/ صفحه 140/

عقوبة شارب الخمر

للدكتور عبدالعظيم شرف الدين

مدرس الشريعة الاسلامية

في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة

دل القرآن الكريم، و السنة النبوية على تحريم شرب الخمر، يقول الله تعالى ((يأيها الذين آمنوا انما الخمر و الميسر و الانصاب و الازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون. انما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة و البغضاء في الخمير و الميسر و يصدكم عن ذكر الله و عن الصلاة فهل أنتم منتهون)).(1)

تهيب هاتان الايتان بالمؤمنين أن يجتنبوا الخمر و الميسر لما ينتج عنهما من شرور و آثام، و ما يورثان من عداوة و بغضاء، و من خضوع للشيطان و قوى الافساد، فكم من أموال تذهب هباء، و كم من أخلاق تفسد، و كم من روابط اجتماعية تتفكك على موائد الشرب و القمار.

و قد دلت الايتان على تحريم الخمر من وجوه كثيرة:

(1) فالاية الاولى قرنت الخمر و الميسر بالانصاب و الازلام، و عبادة الاصنام، و استشارة الازلام فيما يقدم عليه الانسان من أمر خصيصة من خصائص العقلية الجاهلية المغرقة في الضلال، و قد جاء الاسلام لتحرير الانسانية المعذبة من سلطانها الذي كان يحول بينها و بين ما تصبو اليه من سمو و كمال.

ــــــــــ

(1) الايتان: 90 و 91 من سورة المائدة. الميسر: القمار. الانصاب: جمع نصب و هو الصنم الذي كان المشركون ينصبونه فيعبدونه. الازلام: جمع زلم، و هى قداح ثلاثة كتب على أحدها: أمرنى ربى، و على الثانى: نهانى ربى، و الثالث (غفل) لم يكتب عليه شىء. و كان الجاهلي إذا أراد حاجة استشار هذه الاقداح، فاذا خرج الاول مضى لحاجته، و ان خرج الثانى توقف، و ان خرج الثالث أعاد القرعة. رجس: نجس.

/ صفحه 141/

(2) صرحت الاية الاولى بأن الخمر و الميسر و الانصاب و الازلام رجس، و الرجس نجس يجب اجتنابه شرعاً و فطرة، فالطباع السليمة تعافه و تنفر منه، كما أمرت باجتناب الخمر و الميسر و ما ذكر معهما، و رتبت على اجتنابهماتوقع الفلاح.

(3) بينت الاية الثانية أن شرب الخمر و الميسر من عمل الشيطان، و أن الاقدام عليهما يورث العداوة و البغضاء، و يصرف المسلمين عن الاستجابة لاقدس الواجبات عليهم: ذكر الله و الصلاة.

و روى أبو داود و الامام أحمد أن النبى صلى الله عليه و آله و سلم قال: ((كل مسكر خمر، و كل خمر حرام))(1)،و قد ثبت عن النبى صلى الله عليه و آله و سلم تحريم الخمر بأخبار تبلغ بمجموعها ربتة التواتر، و أجمعت الامة على تحريمها، و لايؤثر في هذا ما روي عن قدامة بن مظعون، و عمرو بن معد يكرب، و أبى جندل بن سهيل أنهم قالوا: ((هى حلال لقول الله تعالى: ((ليس على الذين آمنوا و عملوا الصالحات جناح فيما طعموا)) فان علماء الصحابة بينوا لهم أن هذا خاص بمن شرب الخمر قبل تحريمها، و أقيم الحد على قدامة و من معه، و رجعوا إلى القول بالتحريم، فانعقد الاجماع، فمن استحلها كان كافراً لانكاره ما علم من الدين بالضرورة، روى ابن عباس رضى الله عنه أن قدامة بن مظعون شرب الخمر، فقال له عمر: ما حملك على ذلك؟ فقال: ان الله عزوجل يقول: ((ليس على الذين آمنوا و عملوا الصالحات جناح فيما طعموا)) و انى من المهاجرين الاولين من أهل بدر و أحد، فقال عمر للقوم: أجيبوا الرجل، فسكتوا، فقال لابن عباس: أجبه، فقال: انما أنزلها الله تعالى عذراً للماضين، لمن شربها قبل أن تحرم ]و ذلك أن الخمر حين حرمت قال القوم: قتل فلان، قتل فلان، و هى في بطونهم، فأنزل الله عزوجل: ((ليس على الذين آمنوا و عملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا و آمنوا و عملوا الصالحات))(2)

وأنزل ((انما الخمر و الميسر و الانصاب)) حجة على الناس. ثم سأل عمر عن الحد فيها فقال الامام على بن أبى طالب رضى الله عنه: ((إذا شرب هذى، و إذا هذى افترى،

ــــــــــ

(1) المغني: 8/ 303.

