/ صفحة 24 /

من ثمرات المعقول والمنقول

للشاعر الكبير الأستاذ علي الجندي

العميد السابق لكلية دار العلوم

لا حول ولا قوة إلا بالله:

سئل الإمام علي ـ عليه السلام ـ عن معناها، فأجاب: إنا لا نملك مع الله شيئاً، ولا نملك إلا ما ملكنا، فمتى ملكنا ما هو أملك به منا كلفنا، ومتى أخذه منا وضع تكليفه عنا.

خير القرون:

جاء في الأثر: خيركم: القرن الذي أنا فيه، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه. ثم الذي يليه.

قال النقيب أبو جعفر يحيى بن محمد العلوي البصري: مما يدل على بطلان هذا الخبر: أن القرن الثاني شر قرون الدنيا، وهو أحد القرون التي ذكرها في النص، و كان ذلك القرن الذي قتل فيه الحسين ! أوقع بالمدينة، وحوصرت مكة، ونقضت الكعبة، وشرب خلفاؤه والقائمون مقامه، والمنتصبون في منصب النبوة الخمور! وارتكبوا الفجور، كما جرى ليزيد بن معاوية، وليزيد بن عاتكة، وللوليد بن اليزيد، و أريقت الدماء الحرام، وقتل المسلمون، ،سبي الحريم، واستعبد أبناء المهاجرين والأنصار، ونقش على أيديهم كما ينقش على أيدي الروم، وذلك في خلافة عبد الملك و إمرة الحجاج، وإذا تأملت كتب التاريخ وجدت الخمسين الثانية شراً كلها لا خير فيها ولا في رؤسائها وأمرائها، والناس برؤسائهم وأمرائهم، والقرن خمسون سنة، فكيف يصح هذا الخبر?!.

أقول: لعل المراد بخيرية هذه القرون الأربعة: أن العرب يبلغون فيها منتهى قوتهم، وأن الإسلام يصل إلى الغاية من العزة، ويبسط ظله على الآفاق، وقد تحقق

/ صفحة 25 /

ذلك، فالقرون المذكورة تمتد إلى خلافة المأمون المتوفي سنة 218هـ، وبوفاته بدأ العرب تضعف قوتهم، وتخضد شوكتهم، وأخذ مجد الإسلام في التدلي والانهيار!! فليس الخبر صادقاً فحسب، بل هو من دلائل النبوة!.

الطفل عاقل:

قيل لحكيم: متى عقلت? قال: حين ولدت!.

فأنكروا عليه ذلك، فقال: أما أنا، فقد بكيت حين جعت، وطلبت الثدي حين احتجت، وسكتت حين أعطيت.

يريد أن من عرف مقادير حاجته فهو عاقل.

قوة فراسة:

قال معن بن زائدة: ما رأيت قفا رجل إلا عرفت عقله! قيل: فإن رأيت وجهه? قال: ذا كتاب يقرأ!.

فائدة النوم:

كان بعضهم ـ إذا استشير ـ قال لمشاوره: انظرني حتى أصقل عقلي بنومة.

أولاد علي:

ذكر المأمون ولد علي ـ عليه السلام ـ فقال: خصوا بتدبير الآخرة، وحرموا تدبير الدنيا.

الرأي والعزيمة:

سمع محمد بن يزداد قول الشاعر:

 إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة         فإن فساد الرأي أن تترددا   

فأضاف إليه:

وإن كنت ذا عزم فأنفذه عاجلاً        فإن فساد العزم أن يتفندا

صبر الكرام:

قال الإمام علي ـ عليه السلام ـ للأشعث بن قيس معزياً عن ابن له:

/ صفحة 26 /

إن صبرت صبر الأكارم، وإلا سلوت سلوٌ البهائم ـ فأخذ المعنى أبو تمام بل حكاه فقال:

وقال علي في التعازي لأشعث        وخاف عليه بعض تلك المآثم

 أتصبر للبلوى عزاء وحسبه        فتؤجر أم تسلو سلو البهائم

عظة بليغة:

راود رجل امرأة عن نفسها، فقالت له: إن امرأ يبيع جنة عرضها السموات والأرض بمقدار إصبعين لجاهل بالمساحة! فاستحيا الرجل ورجع!.

