/ صفحة 11 /

معالم التقريب

للعلامة الكبير الأستاذ محمد عبد الله محمد المحامي

ـ 2 ـ

لا ينافس التقريب أحداً على جاه أو نفوذ ديني أو دنيوي، ولا يدعي لنفسه على أحد أي سلطان من أي نوع، إذ من جوهر التقريب ألا يكون له سلطان ذاتي، لأن كل سلطان يخلق ومعه مشاكله التي تشغله، والتقريب لا يسمح معناه بأن يختصم المسلمون عليه، ولا أن يشغلهم بنفسه باعتباره جماعة أو سلطة أو سلطاناً عن وحدتهم في الله وكتابه ورسوله وهدى رسوله، ولذا لا يجد المستبصر لمستقبله السياسي والاجتماعي شيئاً يشبع أو يسمن آماله وأطماعه وأمانيه عند جماعة التقريب.

وليس للتقريب ربقة في عنق أحد، ولا له عند أحد بيعة، ولا ينثلم به ولاء مسلم لمذهبه أو طائفته أو بلاده أو حكومته، لأن التقريب ليس مذهباً ولا حزباً ولا فرقة ولا طائفة، لا ولا بيعة جديدة أو ولاء جديداً، وإنما التقريب أولاً وآخراً دعوة عامة للإهتمام بالإسلام والالتفات إليه كرأس مال مشترك بين المسلمين في الماضي والحاضر والمستقبل وإلى آخر الدهر إن شاء الله تعالى، وهذا الإهتمام أمر مقبول ومعقول عند كل مسلم أياً كان مذهبه وبلده.

والتقريب ليس ثورة تجمع المعارضين المعترضين، أو الساخطين الناقمين، لأنه ابتداءً وانتهاء دعوة إلى التعرف على وجوه الإتفاق بين المسلمين والإلتفات إلى مواضع الإتحاد والإلتحام والقربى ومعالم الأخوة التي تربطهم وتجمعهم وتبعد

/ صفحة 12 /

بهم عن التفرق والتمزق، ولذا لا يجد الساخط الناقم الثائر المتعجل للتغيير والتدمير مكاناً في جماعة التقريب.

ولكن إذا لم تجد نوازع الرغبة في الغلبة والتفوق، ودوافع المصلحة الذاتية التي تسوق الرجال أمامها في طريق مطامعهم وأمانيهم، ولا نوازع العدوان والمقاومة وتوكيد الذات التي تحرك في الناس النقمة والسخط والثورة والشوق إلى الهدم والإزالة والتغيير العاجل، إذا لم تجد هذه القوى الغريزية المحركة مكاناً لها في التقريب، فكيف يرجو أهل التقريب أن تسير سفينتهم إلى غايتها أو غاياتها?.

هذا سؤال يتجه إلى أساليب التقريب ومناهجه، وهو يثير ابتداء مشكلة المنهج الذي يتبع في الدعوة الدينية في العصر الحديث بصفة عامه، فإن هذه الدعوة من حيث هي محاولة للتأثير على نحو معين في السلوك الديني للإنسان تشبه من بعض الوجوه غيرها من المحاولات التي يمكن أن تبذل للتأثير في السلوك السياسي أو الإجتماعي أو الاقتصادي للآدمي، والدعوات السياسية والتجارية هي والدعوات الإجتماعية المادية تعمل على أسس احصائية باعتبار الآدمي وحدة مكررة في مجموعة تتكرر فيتكون منها مجاميع أوسع وهكذا، وتدور مناهجها وأساليبها على الإستفادة إلى أقصى حد من المعارف والمعطيات التي يقدمها علم النفس، وعلم الإجتماع، وعلم الإحصاء، وما يتصل بهذه العلوم من أبواب العلم الأخرى، وعلى الإنتفاع بالمخترعات والفنون والقدرات الحديثة في تنشيط جانب من النوازع والغرائز والدوافع العميقة غير الواعية في النفس الإنسانية وتحريكها، لكي تحدث هذه القوى الغالبة تأثيراً معيناً مقصوداً في سلوك الآدمي بالنسبة لموضوع معين، وتنشيط هذه القوى النفسية الغامضة يتم في الأغلب الأعم على حساب العقل والقوى الضابطة فيه، وعلى حساب ملكة النقد، وحساب المشاعر الأكثر رقياً والأبقى نفعاً للإنسان في حاضره وقابله، ثم هي ـ أي هذه المناهج ـ قد وضعت لكي تعمل في عقلية الجماهير ونفسيتها، وعلى أساس التسليم بأن عقليتها ونفسيتها تسودها تلك

