف نفسه فأسقط من شعره ما كان يرى أنه ردئ لسلم شعره من شر كبير، ولكنه كان يعرف البيت الردئ فيبقى عليه، ويحتج بأن شعر الرجل مثل أبنائه يكون منهم القبيح المتخلف فهو يعرف أمره، ويرى مكانه، ولا يشتهي أن يموت.
ولو أن خصوم أبي تمام لم يسرفوا في عداوتهم له لقد كانوا وجدوا أنصاراً كثيرين، فإن الحق معهم في كثير مما عابوه عليه، ولم يكن من حقه أبداً أن يقول:((أنا اللغة)).
ولو أن أنصار هذا الشاعر اقتصدوا في تعصبهم له، والتزموا الجادة عند تفضيله على غيره، واعترفوا بما يعلمون في شعره من اقتسار للألفاظ والمعاني أحيانا، لو أنهم فعلوا ذلك لا تبعهم كثير من النقاد، لأن الإنصاف يحبب الناس في المنصفين، واتباع الحق يشرح الصدور للنصرة والموالاة، ولما قابل المنحرفون عن أبي تمام إفراطاً بإفراط فبخسوه حقه، واطرحوا إحسانه، ونعوا سيئاته، وقدموا عليه من هو دونه ـ كما يقول الآمدي ـ.
ولكن الرجل كما ابتلي بتسلط نفسه عليه، ابتلي كذلك بأنصاره وخصومه على السواء.
/ صفحه 128/
لم أكثر من الاستشهاد لما أخذ النقاد على أبي تمام، لأن ذلك قريب من القارئ لو أراد، فما هو إلا أن ينظر في كتاب الموازنة للآمدي، أو كتاب الموشح للمرزباني، حتى يجد من ذلك شيئاً كثيراً.
ومع ذلك فلا نغفل هنا بعض ما يناسب هذا الحديث.
ولعل أول ما يدل على الصنعة في الشعر، ومجافاة الطبع أن يجئ الشعر غير مُستو، ويتفاوت تفاوتاً شديداً، وهكذا كان شعر أبي تمام فجيده لا يتعلق به جيد غيره، ورديئه ـ كما عبر بعضهم ـ ((بحر من القاذورات)).
وأشد التفاوت قبحاً ما كان في البيت الواحد.
حدث بعض الرواة قال: دخل المؤمل بن أميل المحاربي مسجد الكوفة في يوم جمعة، وقد نمى إلى الناس خبر وفاة المهدي، وهم يتوقعون قراءة الكتاب عليهم بذلك، فقال رافعاً صوته:
(مات الخليفة أيها الثقلان)
قال فقال جماعة من الأدباء: هذا أشعر الناس; نعى الخليفة إلى الجن والإنس في نصف بيت، وأمده الناس أبصارهم وأسماعهم متوقعين لما يتم به البيت فقال:
(فكأنني أفطرت في رمضان)
قال: فضحك الناس به، وصار شهرة.
ولأبي تمام من هذا اللون أبيات، من ذلك قوله في مدح قوم:
كانوا رداء زمانهم فتصدعوا * * * فكأنما لبس الزمان الصوف
فقد تفاوت هذا البيت أشد التفاوت بين الإساءة والإحسان، ذلك أنه ابتدأ ابتداء رائعاً، فجعل هؤلاء القوم زينة الزمن، وكفاة العاني، وأمان الخائف، ثم شعبتهم شعوب فتفرقوا، وتعرى الزمن، وفقد أهله العون والنصير، وقد ذكر ذلك في أروع عبارة، وأفخم لفظ، فلما جاء للشطر الثاني أدركه كلال الطبع، وسوء التصرف، فجاء الشطر متهافتاً يكاد يسقط إعياء، وحسبنا أن نتخيل هذه الصورة (زمن يلبس الصوف).
/ صفحه 129/
ومن الأمثلة التي ذكرها الآمدي في العيب على أبي تمام، وعلق عليها تعليقاً لطيفاً هذا البيت:
جارى إليه البينُ وصلَ خريدة * * * ماشت إليه المطلَ مَشيَ الأكبد
فقد عده من ردئ الاستعارات وقبيحها، وقال في شرحه: الهاء في ((إليه)) راجعة إلى المحب، يريد أن البين ووصل الخريدة تجاريا إليه، فكأنه أراد أن يقول: إن البين حال بينه وبين وصلها، واقتطعها عن أن تصله، وأشباه هذا من اللفظ المستعمل الجاري; فعدل إلى أن جعل البين والوصل تجاريا إليه، وأن الوصل في تقديره جرى إليه، يريد فجرى البين ليمنعه فجعلهما متجاريين، ثم أتى بالمصراع الثاني بنحو من هذا التخليط فقال:(ماشت إليه المطل مشي الأكبد) فالهاء هنا راجعة إلى الوصل: أي لما عزمت على أن تصله عزمت عزم متثاقل مماطل، فجعل عزمها مشياً، وجعل المطل مماشياً لها.
ثم قال الآمدي بعد هذا الشرح:
فيامعشر الشعراء والبلغاء، ويا أهل اللغة العربية: خبرونا كيف يجاري البين وصلها؟ وكيف تماشي هي مطلها؟ الا تسمعون؟ الا تضحكون؟
ولا عجب أن يضيق صدر هذا الناقد الذواقة بمثل هذه الاستعارات التي لا يمكن الدفاع عنها إلا مع التعسف والشطط، والتنكر لكل القيم الجمالية في الأدب.
أراد هذا الشاعر أن يجدد، ولا يمكن لإنسان أن يقف في تيار التجديد، لأنه طبيعة الزمن، ولكن ينبغي أن يحذر كل من يريد التجديد من عثرات الطريق، ومن خداع النفس والحس، ومن الغرور الذي يخيل إليه أن اللغة طوع يمينه، وأن الناس، أدباءهم ونقادهم، أهون من أن يقفوا في طريقه.
وهذا أبو تمام ركب رأسه في أكثر من ثلث شعره فهجنه، وأذهب ماءه، وألب الناس عليه، وتلك عقبى الإفراط، وثمرة الإسراف.