المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية
الصفحة الرئيسية »  المقالات »  المؤتمر الدولي الـ 23 للوحدة الاسلامية / طهران 2010 م » 
حوار المذاهب والأقليات وأثره في درء الفتن والعدوان الخارجي
   

 

 

حوار المذاهب والأقليات
وأثره في درء الفتن والعدوان الخارجي

 

أ . د . علي محيى الدين القره داغي

أسـتاذ بجامعة قـطـر

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم



الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيدنا وحبيبنا وقدوتنا محمد المبعوث رحمة للعالمين، وعلى اخوانه من الأنبياء والمرسلين، وعلى آله الطيبين، وصحبه الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين

وبعد

فإن أمتنا الإسلامية منذ القرنين الأخيرين تمر بأزمات متواصلة، وتعاني من فتن واضطرابات متلاحقة، فقد جُرِّبت عليها مجموعة من الأفكار والأيدلوجيات البعيدة عن منبعها الصافي، مثل القومية (بمعناها العنصري المفرق وليست بمعناها الايجابي) والاشتراكية والشيوعية، بشتى أنواعها ومختلف صنوفها، وأسقطت الخلافة العثمانية التي كانت ـ على الرغم مما لها وعليها ـ تمثل رمزاً لوحدتها، واحتلت أراضيها، ومزقت وحدتها، وفرضت عليها القوانين والأنظمة العربية، أو الشرقية .

وقد دخل العالم الإسلامي بعد احتلال معظم بلاده في دوامة لا نهاية لها أخرتها قروناً عديدة، وحينما أُخْرِج المحتلون سياسياً تركوها ممزقة متخلفة، وسلبوا خيراتها، وسرقوا ثرواتها ... لم يتركوها مستقلة، دون مشاكل، بل ظلت آثارهم الاقتصادية والقانونية والاجتماعية، وحتى السياسية باقية، وفي بعض الأحيان تصبح بعض بلداننا حقولاً للتجارب الفكرية، وكما جربوا على بعضنا تجاربهم المعملية بدلاً من الحيوانات .

ومع ظهور الصحوة الإسلامية وتمكنها في بعض البلاد (بعد فشل الأيدلوجيات البعيدة عن ديننا وقيمنا في تحقيق أي خير دنيوي أو ديني للمجتمعات الإسلامية) ظهرت مشكلة أخرى تعتبر من أخطر المشاكل، بل هي فتنة أكبر من القتل، وهي فتنة ما يسمى (الطائفية) والمقصود بها الصراع الطائفي بين السنة والشيعة، وقد أذكيت نار هذه الفتنة خلال الحرب العراقية الإيرانية 1980م-1988م التي حاول الإعلام القومي إضفاء وصف آخر، وهو الحرب القومية العربية الفارسية، أو الحرب بين القومية العربية و( الفرس المجوس )، حسب تعبير بعض وسائل الإعلام القومية في هذا الوقت، وألفت في ذلك كتب سواء كان ذلك تحت الغطاء الديني، أو القومي، مثل كتاب (وجاء دور المجوس) وغيره كثير .

وبعد احتلال العراق من قبل القوات الأمريكية والبريطانية والقضاء على جيشه، وفك مؤسساته الأمنية، ظهرت الفتنة الطائفية في العراق بشكل واضح، وبالأخص بعد تدمير القبتين للإمامين الجليلين العسكريين (رضي الله عنهما وعليهما السلام) في مدينة سامراء، حيث ظهرت الهجمات الطائفية بشكل جماعي مؤسسي، وأصبحت الضحايا بعشرات الآلاف، وساعد على ذلك السفهاء من الفريقين .

وفي اعتقادي إذا لم يتدخل العلماء والحكماء من الطرفين تدخلاً حكيماً، ولم تتم الحوارات الجادة على كافة المستويات فإن الفتنة تأكل الأخضر واليابس، ويكون الخاسر الوحيد الأمة الإسلامية بجميع فرقها ومذاهبها، والمستفيد الوحيد الأعداء الذين يتربصون بنا الدوائر، كما أن كل من ساهم أو يساهم في اذكاء نار الفتنة يتحمل وزرها ووزر الآثار المدمرة منها .

إن أعداء الإسلام يفعلون كل ذلك لحماية الدولة الصهيونية ومخططاتها، إذ يعلمون علم اليقين أنها لن تستطيع بملاينها الأربعة أو الخمسة أن تستمر فترة طويلة وهي محاطة بحوالي مليار ونصف من المسلمين من كل جانب، لذلك كانت الصهاينة في السابق تبني مشروعاتها التوسعية وتراهن على أساس أن الأمة الإسلامية كانت مغيبة عن عقيدتها وشريعتها، وممزقة بأيدلوجيات بعيدة عن إسلامها .

ولكنها بعد الصحوة الإسلامية التي عمت البلاد والعباد وأيقظت الأمة الإسلامية، ونجحت في مناطق كثيرة جاء المشروع الصهيوني بمخططات تقضي على هذه الصحوة بإشغالها بأنفسها، وإشغالها بالفتن الداخلية من سنة وشيعة، ونحو ذلك .

ونحن هنا لا نحمل المسؤولية كلها على المشروع الصهيوني، ولا نجعله شماعة نعلق عليه كل مشاكلنا، لأن المسلمين هم المسؤولون أمام الله تعالى، ثم أمام الأجيال والتأريخ عن كل ما حدث، أو يحدث، وإنما نتحدث عن المخططات الخارجية التي هي حقيقة لا يمكن انكارها .

والمشروع الصهيوني يستفيد من التأريخ ولديه ذاكرة جيدة عن تأريخنا، إذ أن التأريخ سجل أن الصليبين استطاعوا أن يحتلوا الشام، والقدس الشريف أكثر من مائة سنة في ظل تفرق الأمة الإسلامية في ذلك الوقت حيث تفرقت إلى دولة خلافة سنية في بغداد، ودولة سمت نفسها بالفاطمية، وهي كانت عبيدية بعيدة عن آل البيت، وحتى لم تعترف بصحة نسبتها إليهم الامامية إلى الآن .

وحينما توحدت الأمة في ظل راية واحدة استطاع صلاح الدين الأيوبي أن يحرر القدس الشريف والشام كله من أرجاسهم، ولذلك يقول المؤرخ الانجليزي توينبي: (هناك تأريخ قبل صلاح الدين، وتأريخ آخر بعد حكمه) .

لذلك ففرقة الأمة الإسلامية إبقاء ونماء وتطوير وتوسيع للمشروع الصهيوني، وان ووحدتهم ووحدة رايتهم نهاية لهذا المشروع، وهكذا، كما قال الله تعالى: (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لَأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا) سورة الاسراء / الآية7

ونحن في هذا البحث نلقي الأضواء على الحوار في الإسلام، بين المسلمين بعضهم والبعض، وبينهم وبين غيرهم، وتأصيله وانواعه وآدابه، وآثاره مركزين على القرآن الكريم، وسنة نبيه المطهرة، داعين الله تعالى أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن يجمع هذه الأمة على خير العمل، وعمل الخير، وأن يزكي أنفسها فهو خير من زكاها فهو وليها ومولاها، وان يغيرها نحو الوحدة وأن يكشف هذه الغمة عن هذه الأمة، ويعيد لها عزتها وكرامتها ..... آمين



























التعريف بالحوار والكلمات ذات العلاقة:

أ ـ الحوار، لغة مصدر حاور من باب المفاعلة التي هي للمشاركة التي يظهر فيها قوة الفاعل على عكس مشاركة باب التفاعل التي تدل على المساواة بين المتشاركين .

فإذا أريد التعبير عن مشاركة متساوية يعبر عنها بباب تفاعل، فيقال: تحاور زيد وعمرو أي اشتركا في المراجعة دون أن يغلب أحدهما على الآخر في حين إذا أريد التعبير عن أحد المتحاورين يريد إلزام الآخر بالحجج والبراهين قيل: حاور زيد عمراً .

والحوار والمحاورة بمعنى المراجعة في الكلام، وأصله: حار بمعنى رجع، فقال تعالى: (إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ)[1] وبمعنى التردد فيقال: حار في أمره، وحاوره محاورة وحواراً: جاوبه، وجادله[2] .

