/ صفحه 148/
دروس من غيرنا
في اليوم الثالث من شهر يونيو من هذ العام الميلادي، وقع حادث شغل العالم المسيحي في مختلف البلاد و الشعوب الاوربية و الأمريكية و غيرها، بل شغل العالم كله على تعدد الاديان و المذاهب و النحل، ذلك الحادث هو وفاة البابا يوحنا الثالث و العشرين الذي تربع على كرسي البابوية منذ خمس سنوات.
و قد نظر المفكرون إلى هذا الحادث من زوايا مختلفة، كلّ حسب الاهتمام الخاص الذي يستأثر بتفكيره، و يتصل ببيئته:
و نحن ننظر اليه من زاويتين:
احداهما: أن العالم المسيحي كله على اختلاف شعوبه و بلاده و مذاهبه العقائدية كان يبدو مهتماً أعظم الاهتمام بصحة البابا حين كان يقضي أيامه الاخيرة، تنتابه هذه النوبات التي تنتاب الاحياء حين يقبلون على النهاية، ثم بدا هذا الاهتمام العام أضعافاً مضاعفة، حين انتقل فعلا من عالم الفناء إلى عالم البقاء:
كانت هناك الحشود الحاشدة، و الالوف المؤلفة، التي يقف أفرادها متراصين في ميدان الفاتيكان الكبير، يستخبرون أخبار المريض، و يتتبعون نشرات أطبائه ساعة بعد ساعة، و لايهمهم المطر الغزير الذي كان ينصب فوق رءوسهم انصباباً، ولا الوقت الطويل الذي كانوا يقضونه واقفين على أقدامهم، صابرين على الزحام، و على خواطر الحزن و الترقب و التخوف و التلهف و كل ما يمكن أن يقوم بالنفوس البشرية في مثل هذا الموقف، و كأنما كان كل فرد من هذه الآلاف يشعر بأن هذا المريض له وحده، و أنه أولى به و أحنى عليه ممن سواه، كان يشعر بذلك الرجال على اختلاف أعمارهم، و النساء ما بين فتيات في مقتبل العمر، و عجائز في خريف الحياة.
/ صفحه 149/
و بينما كان هؤلاء واقفين مواقفهم في هذا الميدان الكبير كان هناك مئات من الكنائس، بل آلاف، في مختلف أنحاء العالم المسيحي، تقام فيها الصلوات دعاء و ابتهالا إلى الله تعالى، في شأن هذا الشيخ الكبير الذي يعالج سكرات الموت، و يوشك أن يرحل إلى الدار الاخرة.
و كنا نتابع وصف هذه الحشود الحاشدة فيما تكتبه الصحف، و نتخيل الناس هناك، و قد وقف كل منهم و كأنه يضع يده على قلبه، و يذرف دموع اشفاقه و حبه، و يقلب بصره ذات اليمين و ذات الشمال، كما يقلب أذنيه لعله يرى أو يسمع شيئاً عن المريض العزيز، الذي يقدسونه أعظم التقديس، و يجلونه أعظم الاجلال، لانه رمز لشىء عزيز عندهم، غال عليهم.
فكانوا يتلقفون كل نبأ يتصل به، فاذا سمعوا أنه تناول مسبحته تحدثوا بذلك و تناقلوه فيما بينهم، و إذا علموا أنه كان يتمتم بدعائه، أو يحرك شفتيه بصلواته، أمنت قلوبهم، و خشعت أبصارهم، و ذرفت دموعهم... و هكذا.
فلما مات البابا الذي كانوا يشفقون من موته على توقعهم اياه، تواردت جموع من نوع آخر، تلك هى الجموع التي اصطفت في صفوف تقدّر أطوالها، بالاميال، و التي جاء كل فرد فيها ليلقي النظرة الاخيرة على جثة هذا الفقيد الذي يعتبره فقيده الخاص قبل أن يكون فقيداً عاماً لجميع المسيحيين.
و كنا نرقب الصحف أيضاً و المجلات و وكالات الانباء و أجهزة ((التليفزيون)) و هى تتبارى في نشر صورة البابا مسجى على فراش الموت، و الناس يمرون عليه في خضوع و حزن و نظام رتيب، فيه اجلال للموت، و فيه تقديس للميت، و فيه احترام للدين، و فيه الاخلاص كل الاخلاص للعقيدة التي يدينون بها.
