-----(1)-----
الشورى دراسة في الاسس الفقهية والتاريخية *
* الحكومة من وجهة نظر المذاهب الإسلامية
الشورى
دراسة في الاسس الفقهية
والتاريخية
شـذى الخفاجـي
-----(2)-----
-----(3)-----
بسم ا لله ا لرحمن ا لر حيم
مُقَدّمـة :
والصلاة و السلام على نبيّنا محمد وعلى آله الاطهار و صحبه الابرار .
الوحدة و رصّ الصفوف من أهم مقومات البناء الحضاري للامة الاسلاميّة والوحدة ضرورة شرعية و عقلية أكدّ عليها القرآن الكريم و النبي(ص) و حكم بها العقل السليم والتاريخ أثبت لنا ضرورتها في تتبعه لسير الحضارات التي نمت و ترعرعت و ازدهرت بالوحدة، وتدهورت و اضمحلت حينما بدأ التمزق و الفرقة يدبان في سيرها، والوحدة الاسلامية ممكنة التحقيق و ليست مستحيلة كما يشيع أعداء الاسلام، و يأتي امكان تحققها لوجود ثوابت مشتركة بين جميع المذاهب، أمّا الفواصل فهي فواصل جزئية لا تمنع من الاشتراك في الافق الواسع، افق العقيدة و المصير و المصالح و المواقف الواحدة، ومن نقاط الاشتراك و خصوصاً في مجال الحكومة الاسلامية هو دور الامة فيها عن طريق الالتزام بمبدأ الشورى بين الحاكم الاسلامي و الامة، لتقوم الامة متعاونة مع الحاكم في اداء دورها ومسؤوليتها التاريخية باختيارها و دوافعها الذاتية، وفي بحثنا هذا تسلط الاضواء على اُسس
-----(4)-----
الشورى الفقهية و التاريخية، و الاستفادة من التطبيق العملي لها في عهد الرسول(ص) وعهد الخلفاء الراشدين وعهد الجمهورية الاسلامية لتضع بعض الاسس التي تتعلق بالشورى، و التي تجسدت من خلال التطبيق أروع مظاهر السماح للامة باداء دورها وتلاحمها مع حكامها لادامة المسيرة التى وضع اسسها النبي الاكرم محمد(ص) .
الشورى قبل الاسلام :
انّ المتتبّع لاخبار الماضين و قصصهم من القرآن الكريم ومن أحاديث الرسول(ص) يجد انّ الشورى كان معمولاً بها من قبل الانبياء و الصالحين ومن قبل الطالحين الذين وقفوا في ساحات المواجهة مع أنبيائهم، فلم يستغن عنها أحد حتى الطغاة والفراعنة، فابراهيم (ع) شاور ابنه في بناء الكعبة لاختيار أفضل الطرق في تشييدها، وشاوره في قضية الذبح ليعلم قدرته على التنفيذ، و كان موسى (ع) يشاور هارون و بعض أصحابه، و تشاور رهط من قوم ثمود للتآمر على النبي صالح (ع) و حتى فرعون الذي ادّعى انّه الربّ الاعلى كان يستشير بطانته في أغلب شؤونه و منها مشاورته لهم في شأن موسى (ع) و مشاورت ملكة سبأ قومها بشأن رسالة سليمان (ع)، و تشاور أخوة يوسف في شأنه، و في اختيار الجواب المقنع لأبيهم، وكان عرب الجاهلية يشاور بعضهم بعضاً، وكان حلف الفضول قد جسدّ الشورى بكل مفاهيمها، و حينما صدع الرسول (ص) باعلان الدعوة و أحست قريش بالخطر المحدق بكيانها و بمصالحها تشاورت في كيفية المواجهة واتخذت مواقف عديدة بعد الاستشارة، ابتداء ً بتوجيه التهم و الاشاعات، ثم الاغراء والترغيب بالاموال و الجاه و السلطان، ثم التعذيب و الاذى و المقاطعة الاقتصادية والاجتماعية ، و آخر ما توصلت اليه بعد اجتماع لكبار الشخصيات في حوار طويل هو الاقدام على قتل الرسول(ص) في
-----(5)-----
ليلة هجرته(1) ولولا الشورى لما توصلوا الى مثل هذا الرأي الذي يضيع فيه دمه، ولا يطالب به أحد لاجتماع القبائل جميعها على قتله فالشورى أمر ضروري في التخطيط و التنفيذ، ولم يستغن عنه أحد من الافراد و المجتمعات إلاّ من كان مرتبطاً بالله تعالى الذي يسدد أنبياءه عن طريق الوحي المتواصل، ومع ذلك كان الانبياء يستشيرون و يشركون أممهم في كثير من القرارات و المواقف قبل اتخاذها.
الشورى في القرآن الكريم :
وردت الشورى في القرآن الكريم في ثلاث آيات: اختصت الاولى بشؤون الاسرة و كيفية ارضاع الطفل، قال تعالى:
«والوالدات يرضعنّ أولادهنّ حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة ... فإن أرادا فصالاً عن تراض منهما و تشاور فلا جناح عليهما»(2) .
و دعت الآية الشريفة الأبوين للتشاور بينهما لاتخاذ القرار النهائي المشترك بعد تبادل الآراء .
و الآية الثانية: كان خطاباً للرسول(ص) تحدد له اسلوب التعامل مع أصحابه، قال تعالى:
«فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظّاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الامر فاذا عزمت فتوكل على الله إنّ الله يحب المتوكلين» (3) .
وفي تفسير الشيخ الطوسى (رض) للآية يقول:
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري ، الكامل في التاريخ، تاريخ اليعقوبي، الدرّ المنثور .
(2) سورة البقرة / 233 .