وقد ورد في القرآن الكريم بلفظ (يحاوره) مرتين في سورة الكهف: (فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً)[3] و (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً)[4] و بلفظ تحاوركما في سورة المجادلة: (.... وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ..... )[5] .

ب ـ الجدال والمجادلة، هما مصدرا جادل من باب المفاعلة أيضاً، والجدال من الجدل وهو في أصل اللغة من: جدل الحبل إذا فتله، ويطلق على المخاصمة والمراجعة لاظهار ما يؤمن به المجادل[6]، قال أبو البقاء: (الجدل هو عبارة عن دفع المرء خصمه عن فساد قوله بحجة أو شبهة، وهو لا يكون إلاّ بمنازعة غيره، والنظر قد يتم به وحده)[7] .

وفي الاصطلاح لا يختلف معناه كثيراً عن معناه اللغوي يقول أبو البقاء: (والمجادلة هي المنازعة في المسألة العلمية لالزام الخصم سواء كان كلامه في نفسه فاسداً أو لا )[8] .

وقد استعمل الجدل، والجدال وأفعالهما في القرآن الكريم 29 مرة منها قوله تعالى: (وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ)[9] وقوله تعالى: (وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ )[10] .

ويظهر من الآيات التي استعملت فيها هذه الكلمة أن الناس استعملوا الجدال في انواع كثيرة في الدنيا والآخرة، وان الجدال قد يكون بالحق، وقد يكون بالباطل، وقد يكون بالأحسن، وقد يكون بالأسوأ، كما دلت على أن الجدل من طبع الإنسان، ولكن الشرع هو الذي يهذب كيفية هذا الجدال ليكون بالأحسن الذي تتوافر فيه القيم السامية والآداب الحسنة فقال تعالى: (وَكَانَ الْإنسان أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً)[11] وقال أيضاً (وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ )[12] كما أن الجدال قد يكون للوصول إلى بيان الحق فقط كما في قوله تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ)[13] .

ونقف وقفة من أن القرآن الكريم خص الجدال مع أهل الكتاب بالجدال بالتي هي أحسن بأسلوب الحصر فقال تعالى: (وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)[14] فقد قال المفسرون[15] في بيان سبب هذه الخصوصية: ان هذه الآية محكمة وليست منسوخة وأن أهل الكتاب بما أنهم مشتركون مع المسلمين في أصل الايمان بالله، والغيبيات فيجب مراعاة ذلك، بحيث يختار أحسن الأساليب لفظاً ومعنى ودلالة في جدالهم، ولذلك أشار القرآن الكريم إلى القواسم المشتركة بيننا وبينهم فقال تعالى: (وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)[16] .

ولم يكتف القرآن بهذه الخصوصية، بل عمم الأمر بالجدال بالتي هي أحسن لجميع أمور الدعوة، فأمر الله تعالى نبيه بقوله: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)[17] .

ج ـ المناظرة، مصدر ناظر من باب المفاعلة أيضاً، وهي من النظر بمعنى الرؤية، أو التدبر، والتفكير[18] .

والمناظرة في الاصطلاح هي: النظر بالبصيرة من الجانبين في النسبة بين الشيئين اظهاراً للصواب وقد يكون مع نفسه[19] .

د ـ المناقشة، هي مصدر ناقش، وهي لغة من النقش، فيقال: نقش الشيء نقشاً، أي بحث عنه، واستخرجه، وناقشه مناقشة ونقاشاً أي استقصى في حسابه، وناقش المسألة، أي بحثها[20] .

والمناقشة في الاصطلاح هي: مراجعة الكلام بقصد الوصول إلى الحق غالباً[21] .



هـ ـ المراء، والمماراة، مصدر: مارى يمارى، أي ناظره وجادله، وفي التنزيل: (فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِراً )[22] وقوله تعالى (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى)[23] أي تتجادل وتشك، حيث يقال: تمارى القوم أي تجادلوا، وتمارى في الشيء أي شك فيه[24] .

قال الفيومي: (ولا يكون المراء إلاّ اعتراضاً، بخلاف الجدال، فإنه يكون ابتداء واعتراضاً )[25] .

التعريف المختار للحوار والجدال :

الذي يظهر لي من هذا العرض أن الحوار والجدال في الاصطلاح بمعنى واحد، وان كان لفظ الحوار أرق وأخف وأكثر دلالة على الرقة والهدوء من لفظ الجدال وبالتالي فالتعريف المختار لهما هو:

( المراجعة بالكلام ونحوه بين شخصين في الحجج والبراهين للوصول إلى ما يريدانه أو يريده أحدهما، اظهاراً لما يعتقد صحيحاً، أو كشفاً للحقيقة) .



الفروق بين هذه الكلمات والكلمات المتقاربة بايجاز:

نكتفي في هذه الفروق بين المناظرة، والمجادلة، والمكابرة، والمعاندة، والمغالطة، والمناقضة بما ذكره أبو البقاء في كلياته حيث يقول: (المناظرة هي النظر بالبصيرة من الجانبين في النسبة بين الشيئين اظهاراً للصواب، وقد يكون مع نفسه، والمجادلة هي المنازعة في المسألة العلمية لالزام الخصم سواء كان كلامه في نفسه فاسداً أو لا، وإذا علم بفساد كلامه وصحة كلام خصمه فنازعه فهي المكابرة، ومع عدم العلم لكلامه وكلام صاحبه فنازعه فهي المعاندة، وأما المغالطة فهي قياس مركب من مقدمات شبيهة بالحق، وتسمى سَفْسَطة، أو شبيهة بالمقدمات المشهورة، ويسمى مشاغبة، وأما المناقضة فهي منع مقدمة معينة من الدليل إما قبل تمامه وإما بعده ... والمناقشة المصطلح عليها في علم الجدل هي تعليق أمر على مستحيل اشارة إلى استحالة وقوعه ..... والمعارضة هي في اللغة عبارة عن المقابلة على سبيل الممانعة والمدافعة ..... )[26] .

ونحن لا نتحدث عن هذه المعاني والمصطلحات المنطقية والجدلية والكلامية، وإنما نتحدث عن الجدال والحوار حسب مفهومهما القرآني، حيث استعملهما في معنى واحد، وجمعها في آية واحدة للدلالة على معناهما الواحد فقال تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ)[27] .

كما تبين لنا من الآيات الكريمة التي ورد فيها لفظ التحاور والجدال أو مشتقاتهما أنهما تشملان كل الصور العقلية من الجدال والحوار بالحق، أو بالباطل، أو لأجل بيان الحقيقة، حتى الجدال في الدنيا وفي الآخرة، كما أن هذه الايات تتضمن مجموعة من المبادئ والضوابط والآداب التي تتعلق بالحوار والجدال ـ كما سيأتي ـ

حكم الحوار:

الحوار من حيث المبدأ مشروع، ولكن الحكم التكليفي فيه يختلف باعتبار الغاية والوسيلة فإن كانتا مشروعتين بأن كانت الغاية إحقاق الحق أو إبطال الباطل، والوسيلة مباحة، فهو حوار ممدوح، ومشروع، وحينئذ قد يكون مستحباً إذا حقق الحوار خيراً للفرد، أو الجماعة أو الأمة، أو درء شر لهم، وقد يكون واجباً كفائياً للدفاع عن الحق بالأسلوب السليم، لأنه يدخل ضمن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعطة الحسنة، والجدال بالأحسن فقال تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)[28] وقال تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)[29] . كما ان الحوار بالحق، والجدال بالتي هي أحسن من سنن الأنبياء والمرسلين عليهم السلام، مع أممهم، حتى يتضح الحق ويحق الصواب، ويبطل الباطل ويزهق الشر، ولا يتم ذلك إلاّ بالحجج والبراهين والأدلة التي تبرز من خلال الجدال والحوار، وهذا هو المقصود بإقامة الحجة عليهم بالرسالات المستظهرة بالعقل والمؤيدة بالبراهين[30] .

وقد يصبح الحوار والجدال فرض عين إذا تعين على شخص ما الدفاع عن الحق، أو إذا علم بأن الحق لا يظهر إلاّ من خلال الحوار والجدال، فإذا تعين الوصول إلى الحق بالحوار والجدال فيصبح فرضاً على من هو القادر على ذلك .

