/ صفحة 5 /
تفسير القرآن الكريم
لحضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر المرحوم الشيخ محمود شلتوت
شيخ الجامع الأزهر
سورة هود
ـ 2 ـ
ربط بين هذا المقال والمقال السابق ـ الفصل الثاني: (دعوة الإسلام على لسان محمد صلى الله عليه وآله وسلم هي دعوته على لسان من كان قبله من الرسل ـ نوح ـ هود ـ صالح ـ إبراهيم ـ لوط ـ شعيب ـ موسى ـ تعليق السورة على هذه القصص السبع: أنباء الغيب التي يقصها القرآن ودلالتها ـ الظالمون هم الذين يجنون على أنفسهم ـ سنة الله في المكذبين) ـ تمهيد إجمالي عن الفصل الثالث ـ والتفصيل للعدد الآتي.
تبين من الكلام على سورة (هود) في العدد السابق: أن السورة تنقسم باعتبار ما اشتملت عليه من الموضوعات إلى فصول ثلاثة: (الفصل الأول في تقرير الدعوة المحمدية بأصولها الثلاثة ـ الفصل الثاني في تقرير أن هذه الدعوة بأصولها هي دعوة الرسل السابقين ـ الفصل الثالث في توجيه الخطاب للنبي وصحبه في الاستمساك بدعوة الله).
/ صفحة 6 /
وانتهى فضيلة الأستاذ الأكبر المغفور له الشيخ محمود شلتوت من عرض الآيات الواردة في أغراض الفصل الأول مع بيان ما تضمنته هذه الآيات تصريحاً وإشارة، ثم مهد بذكر ما يتضمنه الفصل الثاني إجمالاً.
وهذا هو تفصيل الإجمال كما كتبه فضيلته:
الفصل الثاني:
إن هذه الدعوة التي شرحت بأصولها وبأدلتها ونتائجها في الدنيا والآخرة، وما كان من إعراض عنها، هي دعوة الرسل السابقين من مبدأ الخليقة الي عهد محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وفي هذا ـ كما قلنا ـ تسلية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنه كإخوانه السابقين، وفيه كذلك عظة وذكرى لقومه بما حدث لأسلافهم المتقدمين.
نوح:
ومن هنا ذكرت السورة (نوحاً) وما كان من معارضة قومه له، وسخريتهم به، وموقف ابنه منه، وموقفه من ابنه، وتقرير أن الصلة التي لها قيمتها عند الله، هي صلة الإيمان لا صلة البنوة ولا صلة الأرحام، ثم ذكرت ختام القصة بنجاة نوح ومن آمن معه، وهلاك قومه الذين عاندوه وبغوا على الحق.
(قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك، وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم).
وفي هذا إشارة إلى أن من الأمم من ذرية نوح من سيكون كالذين أهلكهم الله على عهد نوح، وقد أرانا التاريخ كثيراً من هذه الأمم بعد نوح عليه السلام.
وفي ختام قصة نوح تعاجل السورة رسول الله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بقولها:
(تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين).
وهو نوع من الإعجاز في الإخبار بغيب لا سبيل له ولا لقومه إلى معرفته
/ صفحة 7 /
إلا عن طريق ربه، وإلا في هذا القرآن، ثم هو تثبيت وتصبير وإبعاد للحرج واليأس من نفسه، وتبشير وتطمين بحسن العاقبة لمن ظل متمسكاً بتقواه.
هود:
وذكرت (هوداً) ورسالته إلى عاد، وما كان منه من توجيههم إلى ربهم، وما كان منهم من معارضته ورميه بالجنون، وما ختم الله به الأمر بينه وبينهم.
(ولما جاء أمرنا نجينا هوداً والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ، وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد، وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة، ألا إن عاداً كفروا ربهم، ألا بعداً لعاد قوم هود).
صالح:
وذكرت (صالحاً) وقومه ثمود، وختمت الأمر فيهم بنجاة صالح، وأخذ الذين ظلموا بالصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين (كأن لم يغنوا فيها، ألا إن ثمود كفروا ربهم، ألا بعداً لثمود).
إبراهيم:
وذكرت إبراهيم ورسل ربه الذين بشروه بإسحق ومن وراء إسحق يعقوب، وفي هذه القصة لم تعرض السورة لموقف إبراهيم من قومه، ولا موقف قومه منه فيما يختص بالدعوة، وإنما ذكرت شأناً إلهياً يرشد إلى أن الله في تصرفه لم يكن مقيداً بمألوف من السنن التي يعرفها الناس في الخلق والإيجاد، وفي هذا تطمين لحملة الحق إذا كانوا قلة أمام الكثرة المبطلة، فإن نصرهم مع قلتهم وكثرة المبطلين إن لم يكن شأناً معروفاً بين الناس؛ لكنه ليس مما تعجز عنه القدرة، فلا ييأس المحق صاحب القوة المحدودة من نصرته على المبطل صاحب الكثرة والقوة المرهوبة.