(3) سورة آل عمران / 159 .
-----(6)-----
(أمر من الله تعالى لنبيّه أن يشاور أصحابه)(1) .
و سيأتي الحديث عن وجوب الشورى أم استحبابها من الآية الشريفة و الآية الثالثة قوله تعالى:
«... والذين استجابوا لربّهم و أقاموا الصلاة و أمرهم شورى بينهم و ممّا رزقناهم ينفقون ...»(2) .
و الاية الكريمة جاءت في سياق ابراز صفات المؤمنين الممدوحة و جاءت الشورى مقرونة بسائر الصفات بالصلاة و الانفاق .
و الشورى في الآيات الثلاثة كانت ممدوحة من قبل الله تعالى، ابتداءً من الأسرة كأصغر وحدة اجتماعية، و مروراً بالعلاقة بين الحاكم الاسلامي و أصحابه و رعيته و انتهاءً بعلاقات المؤمنين فيما بينهم و الخصائص المميزة لهم .
الشورى في السنّة :
عن عبد الله بن عباس قال: لـمّا نزلت «وشاورهم في الامر» قال رسول الله (ص) :
«أما ان الله و رسوله لغنيان عنها ولكن جعلها الله رحمة لأمتي، فمن استشار منهم لم يعدم رشداً، ومن تركها لم يعدم غيّاً»(3) .
فرسول الله(ص) قد استغنى عن الشورى بالوحي الذي يرشده الى اختيار الرأي الأصوب و الموقف الأصوب، ومع ذلك أمره الله تعالى بالشورى وكان (ص) كثير الاستشارة لاصحابه، فاستشار أصحابه وخصوصاً الانصار ليعلم استعدادهم للقتال خارج المدينة، بعد أن بايعوه على نصرته مادام معهم داخل المدينة فأعلنوا عن استعدادهم للقتال،
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) التبيان للطوسي 3 / 31 .
(2) سورة الشورى / الاية 37 - 38 .
(3) الدر المنثور 2 / 90 ، السيوطي ، دار المعرفة، بيروت، 1979 .
-----(7)-----
و حينما نزل (ص) باحدى المواقع العسكرية أشار عليه الحباب بن المنذر بتغيير موقعه، فاستجاب (ص) لمشورته تطييباً لخاطره و احتراماً من القائد لاراء أصحابه و رعيته و أثنى (ص) على سعد بن معاذ خيراً حينما اشار عليه ببناء عريشاً له (ص) و بعد انتهاء غزوة بدر استشار اصحابه بشأن أسرى المشركين(1) .
و قبل غزوة أحد كان رأي الرسول(ص) التحصن داخل المدينة و القتال من داخلها، وكان يكره الخروج، فاستشار أصحابه فكان رأي الاغلبية منهم هو الخروج من المدينة، وازداد الحاح المتحمسين للقاء العدو، فأخذ (ص) بآرائهم لتربيتهم على الاستشارة، وحينما تجهزّ للخروج ندموا على عدم الأخذ برأيه و أشاروا عليه ثانية بالبقاء داخل المدينة فأبى (ص) الاخذ بهذا الرأي بعد حسمه للموقف(2) لكي لا تقود الشورى الى الفوضى و انفلات الامور و التردد و التراجع .
و حينما سمع الرسول(ص) بخبر الاحزاب أجرى صلحاً مع قائد غطفان لتحييد موقفه على أن يعطيه ثلث ثمار المدينة، و قبل أن يتم التوقيع على بنود الصلح، أشار عليه سعد بن معاذ بالغاء الصلح و أعلن استعداده للقتال و التضحية، وافق (ص) سعداً على رأيه وألغى الصلح(3) .
و أشار سلمان الفارسي عليه (ص) بحفر الخندق حول المدينة فقبل مشورته و أمر المسلمين بحفر الخندق(4) .
و أشار عليه عمّه العباس بأن يجعل لابي سفيان مقاماً لحبّه للفخر فاستجاب له وقال:
«من دخل دار أبي سفيان فهو آمن»(5) .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) السيرة النبوية 2 / 266 - 272، ابن هشام، السيرة النبوية، 2 / 402 - 458 ، ابن كثير .
(2) سيرة ابن هشام 3 / 67، سيرة ابن كثير 3 / 25 .
(3) سيرة ابن هشام 3 / 234 .
(4) سيرة ابن كثير 3 / 183، تفسير علي بن ابراهيم 2 / 177 .
(5) سيرة ابن هشام 4 / 46 .
-----(8)-----
وهنالك مجالات عديدة استشار (ص) أصحابه فيها أو قبل مشورتهم ابتداءً لا موجب لذكرها بعد أن تواتر في كتب السيرة أنه كان (ص) كثير الاستشارة وإن كان مستغنياً عنها لارتباطه بالوحي، ومع كل ذلك هنالك قرارات و مواقف انفرد باتخاذها ولم يستشر أحداً فيها، بل خالف آراء أغلب أصحابه ولم يلتفت لها، ففي صلح الحديبية رفض أغلب الصحابة قرار الصلح و اعتبروه ضعفاً، و رفضوا أن يمح الرسول(ص) اسمه من الرسالة ويكتفي بالتوقيع باسم (محمد) دون (رسول الله) ولكنه لم يستجب لآراء الصحابة وأمضى الصلح و كتب في صحيفة المعاهدة: (من محمد) و حذف (رسول الله) و خالف رأي الغالبية من أصحابه(1) ولم يستشر (ص) أحداً في غزوة بني قريظة، ولم يستشر أحداً في التوجه الى فتح مكة ولم يخبر أحداً إلاّ بعد أن قطع مسافة طويلة مبتعداً عن المدينة، فكان (ص) لا يستشير في بعض المواقف التي لا تزيدها الشورى قوة بل قد تؤدي الى الفوضى والاضطراب و التردد و تأخر اتخاذ القرار أو تسرب المعلومات الى العدو ، وفي المجالات التي كان يستشير بها يستمع الى جميع وجهات النظر ثم يتخذ قراره.