بين الجاهل والعالم:

قيل لأفلاطون: لم يبغض الجاهل العالم، ولا يبغض العالم الجاهل?.

فقال: لأن الجاهل يستشعر النفس في نفسه، ويظن أن العالم يحتقره ويزدريه فيبغضه، والعالم لا نقص عنده، ولا يظن أن الجاهل يحتقره، فليس عنده سبب لبغض الجاهل.

الاختصار في الشرح:

قال الخليل بن أحمد: من الأبواب ما لو شئنا أن نشرحه، حتى يستوي فيه القوي والضعيف لفعلنا، ولكن يجب أن يكون للعالم مزية بعدنا.

الآل والأهل:

الألف في آل منقلبة عن همزة هي بدل من هاء أهل، ولا يستعمل الآل في كل موضع يستعمل فيه الأهل، وإنما يختص بالأشراف من الناس، تقول: القراء آل الله، والأتقياء آل محمد، واللهم صلي على محمد وآل محمد، وفي القرآن الكريم: (وجاء رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه) وتقول أهل الإسكاف مثلاً لا آل الإسكاف.

التفسير والتأويل:

الفرق بينهما: أن التفسير للكشف عن المراد من اللفظ، سواء أكان ذلك ظاهراً في المراد أو غير ظاهر.

/ صفحة 27 /

والتأويل: صرف اللفظ عن الظاهر إلى غيره مما يحتمله اللفظ، فإذاً كل تأويل تفسير، وليس كل تفسير تأويلا.

الشعير يؤكل ويذم:

هذا مثل سائر، يضرب لكل من ينتفع به ويجازى بالقبيح!! وذلك أن الشعير يؤكل فيسمن ويغني عن جوع، وهو مع ذلك مذموم.

الزهد بين كلمتين:

قال الإمام علي ـ عليه السلام ـ: الزهد كله بين كلمتين من القرآن؛ قال الله ـ سبحانه ـ: (لكيلا تأسوا على ما فاتكم، ولا تفرحوا بما آتاكم).

ومن لم يأس على الماضي، ولم يفرح بالآتي، فقد أخذ الزهد بطرفيه.

حب الوطن:

كانت العرب إذا سافرت حملت معها من تربة أرضها ما تستنشق ريحه! وتطرحه في الماء إذا شربته! وكذلك كانت تفعل فلاسفة اليونان!.

ومن الكلام القديم: لولا الوطن وحبه لخرب بلد السوء!.

ندم السيدة عائشة:

قالت السيدة عائشة ـ رضي الله عنها ـ: إذا مر ابن عمر فأروينه، فلما مر قالوا: هذا ابن عمر، فقالت له: يا أبا عبد الرحمن، ما منعك أن تنهاني عن مسيري ـ تعني وقعة الجمل ـ قال: رأيت رجلاً قد غلب عليك، ورأيتك لا تخالفينه ـ يعني عبد الله ابن الزبير ـ فقالت: أما إنك لو نهيتني ما خرجت!.

شرب دم الرسول:

قال الزبير بن العوام ـ رضي الله عنه ـ: احتجم رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ثم دفع إلى دمه، فقال اذهب به فواره حيث لا يراه أحد، قال: فذهبت فشربته، فلما رجعت قال ـ صولات الله وسلامه عليه ـ ما صنعت? قلت: جعلته في مكان أظن أنه أخفى مكان عن الناس!! فقال الرسول الكريم: فلعلك شربته، قال: نعم.

/ صفحة 28 /

أقول: وهذا خاص بالرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ فإن دمه طاهر، وقد كان أصحابه يتنافسون في شربه.

فظائع الحجاج:

قال علي بن مجاهد: قتل مع ابن الزبير في حصار الكعبة مائتان وأربعون رجلاً، وإن منهم لمن سال دمه في جوف الكعبة!!.