وان كانت الغاية من الحوار هو احقاق الباطل، أو يفضي إليه، أو كان القصد منه التعالي على الخصم، والغلبة عليه، أو كانت وسيلة الحوار غير مشروعة فإن هذا الحوار هو الحوار المذموم المحرم، وهذا الجدال هو الجدال المذموم المحرم، وقد يكون مكروهاً إذا لم يصل الأمر إلى ما سبق بأن كان القصد منه حسب الظهور والغلبة في الخصومة[31] .

ولذلك وجه القرآن الكريم المسلمين إلى الجدال الممدوح بل إلى أفضل أنواع الجدال، وهو الجدال بالتي هي أحسن، لأن الغرض لا بدّ ان يكون احقاق الحق، وازهاق الباطل بالبراهين والحجج للوصول إلى القناعة والرضا أو أن يكون بيان الحق فقط، مع الحفاظ على الود دون ان يترتب عليه الحقد والعداء والبغضاء والكراهية، حيث إن ظاهر الآية يدل على ذلك بأن يؤدي حوارنا وجدالنا إلى التقارب في التعامل، والتعايش في الوطن، لا إلى الصراعات والمشاكل، فقال تعالى: (..... وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ....... )[32] في حين أن الله تعالى بين أن أهل الكفر والباطل يجادلون بالباطل فقال تعالى: (.... وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ.... )[33] .



لا تعارض بين ذمّ الجدال ومدحه:

فالنصوص الشرعية من الكتاب والسنة التي يفهم منها ذم الجدال تحمل على الجدال بالباطل والجدال المحرم المذموم ـ كما سبق ـ

وأما النصوص التي أمرت بالجدال والحوار فهي محمولة على الجدال بالحق، وبالتي هي أحسن، إذن فلا تعارض بينهما والحمد لله .



أهمية الحوار وفوائده:

للحوار والجدال أهمية قصوى في خدمة الدين وإظهاره، وفي خدمة الجماعة والمذاهب، والجماعات والأمة الإسلامية نذكر أهمها:

أولاً ـ الحوار بالحق والجدال بالتي هي أحسن جهاد، وبيان للحق، وصدع به، بل هو داخل في الجهاد الكبير، وهو الجهاد بالقرآن الكريم وبيانه، وحججه وبراهينه، فقال تعالى: (وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً )[34].

والحوار بالحق والجدال بالتي هي أحسن من النصيحة في الدين، وهي لها من الأهمية حتى جعلها الرسول صلى الله عليه وسلم هي الدين كله فقال عليه الصلاة والسلام: (الدين النصيحة )[35] .

والدليل على أنه من النصيحة قوله تعالى حكاية عن نوح عليه السلام: (وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)[36] وذلك في جواب ما قاله قومه: (قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)[37] .

قال ابن القيم في قصة وفد نصارى نجران وما اشتملت عليه من فوائد : ( ومنها: جواز مجادلة أهل الكتاب ومناظرتهم، بل استحباب ذلك، بل وجوبه إذا ظهرت مصلحته من إسلام من يرجى إسلامه منهم واقامة الحجة عليهم، ولا يهرب من مجادلتهم إلا عاجز عن اقامة الحجة، فليؤد ذلك إلى أهله (أي القادرين عليه )[38] .

وقال الشوكاني عند تفسير قوله تعالى: (ما يجادل في آيات الله إلاّ الذين كفروا )[39] أي ما يخاصم في دفع آيات الله وتكذيبها إلاّ الذين كفروا، والمراد: الجدال بالباطل، والقصد إلى دحض الحق، فأما الجدال لاستيضاح الحق، ورفع اللبس، وتمييز الراجح من المرجوح، ودفع ما يتعلق به المبطلون، فهو من أعظم ما يتقرب به المتقربون، وبذلك أخذ الله الميثاق على الذين أوتوا الكتاب فقال (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه )[40] .

ثانياً ـ ازالة الشبهات والعقبات في طريق وحدة الأمم، حيث يتعارف بعضهم على بعض من خلال الحوار الجاد والبنّاء، وبذلك تدرأ الحروب والفتن ـ كما سيأتي ـ .

أسباب الحوار (الخلاف) :

للحوار أسباب كثيرة متنوعة ومختلفة، ولكن نستطيع القول انها تعود إلى الخلاف بين المتحاورين سواء كان الخلاف جذرياً وكبيراً، أم بسيطاً وخفيفاً، ولذلك نتحدث بإيجاز عن الخلاف بمعناه الشمولي .

فالخلاف يقصد به وجود تمايز بين شخص وآخر من حيث الدين والعقيدة، والأيدلوجية، أو المذهب، أو الفكر، والتصور، أو من حيث العرق والجنس، والقبيلة، أو من حيث اللون والشكل، واللغة .

ومن هنا يتبين لنا أن بعض انواع الاختلاف إرادي (أي للإنسان دور فيه) يتبع إرادة الإنسان واختياره كما هو الحال في الاختلاف في الدين والعقيدة، والمذهب، والفكر والتصورات، وبعضها ليس للإنسان دور فيها كما هو الحال في العرق والجنس واللون ونحوها، فهذه الأمور تعود إلى إرادة الله تعالى ومشيئته حسب ما تقتضيه حكمته ومشيئته.

ولذلك فأي اختلاف لا يكون للإنسان دور فيه لا يجوز فيه التفاضل والتفاخر، ومن فعل ذلك فهو عنصري منبوذ في الإسلام، وهذا ما أكده القرآن الكريم في نصوص كثيرة من ان الناس جميعاً يرجعون إلى أب واحد وأم واحدة، ثم إلى التراب والأرض التي خلق منها آدم، أي وحدة أصل الإنسان، وأن الله تعالى هو الذي جعل بني آدم شعوباً وقبائل، واعطاهم خصائص مختلفة للتكامل والتعارف فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)[41].

فعلى ضوء ذلك فالاختلاف بنوعيه الإرادي وغير الإرادي موجود، بل هو سنة من سنن الله تعالى فقال في الاختلاف اللاإرادي للإنسان: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعَالِمِينَ)[42] ويقول تعالى في الاختلاف الارادي: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)[43] وقد قال المفسرون ان المراد بالاختلاف هنا هو اختلاف الناس في الأديان والأخلاق والأفعال، ولكنهم اختلفوا في مرجع الاشارة (ولذلك) والتعليل .

قال الطبري: (يقول تعالى ذكره: ولو شاء ربك، يا محمد، لجعل الناس كلها جماعة واحدة على ملة واحدة، ودين واحد) ثم روى عن قتادة في تفسير (أمة واحدة) أي: (لجعلهم مسلمين كلهم)، قال الطبري: (ثم اختلف أهل التأويل في " الاختلاف " الذي وصف الله الناس أنهم لا يزالون به، فقال بعضهم: هو الاختلاف في الأديان (... من يهوديّ ونصرانيّ، ومجوسي، ونحو ذلك )، وقالوا: استثنى الله من ذلك من رحمهم، وهم أهل الإيمان والإسلام وأهل الحق والحنيفية، وقال بعضهم: وهو الاختلاف في الرزق [44] .

والجمهور على الرأي الأول، حيث قال الطبري: (وأولى الأقوال في تأويل ذلك، بالصواب قولُ من قال: معنى ذلك: " ولا يزال الناس مختلفين في أديانهم وأهوائهم على أديان وملل وأهواء شتى، إلا من رحم ربك، فآمن بالله وصدق رسله، فإنهم لا يختلفون في توحيد الله، وتصديق رسله، وما جاءهم من عند الله " وإنما قلت ذلك أولى بالصواب في تأويل ذلك، لأن الله جل ثناؤه أتبع ذلك قوله: (وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجِنة والناس أجمعين)، ففي ذلك دليلٌ واضح أن الذي قبله من ذكر خبره عن اختلاف الناس، إنما هو خبرٌ عن اختلاف مذموم يوجب لهم النار، ولو كان خبرًا عن اختلافهم في الرزق، لم يعقّب ذلك بالخبر عن عقابهم وعَذابهم )[45] .