قال الامام علي بن موسى الرضا(ع): «ان رسول الله (ص) كان يستشير اصحابه ثم يعزم على ما يريد)(2) .
الشورى في عهد الخلفاء :
لا أريد أن أتحدث عن الاحداث التي جرت في السقيفة لانّها محل خلاف بين المسلمين من حيث صحة ما أفرزته من نتائج، ولكن أتحدث عن الواقع العملي بعد ان استقرت حكومة الخليفة الاول ببيعة المعارضين له بعد ثلاثة أشهر أو ستة أشهر، ففي الواقع
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سيرة ابن كثير 3 / 320، تاريخ اليعقوبي 2 / 54 .
(2) المحاسن 601، البرقي ، دار الكتب الاسلامية، قم، 1371 .
-----(9)-----
العملي كان أبو بكر إذا نزل به أمر دعا (عمر و عثمان وعلياً و عبدالرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل و أبىّ بن كعب و زيد بن ثابت) و استشارهم(1) .
و كان يستشير في مختلف شؤون المسلمين وكان (اذا ورد عليه أمر نظر في كتاب الله ... وان علمه من سنّة رسول الله (ص) أقضى به، و إن لم يعلم خرج فسأل المسلمين عن السنّة، فان أعياه ذلك دعا رؤوس المسلمين و علماءهم و استشارهم(2) .
وكان يستشير في القضاء وفي توليّة العمّال و الامراء(3) .
و كان يستشير في الشؤون العسكرية فحينما أراد غزو الروم (استشار جماعة فقدّموا وأخروا، ولم يقطعوا برأي فاستشار علياً في الأمر فقال: ان فعلت ظفرت، فقال: بشرّت بخير)(4).
وكان إذا عجز عن الاجابة على بعض المسائل دعا علياً (ع) فأجابه عنها، فمثلاً سأله اليهود عن مسائل متعدد فحول الجواب الى عليّ فأجابهم(5).
و سأله ملك الروم عن مسائل فأخبر بذلك علياً فأجابه (6).
و أراد أن يقيم الحدّ على شارب خمر فقال الرجل اني شربتها ولا علم لي بتحريمها، فاستشار أبو بكر علياً فقال: امرّ نقيبين من رجال المسلمين يطوفان به على المهاجرين و الأنصار و ينشدانهم: هل فيهم أحداً تلا عليه آية التحريم ففعل ... ثم خلّى سبيله ولم يحدّه(7) .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كنز العمال 5 / 627 .
(2) السنن الكبرى 10 / 114 ، البيهقي، دار المعرفة، بيروت .
(3) كنز العمال 5 / 469 ، 620 .
(4) تاريخ اليعقوبي 2 / 133، دار صادر ببيروت .
(5) ذخائر العقبى 80 ، الطبري ، مؤسسة الوفاء ، 1401 هـ .
(6) مناقب آل أبي طالب 2 / 397 - 399، ابن شهر آشوب، دار الاضواء 1412 هـ ط 2.
(7) نفس المصدر السابق .
-----(10)-----
وكان أبو بكر ينفرد برأيه أحياناً ولا يلتفت الى آراء الصحابة، فانفرد بقتال مانعي الزكاة، ولم يلتفت الى رأي عمر بن الخطاب و بعض الصحابة في عزل خالد بن الوليد بعد قتله لمالك بن نويرة(1) .
وكان عمر بن الخطاب كثير الاستشارة وكان يستشير مختلف الطبقات من الصحابة وغيرهم، فكان يستشير كبار الصحابة الذين استشارهم أبو بكر(2) .
(و كان إذا نزل به الامر المفصل دعا الفتيات فاستشارهم يبتغي حدة عقولهم)(3) .
و كان يستشير حتى النساء خصوصاً ابنته حفصة(4) .
و في مختلف الغزوات كان يستشير أهل الخبرة العسكرية و خصوصاً علي بن أبي طالب(ع) فاستشاره في الخروج بنفسه الى غزو الروم، فأشار عليّ (ع) بالبقاء في المدينة و أن يرسل قائداً شجاعاً بدلاً عنه وقال: (فان أظهرك الله فذاك ما تحبّ، وان تكن الاخرى كنت ردءاً للناس ومثابة للمسلمين)(5) .
وفي غزوة نهاوند أشار عليه بالبقاء في المدينة و ابقاء أهل الشام و اليمن في بلدانهم خوفاً من هجوم الروم و الحبشة عليهم من الخلف، و ان يستعين بثلت أهل البصرة و ثلث أهل الكوفة، فأخذ عمر برأي علىّ و نفذّ ما أشار عليه(6) .
و كان يستشير علياً (ع) في شؤون القضاء، فاستشاره في عقوبة شارب الخمر فقال: (أرى أن تجلده ثمانين ، فانّه إذا سكر هذى، و إذا هذى افترى) فجلد في الخمر ثمانين(7) .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ اليعقوبي 2 / 131 - 132 .
(2) كنز العمال 5 / 627 .
(3) السنن الكبرى 10 / 113 .
(4) تاريخ عمر بن الخطاب ، ص 101، ابن الجوزي، دمشق ، ط 2 .
(5) نهج البلاغة 192، تحقيق صبحي الصالح، تاريخ الطبري 2 / 449.
(6) المنتظم 4 / 273، ابن الجوزي، دار الكتب العلمية 1412 ، ط 1 .