(2) صحيح مسلم: 6/ 87.

/ صفحه 142/

فاجلدوه ثمانين)) فجلده عمر ثمانين جلدة، و يروى أن عمر قال لقدامة: ((أخطأت التأويل يا قدامة، إذا اتقيت اجتنبت ما حرم الله عليك)).

و يبدو أن هذا التأويل كان مزلة أقدام كثيرين، فلم يكن قدامة و أصحابه بدعا في هذا الظن، فقد روي أن أناساً شربوا الخمر بالشام، فقال لهم يزيد بن أبى سفيان: شربتم الخمر؟قالوا: نعم بقوله تعالى: ((ليس على الذين آمنوا و عملوا الصالحات جناح فيما طعموا)) فكتب فيهم إلى عمر بن الخطاب، فكتب اليه: ان أتاك كتابى هذا نهاراً، فلا تنتظر بهم إلى الليل، و ان أتاك ليلا فلا تنظتر بهم نهاراً حتى تبعث بهم إلى لئلا يفتنوا عباد الله، فبعث بهم إلى عمر، فشاور فيهم الناس، فقال لعلي: ماترى؟ فقال: أرى أنهم قد شرعوا في دين الله ما لم يأذن الله فيه، فان زعموا أنها حلال فاقتلهم فقد أحلوا ما حرم الله، و ان زعموا أنها حرام فاجلدوهم ثمانين ثمانين فقد افتروا على الله، و قد أخبرنا الله عزوجل بحد ما يفتري بعضنا على بعض، فحدهم عمر ثمانين.(1)

لهذا كله اتفق فقهاء المسلمين على تحريم شرب الخمر، كما اتفقوا على عقوبة شارب الخمر لاحاديث وردت بها، غير أنهم اختلفوا في نوع هذه العقوبة: هل هى حد أو تعزير؟

و منشأ هذا الاختلاف أنه لم يرد في القرآن الكريم و لا في السنة تقدير عقوبة شارب الخمر بمقدار معين لايزيد و لاينقص، و لهذا يصح لنا اعتبار هذه العقوبة تعزيراً لا حداً لانه لم يرد تقديرها شرعاً بقدر معين لا يزيد و لا ينقص كماهو الشأن في الحدود الشرعية.

و مما يدل على هذا ما رواه أبو داود عن أبى هريرة أن رسول صلى الله عليه و آله و سلم أتى برجل قد شرب، فقال: ((اضربوه)) قال أبو هريرة: فمنا الضارب بيده، و الضارب بنعله، و الضارب بثوبه، فلما انصرف قال بعض القوم: أخزاك

ــــــــــ

(1) المغني: 8/ 303 و 304.

/ صفحه 143/

الله، فقال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: ((لاتقولوا هكذا، و لاتعينوا عليه الشيطان)).(1)

فالرسول عليه الصلاة و السلام أمر بضرب الشارب، و لم يحد الضرب بمقدار معين، و مما يؤيد ما ذهبنا اليه من اعتبار هذه العقوبة تعزيراً لاحداً تصريح الشوكاني بعدم ثبوت مقدار معين لهذه العقوبة عن الرسول عليه الصلاة و السلام.

قال الشوكاني:

((و الحاصل أن دعوى اجماع الصحابة على الجلد ثمانين في شرب الخمر غير مسلمة فان اختلافهم في ذلك قبل امارة عمر و بعدها وردت به الروايات الصحيحة، و لم يثبت عن النبى صلى الله عليه و آله و سلم الاقتصار على مقدار معين، بل جلد تارة بالجريد، و تارة بالنعال، و تارة بهما فقط، و تارة بهما مع الثياب، و تارة بالايدي و النعال، و المنقول من المقادير في ذلك انما هو بطريق التخمين، و لهذا قال أنس: ((نحو أربعين)) و الجزم المذكور في رواية علي بالاربعين يعارضه ما نسب اليه من أنه ليس في ذلك عن النبى صلى الله عليه و آله و سلم سنة، فالاولى الاقتصار على ما ورد عن الشارع من الافعال، و تكون جميعها جائزة، فأيها وقع فقد حصل به الجلد المشروع الذي أرشدنا اليه صلى الله عليه و آله و سلم بالفعل و القول كما في حديث: ((من شرب الخمر فاجلدوه)) فالجلد المأمور به هو الجلد الذي وقع منه صلى الله عليه و آله و سلم، ومن الصحابة بين يدينه، و لا دليل يقتضى تحتم مقدار معين لا يجوز غيره.(2)

