/ صفحه 134/
الفن الإسلامى
بين الفنون الانسانية
لفضيلة الأستاذ العالم الرسام عبد المجيد وافي
المدرس بالازهر
الحديث عن الفن في الاسلام يستدعي أن أقدم بين يديه تعريفاً بالفن و تنوعات التعبير و الاساليب التي زاولها الفنانون قديماً و حديثاً، حتى يمكن بعد ذلك الحاق جوانب الانتاج فى الفن الإسلامي بمثيلاتها من فنون الامم الاخرى، أو بيان جهة التميز و الانفراد، و اظهار مكانتها بين قيم الابداع الانساني.
فالفن: كلمة أصبحت تطلق على كل عمل ابداعي أنتجه واحد أو جماعة من الناس، و المراد بالابداع اتقان العمل و اختصاصه بجانب من جوانب الجمال التعبيري، الصادر عن ادراك حساس، ينفرد بحساسية عن ادراك العامة أو الجماهير.
و بذلك يكون الفن عنواناً على كل ما حقق ذلك التميز، من شعر الشعراء و ألحان الموسيقيين، و انعكاسات عدسات المصورين، و الزخارف و التماثيل و الرسوم والنقوش، في مجال التعبير عن انفعال الفرد أو الجماعة بما حولهم، إذ لا يكون فنا ما يفعله بعض الناس بدعوى الفن، مغرقين في فرديتهم و بعدهم عن مدركات و احساس الجماعات على اختلاف مستوياتها الثقافية.
ومن واقع ما تركه لنا التاريخ البشري و ما خلفته الحضارات، كان العمل الفني اما تحفة أو طرفة مستقلة بالتأثير الجمالى في ذاتها، أتمها الفنان بدافع شخصي، أو مكلفاً ممن يحب اقتناء التحف و الطرف، و عاشت لتحكي ابداع اليد الصناع و آثار البيئة و العصر على انفعال المتفنن.
/ صفحه 135/
و قد لاينفرد العمل الفني بذاتة، ولكن يدخل في تصميم معماري أو تكوين وحدة في صناعة من الصناعات، و هو مع ذلك لايفقد قيمته الجمالية، بل يرفع من مستوى الجمال لما احتواه في تكوينه.
و الحديث هنا تضيق دائرته على حدود الفن التشكيلي، حتى لا يتشعب الأمر، و نقتصر على أنواع الفنون التي اعتمدت اللون و الاحجام و التخطيط كوسائل للتعبير و قد سميت تشكيلية لانها في تنوعها و اختلافها انما تمثل أشكالا ذات أبعاد كالتماثيل و العمارة، أو أشكالا متخيلة الابعاد كالصور و الرسوم:
و الفن الإسلامي الذي حوت المتاحف كثيراً من راوئعه، كما نرى آياته ماثلة في صروح المساجد و مخلفات القصور، أحاط بكل هذه الانواع، و أخذ بكل أساليب التعبير و انفرد بنوع معين لم تشاركه فيه الفنون الاخرى، ذلك هو استخدام الكتابة كوحدة من وحدات الزخرف في العمارة، أو تزيين التحف و الطرف.
وذلك واضح في استعمال الكتابة الكوفية بأشكال كثيرة تنوعت على مر العصور الاسلامية; فاستعملت الحروف المجردة، في أوائل العصور الاسلامية، مثل الكتابات الباقية من العصر الاموي على جدران قبة الصخرة، و كتابات المصاحف الاولى، و ما وجد على شواهد القبور قبل العصر الطولوني، ثم دخلتها الزخارف و تضفير القوائم في أشكال نباتية أو هندسية، كما في الكتابات الفاطمية و المملوكية و الاندلسية، و كوفي المربعات الفريد في بابه.
و كذلك صور الطيور و الحيوانات المرسومة تكويناً من كتابة الحكم أو الايات أو الاحاديث و التي انتشرت في العصر التركي و نهاية العصر المملوكي.
* * *
و إذا كانت الحفريات و بحوث الاثريين قد كشفت عن الكثير من مخلفات الانسان منذ العصر الحجري حتى الان، كرسوم الكهوف التي لا تكاد تختلف في شيء عن رسوم البدائيين المعاصرين من سكان استراليا و ايريان الغربية.
و روائع العصور الفرعونية، و بلاد الاغريق، و فنون الرومان و الفرس، و مخلفات الازتيك والانكا في أمريكا... الخ.