(7) تاريخ المدينة المنورة، 2 / 732، ابن شبّه النميري، مكة المكرمة، 1399 هـ.
-----(11)-----
و استشار الصحابة في امرأة دعاها عمر لما بلغه عنها أمر مريب فارتاعت و سقط جنينها فقال الصحابة: ما نرى عليك شيئاً فقال عليّ(ع): (أمّا المأثم فأرجوا أن يكون محطوطاً عنك و أرى عليك الديّة)(1) .
و ذكر الطبري عدة روايات استعان بها عمر بعليّ في شؤون القضاء وكان عليّ يتدخل ابتداءً دون استشارة ليغيّر الحكم الذي حكم به عمر و يمضي عمر ما حكم به عليّ(2).
و استشار عمر الصحابة في ما يتعلق باسلوب تداول الثروة وكان يختار رأي عليّ من بين الآراء، فاستشارهم في حقّه في بيت المال فقـال الصحابة: (القول قول ابن أبي طالـب)(3).
و شاور في سواد الكوفة فأشار عليه عليّ أن يقرّ الاراضي في أيدي أصحابها لتكون للمسلمين في هذا العصر و العصور التي تليه فقال عمر : (وفّقك الله هذا الرأي)(4) .
و حينما أراد كتابة التاريخ استشار الصحابة فقدموا و أخروا ، ولكنه ترك أقوالهم و أخذ برأيّ عليّ من أن يكتب من يوم الهجرة الى المدينة(5) .
و اختار في أغلب استشاراته رأي عليّ لأنه الأعلم بالكتاب و السنّة كما هو الظاهر من الروايات المستفيضة عن رسول الله في كتب الفريقين، ومع كثرة استشارة عمر إلاّ انه انفرد في بعض القرارات و المواقف برأيه ولم يلتفت الى آراء الصحابة و على سبيل المثال أنه أبقى رؤوس الصحابة في المدينة و لم يسمح لهم بالخروج منها الى باقي الامصار أو الاشتراك في الغزوات وقال: (ها انّي ممسك بباب هذا الشعب أن يتفرق أصحاب محمد في
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) اعلام الموقعين 1 / 215، ابن قيم الجوزية، دار الجيل، ببيروت .
(2) ذخائر العقبى 81 - 82 .
(3) تاريخ الطبري 2 / 453، المنتظم 4 / 197 .
(4) تاريخ اليعقوبي 2 / 151 - 152 .
(5) تاريخ المدينة المنورة 2 / 758 ، الكامل في التاريخ ، 2 / 526 .
-----(12)-----
الناس ...)(1) .
وفي عهد عثمان بن عفّان كانت الشورى قائمة في أغلب شؤون الدولة، ففي القضاء كان إذا جاءه الخصمان (قال لاحدهما اذهب ادع علياً، وقال للاخر : اذهب فادع طلحة و الزبير و نفراً من أصحاب النبى (ص) ... فان قالوا مـا يوافق رأيه أمضـاه و إلاّ نظر فيه بعـد ...)(2) .
وكان علي(ع) يتدخل أحياناً لتغيير الحكم الذي أصدره عثمان ويشير عليه بالحكم الأصوب فيأخذ برأيه(3) .
و استشار عثمان الصحابة في جمع القرآن على قراءة واحدة بعد اختلاف القراءات ، فأخذ برأي عليّ ولم يأخذ بآراء بعض الصحابة(4) .
و حينما ثار أهل الكوفة على واليه عليها جمع أمراء الجيش و بعض الولاة فاستشارهم فاشاروا عليه بان يشغلهم بالجهاد ففعل(5) .
وحينما توسع نطاق المعارضة و اجتمع المعارضون من مختلف الأمصار و توجهوا الى المدينة فاستشار علياً، فاشار عليه باصلاح بعض الأوضاع و تغيير بعض الولاة، فتقبّل عثمان ما اشار به عليه(6).
ولكنّ عثمان - مع كثرة استشارته - كان ينفرد برأيه في كثير من الاحيان و لم يلتفت الى رأي أحد، فلم يلتفت الى آراء الصحابة وخصوصاً عليّ(ع) في عزل مروان أو التحديد من صلاحياته، و قد كلّمه عليّ و بعض الصحابة عدّة مرّات في ذلك فلم يستجب لهم(7) .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) شرح نهج البلاغة 20 / 20 .
(2) السنن الكبرى 10 / 112 .
(3) الموطأ 2 / 825 ، مالك بن أنس .
(4) الكامل في التاريخ 3 / 112 .
(5) البداية و النهاية 7 / 167 .
(6) البداية و النهاية 7 / 171 .
(7) حوادث سنة 35 هـ من تاريخ الطبري، الكامل في التاريخ، البداية والنهاية.
-----(13)-----
وفي عهد عليّ (ع) كانت الشورى قائمة، ففي بداية البيعة أشار عليه المغيرة بن شعبة بابقاء معاوية على الشام، و لكنّه لم يستجب له(1) .
لانّ من أسباب الثورة على عثمان هو تولية معاوية على الشام فابقائه خلافاً لرأي الاغلبية من الامة و خلافاً لمطاليبهم، و أشار عليه بعض أصحابه بتفضيل الاشراف في العطاء و تقديمهم على غيرهم فرفض الالتزام بتلك المشورة(2) لانّه يرى ان التوزيع يجب أن يكون متساوياً كما كان في عهد الرسول(ص)، وكان يستشير في تعيين العمّال و الامراء و قادة الجيش، و استشار أصحابه في التوجه الى الشام فأجابه الاشتر: (يا أمير المؤمنين انّما لنا أن نقول قبل أن تقول فاذا عزمت فلم نقل، فلو سرت بنا الى الشام بهذا الحدّ و الجدّ لم يلقوك بمثله ...)(3) .