/ صفحة 13 /

النوازع والدوافع البدائية الغريزية غير الواعية، تسودها الآن وفي المستقبل بقدر ما يمكن أن يتصور المستقبل في حدود المعقول، وقد حققت هذه المناهج على الجملة ـ ولكن بصورة سطحية ـ ما هو مطلوب منها، وهو ما أغرى فريقاً من الناس في بعض البلاد باستعمالها في الدعوة الدينية، مدفوعاً إلى ذلك بالرغبة في مسايرة الميل العام الذي يرى في كل جديد رقياً وتقدماً وشعوراً منه بأن الدين يقف اليوم في موقف الإنهام بالتخلف والتقصير والقدم، وإشفاقاً منه كذلك على ما يتصور من عجز الدين وعدم قدرته على الصمود للدعوات السياسية والإجتماعية المادية، فضلاً عن قهرها والتغلب عليها.

وأياً ما كان الباعث على ذلك ومبلغه من الجد والإخلاص، ومن الإهتمام بأمر الدين ونصرته، فإن تطبيق هذه المناهج والأساليب في الدعوة الدينية نقيض خضوع هذه الدعوة لمطالب هذه المنهاج والأساليب، وأولها ما يصح أن نسميه (بجمهرة) الدعوة وتحويلها إلى قضايا وشعارات مقولة أو مكتوبة بأسلوب العصر ولغته ـ أي بلغة الجماهير ـ وهو ما يستلزم إعادة تصفية وصياغة وترتيب وتكوين العقائد والأصول والقواعد والأفكار الدينية، والإستغناء عما لا يصلح منها لهذه المناهج والأساليب، مع التقليل من التركيز على الحياة الأخرى وما يتصل بها، والإهتمام والتركيز على ما يستطيع أن يقدمه الدين للجماهير من حلول لمشاكل الدنيا وبخاصة مشاكل الفرد العادي العاطفية والإجتماعية والإقتصادية، حتى يمكن أن تروق معروضات الدين في عين جماهير هذا الزمان على نحو ما تروق في عينها معروضات السياسة والتجارة والدعوات الإجتماعية المادية، وقد حدث شيء كهذا من بعض رجال الطوائف المسيحية في أوربا الغربية وأمريكا.

ولعل أخطر ما ينطوي عليه هذا الإتجاه هو منافسة الدين للسياسة والتجارة والاشتراكية والشيوعية وما إليها في تملق الجماهير واسترضائها، فيغرق الدين في سيادة الشعب، وتصبح إرادة الشعب في السماء كما هي على الأرض!! إذ من المحال أن يبقى الدين ديناً إذا تخلى عن دور الوالد الآمر الناهي المطاع في الحال والمآل

/ صفحة 14 /

إلى دور خادم الجماهير الذي عليه أن يسترضي سيدته بخدمات ترضى عنها، وإلا فلا يريها وجهه، وفي هذا نهاية معنى الدين، لأن فيه نهاية التسليم بالله إله الكل من الأزل إلى الأبد، ونهاية ناموس الله الذين يدين له البشر بالطاعة أينما كانوا، وفي ظله نما وينمو النوع الإنساني إلى آخر الدهر، ونهاية فكرة الآخرة التي ضمن بها الإنسان خلوده حين حمل أمام الله مسئولية لا تموت بموته، وعقد التزامات لا تنحل بتحلل رفاته، وأحسب أن الناس في هذا الزمان بعد أن صاروا (جماهير) تنعت تملقاً بنعوت القداسة، وتوصف مداجاة بأنواع الكمالات، ويلعب بأفئدتها وأهوائها وشهواتها وغرائزها ونوازعها من يستطيع ويشاء، أحسب أن الناس في هذا الزمان أكثر خوفاً من أنفسهم، وقلقاً على مصيرهم من أي وقت مضى، وأشد شعوراً بالضياع والحيرة، وبذلك الإحساس المزعج الذي يحس به الولد حين يفتقد الوالد الحازم الذي يقف في وجه أهوائه وعربدته، ويرد إلى نفسه السلام والأمن الداخليين اللذين بدونهما تصبح الحياة عبئاً لا يحتمل.