وأما قوله: (ولذلك خلقهم)، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم: معناه: وللاختلاف خلقهم، منهم الحسن البصري حيث قال: (خلق هؤلاء لهذه، وخلق هؤلاء لهذه )[46] أي للجنة والنار ..

ومنهم ابن عباس حيث قال: (قوله " ولذلك خلقهم ": أي خلقهم فريقين: فريقًا يرحم فلا يختلف، وفريقًا لا يرحم يختلف، وذلك قوله: فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ )[47] .

ومنهم عطاء وسفيان، والأعمش، ومالك، وآخرون[48] .

وذهب فريق آخر إلى أن الاشارة ترجع إلى الرحمة أي للرحمة خلقهم، منهم مجاهد، وقتادة، والضحاك، وعكرمة، وابن عباس في رواية .

وعلق الطبري على ذلك بقوله: (وأولى القولين في ذلك بالصواب، قولُ من قال: وللاختلاف بالشقاء والسعادة خلقهم، لأن الله جل ذكره ذكر صنفين من خلقه: أحدهما أهل اختلاف وباطل، والآخر أهل حق، ثم عقَّب ذلك بقوله: (ولذلك خلقهم)، فعمّ بقوله: (ولذلك خلقهم)، صفة الصنفين، فأخبر عن كل فريق منهما أنه ميَسَّر لما خلق له )[49] .

ثم أثار شبهة، ورد عليها بقوله: (فإن قال قائل: فإن كان تأويل ذلك كما ذكرت، فقد ينبغي أن يكون المختلفون غير ملومين على اختلافهم، إذ كان لذلك خلقهم ربُّهم، وأن يكون المتمتِّعون هم الملومين؟ قيل: إن معنى ذلك بخلاف ما إليه ذهبت، وإنما معنى الكلام: ولا يزال الناس مختلفين بالباطل من أديانهم ومللهم، (إلا من رحم ربك)، فهداه للحقّ ولعلمه، وعلى علمه النافذ فيهم قبل أن يخلقهم أنه يكون فيهم المؤمن والكافر، والشقي والسعيد خلقهم = فمعنى اللام في قوله: (ولذلك خلقهم) بمعنى " على " كقولك للرجل: أكرمتك على برك بي، وأكرمتك لبرك بي.

وأما قوله: (وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين)، لعلمه السابق فيهم أنهم يستوجبون صليها بكفرهم بالله، وخلافهم أمره، وقوله: (وتمت كلمة ربك)، قسم كقول القائل: حلفي لأزورنك، وبدًا لي لآتينك، ولذلك تُلُقِّيَت بلام اليمين )[50].

وقال الرازي في قوله تعالى: (ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك )[51]: (والمراد افتراق الناس في الأديان والأخلاق والأفعال) ثم قال: (لا سبيل إلى استقصاء مذاهب العالم في هذا الموضع ومن أراد ذلك فليطالع كتابنا الذي سميناه "بالرياض المونقة" إلا أنا نذكر ههنا تقسيما جامعا للمذاهب فنقول: الناس فريقان منهم من أقر بالعلوم الحسية كعلمنا بأن النار حارة والشمس مضيئة والعلوم البديهية كعلمنا بأن النفي والإثبات لا يجتمعان، ومنهم من أنكرهما، والمنكرون هم السفسطائية، والمقرون هم الجمهور الأعظم من أهل العالم، وهم فريقان: منهم من سلم أنه يمكن تركيب تلك العلوم البديهية بحيث يستنتج منها نتائج علمية نظرية، ومنهم من أنكره، وهم الذين ينكرون أيضا النظر إلى العلوم، وهم قليلون، والأولون هم الجمهور الأعظم من أهل العالم، وهم فريقان: منهم من لا يثبت لهذا العالم الجسماني مبدأ أصلا وهم الأقلون، ومنهم من يثبت له مبدأ وهؤلاء فريقان: منهم من يقول: ذلك المبدأ موجب بالذات، وهم جمهور الفلاسفة في هذا الزمان، ومنهم من يقول: إنه فاعل مختار وهم أكثر أهل العالم، ثم هؤلاء فريقان: منهم من يقول: إنه ما أرسل رسولا إلى العباد، ومنهم من يقول: إنه أرسل الرسول، فالأولون هم البراهمة.

والقسم الثاني أرباب الشرائع والأديان، وهم المسلمون والنصارى واليهود والمجوس، وفي كل واحد من هذه الطوائف اختلافات لا حد لها ولا حصر، والعقول مضطربة، والمطالب غامضة، ومنازعات الوهم والخيال غير منقطعة، ولما حسن من بقراط أن يقول في صناعة الطب العمر قصير، والصناعة طويلة، والقضاء عسر، والتجربة خطر، فلأن يحسن ذكره في هذه المطالب العالية والمباحث الغامضة كان ذلك أولى )[52] .

قال الرازي : (فإن قيل: إنكم حملتم قوله تعالى: {ولا يزالون مختلفين} على الاختلاف في الأديان، فما الدليل عليه، ولم لا يجوز أن يحمل على الاختلاف في الألوان والألسنة والأرزاق والأعمال.

قلنا: الدليل عليه أن ما قبل هذه الآية هو قوله: {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة} فيجب حمل هذا الاختلاف على ما يخرجهم من أن يكونوا أمة واحدة، وما بعد هذه الآية هو قوله: {إلا من رحم ربك} فيجب حمل هذا الاختلاف على معنى يصح أن يستثنى منه قوله: {إلا من رحم ربك} وذلك ليس إلا ما قلنا.

ثم قال تعالى: {إلا من رحم ربك} احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الهداية والإيمان لا تحصل إلا بتخليق الله تعالى، وذلك لأن هذه الآية تدل على أن زوال الاختلاف في الدين لا يحصل إلا لمن خصه الله برحمته، وتلك الرحمة ليست عبارة عن إعطاء القدرة والعقل، وإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وإزاحة العذر، فإن كل ذلك حاصل في حق الكفار، فلم يبق إلا أن يقال: تلك الرحمة هو أنه سبحانه خلق فيه تلك الهداية والمعرفة.

قال القاضي معناه: إلا من رحم ربك بأن يصير من أهل الجنة والثواب، فيرحمه الله بالثواب، ويحتمل إلا من رحمة الله بألطافه، فصار مؤمنا بألطافه وتسهيله، وهذان الجوابان في غاية الضعف.

أما الأول: فلأن قوله: {ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك} يفيد أن ذلك الاختلاف إنما زال بسبب هذه الرحمة، فوجب أن تكون هذه الرحمة جارية مجرى السبب المتقدم على زوال هذا الاختلاف، والثواب شيء متأخر عن زوال هذا الاختلاف، فالاختلاف جار مجرى المسبب له، ومجرى المعلول، فحمل هذه الرحمة على الثواب بعيد.

وأما الثاني: وهو حمل هذه الرحمة على الألطاف فنقول: جميع الألطاف التي فعلها في حق المؤمن فهي مفعولة أيضا في حق الكافر، وهذه الرحمة أمر مختص به المؤمن، فوجب أن يكون شيئا زائدا على تلك الألطاف، وأيضا فحصول تلك الألطاف هل يوجب رجحان وجود الإيمان على عدمه أو لا يوجبه، فإن لم يوجبه كان وجود تلك الألطاف وعدمها بالنسبة إلى حصول هذا المقصود سيان، فلم يك لطفا فيه، وإن أوجب الرجحان فقد بينا في "الكتب العقلية" أنه متى حصل الرجحان فقد وجب، وحينئذ يكون حصول الإيمان من الله، ومما يدل على أن حصول الإيمان لا يكون إلا بخلق الله، أنه ما لم يتميز الإيمان عن الكفر، والعلم عن الجهل، امتنع القصد إلى تكوين الإيمان والعلم، وإنما يحصل هذا الامتياز إذا علم كون أحد هذين الاعتقادين مطابقا للمعتقد وكون الآخر ليس كذلك، وإنما يصح حصول هذا العلم، أن لو عرف أن ذلك المعتقد في نفسه كيف يكون، وهذا يوجب أنه لا يصح من العبد القصد إلى تكوين العلم بالشيء إلا بعد أن كان عالما، وذلك يقتضي تكوين الكائن وتحصيل الحاصل وهو محال فثبت أن زوال الاختلاف في الدين وحصول العلم والهداية لا يحصل إلا بخلق الله تعالى وهو المطلوب.