و حينما بعث جرير الى معاوية و أبطأ عليه أشار البعض عليه بالمقام بالكوفة، و أشار البعض الآخر عليه بالتوجه الى الشام، ولكنه وضع لهم حداً وسطاً وقال: (ان استعدادي لحرب أهل الشام و جرير عندهم إغلاق للشام، و صرف لاهله عن خير إن أرادوه، ولكنّي قد وقتّ له وقتاً لا يقيم بعده إلاّ أن يكون مخدوعاً أو عاصياً ، ولا أكره لكم الأعداء)(4) .
ومن المعروف و المشهور عنه انه كان لا يستشير في أمور القضاء، فلم يحدثنا التاريخ انه استشار أحداً في هذا المجال وكان (ع) حينما يستشير قد يأخذ بآراء البعض و قد ينفرد برأيه إن كان هو الاصلح، وكان رأيه في الشورى يظهر من قوله لعبد الله بن عباس: (لك أن تشير عليّ و أرى فاذا عصيتك فأطعني)(5) .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ اليعقوبي 2 / 180 .
(2) شرح نهج البلاغة 2 / 197 .
(3) الامامة والسياسة 1 / 89 .
(4) الامامة و السياسة 1 / 89 .
(5) نهج البلاغة 531 .
-----(14)-----
الشورى في عهد الجمهورية الاسلامية الايرانية :
طبقت الجمهورية الاسلامية الايرانية مبدأ الشورى في كل مجالات الحياة وكانت الشورى هي الحاكمة على أغلب مقررات القيادة العليا أو رئاسة الجمهورية وكان للشعب الدور الاكبر في المشاركة في أغلبها ففي بداية الإنتصار شارك الشعب في تحديد نوعية النظام الذي يريده في انتخابات مرّة اختار من خلالها النظام الاسلامي بأكثر من 99 % من الاصوات .
و اشترك الشعب في انتخابات رئاسة الجمهورية وفي اختيار أعضاء مجلس الشورى، وفي تحديد أعضاء مجلس الخبراء، و مجلس صيانة الدستور، و للتأكيد على الشورى أوردها الدستور في اليمين الذي يقسم به رئيس الجمهورية بأن يحترز من الاستبداد كما جاء في المادة 121، و نصت المادة السادسة و السبعون على ان: لمجلس الشورى حق التحقيق و الفحص في كل شأن من شؤون البلاد، و المادة السابعة و السبعون نصت على وجوب مصادقة مجلس الشورى على المواثيق و المقاولات و المعاهدات والاتفاقات الدولية، وفي الواقع العملي كان الامام الخميني (رض) كثير الاستشارة في جميع مجالات الحياة الاقتصادية و السياسية والاجتماعية و كذلك الامام الخامنئي (حفظه الله) و رئيس الجمهورية، و كانت الشورى هي الحاكمة على مواقفهم المتنوعة فلم ينفردوا بالرأي إلاّ في المجالات الضرورية وكان انفرادهم محددًا جدّاً، و الشورى لها امتداد في كل بقعة جغرافية في ايران، فهنالك شورى في النواحي و الأقضية والمحافظات على هيئة مجالس اضافة الى مجلس الشورى الوطني الذي يضم في صفوفه أعضاءاً من مختلف الأديان و المذاهب، و الجلسات التي يعقدها تكون علنية و تبث من أجهزة الاعلام المختلفة، و اضافة الى كل ذلك ان مكاتب القائد أو رئيس الجمهورية تستقبل اقتراحات و آراء المواطنين مباشرة أو عبر الرسائل أو عن طريق أعضاء مجلس الشورى أو أئمة الجمعة .
-----(15)-----
فـوائـد الشـورى :
أكدّ الاسلام على الشورى لما يترتب عليها من نتائج ايجابية تنعكس على سير الاحداث و مسيرة المسلمين التاريخية نحو اقرار مبادىء الاسلام و قيمه في واقع الحياة ليكون الدين كلّه لله، وقد وردت روايات عديدة في أهمية الشورى منها :
قال رسول الله(ص): (ما خاب من استخار ولا ندم من استشار ...)(1) .
وقال (ص): (من أراد أمراً فشاور فيه امرءاً مسلماً وفقه الله لانجاز اموره)(2) .
وقال (ص): (استرشدوا العاقل و لاتعصوه فتندموا)(3) .
وقال عليّ (ع) :
(كفى بالمشاورة ظهيراً .
نعـم المظاهرة المشاورة .
من شاور الرجال شاركها في عقولها .
المشورة تجلب لك صواب غيرك.
شاوروا فالنجاح في المشاورة .
لا يتسغني العاقل عن المشاورة )(4) .
وقال عمر بن الخطاب : (لا خير في أمر أبرم من غير شورى)(5) .
وحدّد عليّ(ع) سبع خصال في الشورى فقال:
(في الشورى سبع خصال: استنباط الصواب، و اكتساب الرأي، و التحصّن من السقطة،
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مجمع الزوائد 8 / 96 .
(2) كنز العمال 3 / 409 .
(3) مستدرك الوسائل 2 / 65 .
(4) تصنيف غرر الحكم 441 .
(5) تاريخ الامم الاسلامية 2 / 17 محمد الخضري .
-----(16)-----
و حرز من الملاقه، و نجاة من الندامة، و إلفة القلوب و اتباع الاثر)(1) .
أولاً - فوائد الشورى للائمة :
1 - توثيق العلاقة بين الحاكم و الامة بمختلف طبقاتها بالوزراء و الامراء و القضاة والقادة العسكريين وباقي الأفراد، و تعميق العلاقة عامل من عوامل الطاعة للحاكم والاخلاص له و اداء الواجب عن قناعة .