ولما مات ابن الزبير كانت أمه أسماء رضي الله عنها ـ تقول: اللهم لا تمتني حتى تقر عيني بجثته، فلما دفنته ـ بعد إزاله من الصلب ـ لم يأت عليها جمعة حتى ماتت!.

عفة العشاق:

دخلت بثينة إلى عبد الملك بن مروان فقال: ما أرى فيك يا بثينة شيئاً مما كان يلهج به (جميل)! فقالت: إنه كان يرنو إلي بعينين ليستا في رأسك يا أمير المؤمنين!.

قال: فكيف صادفته في عفته? قالت: كما وصف نفسه إذ قال:

مالي بما ضم ثوبها خبر لا والذي تسجد الجبال له

ما كان إلا الحديث والنظر ولا بفيها ولا هممت به

ويقول مجنون ليلى:

بماء الندى من آخر الليل غابق كأن على أنيابها الخمر شجه

كما شيم من أعلى السحابة بارق وما ذقته إلا بعيني تفرساً

والغابق: الذي يسقى شراب العشي، وشج الشراب: مزجه.

ووصف أعرابي امرأة، فقال: ما زال العمر يرينيها فلما غاب أرتنيه!.

فقيل له: فما كان بينكما? قال: ما أقرب ما أحل الله مما حرم! إشارة من غير بأس، ودنو من غير مساس، ولا وجع أشد من الذنوب!.

من حكم سليمان:

قال سليمان ـ عليه السلام ـ لقومه: أوصيكم بأمرين أفلح من فعلهما! لا تدخلوا أجوافكم إلا الطيب، ولا تخرجوا من أفواهكم إلا الطيب!.

/ صفحة 29 /

التحرج من أكل الحرام:

قال جابر ـ رضي الله عنه ـ سمعت النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يقول لكعب بن عجرة: (لا يدخل الجنة لحم نبت من السحت، النار أولى به).

ويقول الحسن البصري: لو وجدت رغيفاً من حلال لأحرقته، ثم سحقته، ثم جعلته ذروراً، ثم داويت به المرضى!.

ومن ورع أبي حنيفة: أن غنم الغارة اختلطت بغنم أهل الكوفة، فأمسك أبو حنيفة عن أكل اللحم! وسأل: كم تعيش الشاة؟ قالوا: سبع سنين، فترك أكل لحم الغنم سبع سنين!.

وعن حذيفة بن اليمان يرفعه: (إن قوماً يجيئون يوم القيامة ولهم من الحسنات كأمثال الجبال، فيجعلها الله هباء منثورا، ثم يؤمر بهم إلى النار)! فقيل: خلهم لنا يا رسول الله، قال: (إنهم كانوا يصلون ويصومون، ويأخذون أهبة من الليل، ولكنهم كانوا إذا عرض عليهم الحرام وثبوا عليه).

حسن تربية:

رئي واصل بن عطاء يكتب من صبي حديثاً، فقيل له: مثلك يكتب من هذا!.

فقال: أما إني أحفظ له منه، ولكني أردت أن أذيقه كأس الرياسة، ليدعوه ذلك إلى الازدياد من العلم.

جليس قعقاع بن شور:

كان قعقاع بن شور قدم إلى معاوية، فدخل عليه والمجلس غاص بالناس ليس فيه مقعد، فقام له رجل من القوم وأجلسه مكانه، فلم يبرح القعقاع من ذلك الموضع يكلم معاوية ومعاوية يخاطبه حتى أمر له بمائة ألف درهم، فجعلت إلى جانبه.

فلما قام القعقاع، قال للرجل القائم له من مكانه: ضمها إليك، فهي لك بقيامك لنا عن مجلسك، فقيل فيه:

ولا يشقى بقعقاع جليس وكنت جليس قعقاع بن شور

وعند الشر مطراق عبوس ضحوك السن إن أمروا بخير

/ صفحة 30 /

أخذ الشاعر قوله: (ولا يشقى بقعقاع جليس) من قول سيد البلغاء ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ: (هم القوم لا يشقى بهم جليسهم).