و قال الصنعاني: ((قد نقل عن طائفة من أهل العلم أنه لايجب فيه الا التعزير)) لانه صلى الله عليه و آله و سلم لم ينص على حد معين، و انما ثبت عنه الضرب المطلق(3).

و قد ثبت عن علي كرم الله وجهه ما يفيد أن الرسول عليه الصلاة و السلام لم يلتزم مقداراً معيناً في هذه العقوبة، و هو قوله: ((ما كنت لاقيم حداً على أحد

ــــــــــ

(1) سنن أبى داود: 4/ 226 و 227، نيل الاوطار: 7/ 49 و 50. و معنى قوله: ((لاتعينوا عليه الشيطان)) لاتدعوا على من أقيمت عليه العقوبة لما في هذا من اعانة الشيطان عليه.

(2) نيل الاوطار 7/ 53 و 54.

(3) سبل السلام: 4/ 24.

/ صفحه 144/

فيموت، و أجد في نفسى منه شيئاً الا صاحب الخمر، فانه لو مات وديته; وذلك أن رسول الله صليه الله عليه و آله و سلم لم يسنه))(1).

قال الصنعانى بعد ذكر هذا: ((فيه دليل على أن الخمر لم يكن فيه حد محدود من رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم، فهو من باب التعزيرات، فان مات ضمنه الامام، و كذا كل معزر يموت بالتعزير يضمنه الامام، و إلى هذا ذهب الجمهور، و ذهبت الهادوية إلى أنه لا شيء فيمن مات بحد أو تعزير قياساً منهم للتعزير على الحد بجامع أن الشارع قد أذن فيهما، قالوا: و قول علي (عليه السلام) انما هو للاحتياط))(2).

وينسب إلى ابن عباس قوله: ((ان النبى صلى الله عليه و آله و سلم لم يوقت في الخمر حداً))(3).

و الصحابة قدروا الضرب بأربعين أو نحوها، فعن أنس أن النبى صلى الله عليه و آله و سلم أتي برجل قد شرب الخمر فجلد بجريدتين نحو أربعين، قال: و فعله أبوبكر، فلما كان عمر استشار الناس، فقال عبدالرحمن: أخف الحدود ثمانون، فأمر به عمر)).(4)

و ظل الصحابة يجلدون شارب الخمر أربعين حتى كان آخر عهد عمر، فتهاون الناس بعقوبة شربها، و أقبلوا على شربها، فاستشار من بحضرته من الصحابة، فأشاروا بالجلد ثمانين، و لم يخالفهم أحد، فأمر عمر بالجلد ثمانين. قال وبرة الصلتى: بعثنى خالد بن الوليد إلى عمر، فأتيته، و عنده علي و طلحة و الزبير، و عبدالرحمن بن عوف متكئين في المسجد فقلت له: ان خالد بن اوليد يقرأ عليك السلام، و يقول لك: ان الناس قد انبسطوا في الخمر، و تحاقروا العقوبة فماترى؟ فقال عمر: هم هؤلاء عندك، قال: فقال علي أراه إذا سكر هذى، و إذا هذى افترى، و على المفتري ثمانون، فاجتمعوا على ذلك، فقال عمر: بلغ صاحبك ما قالوا، فضرب خالد ثمانين، و ضرب عمر ثمانين)).(5)

ــــــــــ

(1) نيل الاوطار: 7/ 54.

(2) سبل السلام: 4/ 31.

(3) نيل الاوطار 7/ 53.

(4) نفس المرجع.

(5) اعلام الموقعين: 1/ 254، 255.