2 - تجعل الافراد يشعرون بشخصيتهم و كرامتهم و انسانيتهم، و تشعرهم بانهم أصحاب القرار، فلا يترددون في تنفيذه .
3 - ابراز للكفاءات و القدرات و عامل مساعد على الابداع و الابتكار .
4 - تجسيد الحرية في الرأي و القول .
5 - تدريب الامة على الشجاعة في القول و في مواجهة الامور .
6 - وهي مظهر من مظاهر الاهتمام بالاحداث و المواقف و القرارات، تتمرن عليه الامة .
7 - اشعار الامة بالمسؤولية الشرعية اتجاه تطبيق الاسلام و رعاية المصلحة الاسلامية .
ثانياً - فوائد الشورى للحاكم الاسلامي :
1 - زيادة ثقة الامة بالحاكم الذي يستشيرها مباشرة أو عن طريق ممثليها فتستجيب لاوامره و نواهيه بقناعة تامّة و تندفع ذاتياً في التنفيذ.
2 - التوصل الى الرأي الاصوب الذى يحقق الأهداف بأسرع الاوقات و بأقل التكاليف.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) العقد الفريد للملك السعيد 43، النصيبي، مطبعة الوطن، القاهرة 1306 هـ .
-----(17)-----
3 - توزيع المسؤولية بين الحاكم و الامة و التخفيف من الجهد المبذول في جمع المعلومات و معرفة الظروف وفي التخطيط و إتخاذ القرار.
4 - اطلاعه على درجة استعداد الامة للقيام بالمسؤولية و التكليف وعلى قدراتهم المتنوعة في شتى المجالات .
5 - اطلاعه على أفكار الآخرين و توجهاتهم من حيث الإخلاص و درجة الولاء والاستعداد للطاعة، و الفرز بين الاولياء و الاعداء .
6 - تحصين الحاكم من الانزلاق و الانحراف و تقويمه ليستطيع أن يقوم باداء المسؤولية على أفضل وجه و طبقاً للدستور الاسلامي.
7 - التقليل من شأن الانتقادات الموجهة للحاكم بعد تعثر الاعمال المقررة من قبل الشورى .
8 - سد الثغرات أمام الاعداء و المغرضين للنيل من سمعة الحاكم و اتهامه بالاستبداد بالرأي و عدم احترام آراء الآخرين .
وجــوب الشـورى :
أمر الله تعالى رسوله (ص) بالشورى، و يقول الاصوليّون ان الامر ظاهر في الوجوب ما لم توجد قرينة تصرفه عن الوجوب الى الاستحباب، ولا أريد أن أبحث في وجوب الشورى أو استحبابها على الرسول(ص) لاستغنائه عنها، ولكن أنظر الى الواقع العملي فانّ الرسول(ص) كان كثير الاستشارة في مختلف الامور باستثناء الامور التي فيها نهي ثابت ورد في القرآن الكريم كالاحكام الشرعية وغيرها، وكان (ص) يأخذ برأي أصحابه أحياناً و ينفرد برأيه أحياناً أخرى، وكان لا يستشير في الامور الحساسة التي تحتاج الى سرعة في الحسم و اتخاذ القرار، وكان يستشير من أجل الاقتداء به من قبل ولاته وعمّاله أو من قبل
-----(18)-----
الحكّام المسلمين في كل زمان و مكان، و الذي يهمّنا في الموضوع هو ما يتعلق بالحاكم غير المعصوم هل تجب الشورى عليه ؟ و الصحيح هو وجوب الشورى، و قد دلت على ذلك الوجوب دلائل و شواهد عديدة، منها تأكيد القرآن الكريم على الشورى و تأكيد الرسول(ص) عليها حتى في الامور الشخصية بين فردين، و السيرة قائمة على الشورى سواء كانت سيرة نبوية أو سيرة الحكّام المسلمين والاولوية تدل على وجوبها على غير المعصوم من الحكّام، فالنووي (ت: 676 هـ) يقول: ( واختلف أصحابنا هل كانت الشورى واجبة على رسول الله(ص) أم كانت سنّة في حقه ... والصحيح عندهم وجوبها وهو المختار)(1) .
و بما انّ الحاكم غير المعصوم لا يستطيع بمفرده الوصول الى الرأي الأصوب والموقف الأصوب في كثير من الاحيان فتجب عليه الشورى لتأمينه من الخطأ و الانزلاق، اضافة الى ما تقدّم من أحاديث حول فائدة الشورى كلّها تدل على وجوبها على غير المعصوم، و وجوب الشورى على الحاكم الاسلامي محل اتفاق الفقهاء و العلماء من جميع المذاهب(2).
حتى جعلها ابن عطية (ت: 546 هـ) من أهم واجبات الحاكم:
(والشورى من قواعد الشريعة و عزائم الاحكام، ومن لا يستشير أهل العلم و الدين فعزله واجب هذا ما لا خلاف فيه)(3) .
هل الشورى ملزمة للحاكم الاسلامي ؟
بعد الاستشارة يتفحّص الحاكم آراء أتباعه من أهل الرأي و العلم أو آراء الامة ثم
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) شرح صحيح مسلم 4 / 46، النووي .
(2) المفيد، الطوسي، الطبرسي، ابن عطية، ابو بكر الجصاص، ابن تيمية، حسن البنا، المودودي، الشهيد الصدر .
(3) المحرر الوجيز 3 / 397 .