مصيبة المسلمين بموت الرسول:

قيل للإمام علي: لو غيرت شيبك يا أمير المؤمنين!! فقال: الخضاب زينة، ونحن في مصيبة برسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ!.

رعاية حرمة الصديق:

نزل بعض الخوارج على بعض إخوانه مستتراً من الحجاج، فشخص المضيف لبعض حاجاته، وقال لزوجته: أوصيك بضيفي خيراً، وكانت من أجمل النساء!.

فلما عاد بعد شهر، قال لها: كيف كان ضيفك? قالت: ما أشغله بالعمى عن كل شيء! ولم يكن الضيف أعمى، ولكنه أطبق جفنيه، فلم ينظر إلى المرأة ولا إلى منزلها حتى عاد زوجها!.

عفة الأحلام:

كان ابن سيرين يقول: ما غشيت امرأة قط في يقظة ولا منام غير أم عبد الله ـ يعني زوجته ـ وإني لأرى المرأة في المنام، وأعلم أنها لا تحل لي فأصرف بصري عنها!! وفي عفة الأحلام يقول اللتنبي:

وإن ضحيع الخود مني لماجد عواذل ذات الخال في حواسد

ويعصي الهوى في طيفها وهو راقد برد يدا عن ثوبها وهو قادر

ويقول الجندي في هذا المعنى:

ولو وصلت يقظى لزال خبالي عجبت لها تهدي على النوم وصلها

وهل يقنع المضني بطيف خيال أأقنع من (ليلى) بطيف خيالها

وروح أحشائي وأنعم بالي على أنه روي غليل جوانحي

إلى طلل رث المعالم بالي وكيف اهتدى ـ والليل بيني وبينه ـ

لطيف جمال زارني وجلال فلله دري حين أغضى مهابة

أقيم صلاتي والحطيم حيالي لبست له برد الخشوع كأنني

على قلبي الحران برد زلال سوى قبلة من كفه خلت وقعها

/ صفحة 31 /

من لطيف الكنايات:

يقال: فلان من قوم موسى، إذا كان ملولاً، إشارة إلى قوله ـ تعالى ـ: (وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد) ويقال للجارية الحسناء: قد أبقت من رضوان، ومن ذلك قول الشاعر:

أبا لحزن حلوا أم محلهم السهل أو حشية العينين أين لك الأهل

أراك من الفردوس إن فتش الأصل وأية أرض أخرجتك فإنني

شربت، ومن أين استقل بك الرحل قفي خبرينا: ما طعمت وما الذي

عليك، وإن الشكل يشبهه الشكل فإن علامات الجنان تدلنا

ويقول الجندي في معناه:

عليها وسامة قدسية هي حوراء كاسمها للفراديس

وبالقلب صنع رب البرية هبطت أرضنا لتبصر بالعين

لهم في جنانه العلوية ويرى المتقون ما ذخر الله

ويقال للشيخ الضعيف: العاجن والكنتي. قيل له عاجن: لأنه إذا قام عجن الأرض بكفيه، والكنتي: الذي يقول: كنت أفعل كذا وكذا، وكنت أركب الخيل، يتذكر ما مضى من زمانه، ولا يكون ذلك إلا عند الهرم، أو الفقر، أو العجز.

ويقولون لمن يخضب: يسود وجه النذير، والنذير هو الشيب، ويقول بعض المفسرين في قوله ـ تعالى ـ: (وجاءكم النذير (إنه الشيب. ويقال لمن يفخر بآبائه: هو عظامي؛ إشارة إلى فخره بالأموات من آبائه وقومه، ويقول الشاعر:

فذاك العظم حي وهو ميت إذا ما الحى عاش بعظم ميت

ويقال لمن يفخر بنفسه: هو عطامي؛ إشارة إلى قول النابغة في عصام بن سهل حاجب النعمان:

وعلمته الكر والإقداما نفس عصام سودت عصاما

وجعلته ملكاً هماما

ويكنى عن الموت بالقطع عند المنجمين. وعن السعاية بالنصيحة عند العمال.

/ صفحة 32 /

وعن الجماع بالوطء عند الفقهاء. وعن الشكر بطيب النفس عند الندماء.