أحسب أن ليس في استطاعة الدين أن يقترب من الدعوات السياسية والإقتصادية والإجتماعية إلى الحد الذي يطوعه لأساليبها ومناهجها دون أن يفقد معناه أو معظمه، فالدين ليس علاقة بشرية بين الإنسان وأمثاله من الفانين الهالكين وإنما هو رباط فذ يتجاوز فيه الإنسان الفرد أفق بشريته ليحدد في هذا العالم المتغير المتقلب مصيره هو كفرد لا مصير نوعه أو جنسه بالارتباط إلى الأبد بنقطة ثابته باقية إليها تنتهي الخطوط كلها ومنها تبدأ، ويحول ارتباطه بها بينه وبين الإنطفاء والإنطماس في ظلمة العدم، هو رباط فذ له معنى فذ لا يشاركه فيه غيره من الروابط التي يرتبط بها الإنسان على هذا الكوكب، يميزه أساساً أنه ليس دين اليوم فحسب، بل دين الأمس واليوم والغد، كان ويكون وسيكون، وهنا يكمن وقار الدين ورهبته وتعاليه باتساع مدى تجاربه على غرور الإرادة البشرية التي لا ترى من طريقها بوضوح إلا ما تسمح لها برؤيته حياتها القصيرة المليئة بالشواده والصوارف.

ويزيد مشكلة المناهج والأساليب فيما يتعلق بالدعوات الإسلامية خاصة أمور منها:

/ صفحة 15 /

المزج في الدعوة لدى كثير من المسلمين بين فكرة الدولة الإسلامية وبين الإسلام ذاته، واعتقاد التلازم بينهما في الدعوة، وليس هنا مجال مناقشة هذه المسألة بالتفصيل، ولكن يكفي أن نقول إن الإسلام باق ثابت ما بقي القرآن المجيد مصوناً محفوظاً كما وعد الله تعالى، أما الدولة الإسلامية بصورتها التاريخية المعروفة وبمفهومها في كتب الفقه الإسلامي فقد انقضت، والتفكير في إعادتها إلى الوجود بذلك المفهوم عينه يقتضي بداهة استبدال ذلك المفهوم القديم بالأسس الحالية للقانون الدولي، وهو مرام لا يتعلق به خيال، إذ الدولة بمعناها الحديث مفهوم سياسي وقانوني يحدد مقوماته القانون الدولي بالنسبة لجميع الدول، ولا يدخل الدين في هذا المفهوم كما لا يدخل في مفهوم الجنسية باعتبارها رابطة الولاء الذي يربط الفرد بدولته، وقد صارت البلاد الإسلامية والمستقلة دولاً بهذا المفهوم الحديث في ظل القانون الدولي، وغلب على معظمها الطابع المدني السائد بين دول العالم، ولا تعارض بين إسلام المسلم وولائه لدولته المدنية، ولا يعتبر ولاؤه لها قادحاً في إسلاميه.

وهذا التلازم في التصور بين الدولة الإسلامية وبين الإسلام أكثره أثر للشعور السائد بين المسلمين بالشوق إلى الإتحاد والنفور من التفرق والضيق بما يجدونه في أنفسهم من الضعف والتخلف والتمزق بالقياس إلى سواهم من الأمم والشعوب، ولكن إعادة الدولة الإسلامية إلى الحياة هدف سياسي بلا ريب، لأنه يتضمن تغيير حكام بحكام، وأوضاع بأوضاع أخرى في الحكم، وقيم بقيم أخرى سياسية واجتماعية، وليس عجيباً إذن أن نلاحظ عند من يمزجون في الدعوة بين الإسلام والدولة الإسلامية ميلا ظاهراً إلى تقليد بعض مناهج الدعوات السياسية وأساليبها.

على أن مشكلة المسلمين الأولى فيما يبدو ليست مشكلة امبراطورية تفككت، فكل امبراطورية كانت أو تكون مصيرها إلى أن تتفكك وتبيد وتخلى الطريق لوحدات سياسية أضيق رقعة وأوسع نشاطاً وأكثر تماسكاً وحيوية، إن مشكلتنا هي مشكلة قيم، ومشكلة موقف: هي مشكلة قيم معينة قد تضاءل اهتمام البيئات الإسلامية بها، وقل حرصها عليها، فلم تعد هذه البيئات تعيش وفق المبادئ التي

/ صفحة 16 /

تعتنقها، ولم تعد تستطيع أن تحمل أو تتحمل من يريد أن يعيش هذه المبادئ بشجاعة وإخلاص، بل لم تعد تستطيع أن تكفل للمسلم كامل الحقوق التي قررها له الإسلام، أو تقوى على إيجاد الثقة فيها وحسن الظن بها، وتهيئة الفرصة للتماسك والتساند اللازمين لكل عمل مشترك قوي طويل الأمد.