ثم قال تعالى: {ولذالك خلقهم} وفيه ثلاثة أقوال:

القول الأول: قال ابن عباس: وللرحمة خلقهم، وهذا اختيار جمهور المعتزلة.

قالوا: ولا يجوز أن يقال: وللاختلاف خلقهم، ويدل عليه وجوه: الأول: أن عود الضمير إلى أقرب المذكورين أولى من عوده إلى أبعدهما، وأقرب المذكورين ههنا هو الرحمة، والاختلاف أبعدهما.

والثاني: أنه تعالى لو خلقهم للاختلاف وأراد منهم ذلك الإيمان، لكان لا يجوز أن يعذبهم عليه، إذ كانوا مطيعين له بذلك الاختلاف.

الثالث: إذا فسرنا الآية بهذا المعنى، كان مطابقا لقوله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} (الذاريات: 56).

فإن قيل: لو كان المراد: وللرحمة خلقهم لقال: ولتلك خلقهم ولم يقل: ولذلك خلقهم.

قلنا: إن تأنيث الرحمة ليس تأنيثا حقيقيا، فكان محمولا على الفضل والغفران كقوله: {هذا رحمة من ربى} (الكهف: 98) .

والقول الثاني: أن المراد: وللاختلاف خلقهم.

والقول الثالث: وهو المختار أنه خلق أهل الرحمة للرحمة وأهل الاختلاف للاختلاف.

روى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال: خلق الله أهل الرحمة لئلا يختلفوا، وأهل العذاب لأن يختلفوا، وخلق الجنة وخلق لها أهلا، وخلق النار وخلق لها أهلا، والذي يدل

على صحة هذا التأويل وجوه: الأول: الدلائل القاطعة الدالة على أن العلم والجهل لا يمكن حصولهما في العبد إلا بتخليق الله تعالى.

الثاني: أن يقال: إنه تعالى لما حكم على البعض بكونهم مختلفين وعلى الآخرين بأنهم من أهل الرحمة وعلم ذلك امتنع انقلاب ذلك، وإلا لزم انقلاب العلم جهلا وهو محال.

الثالث: أنه تعالى قال بعده: {وتمت كلمة ربك لاملان جهنم من الجنة والناس أجمعين} وهذا تصريح بأنه تعالى خلق أقواما للهداية والجنة، وأقواما آخرين للضلالة والنار، وذلك يقوي هذا التأويل)[53] .

ويقول سيد قطب رحمه الله: (والتعقيب الأخير عن اختلاف البشر إلى الهدى وإلى الضلال , وسنة الله المستقيمة في اتجاهات خلقه إلى هذا أو ذاك: (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة . ولا يزالون مختلفين - إلا من رحم ربك - ولذلك خلقهم . وتمت كلمة ربك:لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين). . لو شاء الله لخلق الناس كلهم على نسق واحد , وباستعداد واحد . . نسخا مكرورة لا تفاوت بينها ولا تنويع فيها . وهذه ليست طبيعة هذه الحياة المقدرة على هذه الأرض . وليست طبيعة هذا المخلوق البشري الذي استخلفه الله في الأرض .

ولقد شاء الله أن تتنوع استعدادات هذا المخلوق واتجاهاته . وأن يوهب القدرة على حرية الاتجاه . وأن يختار هو طريقه , ويحمل تبعة الاختيار . ويجازي على اختياره للهدى أو للضلال . . هكذا اقتضت سنة الله وجرت مشيئته . فالذي يختار الهدى كالذي يختار الضلال سواء في أنه تصرف حسب سنة الله في خلقه , ووفق مشيئته في أن يكون لهذا المخلوق أن يختار , وأن يلقى جزاء منهجه الذي اختار .

شاء الله ألا يكون الناس أمة واحدة . فكان من مقتضى هذا أن يكونوا مختلفين . وأن يبلغ هذا الاختلاف أن يكون في أصول العقيدة - إلا الذين أدركتهم رحمة الله - الذين اهتدوا إلى الحق - والحق لا يتعدد - فاتفقوا عليه . وهذا لا ينفي أنهم مختلفون مع أهل الضلال

ومن المقابل الذي ذكره النص: (وتمت كلمة ربك: لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين). . يفهم أن الذين التقوا على الحق وأدركتهم رحمة الله لهم مصير آخر هو الجنة تمتلئ بهم كما تمتلئ جهنم بالضالين المختلفين مع أهل الحق , والمختلفين فيما بينهم على صنوف الباطل ومناهجه الكثيرة )[54] .

ومع سنة الاختلاف فِطرة الاتحاد والائتلاف:

ومع أن الاختلاف في كل ما ذكر سنة من سنن الله تعالى، له فيها حكم كثيرة ـ كما سبق ـ لكن الله تعالى خلق داخل الإنسان حب الاتحاد، والنزوع نحو التآلف والألفة، فالإنسان مدني بالطبع، بل جعل ذلك من الفطرة السليمة التني خلق الله الناس عليها، فقال تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)[55] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من مولود إلاّ يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه ....)[56] ويقول صلى الله عليه وسلم أيضاً: (المؤمن مألف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف ... )[57] .

ومع سنة الاختلاف يوجد كثير من مواطن الاتفاق، فقد شاء الله تعالى أن تكون مواطن الاتفاق أكثر في الحالتين:

أولاً ـ حالة الاختلاف اللاإرادي (الطبيعي) حيث كل إنسان يشترك مع الآخر، مهما اختلف جنسه، أو لونه، أو قومه، فيما يأتي:

أ ـ انهم جميعاً من أصل واحد، وهو آدم، وآدم من تراب

ب ـ انهم جميعاً فيهم الروح الإنسانية ـ التي هي نفخة من روح الله تعالى ـ، ولهم الإرادة والاختيار والعلم ولا يختلف إنسان عن آخر في هذه المكونات الإنسانية، وكلهم يحسون بكرامتهم، وهم مكرمون (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ )[58] .



ثانياً ـ حالة الاختلاف الإرادي من حيث الدين والفكر والمذهب والطائفة يتفقون فيما يأتي:



أركان الحوار وعناصره الأساسية مع الشروط والضوابط :

للحوار ـ كأي نشاط مزدوج ـ أركان ثلاثة، وهي:

أولاً ـ المتحاوران، وهما الشخصان اللذان يتحاوران، ويتجادلان إما للوصول إلى الحقيقة، وهو المطلوب، أو للوصول إلى إقناع كل واحد منهما الآخر بما يؤمن به، أو لبيان الحقيقة التي غاب عنها الآخر .

ثانياً ـ أسلوب الحوار، أي الصيغة التي يعبر بها الحوار من الطرفين سواء كان بالأقوال، أو بالكتابة، وسواء كان أسلوب الحوار يتم عن طريق الوسائل المباشرة (التقليدية) من القول، والكتابة العادية، أم عن طريق الوسائل الحديثة المعبرة باللفظ الراديو، والتلفاز والتلفزيون ونحوها، أو المعبرة بالكتابة مثل الفاكس، والتلكس، والانترنيت ونحوها .

ثالثاً ـ موضوع الحوار، أي محل الحوار والنقاش والجدال، حيث يمكن أن يكون في العقيدة والأفكار، أو في الأعمال، والمعاملات سواء كانت مالية أم أسرية، أم جهادية، أم قضائية أم .....



المبادئ العامة والشروط والضوابط للحوار:

هناك مبادئ عامة للحوار، وشروط وضوابط ينبغي توافرها في الحوار حتى يكون مقبولاً ومؤثراً ويحقق الغرض المنشود منه .



آداب الحوار وضوابطه:

للحوار آداب ينبغي على المتحاورين رعايتها، وأهمها هو ما يأتي:

أولاً ـ أدب الحديث (الإرسال) وهذا في غاية من الأهمية لأنه بداية الطريق، فإذا أحسن المتحدث الدخول والبدء فقد سهّل كثيراً لجريان الحوار وطريقة سيره، وهذا يتطلب توافر ما يأتي:

1. حسن البدء بالموضوع من حيث المقدمة، ولذلك كان الشعراء يبدؤون بمقدمات جميلة تهيئ النفوس لقبول المطلوب .