وعن السؤال بالزوار عند الأجواد. وعن الصدقة بما أفاء الله عند الصوفية.

ويقال للمتكلف بمصالح الناس: إنه وصى آدم على ولده، وقد قال في هذا بعض الشعراء.

أوصاك وهو يجود بالجوباء فكان آدم عند قرب وفاته

وكفيت آدم عليه الأبناء ببنيه أن ترعاهم فرعيتهم

ويقال: فلان خليفة 0الخضر) إذا كان كثير السفر، يقول أبو تمام:

أو بلدة فظهور العيش أوطاني خليفة الخضر من يربع على وطن

فأنا بالرقتين، وبالفسطاط إخواني بغداد أهلي وبالشام الهوى

حتى تبلغ بي أقصى خراسان وما أظن النوى ترضى بما صنعت

ويقال لمن لا يفي بالعهد: لا يحفظ سورة المائدة، لأن أولها: (يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود)، ويقال للطويل: خيط باطل، وكانت كنية مروان بن الحكم، لأنه كان طويلاً مضطرباً، وفيه يقول الشاعر:

على الناس يعطي من يشاء ويمنع لحا الله قوماً أمروا خيط باطل

وفي خيط باطل قولان:

أحدهما: أنه الهباء الذي يدخل من ضوء الشمس في الكوة من البيت:

والثاني: أنه الخيط الذي يخرج من فم العنكبوت، وتسميه العامة: مخاط الشيطان.

ويكنى عن السائلين على الأبواب بحفاظ سورة يوسف ـ عليه السلام ـ لأنهم يعتنون بحفظها دون غيرها.

بوركت من ثعلب:

جاء أعرابي إلى أبي العباس ثعلب وعنده أصحابه، فقال له: ما أراد القائل بقوله:

صار الثريد في رءوس القضبان الحمد لله الوهوب المنان

فأقبل ثعلب على أهل المجلس، فقال: أجيبوه، فلم يكن عندهم جواب.

وقال نفطويه: الجواب منك يا سيدي أحسن! فقال ثعلب: أراد أن السنبل قد أفرك: أي صار فريكاً. قال الأعرابي: صدقت فأين حق الفائدة? فأشار عليهم ثعلب بروه، فقام الأعرابي ـ وهو يقول ـ: بوركت من ثعلب! فما أعظم بركتك!

/ صفحة 33 /

الحب قديماً وحديثاً:

قال بعض الظرفاء: كان أرباب الهوى يسرون فيما مضى بالنظر، ويقنعون بأن يمضغ أحدهم لباناً قد مضغته محبوبته، أو يستاك بسواكها، ويرون ذلك عظيما.

واليوم يطلب أحدهم الخلوة وإرخاء الستور، كأنه قد أشهد على زواجهما أبا سعيد وأبا هريرة، ورحم الله شوقي إذ يقول:

فكلام فموعدد فلقاء نظرة فابتسامة فسلام

من حكم الإمام علي:

1 ـ سأله رجل، فقال: بماذا أسوء عدوي? فقال: بأن تكون على غاية الفضائل، لأنه إن كان يسوءه أن يكون لك فرس فاره، أو كلب صيود، فهو ـ لأن تذكر بالجميل وينسب إليك ـ أشد مساءة.

2 ـ إلهي، كفاني فخراً أن تكون لي ربا، وكفاني عزاً أن أكون لك عبداً، أنت كما أريد، فاجعلني كما تريد.

3 ـ ثلاث منجيات: خشية الله في السر والعلانية، والقصد في الفقر والغنى، والعدل في الغضب والرضا.

4 ـ إذا قذفت بشيء فلا تتهاون به وإن كان كذبا، بل تحرز من طرق القذف جهدك، فإن القول ـ وإن لم يثبت ـ يوجب ريبة وشكا!.

5 ـ العشق مرض؛ ليس فيه أجر ولا عوض.