و نكست الاعلام في كل مكان لا في العالم الكاثوليكي فحسب، ولكن في العالم المسيحي كله، بل نكست الاعلام في مؤسسات هيئة الامم المتحدة التي تمثل العالم كله، كما دقت أجراس الحزن في كل الكنائس شرقية كانت أو غربية، و ألغيت الزيارات المقررة التي كان بعض رؤساء الدول سيقومون بها لبعض البلاد. كما ألغيت
/ صفحه 150/
الاحتفالات بعيد الاستقلال في جميع أنحاء الدولة الايطالية نفسها، مع أن احتفالات أعياد الاستقلال لا تلغى عادة لشىء ما كما هو معروف.
هكذا كان اهتمام العالم المسيحي بالرجل مريضاً يودع الحياة، و ميتاً يودعه الاحياء.
و هؤلاء هم أهل المدنية و الحضارة التي تقود الان و تسود، و التي تتجه اليها أنظار الدنيا باعتبارها مصدر القدوة و الاسوة، لانها مصدر القوة و التوجيه.
فهل حالت مدنيتهم و حضارتهم و قوتهم المادية و التوجيهية في العالم، بينهم و بين هذا القنوت الروحي، و الخشوع القلبي للدين، و ما يتصل بالدين؟ هل حالت المدنية بينهم و بين أن يعرفوا لرجل الدين الراحل حقه، و يعربوا هذا الاعراب العملى، لا القولي فقط، عن جميل عرفانهم بما هو رمز له، و عن عظيم تقدير هم لما كان يمثله؟
كلا انهم لم يفهموا المدنية و الحضارة، على أنها حياة توجب الالحاد، و تتنافى مع الايمان و تعمل على تحطيم المثل، و توغل في السخرية و الاستهزاء ممن يمثلونها أو يدعون اليها.
ان الانسان يستطيع أن يكون مدنياً متحضراً، و أن يكون في الوقت نفسه مؤمناً متديناً يعرف حق الله عليه، و يستلهم توفيقه و معونته في كل شأن من شئون حياته.
فاليكم يا من يستهويهم الغرب بمثله و ماله من رسوم و أوضاع، هل يوصم الدين و رجاله عندهم بالرجعية و التأخر؟ ان كان لا بد أن تقلدوا و تتشبهوا، ففى مثل ذلك يكون التقليد و التشبيه، و والله ما أنتم بمحتاجين إلى أن تستوردوا المثل من غير تاريخكم و صالح سلفكم، ولكن الشيء بالشيء يذكر!
* * *
أماالزاوية الثانية التي ننظر منها إلى هذا الحادث الذي شغل العالم المسيحي، فهى تاريخ ذلك الرجل نفسه في الاعوام الخمسة التي قضاها في مركز قيادته الروحية; لقد كان يهتم إلى أبعد مدى بجمع المسيحية على اختلاف طوائفها و فرقها، فدعا الارتوذكس كما دعا الكاثوليك، بل كل مذاهب النصرانية حديثها و قديمها، إلى
/ صفحه 151/
التكتل و نسيان الفوارق، و أن يدخلوا في أحداث العالم، و مشاكله و قضاياه الدينية و الفكرية كمسيحيين فقط، لا كمذهبيين، و كم أذاع في سبيل ذلك من بيانات و نصائح و عظات، و كم استقبل رجالا دينيين على غير مذهبه، و طالبهم بما كان يسميه البعض ((بالتعايش المسيحى)) و أهم نشاط قام به لتحقيق ذلك كان هو عقد مؤتمر المجمع المسكوني في الفاتيكان في 11 أكتوبر سنة 1962، و هذا المجمع لم يجتمع - في الفاتيكان - الا مرة قبل ذلك في سنة 1870.
فاذا كان هذا هو شأن النصرانية في ابان تسلط دولها، و نهضة شعوبها، و تبوئها في العالم الحاضر مقام القوة و المنعة، فما بالنا نحن المسلمين و قد مرت بنا قرون و قرون ما زلنا نرنو بأبصارنا إلى آثار خلاف قد اندثر، و يحاول بعضنا أن ينفخ في الرماد ليوقد ناراً قد أطفأها الله.