2. أن يستقبل بوجهه نحو المستمع بشكل جميل لا يظهر منه الكبرياء والاستعلاء، أو عدم الاهتمام، أو الازدراء بالمقابل .

3. اختيار اللغة في أجمل كلماتها، وأسلوبها، وآدابها الجزيل، وحسن الخطاب، وعدم الإثارة والاستفزاز، فقد أمر الله تعالى موسى وهارون بالقول اللين مع فرعون فقال تعالى: (فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أو يَخْشَى)[59].

4. ربط الجأش، وعدم ظهور الانفعال منه، وعدم تحريك الأيدي كثيراً .

5. أسلوب الشك بالنسبة لما يقوله، بحيث لا يجزم بما يقول، كما يقول تعالى آمراً نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن يقول: (........وَإِنَّا أو إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أو فِي ضَلالٍ مُبِينٍ)[60] .

6. التواضع الجم وعدم إلقاء اللوم، وعدم السبق بالحكم على الآخرين بل اسناد الصفات المناسبة للآخر، مثل قوله تعالى: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أو إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أو فِي ضَلالٍ مُبِينٍ قُلْ لا تُسْأَلونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ )[61] .

7. البدء بالأفكار المشتركة، فقال تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ)[62] .

ثانياً ـ حسن الاستماع والاستقبال :

ان حسن استماع أحد المتحاورين للآخر يعطي الطرف المقابل الاحساس باحترامه وتقدير كلامه، واحترام شخصيته، وبالتالي يقابله بنفس المستوى، إضافة إلى أن ذلك يؤدي إلى البداية الطيبة للحوار فيسوده جو من الأمن والاطمئنان، والبحث عن الحقيقة بهدوء وسكون، ويتحقق حسن الاستماع بما يأتي:

1. أن يُقبل المستمع نحو المتحدث بوجهه، بل تظهر منه آثار الحب والتقدير والاحترام من خلال نظرته إليه، واهتمامه .

2. أن لا تظهر منه علامات الرفض والاستياء وعدم الارتياح، سواء يظهر ذلك من خلال الإشارات، أو قسمات الوجه، أو نحو ذلك من عدم الانفعال، وعدم المقاطعة .

ثالثاً ـ الإخلاص، وحسن القصد، وحسن الغاية، وهي الوصول إلى إظهار الحقيقة، وبيانها، أو احقاق الحق، وإبطال الباطل .

رابعاً ـ الالتزام بالمنهجية العلمية في التعامل مع موضوع الحوار كالآتي:

1. ان كان نقلياً يخص القضايا الدينية عقيدة وشريعة وأخلاقاً، فالأصل فيها فيما بين المسلمين هو الاعتماد على الأدلة الثابتة من الكتاب والسنة، وتأتي الأدلة العقلية لتأييد النصوص الشرعية وبيان حكمها وغاياتها وما يتعلق بها .

2. أما إذا كان الحوار بين المسلم وغيره فالأصل في ذلك كله هو الأدلة العقلية .

3. أما إذا كان موضوع الحوار في الأمور غير التكليفية فالأصل فيها هو العقل والتجربة، والمشاهدة والحس، وهذا ما قاله علماء البحث والمناظرة: (إن كنت ناقلاً فالصحة، وان كنت مدعياً فالدليل )، وذلك لأن القرآن الكريم علمنا هذه المنهجية وأكد عليها في حواره مع الكافرين فقال تعالى: (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)[63] وقال تعالى في شأن ضرورة صحة النقل (قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)[64] وقال تعالى مطالباً المعاندين إما بالنقل أو بالعلم: (ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أو أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)[65] .

خامساً ـ سلامة الكلام ودليله من التعارض والتناقض، ومن أمثلة ذلك ما قاله فرعون لموسى عليه السلام (وَقَالَ سَاحِرٌ أو مَجْنُون)[66] فالجمع بينهما تناقض لا يجتمعان، فالساحر له عقل وذكاء ودهاء، والمجنون لا عقل له فكيف يجتمعان ؟

سادساً ـ أن يكون الدليل مستقلاً ومفصولاً عن الدعوى، وإلاّ فلا طائل من الحوار[67] .

سابعاً ـ الانطلاق من ثوابت مشتركة، ومن أمور مسلم بها للوصول إلى قضايا مختلف فيها وإلاّ لن يتم التوصل إلى شيء، أو لا طائل عن الحوار، فالمسائل المحسومة التي هي من الثوابت لا يجوز التحاور فيها إلاّ لأجل توضيحها، أو توضيح بعض صورها، أو للوصول منها إلى فروع مختلف فيها، مثل الربا، والحجاب ونحوهما .

ثامناً ـ البعد عن التعصب، وعدم الأخذ بالعزة بالاثم، وبعبارة أخرى يجب على المتحاورين أن يبحثا عن الحقيقة يقول الغزاليّ أبو حامد: (التعاون على طلب الحق من الدّين، ولكن له شروط وعلامات ؛ منها أن يكون في طلب الحق كناشد ضالّة، لا يفرق بين أن تظهر الضالّة على يده أو على يد معاونه . ويرى رفيقه معيناً لا خصماً . ويشكره إذا عرَّفه الخطأ وأظهره له )[68] .

ومن مقولات الإمام الشافعي المحفوظة: (ما كلمت أحداً قطّ إلا أحببت أن يُوفّق ويُسدّد ويُعان، وتكون عليه رعاية الله وحفظه، وما ناظرني فبالَيْتُ ! أَظَهَرَتِ الحجّةُ على لسانه أو لساني) .

وفي ذمّ التعصب ولو كان للحق، يقول الغزالي:

( إن التعصّب من آفات علماء السوء، فإنهم يُبالغون في التعصّب للحقّ، وينظرون إلى المخالفين بعين الازدراء والاستحقار، فتنبعث منهم الدعوى بالمكافأة والمقابلة والمعاملة، وتتوافر بواعثهم على طلب نُصرة الباطل، ويقوى غرضهم في التمسك بما نُسبوا إليه . ولو جاؤوا من جانب اللطف والرحمة والنصح في الخلوة، لا في معرض التعصب والتحقير لأنجحوا فيه، ولكن لمّا كان الجاه لا يقوم إلا بالاستتباع، ولا يستميل الأتْباع مثلُ التعصّب واللعن والتّهم للخصوم، اتخذوا التعصب عادتهم وآلتهم )[69] .

تاسعاً ـ أهلية المحاورين ، بأن يكون لديهما الأهلية العلمية للحوار وموضوع الحوار، يقول الشيخ صالح بن حميد:

( من الخطأ أن يتصدى للدفاع عن الحق من كان على الباطل .

من الخطأ أن يتصدى للدفاع عن الحق من لا يعرف الحق .

من الخطأ أن يتصدى للدفاع عن الحق من لا يجيد الدفاع عن الحق .

من الخطأ أن يتصدى للدفاع عن الحق من لا يدرك مسالك الباطل، إذن، فليس كل أحد مؤهلاً للدخول في حوار صحي صحيح يؤتي ثماراً يانعة ونتائج طيبة، والذي يجمع لك كل ذلك: (العلم) ؛ فلا بد من التأهيل العلمي للمُحاور، ويقصد بذلك التأهيل العلمي المختص .

إن الجاهل بالشيء ليس كفؤاً للعالم به، ومن لا يعلم لا يجوز أن يجادل من يعلم، وقد قرر هذه الحقيقة إبراهيم عليه السلام في محاجَّته لأبيه حين قال: (يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً)[70]، وإن من البلاء ؛ أن يقوم غير مختص ليعترض على مختص ؛ فيُخَطِّئه ويُغَلِّطه، وإن حق من لا يعلم أن يسأل ويتفهم، لا أن يعترض ويجادل بغير علم[71] ، كما فعل موسى عليه السلام فقال للعبد الصالح: (قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً )[72] وكان جواب العبد الصالح لموسى عليه السلام: (قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً)[73] .