6 ـ وشكا إليه رجل تعذر الرزق عليه، فقال: مه، لا تجاهل الرزق جهاد المغالب، ولا تتكل على القدر اتكال المستسلم؛ فإن ابتغاء الفضل من السنة، والإجمال في الطلب من العفة، وليست العفة دافعة رزقاً، ولا الحرص جالباً فضلا، لأن الرزق مقسوم؛ وفي شدة الحرص اكتساب المآثم!.

7 ـ إزالة الجبال أسهل من إزالة دولة قد أقبلت، فاستعينوا بالله واصبروا، فإن الأرض لله يورثها من يشاء!.

/ صفحة 34 /

8 ـ أكثروا ذكر الموت، ويوم خروجكم من قبوركم، ويوم وقوفكم بين يدي الله ـ عز وجل ـ يهن عليكم المصاب.

9 ـ العمر أقصر من أن تعلم فيه كل ما يحسن بك علمه، فتعلم الأهم فالأهم.

أقول هذه الحكمة للإمام الرباني عليه السلام: أصل من أصول التربية والتعليم الحديث، وبها يعلم فائدة التوفر على نوع من العلم للإحاطة به، وهو ما يسمى بالتخصص في عصرنا.

10 ـ ليس كل ذي عين يبصر، ولا كل ذي أذن يسمع، فتصدقوا على أولى العقول الزمنة والألباب الحائرة بالعلوم التي هي أفضل صدقاتكم، ثم تلا قوله ـ تعالى ـ: (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب، أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون).

11 ـ وسئل عن القدر، فقال: أقصر أم أطيل? قيل بل تقصر، فقال: جل الله أن يريد الفحشاء، وعز عن أن يكون له في الملك إلا ما يشاء.

12 ـ يا حملة العلم، أتحملونه? فإنما العلم لمن علم ثم عمل؛ ووافق عمله علمه، وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم؛ تخالف سريرتهم علانيتهم، ويخالف عملهم علمهم، يقعدون حلقاً فيباهي بعضهم بعضاً، حتى إن الرجل ليغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره، أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله ـ سبحانه ـ !.

13 ـ لقد سبق إلى جنات عدن أقوام ما كانوا أكثر الناس صلاة ولا صياماً، ولا حجاً ولا اعتماراً، ولكن عقلوا عن الله أمره، فحسنت طاعتهم، وصح دينهم، وكمل يقينهم، ففاقوا غيرهم بالحظوة، ورفيع المنزلة.

14 ـ إن الله ـ سبحانه ـ أدب نبيه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بقوله: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) فلما علم أنه قد تأدب قال له: (وإنك لعلى خلق عظيم) فلما استحكم له من رسوله ما أحب قال: (وما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا).

15 ـ يسرني من القرآن كلمة أرجوها لمن أسرف على نفسه (قال عذابي أصيب به من أشاء، ورحمتي وسعت كل شيء) فجعل الرحمة عموماً، والعذاب خصوصاً.

/ صفحة 35 /

16 ـ كنت أنا والعباس وعمر نتذاكر المعروف، فقلت أنا: خير المعروف ستره.

وقال العباس: خيره تصغيره، وقال عمر: خيره تعجيله، فخرج علينا رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فقال: فيم أنتم? فذكرنا له، فقال: (خيره أن يكون هذا كله فيه).

17 ـ من كرم المرء: بكاؤه على ما مضى من زمانه، وحنينه إلى أوطانه، وحفظه قديم إخوانه.

18 ـ أربع، القليل منهن كثير: النار، والعداوة، والمرض، والفقر.

19 ـ أربعة من الشقاء: جار السوء، وولد السوء، وامرأة السوء، والمنزل الضيق.

20 ـ أربعة تدعو إلى الجنة: كتمان المصيبة، وكتمان الصدقة، وبر الوالدين، والإكثار من لا إله إلا الله.

21 ـ عاتبه عثمان ـ رضي الله عنه ـ فأكثر وهو ساكت، فقال: مالك لا تقول! قال: إن قلت لم أقل إلا ما تكره، وليس لك عندي إلا ما تحب.