هل يعمق مدى اختلافنا بين الشيعي و السني مثلا، أكثر مما يعمق مدى الاختلاف بين طوائف النصارى و العياذ بالله؟
كلا! ان أصولنا واحدة، و قواعد ايماننا واحدة، و قبلتنا واحدة، و صلواتنا واحدة، و كتابنا واحد، و رسولنا واحد، و انما اختلفنا حيناً من الدهر في نظريات و معارف، ليست أساسية بالنسبة لاصولنا الجذرية، و عقائدنا اليقينية، و قد مضى هذا العهد بما فيه، و لم يعد شيء مما كان يهز المسلم و يستثيره من تلك المشكلات الصورية، يهز أحداً من أهل البصيرة و الايمان الراسخ الان في أى شعب من شعوب الأمة الاسلامية الواحدة.
و نحن مع هذا أحوج إلى التكتل لنحيا أقوياء في هذا العالم الذي يتكتل من حولنا، و الذي يحاول أن يهضمنا حقنا، و يستغل فرقتنا، و يعرقل رسالتنا، ليضرب بعضنا ببعض، و يؤلب فريقاً منها على فريق.
* * *
و هنا لايسعنا الا أن نحيي ((دار التقريب)) التي فطن رجالها إلى ذلك منذ زمان بعيد، و نسجل لها السبق في هذا الميدان، فانها منذ نشأتها تعمل على التقريب بين طوائف المسلمين قبل المحاولة البابوية الاخيرة لجمع صفوف المسيحيين، بل و قبل محاولة ((اكومتيك)) المعروفة من قبل الطوائف غير الكائوليكية.
/ صفحه 152/
و ما تزال ((دار التقريب)) بالقاهرة تعمل في دأب لتحقيق هذه الغاية الكريمة و يسعى رجالها و هم من أعلام الاسلام لجمع كلمة المسلمين، يعاونهم في ذلك أئمة من أهل السنة و الشيعة في شتى البلاد، و نداؤهم جميعاً ذلك النداء الذي اقتبسوه من كتاب الله، و نادوا به من أول يوم التقوا فيه على هذا المبدأ: ((ان هذه أمتكم أمة واحدة و أنا ربكم فاعبدون)).
* * *
جائزة أكاديمية (جونتجن) للعلوم:
و بهذه المناسبة نذكر أن أكاديمية جونتجن للعلوم بألمانيا، أعلنت عن مسابقة أعدت لها جائزة كبرى قدرها ثمانيه آلاف مارك ألمانى لاحسن بحث يقدم اليها في موضوع (الانقسام الديني في العصر الإسلامي الاول، و تطور الشيعة حتى آخر العصر الاموي سنة 700 بعد الميلاد.)
و لقد أعلنت الاكاديمية عن هذه المسابقة اعلاناً واسع النطاق في مختلف بلاد الشرق و الغرب، فما هى الغاية من تشجيع هذه البحوث، و رصد الجوائز السخية لها؟ أتراهم حرصاء على تاريخ المسلمين و معرفة دقائقه في مراحله المختلفة مخلصين للعلم وحده؟
كلا ولكنهم يريدون أن تبقى أمثلة الخلاف بين المسلمين حية تنغض برأسها، و تحرك أطرافها، لان مصلحتهم الاستعمارية و الدينية مرتبطة بذلك أشد الارتباط.
و لن ننسى ذلك المستشرق الذي كتب يوماً عن (فدك) و حق السيدة فاطمة الزهراء في ميراثها عن أبيها، و أراد أن يمتن بذلك على زعيم من زعماء الشيعة الامامية، فذكر له أنه أيد موقف الشيعة من هذه القضية بأدلة كثيرة، فما كان من هذا الزعيم الكبير الا أن قال له في صراحة: ((يا سيدى ان الشيعة - كسائر الفرق الاسلامية - لا يمكن أن يستهويهم مثل هذا الاسلوب، و لو كان فيه دفاع عن وجهة نظرهم في قضية ما، و سيقول علماؤهم و مفكروهم: نحن أولى بقضايانا، و لا نريد أن يتخذ منها أحد وقوداً جديداً لنيران أطفأها الله!
فلينظر المسلمون إلى أنه في الوقت الذي يتجه فيه العالم المسيحي إلى التقريب بين مذاهبه على ما بينها من الفروق الجوهرية; نرى علماءه و مؤسساته العلمية تعمل جاهدة على احياء صور الخلاف الماضية بين المسلمين.