ولذلك لا يجوز لأحد من المتحاورين أن يعتبر أن رأيه هو الصواب فقط، لأنه لا عصمة عندنا لأحد إلاّ للأنبياء، ومقولة العلماء في ذلك مشهورة وهي: (رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي الآخر خطأ يحتمل الصواب) .

عاشراً ـ أن لا يسود الحوار شيء يخالف الشرع من الغمز واللمز والتحقير، وأن لا ينتهي أيضاً إلى النزاع والقطيعة، والتدابر، والتجهيل والتخطئة، بل يرضى بالنتائج ما دامت عليها الأدلة المعتبرة .

حادي عشر: أن لا يكون لدى أحدهما نية إقصاء الآخر، أو تهميشه، أو إقصاء فكره ومذهبه، فنية الإقصاء تفسد الأجواء، ومنهجية الإقصاء تبعد الوصول إلى الحق، ولا تحقق الغرض المنشورد من الحوار .



أثر الحوار في درء الفتن والعدوان الخارجي:

انه من المعلوم بالمشاهدة والتجارب المريرة أن عالمنا الإسلامي منذ عدة قرون لا يخرج من فتنة، أو حرب إلاّ وقد دخل من حيث يدري أو لا يدري في حرب أخرى وفتن أكلت الأخضر واليابس، وأخرت الأمة مئات السنين، وصرفت عليها مئات المليارات لو صرفت على التنمية لوصل العالم الإسلامي إلى قمة النماء والازدهار .

فعلى سبيل المثال فلنلق نظرة سريعة على ما جرى بين المسلمين أنفسهم خلال القرن العشرين:

1. في بداية القرن العشرين أثيرت فتنة القومية الطورانية التي قوبلت بالقومية العربية، فاستفاد منها الانجليز المستعمر، واستطاع أن يضرب الأتراك بالعرب من خلال الثورة العربية الكبرى التي انتهت بسقوط الدولة العثمانية، وتمزق الأمة الإسلامية كلها، وتنفيذ اتفاقية سايكس بيكو، واحتلت معظم ديار العالم الإسلامي اما من بريطانيا العظمى، أو فرنسا، أو ايطاليا، أو اسبانيا، ثم بدأت معركة التحرير التي استغرقت وقتاً وجهداً كبيراً .

2. نشات الأفكار القومية الثورية وأدت إلى تقسيم العالم العربي نفسه إلى المتقدمين والرجعيين، والاشتراكيين وعملاء الغرب (حسب التعبيرات السائدة) إلى آخر المصطلحات، ونتجت عن ذلك انقلابات عسكرية، وانتهاكات لحقوق الإنسان وحروب داخلية في اليمن أكلت الأخضر واليابس وترتب على إثره تمزيق اليمن إلى يمنين، أحدهما اشتراكي شيوعي، والآخر غربي إلى أن وحده الله تعالى في أواخر القرن العشرين .

3. وحدثت كذلك حروب داخلية في المغرب بين الحكومة وجبهة البوليسار ولا زالت قائمة إلى اليوم .

4. وكذلك نشأت في العراق حروب طاحنة بين الحكومة، والأكراد انتهت بمذابح حلبجة، والأنفال (1988-1989م)، وتدمير حوالي 4500 قرية كوردية في هذه الحملة، وراح ضحيتها مئات الآلاف من العراقيين عرباً وأكراداً .

5. ونشأت حرب طاحنة أخرى بين العراق وجمهورية إيران الإسلامية طالت حوالي ثماني سنوات (1980-1988م)، وقتل وجرح فيها أكثر من مليون ونصف من الطرفين .

6. ثم قام العراق بقيادة صدام حسين باحتلال الكويت عام 1989م أدى ذلك إلى استغاثة الكويت ودول الخليج بأمريكا والحلفاء، فنشبت معركة كبرى لتحرير الكويت راح ضحية الاحتلال والتحرير مئات الآلاف من الجنود والمدنيين، ومئات المليارات من الدولارات لو صرفت على التنمية لوصلت المنطقة إلى مرحلة متقدمة من النمو والازدهار، ولبنيت بها مصانع وشركات أثرت المنطقة كلها بها ... وهكذا .





الاستنتاج:

يستنتج مما سبق ما يأتي:

أولاً ـ أن هذه الحروب الطاحنة التي وقعت في القرن العشرين بين المسلمين ترتبت عليها آثار خطيرة ليست على مستوى الضحايا البشرية، وإضاعة المليارات، بل التريليونات، والتهجير والظلم، وإنما على مستوى الاحتلال ودفع أعداء الإسلام نحو احتلال أراضينا، وسلب ثرواتنا، والهيمنة على اقتصادنا، بل وعلى إرادتنا السياسية، والتنمية، وأخطر من ذلك أن غرس دولة الصهاينة جاء بسبب اسقاط الدولة العثمانية بالثورات القومية العنصرية .

إن الآثار السلبية الناتجة من هذه الحروب الداخلية لا يمكن احصاؤها في هذه العجالة، وإنما تحتاج إلى مجلدات، ولكن الذي لا يختلف فيه عاقلان، هو أن كل هذه الآثار جاءت بسبب فرقتنا، وحروبنا الداخلية، بل ووقوفنا مع أهل الكفر والظلم من المحتلين وأعوانهم فقال تعالى: (وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ)[74] فقد مستنا النار فعلاً من كل جانب بسبب تصرفاتنا نحن المسلمين خلال القرن الماضي، وقد قال تعالى: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )[75] .

ثانياً ـ أن هذه الحروب الداخلية لم تكن حتمية، بل كان من الممكن تفاديها لو التجأ المتحاربون إلى الحوار الجاد البنّاء مع طول النفس وسعة الصدر، والابتعاد عن حظوظ النفس، وتقديم مصلحة الأمة على مصلحة الأهواء والكبرياء .

كان بالإمكان حل هذه المشاكل عن طريق المبادئ القاضية في العلاقات العامة بين المسلمين من الرجوع إلى الله تعالى، وإلى كتابه، وإلى العقلاء الحكماء من المسلين، ومن تطبيق الاخوة القاضية بأن نكو (رحماء بينهم) و (أذلة على المؤمنين )، ومن تفعيل مبدأ الصلح على الحرب بناء على أن الصلح خير، وأن الأمر إذا تم بالسلام فهو من النعم العظمى، ولذلك منّ الله على رسوله، وصحبه الأخيار أنه قد منع عنهم الجهاد (الحرب المقدسة) فقال تعالى: (....وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ.....)[76] .



اليوم يعيد التأريخ نفسه:

واليوم يعيد التأريخ نفسه حيث يراد اشتعال نار فتنة كبرى، وهي الفتنة الطائفية حيث بدأت فعلاً في العراق، وتردي الاتجاه نحو لبنان، بل إلى دول الخليج، وباكستان، وأفغانستان وغيرها من البلاد التي فيها السنة والشيعة، لنشتغل بها مائة سنة أو يزيد، وليكون المسلمون وحدهم وقودها، وليتمكن المشروع الأمريكي الصهيوني من التمكين وتحقيق أهدافه وأغراضه وغاياته، واستمراره كما كان الأمر في السابق أيام انشغال العالم الإسلامي بدولة عبيدية (فاطمية) في مصر والمغرب العربي مع وجود الخلافة السنية التي انحصرت في بغداد، حيث استطاع الصليبيون أن يحتلوا الشام، والقدس الشريف أكثر من تسعين سنة .

ان المشروع الصهيوني ومشروع اليمين المسيحي المتصهين يخططان منذ فترة لتهيئة الأجواء لحرب داخلية بين المسلمين على أساس الطائفية (الشيعة والسنة) بعيدة المدى ينشغل بها المسلمون أكثر من مائتي سنة حسب دراساتهم كما انشغل المسيحيون بالحروب الكاثوليكية البروستانتية الارذوكسية أكثر من أربعمائة عام .

وأصحاب هذين المشروعين مستعدون لتضحيات كبيرة على كافة المستويات، حيث آثارها المدمرة كثيرة على المسلمين، وآثارها الايجابية الدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، والتربوية لصالح مشروعهم أكبر من أن تحصى، ولذلك نرى صبر الأمريكان في العراق مع كثرة تضحياتهم .