22 ـ بليت في حرب (الجمل) بأشد الخلق شجاعة، وأكثر الخلق ثروة وبذلاً، وأعظم الخلق في الخلق طاعة، وأوفى الخلق كيداً ونكيراً: بليت بالزبير لم يرد وجهه قط، وبيعلي منية يحملى المال على الإبل الكثيرة، ويعطي كل رجل ثلاثين ديناراً وفرساً على أن يقاتلني، وبعائشة ما قالت قط بيدها هكذا إلا واتبعها الناس، وبطلحة لا يدرك غوره، ولا يطال مكره.

23 ـ لا تقبل الرياسة على أهل مدينتك، فإنهم لا يستقيمون لك إلا بما تخرج به من شرط الرئيس الفاضل.

24 ـ وسئل عن الفرق بين الغم والخوف، فقال: الخوف: مجاهدة الأمر المخوف قبل وقوعه، والغم: ما يلحق الإنسان من وقوعه.

25 ـ أنا عبد الله وأخو رسول الله لا يقولها بعدي إلا كذاب.

26 ـ أخذ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بيد فهزها، وقال: ما أول نعمة أنعم الله بها عليك? قلت: أن خلقني حياً، وأقدرني، وأكمل حواسي ومشاعري

/ صفحة 36 /

وقواي، قال: ثم ماذا? قلت: أن جعلني ذكراً، ولم يجعلني أنثى، قال: والثالثة: قلت: أن هداني للإسلام، قال: والرابعة: قلت: (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها).

27 ـ وقيل له: أي الأمور أعجل عقوبة، وأسرع لصاحبها صرعة? فقال: ظلم من لا ناصر له إلا الله، ومجازاة النعم بالتقصير، واستطالة الغني على الفقير.

28 ـ المرأة تكتم الحب أربعين سنة، ولا تكتم البغض ساعة واحدة.

29 ـ ثلاث موبقات: الكبر، فإنه حط إبليس عن مرتبته، والحرص؛ فإنه أخرج آدم من الجنة، والحسد؛ فإنه دعا ابن آدم إلى قتل أخيه.

30 ـ الفرق بين المؤمن والكافر الصلاة، فمن تركها وادعى الإيمان، كذبه فعله، وكان عليه شاهد من نفسه.

يلقمه حجراً:

دخل الجواليقي على المقتفي العباسي، فقال: السلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته! وكان الطبيب: هبة الله بن صاعد بن التلميذ النصراني حاضراً، فقال: ما هكذا يسلم على أمير المؤمنين، يا شيخ!! فلم يلتفت إليه الجواليقي، وقال للمقتفي: يا أمير المؤمنين، سلامي هذا ما جاءت به السنة النبوية، ثم روى له خبراً في صورة السلام، ثم قال: يا أمير المؤمنين، لو أن إنساناً حلف: أن نصرايناً أو يهودياً لم يصل إلى قلبه نوع من أنواع العلم على الوجه المعتبر، لما لزمته كفارة الحنث، لأن الله ـ تعالى ـ ختم على قلوبهم، ولن ينفك هذا الختم إلا بالإيمان!.

فقال المقتفي: صدقت وأحسنت!! فكأنما ألقم ابن التلميذ حجراً، مع فضله وغزارة أدبه، وكان الجواليقي إماماً في فنون الأدب، وله تصانيف مفيدة، وكان إماماً للمقتفي يصلي به الصلوات الخمس.

اتقاء الموت بالعورة:

يقول أبو فراس الحمداني:

كما ردها يوماً بسوءته عمرو ولا خير في رد الردئ بمذلة

يريد عمرو بن العاص، حين ضربه الإمام يوم صفين، فالتقاء بسوءته كاشفا

/ صفحة 37 /

عنها، فأعرض عنه قائلاً: عورة المرء حمسى. وقد وقع ذلك أيضاً لبسر بن أرطاة فقد كان مع معاوية بصفين، فأمره أن يلقى الإمام، قائلاً له: سمعتك تتمنى لقاءه، فلو ظفرت به حصلت على دنيا وأخرى، ولم يزل يشجعه ويمنيه حتى قصده في الميدان، فصرعه الإمام، فكشف عن سوءته، فتركه كما ترك عمرو.