ثم هي مشكلة موقف المسلمين من طابع المعارف الإسلامية ومن طابع المعارف الغربية أو الحديثة سمها ما شئت، فالمعارف الحديثة غير شخصية في الأغلب الأعم، ولا تتوقف على وجود صلة إنسانية شخصية وثيقة، فالأفكار والمعلومات متى صيغت وحصلت تنفصل عن الأشخاص ويصبح لها وجود مستقل تضمنه المطبعة أو الرسم أو الوسيلة التشكيلية التي تصاغ فيها، وتنعقد صلة مباشرة بين المنتفعين وبين هذه الأفكار أو المعارف التي أحرزت على هذه الصورة دون حاجة إلى وساطة إنسان يتلقونها عن طريقه، وهذا الإنفصال بين الفكرة أو العمل وبين الإنسان المعين الحقيقي قد استقر، حتى أن خلق صاحب الفكرة أو العمل لم يعد بذي شأن، بل صارت الفكرة أو العمل في ذاته سبباً للشهرة والمجد، والمنزلة لصاحبهما برغم خلقه السيء أو سلوكه الفاضح، أو برغم تنكره في حياته كإنسان للقيم التي بها يكون الإنسان إنساناً، بل برغم تنكره في حياته لذات الأفكار والمبادئ التي قامت عليها شهرته في مؤلفاته أو أعماله الأدبية أو الفنية.

وهذا الإنفصال لا يعرفه الإسلام، فالمعارف الإسلامية لا تحصل أساساً من كتاب، ولا يمكن استخلاصها كاملة من أوراق، لأنها قبل كل شيء معارف ينقلها إنسان مسلم إلى إنسان مسلم بعد أن تلقاها من إنسان مسلم كذلك، ولا يختلف طابعها هذا سواء أكانت معارف مبناها الإنشاء والإيجاد أو مبناها النقل والرواية، فهي في الحالين لها تكملة بشرية لا تقوى على حملها الأوراق يدركها التلميذ أو المريد عن شيخه في تصرفات الشيخ واهتماماته وما يظهر في سلوكه أو أعماله من أثر تلك المعارف التي يترجمها الشيخ من صيغ لفظية إلى واقع حيوي يحمل حقيقتها الحية،

/ صفحة 17 /

ولا يتصور الإسلام أن رجلاً معروفاً بسوء السيرة وقلة الذمة والإخلاص يمكن أن يصبح صاحب فكرة أو مدرسة، وأن يصير له مجد وشهرة بين المسلمين.

ومسلمو هذا الزمان إذ يستعملون المطبعة على أوسع نطاق في مختلف أغراض حياتهم تصوروا أن الأفكار الإسلامية يمكنها بذاتها متى طبعت ووزعت أن تزاحم وتزحم غيرها من الأفكار والمعارف والعلوم في تلك السوق الواسعة الغاصة بالأفكار لا المجردة من الإتصال الإنساني، والتي لا تحتاج إلى هذا الإتصال، ويكفي لمن يخالجه أدنى شك في مبلغ هذا الوهم أن يلاحظ ما تلقاه المطبوعات الدينية من قلة الرواج حتى مع بذل غاية العناية في إخراجها وطبعها، بوساطة الهيئات الدينية المسيحية.

وينبغي أن نلتفت إلى أن الإسلام ليس مجرد فكرة أو أفكار، ولا هو وصفة أو وصفات، ولا صيغ يحرز مضمونها من يتعلقها، وإنما هو حياة تعاش أو طريقة للحياة لا تعرف حقيقة معناها ومضمونها إلا من خلال إنسان يعيشها ويحياها وهو ما تعجز عن نقله المطبعة وعن حمله الكتب.

ومن ظن من المسلمين أن غير المسلم يمكن أن يتحول إلى الإسلام إذا قرأ كتاباً أو كتباً تعرض مبادئ الإسلام المصوغة عرضاً صحيحاً مشوقاً، فهو واعم يضيع وقته وجهده، وما نظن أن هذه الطريقة على ما فيها من جاذبية كان أو يمكن أن يكون لها نصيب جدي في نشر الإسلام، إذ الإسلام لا تنشره الكتب وقراءة الأوراق، وإنما ينشره الإنسان المسلم حين يتصل بغير المسلم، فيشهد هذا من يسر تناوله لحياته: سرائها وضرائها، ويسر تقبله للخروج منها ما ينطبع أثره في وجدانه ويصل إلى الأعماق فيدخلها الشوق إلى الإسلام قبل أن يتنبه العقل إلى النظر والتفكير فيه.