/ صفحه 136/
و حقق العلماء و الباحثون قيمتها من ناحية الاصالة الفنية و مدى صدق الابداع و التعبير، كما ربطوا بين ما اكتشف و واقع حياة الشعوب، و استخلصوا منها دقائق التاريخ و تطور البشرية، الاجتماعي و الثقافي
فان الحضارة الاسلامية التي سلخت من عمرها ثلاثة عشر قرناً ونيقاً، و غطت مساحة من الكره الارضية بدأت من الجزيرة العربية - مشرق الدعوة الاسلامية - إلى ما وراء الهند حتى حدود الصين شرقاً، و إلى المحيط الاطلسي غرباً.
لم تتخلف عن غيرها من الحضارات في جانب الفن، بل قد امتازت عنها في تنوع انتاج الشعوب الاسلامية تنوعاً كبيراً، و ظلت رغم هذا التنوع محتفظة بوحدة الطابع، حتى ليستطيع أى فرد له حظ من ثقافة أن ينسبها إلى معينها و هى الحضارة الاسلامية و هذا أمر لم يتوفر لاي انتاج فني في تاريخ الحضارات.
تنوع الانتاج:
و الاعمال الفنية، في مختلف عصور التاريخ الانساني، و بين الشعوب المعاصرة، تنسب إلى طائفتين من الفنانين:
(الف) الفنان المتخصص الذي تفرغ لعمله الفني و احترفه، فأنتج عمله بدافع من رغبة خاصة أو تكليف، و لا يمنع ذلك أن يكون بين أعماله ما جاء نتيجة لانفعال ذاتي، أو وحي موضوع، أو تأثير البيئة.
و تلك الاعمال عرفت بين المشتغلين بالفنون و الاثار بـ ((الفن التقليدي)).
و في كل بلد أخذ بقسط من الحضارة متحف أو متاحف تضم الكثير من هذه الاعمال منسوبة إلى عصورها أو صانعيها، ويهتم كل متحف منها بتدوين دراسات مبسطة عن تاريخ هذه الاعمال و قيمتها، و دراسات مفصلة للمتخصصين تثبتها في مستوياتها بين غيرها من البدائع.
(ب) الفنان الذي كانت له دراية أو قدر من ثقافة فنية لكنه لم يحترف الفن و لم يتفرغ له، و كثيراً ما تكون أعمال هذا النوع من الفنانين بدافع من الانفعالات الخاصة أو تأثيرات البيئة.
/ صفحه 137/
أو عامل اشتغل بتنفيذ الاعمال الفنية بتوجيه من مهندس أو معلم، فاكتسب مهارة أعطته مقدرة على انفراد بأعمال معينة بعيداً عن توجيهات المعلم أو تصميمات المهندس منفعلا بالتفكير الخاص أو البيئة.
و تلك الاعما عرفت بين المشتغلين بالفنون و نقدها بـ ((الفن الشعبي)):
و قد عرف هذا النوع لكثير من الشعوب، و خلفت الحفريات نماذج رائعة من الفنون الشعبية أخذت عناية خاصة من الباحثين لارتباطها بالتقاليد و العادات و الاساطير الشعبية في كثير من الاحيان.
* * *
و الفن التقليدي يتميز بارتباطه بأصول معينة، و خضوعه لقواعد ترسخ بارساء الاساتذة و المتفننين، تتفرع على مر الايام إلى مدارس و مذاهب.
بل وقد تنتقل من بيئة إلى أخرى ملقية عليها بتأثيراتها و خصائصها، كما حدث بين الفن الاغريقي و الروماني قديماً، و ما يحدث في مدارس التصوير و الرسم المعاصرة و انطباع التعبيريين بالتأثيريين و ما إلى ذلك.
كما أن الفنون الشعبية تتحرر من قيود التقليديين و قواعدهم، فيكتسب بذلك انتاجها خصائص نابعة من هذا التحرر تميزه.
و تتنوع بتنوع الذوق الفردي للفنان الشعبي، و انطباعاته و امكانياته، و تختلف تناولا من ناحية خامات الانتاج عن الفن التقليدى، كما نرى فى الفن الشعبي الإسلامي حين يستعمل خامات ممكنة للفنان دون الخامات الغالية التي انتشرت في الاعمال الرفيعة.
* * *
و الفنون الاسلامية قد اجتذبت الباحثين، و نتج عن تنوعها و كثرة فروعها تفرع البحوث و تعدد أنواع التخصص في نواحيها بينهم، ولكنهم عامة لم يلتفتوا، إلى تنوع الانتاج بين شعبي و تقليدي، الا حديثاً حيث انفرد الأستاذ العالم الاثري المؤرخ ((حسن عبدالوهاب)) في دراسة خاصة له تناولت العمارة و الزخارف
/ صفحه 138/
والطرف، معدداً أمثلة من العمل الشعبي و عصوره، أعدها للمجمع العلمي المصري، كما أشار إلى ذلك في بعض بحوثه قبل ذلك.