-----(19)-----
يختار الرأي الاصوب منها ثم يعزم على ما يريد، و وقع الاختلاف بين الفقهاء هل نتائج الشورى ملزمة للحاكم بالاخذ بها أو ببعضها أم غير ملزمة، فالشيعة متفقون على عدم إلزامها، أمّا السنّة فاختلفوا في إلزامها فذهب ابن عطية المالكي، و الجصاص الحنفي، و ابن تيمية الحنبلي، و القرطبي المالكي، و حسن البنا، و محمد سعيد البوطي، الى عدم لزومها، فالحاكم هو الذي يقرر الرأي النهائي سواء كان مطابقاً لاحد الآراء أو مطابقاً لرأيه(1) .
و ذهب بعض المتأخرين الى ان الشورى ملزمة و يجب على الحاكم الاسلامي الالتزام بنتائج الشورى، و هي آراء محمود شلتوت و عبدالكريم زيدان، و محمد عبدة، واحمد مصطفى المراغي(2) .
و عدم الالزام دلت عليه السيرة النبوية و سيرة الامام عليّ(ع) و سيرة الخلفاء الراشدين كما تقدّم فكانوا يستشيرون ثم يتخذون الموقف الحاسم، المطابق لاحد الآراء أو المطابق لرأيهم فقط، و العقل يحكم بذلك فالحاكم الاسلامي هو الذي يحسم الموقف وان لم يتقيّد برأي من الآراء ان وجد المصلحة كامنة في رأيه، لانّ الشورى قد تؤدي أحياناً الى الفوضى والاضطراب و انفلات الامور و خصوصاً ان التزام الحاكم برأي البعض دون البعض فالحسم موكول اليه في النهاية .
وفي عصرنا الحاضر ومن خلال التجربة العملية للجمهورية الاسلامية في ايران الذي وضع دستورها عدد من كبار الفقهاء و المفكرين و أصحاب الاختصاص نجد ان الحاكم الاعلى وهو الامام الخميني (رض) أو الخامنئي هو الذي يحسم الامر النهائي و ان كان مخالفاً أحياناً لرأي الاكثرية ان وجد المصلحة في ذلك .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المحرر الوجيز 3 / 399 ، أحكام القرآن 2 / 41 ، السياسة الشرعية 170 ، الجامع لاحكام القرآن 4 / 254 ، مواقف في الدعوة 156، فقه السيرة 324.
(2) الاسلام عقيدة و شريعة 462 ، الفرد و الدولة في الشريعة الاسلامية 47 ، تفسير المنار 4 / 199، تفسير المراغي 4 / 113 .
-----(20)-----
مـجـالات الشـورى
الشورى متعلقة بجميع المجالات التي لم يرد فيه نص ثابت واضح الدلالة من كتاب أو سنّة أو إجماع و خصوصاً الاحكام الشرعية، و بتعبير آخر ان مجالات الشورى تتعلق بالتطبيقات العملية فقط، في الحرب و السلم وفي العمليات الاقتصادية في اصدار القوانين التنظيمية للدولة، وفي تعيين الولاة و القضاة و الموظفين، و في مجالات التعليم و المؤسسات التربوية و الاعلامية، وفي مراقبة سير الاعمال وفي اختيار الحاكم الاسلامي الجديد، وفي اختيار الامناء على الدستور و على التطبيق .
طريقة الشورى و نموذج تجربة الجمهورية الاسلامية
لم يحدّد القرآن الكريم و السنّة النبوية طريقة خاصة للشورى، فلم يكن في عهد الرسول(ص) مجلس خاص للشورى متكون من أشخاص معينين، و انما كان يستشير رؤوس المهاجرين والانصار أحياناً و عموم الصحابة أحياناً آخر لبساطة الحياة السياسية والاجتماعية حيث كانت العلاقات يسيرة النشوء، فالرسول(ص) متواجد بين اصحابه في المسجد أو في منزله و منازلهم و كذلك الحال في العقد الاول من القرن الاول الهجري، ولهذا فانّ الاسلام ترك للمسلمين اختيار الطريقة المناسبة لظروفهم و الملائمة للعصر الذي يعيشون فيه، لان الاسلام صالح لكل زمان و مكان، و الهدف هو النتيجة بأي طريقة مشروعة، و الطريقة المعمول بها في الجمهورية الاسلامية في ايران تصلح أن تكون نموذجاً للشورى في جميع الحكومات الاسلامية، حيث تبدأ بمجلس شورى مصغرة في كل محلة وفي كل ناحية و قضاء و محافظة، ثم المجلس الوطني الذي يضم أعضاءً من جميع المدن كل مدينة يمثلها عدد من الاعضاء حسب حجم نفوسها، وهو يضم أعضاءاً من مختلف الاديان و المذاهب و القوميات و يضم بعض النساء من بين أعضائه، ولهم جلسات
-----(21)-----
مستمرة و منظمة و مناقشات لمختلف شؤون البلاد، و الاعضاء منتخبون من قبل الشعب وبحرية تامّة، وهو المسؤول عن جميع ما يجري في البلاد و تصدّق جميع المشاريع السياسية والاقتصادية من قبله، و للحاكم الاسلامي الاعلى مجموعة من المستشارين و كذلك الحال في رئاسة الجمهورية حيث له مستشارين في كل شؤون الحياة ومن مختلف الاختصاصات، وهنالك مجلس الخبراء في شؤون الدستور وفي شؤون تحديد الحاكم و مدى صلاحيته للاستمرار في حاكميته، و هنالك مجلس جديد وهو مجلس تشخيص المصلحة الاسلامية، وجميع هذه المجالس تتم فيها الشورى بأروع صورها و بحرية تامة، وجميع الاعضاء منتخبون من قبل الشعب، و استشارة الشعب يتم عن طريق صناديق الاقتراح حيث يبدي الفرد رأيه بحرية تامة دون ضغط أو إكراه، حتى صدق القول : (ان حكومة الجمهورية الاسلامية هي حكومة الشعب) فالشعب هو الذي يختار الحاكم الاعلى و رئيس الجمهورية و باقي أعضاء المجالس القائمة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة وقد أثرت طريقة الشورى و اشتراك الشعب في مختلف المجالات، في سير الاحداث و المواقف، فكان الشعب يقوم بالتكاليف و الاعمال و النشاطات بصورة تلقائية، و يستجيب لأوامر المسؤولين استجابة ذاتية مصحوبة بالرضا و الارتياح لانّه يشعر بانّه شارك في قرار الجمهورية الاسلامية، ويشعر بكرامته و شخصيته و استقلاله، فكان يسارع في انجاح جميع المشاريع الاقتصادية والاجتماعية و السياسية، ولا تتكلّف الدولة عناء الحث و المتابعة و المراقبة إضافة الى تعميق الثقة بين الشعب و المسؤولين و وصولها الى أوج درجاتها، و كان الشعب ينظر الى الاوامر والتوجيهات و القوانين نظرة مقدسة، و يشعر بحرمة المخالفة و وجوب التطبيق، ويجعل الله تعالى هو الرقيب عليه .