أقول: لو أن الإمام ـ عليه السلام ـ كان يريد عرض الدنيا ولا يبغي وجه الله، لاهتبلها فرصة لها ما بعدها، ولكنه كان لا يرضى إلا الحق كل الحق لا شيء غير الحق بوسائل هي الحق!.

وفي هاتين الحادثتين يقول الحارث بن النضر السهمي ـ وكان عدواً لعمرو ولبسر:

وعورته وسط العجاجة باديه أفي كل يوم فارس ليس ينتهي

ويضحك منها في الخلاء (معاوية) يكف بها عنها (علي) سنانه

وعورة (بسر) مثلها حذو حاذيه بدت أمس من (عمرو) فقنع رأسه

سبيلكما لا تلقيا الليث ثانيه فقولوا لعمرو ثم بسر ألا انظرا

هما كانتا والله للنفس واقية(1) ولا تحمدا إلا الحيا خصاكما

وتلك بما فيها عن العود ناهيه فلولا هما لم تنجيا من حسامه

وفيها (علي) فاتركا الخيل ناجيه متى تلقيا الخيل المشيحة صبحة

نحوركما إن التجارب كافيه وكونا بعيداً حيث لا تدرك القنا

لابد للشاعر من النسيب:

كان ابن المولى الشاعر المدني موصوفاً بالعفة وطيب الإزار، فأنشد عبد الملك ابن مروان شعراً جاء فيه:

لباك ولا (ليلى) لدي البذل تبذل وأبكي فلا (ليلى) بكت من صبابة

وإن أذنبت كنت الذي أتنصل وأخنع بالعتبى إذا كنت مذنباً

فقال عبد الملك: من ليلى هذه? إن كانت حرة لأزوجنكها، وإن كانت أمة

(هوامش)

() الحيا في الأصل: فرج المرأة، والحيا بالدمد: الفرج من ذوات الظلف والسباع، وقد يقصر أيضاً.

/ صفحة 38 /

لأشترينها لك بالغة ما بلغت، فقال: كلا يا أمير المؤمنين، ما كنت لأصعر وجه حر أبداً في حرته ولا في أمته، وما ليلى التي أنست بها إلا قوسي هذه سميتها ليلى؛ لأن الشاعر لابد له من النسيب.

الأخذ بالظاهر:

كان الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ لا يرد على أحد إسلامه؛ أسلم عن علة أو عن إخلاص؛ يكتفي بالظواهر، ويكل السرائر إلى الله!.

سخف الجاحظ وجرأته:

كان الجاحظ يفسق عمر بن عبد العزيز، ويستهزئ به ويكفره، وعمر ابن عبد العزيز يلقب بالخليفة الخامس، وهو إن لم يكن من الصحابة فأكثر العامة يرى له من الفضل ما يراه لواحد من الصحابة.

الكهف والغار:

الكهف: النقب في الجبل، فإن لم يكن فيه سعة فهو: الغار.

السوء والسوء:

السوء بالفتح ـ مصدر ساءه: أي فعل به ما يكره، والسوء ـ بالضم ـ اسم منه.

الجبان والشجاع:

نفس الجبان ونفس الشجاع سواء فيما يدهمهما عند الوهلة الأول، ثم يختلفان؛ فالجبان يركب نقرته، والشجاع يدفعها فيثبت، ومن ذلك قول عمرو بن معد يكرب:

فزدت على مكروها فاستقرت فجاشت إلى النفس أول مرة

أولاد عبد مناف:

ولد عبد مناف: عبد شمس، وهاشم، والمطلب، ونوفل؛ وعبد شمس أكبرهم، وهو وهاشم، والمطلب أشقاء؛ وأما نوفل فأخوهم لأبيهم.

أو بمعنى إلا:

قال امرؤ القيس:

نحاول ملكاً أو نموت فنغدرا فقلت له لا تبك عينك إنما

قال المرتضى: أو بمعنى إلا: إي إلا أن نموت.