و أشار إلى الفن الإسلامي الشعبي أيضاً ((دكتور ديماند)) أمين القسم الإسلامي بمتحف المتروبوليتان في أمريكا، و كانت اشارته عابرة في كتابه ((الفنون الاسلامية)) الذي ترجمه الأستاذ أحمد عيسى إلى العربية.
ولكن عدم تناول الباحثين ذلك الأمر باستفاضة، لم يمنع أنه أمر وقع، و تأكد وجوده بما نراه الان بين أيدينا من الاعمال التي نسبت إلى العصور الاسلامية المختلفة.
و قد ظل بعضها يعيش بيننا حتى الان منتسباً إلى جذور أصيلة من الفن الشعبي الإسلامي كعرائس المولد، و فوانيس رمضان، و زخارف الخيام التي تقام في المآتم و الافراح.
و كالاقمشة التي تنسج على أنوال يدوية و أنواع من البسط و الكليم.
و كلها انتاج طبقة من الفنانين الشعبيين يمثلون استمراراً لفنون كانت أصولها موجودة في عصور اسلامية مضت.
قيمة الفن الشعبي:
والفنون الشعبية الاسلامية انفردت عن غيرها من الفنون الشعبية للامم الاخرى، بأنها تشترك مع فنون المتخصصين في وحدة الطابع، و كثير من الموضوعات بل و بعض الخامات أيضاً.
و افترقت عنها بظهور جهد العامل أو الصانع واضحاً دون أية اشارة إلى تصميم المهندس أو توجيه المعلم، و هو فرق لا يلاحظه الا المتعمقون في دراسة الفنون الاسلامية، و لعل هذا هو السبب في اعتبار نوعي الانتاج شيئاً واحداً عند كثير من المشتغلين بالفنون الاسلامية.
و إذا عرفنا أن كثيراً من الاعمال الفنية الاصيلة كانت منفذة على وفق أصول مرسومة و مدروسة، مما لايترك للعامل مجالا في حرية التصرف في التصميم و يقصر جهده على التنفيذ طبقاً للاصل الذي وضعه المصمم.
/ صفحه 139/
فانه قد وجد الكثير من الاعمال التي ظهر فيها اجتهاد العامل، و بعده و تصرفه فيما تعودته يده من الاصول المحفوظة، و لعل بعض هذه الاعمال قد نفذ مباشرة دون تخطيط سابق.
و قد أثبت الأستاذ حسن عبدالوهاب في بعض كتاباته مستشهداً بالادلة، أن المهندسين و المصممين كانوا يخططون لاعمالهم قبل دخولها مرحلة التنفيذ، و لا أدل على ذلك من دقة المقرنصات التي تعلو أبواب العمائر الاسلامية، أو الزخارف المفرغة أو المحفورة في الحجر، حيث نرى باب مسجد السلطان حسن يحيط به من الجانبين زخرف على شكل ((جامة)) حفرت حفراً تاماً في واحدة بينما لا تزال الاخرى تخطيطاً محفوراً حفراً خفيفاً، و الامثلة كثيرة و واضحة.
كما رأينا النوع الاخر يظهر فيه جهد العامل وحده، كما نرى في بعض شبابيك القلل المحفوظة بمتحف الفن الإسلامي، حيث يظهر بساطة التخطيط المباشر في بعضها على شكل طيور أو حيوانات، بينما تظهر دقة التصميم في البعض الاخر على شكل فيل أو طاووس بلغت دقته أنه محسوب الفراغات و حركات الخطوط حتى أشبه ((الدنتلا)).
و هناك على سبيل المثال بعض أطباق الخزف التي رسم عليها الفرسان و معهم البزاة، أو ضاربي المزاهر في مجالس الطرب، و إلى جانبها و من نفس الخامات، و بوحي من خيال الفنان الشعبي نجد طبقاً عليه لاعبان بالعصي في اللعبة الشعبيه ((التحطيب)).
فالاول تقليدي بينما الاخر ظاهر الشعبية.
و هكذا يظهر أثر البيئة مرة، و توجيه الأستاذ أو المصمم حسب رغبة من تصنع له هذه الاشياء من الخاصة مرة أخرى.
و إذا كانت الفنون بين الحضارات المختلفة قد عبرت بوضوح عن عراقة هذه الحضارات أو بداوتها، فقد كان الفن الإسلامي على تنوعه و اختلافه بين تصوير و تزويق و عمارة و حفر و تطعيم و تكفيت النحاس و الفضة والذهب، شاهداً صادقاً على عمق الحضارة الاسلامية بين شعوبها، و رسوخ قدم في الدقة و المهارة بين صناعه و فنانيه على مر العصور.