وقد يظن بعض جماعات الشيعة أو السنة أن مصالحها تلتقي مع مصالح الغرب من حيث القوة والدولة والتمكين، ولكنها في الأخير تكون ضحية، وجسراً للعبور إضافة إلى كونها خيانة للدين والأمة .

لذلك يجب علينا أن نكون حذرين من هذه المؤامرة الخطيرة، مخلصين لديننا ووطننا، متوكلين على الله، ثم على الأخذ بجميع الأسباب لافشالها .

وفي سبيل ذلك أقدم المقترحات الآتية، وهي:

1) تفعيل دور التقريب بين المذاهب والفرق ليؤدي دوره المنشود، ولينتقل من عالم التنظير إلى عالم التطبيق من خلال خطوات عملية داخل إيران، والعالم الإسلامي معاً .

2) الابتعاد الكلي عن إثارة كل من الطائفتين الطائفة الأخرى، فهذه المحاولات المدعومة بالمال والدعاة لتغيير مذهب الآخر لن تعود إلاّ بمزيد من الفتن والمشاكل، وإثارة العداوة والبغضاء .

3) ترتيب لقاء عاجل ومهم بين المرجعيات الشيعية وكبار علماء السنة الممثلين في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين للوصول إلى اتفاق تام ـ تنبثق منه تشكيل لجنة عليا دائمة من كبار علماء الطرفين للنظر في القضايا العاجلة، تجتمع بين حين وآخر .

4) وضع جدول زمني، وخطوات عملية لافشال هذا المشروع .

5) الاتفاق على ميثاق شرف يوقع عليه كبار علماء الأمة من الطرفين يتضمن المبادئ، والأسس العامة مع بنود العمل المطلوب، ومن أهمها عدم المس بثوابت الطرفين.



والله الموفق وهو أعلم بالصواب

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

 


--------------------------------------------------------------------------------

[1] ـ سورة الانشقاق / الآية 14

[2] ـ لسان العرب والقاموس المحيط والمعجم الوسيط مادة (حار)

[3] ـ سورة الكهف الآية34

[4] ـ سورة الكهف الآية37

[5] ـ سورة المجادلة / الآية1

[6] ـ لسان العرب والقاموس المحيط مادة (جدل )

[7] ـ الكليات ط. مؤسسة الرسالة ص 352

[8] ـ المصدر السابق ص 949

[9] ـ سورة غافر/ الآية5

[10] ـ سورة النحل /الآية125

[11] ـ سورة الكهف / الآية54

[12] ـ سورة العنكبوت / الآية46

[13] ـ سورة المجادلة / الآية 1

[14] ـ سورة العنكبوت / الآية 46

[15] ـ يراجع: تفسير الطبري بتحقيق الشيخ محمود شاكر (11/ 5 – 9)

[16] ـ سورة العنكبوت / الآية 46

[17] ـ سورة النحل / الآية 125، ويراجع: تفسير الطبري( 8/ 237)

[18] ـ لسان العرب والقاموس المحيط والمعجم الوسيط مادة (ناظر )

[19] ـ الكليات ص 849

[20] ـ يراجع: القاموس المحيط، ولسان العرب، والمعجم الوسيط مادة (نقش)

[21] ـ النهاية لابن الأثير، ولسان العرب مادة (جدل)

[22] ـ سورة الكهف / الآية22

[23] ـ سورة النجم/ الآية 55

[24] ـ القاموس المحيط ولسان العرب والمعجم الوسيط مادة (مرى)

[25] ـ المصباح المنير مادة (مرى) ودليل الفالحين (3/80)

[26] ـ الكليات ص 849 - 850

[27] ـ سورة المجادلة / الآية 1

[28] ـ سورة النحل / الآية 125

[29] ـ سورة آل عمران/ الآية 104

[30] ـ يراجع لمزيد من البحث: استخراج الجدال من القرآن لناصح الدين الحنبلي ص 52-53، والرد على المنطقيين لابن تيمية ص 467، وجامع بيان العلم وفضله لابن عبدالبر (2/120)، والموسوعة الفقهية الكويتية (15/126)

[31] ـ المصادر السابقة

[32] ـ سورة النحل / الآية 125

[33] ـ سورة الكهف / الآية56

[34] ـ سورة الفرقان / الآية52

[35] ـ الحديث رواه مسلم في صحيحه، الحديث رقم 55، وأبو داود الحديث رقم 4944 والنسائي (7/156)

[36] ـ سورة هود/ الآية 34

[37] ـ سورة هود/ الآية 32

[38] ـ زاد المعاد (3/ 42) والموسوعة الفقهية الكويتية (15/128)

[39] ـ سورة غافر / الآية 4

[40] ـ فتح القدير للشوكاني (3/43) ويراجع: الموسوعة الفقهية الكويتية (15/128)، أما الآية فهي 18 من سورة آل عمران

[41] ـ سورة الحجرات / الآية 13

[42] ـ سورة الروم/ الآية22

[43] ـ سورة هود/ الآية 118 - 119

[44] ـ جامع البيان عن تأريل آي القرآن، الإمام أبي جعفر محمد الطبري ط.دار ابن حزم ودار الإعلام 1423هـ (12/176-179)

[45] ـ جامع البيان عن تأريل آي القرآن، الإمام أبي جعفر محمد الطبري ط.دار ابن حزم ودار الإعلام 1423هـ (12/177)

[46] ـ جامع البيان عن تأريل آي القرآن، الإمام أبي جعفر محمد الطبري ط.دار ابن حزم ودار الإعلام 1423هـ (12/177)

[47] ـ جامع البيان عن تأريل آي القرآن، الإمام أبي جعفر محمد الطبري ط.دار ابن حزم ودار الإعلام 1423هـ (12/178) والآية هي 105 من سورة هود

[48] ـ جامع البيان عن تأريل آي القرآن، الإمام أبي جعفر محمد الطبري ط.دار ابن حزم ودار الإعلام 1423هـ (12/178 - 179)

[49] ـ جامع البيان عن تأريل آي القرآن، الإمام أبي جعفر محمد الطبري ط.دار ابن حزم ودار الإعلام 1423هـ (12/177)

[50] ـ جامع البيان عن تأريل آي القرآن، الامام أبي جعفر محمد الطبري ط.دار ابن حزم ودار الإعلام 1423هـ (12/179)

[51] ـ سورة هود / الآية 118-119

[52] ـ التفسير الكبير للامام الفخر الرازي ط. دار ايحاء التراث العربي الطبعة 3 (18/76- 77)

[53] ـ التفسير الكبير للامام الفخر الرازي ط . دار ايحاء التراث العربي الطبعة 3 (18/77-79)

[54] ـ في ظلال القرآن، سيد قطب، ط. دار الشروق، الطبعة الثالثة عشرة، 1407هـ / 1987م(4/1933)

[55] ـ سورة الروم / الآية 30

[56] ـ رواه البخاري (4/252) ومسلم مع شرح النووي (8/53) وفي رواية أخرى في الصححيحن بلفظ: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه)

[57] ـ رواه أحمد في مسنده (2/400، 5/335)

[58] ـ سورة الاسراء / الآية70

[59] ـ سورة طـه / الآية44

[60] ـ سورة سـبأ/ الآية 24

[61] ـ سورة سـبأ/ الآية 24- 26

[62] ـ سورة آل عمران / الاية 64

[63] ـ سورة البقرة / الآية111

[64] ـ سورة آل عمران/ الآية93

[65] ـ سورة الاحقاف/ الآية4

[66] ـ سورة الذريات / الآية39

[67] ـ الشيخ صالح بن حميد: بحثه عن الحوار المنشور في موقع صيد الفوائد.

[68] ـ الاحياء ج 1

[69] ـ الشيخ صالح بن حميد: بحثه عن الحوار المنشور في موقع صيد الفوائد

[70] ـ سورة مريم / الآية 43

[71] ـ الشيخ صالح بن حميد: بحثه عن الحوار المنشور في موقع صيد الفوائد

[72] ـ سورة الكهف / الآية 66

[73] ـ سورة الكهف / الآية 70

[74] ـ سورة هود / الآية 113

[75] ـ سورة آل عمران / الآية 165

[76] ـ سورة الفتح / الآية 20

 

[ عدد الزيارات: 1081]