/ صفحة 3 /
بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة التحرير:
اذا وجد الظلم وجد الخوف، وإذا وجد الخوف وجد الملق والنفاق، لأن الإنسان حينئذ يحاول أن يتقي المظالم، وأن يبتعد عن إثارة الظالمين، فهو يغض البصر عما يجد من سيئات، بل يحاول أن يسوغها ليرضى أصحابها، ثم يحاول أن يختلق لهم من الحسنات ما لم يفعلوه، ويسند إليهم من الحمد والثناء ما لم يستحقوه.
ومن هنا نجد الطغاة والظالمين يحيط بهم عادة أهل النفاق والتزلف، وينصرف عنهم ـ أو لا يروج لديهم ـ أصحاب الخلق القويم، الذين يقولون الحق، ويخلصون النصح، ولا يخافون في الله لومة لائم، وبذلك تفسد أمورهم، وأمور الأمة بهم، وقديماً قال أعرابي لسليمان بن عبد الملك: يا أمير المؤمنين. إنه قد أحاط بك رجال ابتاعوا دنياك بدينهم ورضاك بسخط ربهم، وخافوك في الله، ولم يخافوا الله فيك، فلا تأمنهم على ما ائتمنك الله عليه؛ فإنهم لا يألون الأمانة تضييعاً، ولا يألون الأمة كسفاً ولا خسفاً، وأنت مسئول عما اجترموا، فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك، فإن أعظم الناس عند الله غبناً؛ من باع آخرته بدنيا غيره!.
هذا شأن الطغاة والمتجبرين، والملوك العتاة الظالمين؛ يعيش النفاق في كنفهم آمناً مطمئناً، ويزداد كل يوم ترسخاً وتثبتاً.
أما إذا وجدت الحرية، ووجد العدل، وكان الحكم صالحا؛ فإن النفاق ينحسر حينئذ ظله، ويبطل كيده وسحره، ويندرئ عن المجتمع فساده وشره، ويخلو وجه الحاكم العادل لأصحاب المبادئ القويمة، والأخلاق الكريمة؛ ممن يعملون
/ صفحة 4 /
بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (الدين النصيحة) قالوا: لمن يا رسول الله؟
قال: (لله، ولرسوله، ولولاة المسلمين، ولعامتهم) ومعنى (النصيحة) في هذا الحديث أن تنطوي القلوب على النصح لا على الغش، ولا على الخداع والتضليل، بتزيين القبيح، أو بتشويه الحسن، وإذا انطوت القلوب على النصح؛ لم تنطق الألسنة إلا بالحق، ولم يجد الخداع ولا الملق والتزلف سبيلاً إلى المجتمع.
* * *
ولقد جاء الإسلام بالحرية، وطبقها في أوسع الحدود، ولم يضق بها ذرعاً، فلم يترك مجالاً لأخلاق النفاق والخديعة، وما كان المنافقون في العهد الأول إلا نباتاً غريباً عن أرض الإسلام، لم يجد له خصباً ولا ريا، فذوى ثم صوح ثم أصبح غثاءً لا جدوى فيه، ولا وزن لأصحابه!.
ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكره أن يمدحه أحد في وجهه، ويقول: (احثوا في وجوه المادحين التراب).
ويقول عمر بن الخطاب: (المدح ذبح) ـ يشير إلى أن مدح الرجل؛ إنما هو خديعة وتخدير له، فهو بمثابة ذبحه وإلغاء وجوده بزحزحته حين يتقبله عن موقف الحزم والعزم الذي كان عليه أن يقفه، ويقول عن عبد الله بن المقفع: (إياك إذا كنت والياً أن يكون من شأنك حب المدح، وأن يعرف الناس ذلك منك، فيكون منفذاً إليك، واعلم ان قابل المدح كمادح نفسه).
ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يستمع إلى الرجل من الأعراب يسأله ويجادله، دون أن يبدو عليه ما يدل على التألم أو التبرم، ذلك بأنه يؤثر أن ينعم الناس بنعمة الحرية، وأن يذوقوا لذتها، ولا يحب أن يميت في نفوسهم عزتها وكرامتها.
هكذا كانت الحرية، فكانت الصراحة، وكانت الشجاعة في الحق.