/ صفحة 8 /
لوط:
وذكرت (لوطاً) وما كان من سيئات قومه، وكيف جعل الله عالي قراهم سافلها، وأمطر عليهم حجارة من سجيل منضود (مسومة عند ربك، وما هي من الظالمين ببعيد).
وفي هذا الختام هز لأعصاب المعارضين لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم.
شعيب:
وذكرت (شعيباً) وقومه وما قابلوه به، وتحذيره إياهم إن استمروا على الكفر والشقاق (أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح، أو قوم هود، أو قوم صالح، وما قوم لوط منكم ببعيد).
وختمت القصة بمثل ما ختمت به قصص السابقين: (ولما جاء أمرنا نجينا شعيباً والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين كأن لم يغنوا فيها، ألا بعداً لمدين كما بعدت ثمود).
موسى:
ثم ذكرت (موسى) وقومه، من فرعون وملته، وختمت قصتهم بقول الله تعالى:
(يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار، وبئس الورد المورود، واتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود).
وفي هذا إشارة إلى أن الأمم بإتباعها لزعمائها الفاسدين؛ لابد أن تصاب بما يصابون به، وأن واجب الأمم الحية أن تقف من حكامها الضالين موقف الحزم حتى تسلم من شرهم، وتقطع صلتها بهم.
* * *
وبعد هذه القصص السبع تذكر السورة تعليقاً عليها بأمور ثلاثة:
/ صفحة 9 /
أولاً: إن هذه أنباء القرى التي أرسلنا إليها رسلنا، منها قائم يرى قومك آثاره ويمرون عليه في رحلاتهم، ومنها حصيد هالك يتبينونه بعد سير في الأرض، وتدبر فيها تحمل من آثار، فليلتفت إلى ذلك قومك، وليعتبروا بما يرون (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين).
ثانياً: ان ما انزلناه بهم من العذاب ما كان الا جناية ظلمهم على انفسهم (،ما ظلمناهم ولكن ظلموا انفسهم , فما اغنت عنهم الهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء امر ربك وما زادوهم غير تتبيت).
ثالثا: إن سنة الله في هؤلاء المكذبين هي سنته النافذة في الماضين، وهي هذه لا هوادة فيها ولا مجاملة (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد) وجدير بالعقلاء أن يأخذوا من سنة الله بالمكذبين في الدنيا، سنته بهم في الآخرة، ويعتبروا بها فيحذروا عذاب الآخرة الذي هو أشد وأبقى.
ثم أخذت تصف يوم ذلك العذاب، وأنه يوم مجموع له الناس، وأنه يوم مشهود، وأنه ما يؤخر إلا لأجل معدود، وأنه يوم تأخذ فيه النفوس حقها حسب أعمالها، وأن من الناس يومئذ من هم سعداء، ومنهم من هم أشقياء، تختم ذلك كله بأن هؤلاء كهؤلاء، وعبادتهم كعبادتهم، ومآلهم كمآلهم، وذلك كله في قوله تعالى:
(إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة، ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود، وما نؤخره إلا لأجل معدود، يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد، فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق، خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك، إن ربك فعال لما يريد، وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير
/ صفحة 10 /
مجذوذ، فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء، ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل، وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص).
* * *
ثم تعود الآيات فتذكر بأن الله قد أعطى موسى الكتاب، فاختلف فيه قومه، وأنه لو لا كلمة سبقت من الله ببقائهم مع اختلافهم على كتاب موسى وعلى رسالته؛ لقضي بينهم كما قضي بين الأنبياء السابقين وقومهم، ولوقع بهم عذاب الاستئصال، وذهبوا في بطون التاريخ، كما ذهبت الأمم السابقة، وأن كلا لابد موفى جزاء عمله، وذلك كله في قوله تعالى.
(ولقد آتينا موسى الكتاب فأختلف فيه، ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم، وإنهم لفي شك منه مريب، وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم إنه بما يعملون خبير).
* * *
وهنا يأتي (الفصل الثالث) ويوجه الخطاب فيه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن تاب معه:
(فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير).
فترسم لهم منهاجاً كاملاً لا يحتاجون معه في الحصول على السعادة إلى شيء وراءه، وقد جاء هذا المنهاج بعد أن صورت الدعوة وذكرت دلائلها، وقدمت صورة تاريخية واضحة عن عاقبة الذين استقاموا على أمر الله، والذين انحرفوا عنه.
* * *
وإلى العدد المقبل إن شاء الله تعالى، لنعرف تفاصيل هذا المنهاج القويم.