هذا هو الطريق الذي به انتشر الإسلام في الماضي البعيد أو القريب، وهو الطريق الرحب الطبيعي لكل دعوة إسلامية، وفيه من آثار رسولنا وآله وصحابته وتابعيهم معالم هدى لا يخطئها قلب إذا أخلص في اتجاهه إلى الله.

/ صفحة 18 /

ومن هنا كانت خطورة تهاون المسلمين في الخلق والسلوك، وفيما يتعلق بالقيم التي أشرنا إليها، فإن هذا التهاون قد أدى باضطراد إلى قلة النماذج التي يمكن أن تبعث الشوق إلى الإسلام في نفوس غير المسلمين، كما أدى باضطراد إلى كثرة النماذج التي تبعث النفور منه عند أولئك، ولا جدال في أن الإسلام بطبعه قادر على إنتاج النماذج الطيبة، ولهذا وصل إلينا وسيصل إن شاء الله إلى من بعدنا إلى آخر الزمان، إنما محل الانزعاج والقلق هو اختلال التوازن والنسبة بين انتاج النماذج الطيبة التي تحمل في تواضع وعفة وإخلاص رسالة الإسلام، وتسلمها إلى القلوب والنفوس كل يوم، وبين انتاج النماذج التي تحجب ظلمتها نور الإسلام، وكثافتها رقته، وثقلها لطفه، وعربدتها نظامه واتساقه، فإن هذه النماذج الأخيرة تتكاثر في البيئات الإسلامية بما يشبه تكاثر الخلايا السرطانية، ولابد من وقفة جادة تقفها عقول المسلمين لمواجهة تكاثرها حتى لا يهدد حياة الإسلام، وما يغني مع تكاثرها أن نملأ الكتب والمجلات والمحافل والندوات بمحاسن الإسلام ومزاياه إذا كانت هذه النماذج التي تنتجها البيئات الإسلامية على هذا النطاق الواسع تحمل لعين المحايد بله المغرض المناوئ صورة غير كريمة عن الإسلام وأهله.

وينقلنا هذا إلى عقدة أخرى من عقد المسلمين في زماننا يتصل أمرها بمناهج التقريب، فإنهم صاروا حريصين إلى حد المبالغة على أن يبدو الإسلام مقبولاً من خارجه في عين من ينظر إليه من غير المسلمين على وفق معايير الحسن والقيم السائدة في الأمم التي بيدها مقاليد الحضارة الحديثة، وهكذا وضعنا ـ دون أن نشعر ـ نبينا وقرآننا وملتنا في موضع الاتهام، وأخذنا نترافع لإثبات براءة الإسلام أمام محكمة لا يعنيها هذا الأمر كثيراً.

تلمس هذا في كثير مما كتب ويكتب، وقيل ويقال في النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحياته، والقرآن وآياته، والإسلام ودوره.

على أن أحداً لن يترك بطبيعة الحال إسلامه إذا لم يفلح في إقناع الأوربيين والأمريكيين بجمال الإسلام وكماله، فلماذا إذاً نكلف نبينا وقرآننا وديننا مهانة

/ صفحة 19 /

المرافعة والمدافعة أمام تلك المحكمة الغريبة، وما لصاحب المرافعة والمدافعة من كثرة التأويل أو التخريج التي لا يثبت شيئاً إلا مهارة المترافع وبراعة المدافع، إن نبينا هو نبينا وهادينا لا نقبل أن يجادلنا فيه أحد، وقرآننا هو كتابنا لا نرضى أن يشكك في قيمته إنسان، ويننا هو الإسلام عشنا به ونموت وسنلقى الله عليه، جفت بذلك الأقلام.

هذا هو منهج التقريب في هذه المسألة، فجمال الإسلام في نظر التقريب يبدأ وينتهي من داخل الإسلام ذاته، والناظر إلى الإسلام من خارجه إنما يحكم له أو عليه، لا على أساس أن النبي صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله كان له العذر أن يتزوج أكثر من واحدة أو لم يكن، أو أن الصلاة فيها فائدة للبدن أو لا، أو أن الصوم يفيد أو لا يفيد المصابين بالسكر وضغط الدم، أو أن القرآن يحتوي أو لا يحتوي إشارات فلكية أو علمية طريفة، إنما يحكم للإسلام أو عليه على أساس ما يشهد من متانة بنيانه أو وهنه، وتعلق أهله به أو انصرافهم عنه، واتحادهم وتآزرهم فيما بينهم أو تمزقهم وتصدعهم، وقدرة البيئات المسلمة على كفالة حقوق المسلم أو عجزها عن ذلك.

(يتبع)