-----(22)-----
شروط المستشارين
في تحديد شروط المستشارين و مواصفاتهم قال الامام جعفر بن محمد الصادق(ع): (شاور في امورك ما يقتضي الدين من فيه خمس خصال: عقل، و علم، وتجربة، و نصح وتقـوى، فان تجد فاستعمل الخمسة و أعزم و توكل على الله فانّ ذلك يؤديك الى الصواب)(1) .
فهذه أهم الشروط و المواصفات ويمكن تقسيمها الى محاور من خلال أحاديث الرسول (ص) و آراء غيره .
1 - الـتـقـوى :
قال الرسول(ص) : استشيروا في أمركم الذين يخشون ربّهم)(2) .
فالذي يخشى الله و يكون ملازماً للتقوى فانه يبدي رأيه الواضح الصريح و يقدم المصلحة الاسلامية على مصلحته الشخصيّة .
2 - أن يكون عاقلاً ناصحاً :
قال الرسول(ص): (مشاورة العاقل الناصح رشد و يمن و توفيق من الله فاذا أشار عليك الناصح العاقل فاياك والخلاف فانّ في ذلك العطب)(3) .
فالمستشار اذا كان ناصحاً وفي أعلى درجات الوعي فانه لا يشير إلاّ بالرأي الاصلح و الأصوب .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مستدرك الوسائل 2 / 65 .
(2) المحاسن ص 600 - 601 .
(3) المحاسن ص 600 - 601 .
-----(23)-----
و قال (ص) : (الحزم مشاورة ذويّ الرأي و اتّباعهم)(1) .
3 - العلم و العدالة والكفاءة :
في مجال اختيار الحاكم الاسلامي يقوم المجلس المخصص لذلك بالتشاور بين أعضائه للوصول الى تشخيص الحاكم و اختياره، و يجب ان تتوفر فيهم الشروط الثلاثة وهي العدالة والعلم و الكفاءة ، يقول القراء : (أما أهل الاختيار فيعتبر فيهم ثلاث شروط: أحدهما العدالة والثاني العلم، الذي يتوصل به الى معرفة من يستحق الامامة، و الثالث: أن يكون من أهل الرأي و التدبير المؤديين الى اختيار من هو للامامة أصلح)(2) .
4 - موضع ثقة الامّة :
يرى المودودي وجوب حصول المستشارين على ثقة الامة فيقول: (... أن يشاور في أمر المسلمين من يكون حائزاً لثقة عامتهم، و يكون الناس على اطمئنان من اخلاصه)(3).
5 - الامـانــة :
يجب أن يتصف المستشارون بالامانة و النزاهة حتى تكون القرارات و الآراء السابقة لها موضع اطمئنان، قال ابن قدامة: (و يشاور أهل العلم و الامانة)(4) .
وقال الكاشاني : (... ان يكونوا ممّن يثق بدينه وأمانته)(5) .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المحاسن ص 600 - 601 .
(2) الاحكام السلطانية ص 19 .
(3) تدوين الدستور الاسلامي ص 58 .
(4) المغني 10 / 139 .
(5) بدائع الصنائع 7 / 12 .
-----(24)-----
كلمـة أخيـرة :
قد تبيّن من خلال ما تقدم أهمية اشتراك الامة في الشورى لكي تتعمق العلاقة بين الحاكم و رعيته و يتوصلوا الى الرأي الأصوب و الموقف الاصوب المنسجم مع المصلحة الاسلامية الكبرى، فالاحرى بالمجتمعين في مؤتمرات الوحدة و التقريب أن يتشاوروا في كل أمر يتعلق بالوحدة و التقريب و يضعوا برامج و مناهج عمل مشتركة و يشكّلوا لجان متخصصة تعمل على مدار السنة، و تتابع فيها حركة الوحدة و التقريب، و تتجاوز المعوقات والثغرات و وضع خطط جديدة تساعد على الوصول الى الاهداف الكبرى بتظافر الجهود والامكانيات، ثم يكون المؤتمر الجديد مناسبة جديدة لتقييم مسيرة الوحدة و التقريب ، ولا يقتصر على إلقاء الخطب و قراءة البيان الختامي، فيجب أن تكون النشاطات والاعمال بمستوى الطموح، و بمستوى التحديات التي تتعرض لها امتنا الاسلامية و خصوصاً ما تقوم به الدول الاستكبارية من مؤامرات لأبقاء حالة الفرقة و التمزّق وما يقوم به أذنابهم من إثارة الفرقة تحت لافتات اسلامية أو مذهبية، فلنتشاور معاً و لتوسع عدد المتشاورين لكي نصل الى وحدة الامة الاسلامية بأسرع وقت و بأقل التكاليف.