/ صفحه 145/

ففى زمن عمر فتحت الشام و العراق، و سكن الناس في الريف و مواضع الخصب، و أصبحوا في سعة من العيش، و كثرت الثمار، و أقبلت عليهم الدنيا، فأكثروا من شرب الخمر، فزاد عمر رضى الله عنه في العقوبة تغليظاً عليهم و زجراً لهم عنها.(1)

و ما فعله عمر رضى الله عنه لا يعد استحداث حكم جديد، و انما هو دليل على أن هذه العقوبة تعزير يترك أمره إلى الحاكم، و يختلف باختلاف الظروف، و لهذا اختلف الحكم باختلاف الاحوال التي جدت أيام عمر رضى الله تعالى عنه.

على أن عمر رضى الله عنه لم يلتزم الجلد ثمانين دائماً، قال و برة: ((و كان عمر إذا أتى بالرجل القوي المنهمك في الشرب ضربه ثمانين، و إذا أتي بالرجل الضعيف الذي كان منه الزلة ضربه أربعين)).(2)

و يمضي الزمن و يأتي عثمان بن عفان رضى الله عنه خليفة على المسلمين، فلا يلتزم الجلد ثمانين، قال حصين بن المنذر: شهدت عثمان بن عفان أتى بالوليد(3) قد صلى الصبح ركعتين، ثم قال: أزيدكم؟ فشهد عليه رجلان أحدهما حمران(4) أنه شرب الخمر، و شهد آخر أنه رآه يتقيأ، فقال عثمان: انه لم يتقيأ حتى شربها، فقال: يا علي قم فاجلده، فقال علي قم يا حسن فاجلده، فقال الحسن: ولّ حارّها من تولى قارها(5) ]فكأنه وجد عليه[ (6) فقال: يا عبدالله بن جعفر، قم فاجلده،

ــــــــــ

(1) شرح النووي: 5/ 125.

(2) اعلام الموقعين: 1/ 255.

(3) هو الوليد بن عقبة بن أبى معيط الذي نزل فيه قوله تعالى: ((يأيها الذين آمنوا ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة)) كان والياً على الكوفة، و كان شراباً للخمر سىء السيرة، صلى بالناس الصبح و هو سكران، ثم التفت اليهم فقال: أزيدكم؟ فقال بعضهم: و ما تزيدنا؟ لا زادك الله من الخير، و حصب الناس الوليد بحصباء المسجد، فشاع ذلك في الكوفة، فاستحضره عثمان و أقام عليه العقوبة.

(4) حمران: مولى عثمان رضى الله عنه.

(5) يقال في المثل: ول حارها من تولى قارها. أى ول شرها من تولى خيرها. قال النووى: الضمير عائد إلى الخلافة و الولاية، أى كما أن عثمان و أقار به يقولون هنىء الحلافة و يختصون به يتولون نكدها و مكروهاتها، و المعنى: ليتول هذا الجلد عثمان بنفسه أو بعض خاصة أقار به الادنين.

(6) حقد عليه.

/ صفحه 146/

فجلده، و علي يعد حتى بلغ أربعين; فقال: أمسك، ثم قال: جلد النبى صلى الله عليه و آله و سلم أربعين، و جلد أبوبكر أربعين، و عمر ثمانين، و كل سنة(1)، و هذا أحب إلى)).(2)

فهذا يدل على أن الوليد جلد أربعين في عهد عثمان رضى الله عنه، و أن عثمان لم يلتزم الجلد ثمانين، و كما نسب إلى عمر رضى الله عنه الجلد ثمانين، و أحياناً أربعين نسب هذا إلى عثمان رضى الله عنه أيضاً، قال وبرة: ((و جعل ذلك عثمان أربعين و ثمانين)).

ظهر مما تقدم أن الرسول صلى الله عليه و آله و سلم لم يرد عنه تقدير عقوبة شرب الخمر بقدر معين، و هذا يجعلنا نعتبر هذه العقوبة تعزيراً لا حداً، و ما ورد من تقديرها بأربعين، فهو تقدير الصحابة للعقوبة التي وقعت في عهد الرسول، و أن أبابكر رضى الله عنه جلد أربعين، و كذلك عمر في صدر خلافته، فلما أقبلت الدنيا على الناس، و أكثروا من شرب الخمر في عهد عمر استشار الصحابة، فأشار بعضهم عليه بالجلد ثمانين في محضر منهم، فأمر عمر بالجلد ثمانين، على أنه لم يلتزم هذا المقدار، بل كان أحياناً يجلد أربعين، و لم يكن عمل عمر ملزماً من جاء بعده من الصحابة، فعثمان و علي رضي الله عنهما جلد الوليد في حضرتهما أربعين.

و بعد هذا البيان لهذه العقوبة على النحو الذي قررناه نشير إلى موقف الفقهّاء منها: أجمع الفقهاء الأربعة على أن هذه العقوبة حد لاتعزير، غير أنهم اختلفوا في مقدارها، و كان اختلافهم ناشئاً عن اختلاف الادلة التي اعتمدوا عليها:

أولا: يرى مالك و الثوري و أبو حنيفة و من تبعهم أن هذا الحد ثمانون جلدة لاجتماع الصحابة على هذا المقدار حين استشارهم عمر في حد الخمر، و قد تقدم بيان هذا.

ثانياً: يرى الشافعي رضي الله عنه أن هذا الحد أربعون، لان علياً جلد الوليد ابن عقبة أربعين، ثم قال: جلد النبي صلى الله عليه و آله و سلم أربعين... الخ، و لحديث أنس: ((فضربه بالنعال نحواً من أربعين)) و فعل النبي حجة لايجوز تركه

ــــــــــ

(1) السنة: الطريقة المألوفة، و قد ألف الناس ذلك في زمن عمر، كما ألفوا الاربعين في زمن النبى صلى الله عليه و آله و سلم و أبى بكر.

(2) المشار اليه هو الحد الواقع بين يديه و هو أربعون، انظر صحيح مسلم: 5/ 126.

/ صفحه 147/

بفعل غيره، و لا ينعقد الاجماع على ما خالف فعل النبي و أبي بكر و علي، فتحمل الزيادة من عمر على أنها تعزير يجوز فعله إذا رآه الامام(1).

و يرى الامامية أن عقوبة شارب الخمر حد مقدر بثمانين جلدة، و لا فرق فيه بين الحر و العبد، على المشهور لرواية أبى بصير و يزيد بن معاوية و زرارة عن الصادق (عليه السلام)، و قيل: يجلد العبد أربعين لما رواه أبوبكر الحضرمي عن أبي عبدالله (عليه السلام) في مملوك قذف حراً، قال: يحد ثمانين، هذا من حقوق المسلمين، فأما ما كان من حقوق الله عزوجل فانه يضرب فيها نصف الحد، قلت: الذي هو من حقوق الله عزوجل ما هو؟ قال: إذا زنى أو شرب الخمر، فهذا من الحقوق التي يضرب فيها نصف الحد، و روى يحيى بن أبى العلاء عنه (عليه السلام) حد المملوك نصف حد الحر، و التحقيق أن خبر التنصيف أوضح، و أخبار المساواة أشهر(2)، و قد وجدت عند الامامية ما يدل على مبدأ احترام آراء مخالفيهم، جاء في قواعد الاحكام للعلامة الحلي: ((و يحد الحنفي إذا شرب النبيذ و ان قلّ لانه حرام عنده))(3)، و يرى الزيدية أن حد شارب الخمر كحد القذف و هو ثمانون جلدة(4).

و من هذا نرى أن الامامية و الزيدية قد اتفقوا مع أئمة المذاهب الاربعة في أن عقوبة شارب الخمر حد.

غير أن الراجح ما قررناه من أن هذه العقوبة تعزير لاحد، و ما ورد من تقدير العقوبة التي تمت في عهد الرسول عليه الصلاة و السلام فهو تقدير للصحابة لهذه العقوبة، و لم يرد عن الرسول تحديد لها كما تقدم، فالاولى أن تكون تعزيراً يترك أمره إلى القاضي، و يقدره بما يراه محققاً للمصلحة.

هذا ما أردت أن أقدمه للقراء الكرام، فان بدا لاحدهم ملاحظات تهدي إلى الحق و ترشد إلى الصواب فاني أرحب بها ما دامت توصلنا إلى الحق الذي ينشده كل باحث منصف، و الخير أردت ((و ما توفيقى الا بالله، عليه توكلت، و اليه أنيب)).

ــــــــــ

(1) المغني: 8/ 307.

(2) النظر: المختصر النافع: 222، و الروضة البهية ج 2 ص 372.

(3) ص 263: ففى النبيذ خلاف بين المسلمين، فالنبيذ حرام شربه عند الشيعة و يحد شاربه، و الحنفية يرون أنه حرام، و لهذا يرى الشيعة أن الحنفي يحد إذا شرب الخمر و هذا يدل على مدى الانفاق بين المذهبين.

(4) انظر التاج المذهب لاحكام المذهب: 232.