المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية
الصفحة الرئيسية »  المقالات »  المؤتمر الدولي الـ 25 للوحدة الاسلامية / طهران 2012 م » 
الصحوة الإسلامية المعاصرة؛ الجذور ومآلات المستقبل
   

كان المفكر الجزائري مالك بن نبي المتوفى عام 1973م يحاضر عن دور المسلم ورسالته في الربع الأخير من القرن العشرين مذكراً مستمعيه بدورهم المرسوم في القرآن: ( وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً)"البقرة:143" ويحدثهم عن تزكية الشهادة والشاهد..كان ذلك في عام 1972م أي قبل رحيله بعام.. كان رحمه الله يتوقف عند البشارة الإلهية : ( هو الذي أرسل رسوله بالهدي ودين الحق ليظهره على الدين كله)"الصف:9".. ثم يشرح معنى التحدي والإعجاز في قوله تعالى ( ليظهره على الدين كله). في ذلك الحين كانت خريطة الأديان تتشكل من الإمبراطوريتين والحضارتين القديمتين؛ إمبراطورية فارس وحضارتها من ناحية وإمبراطورية بيزنطة وحضارتها والبحر الأبيض من ناحية أخرى.. في تلك الخريطة وفي المشرق العالمي كان لون الديانات الفارسية و البوذية و البرهمية و الهندوكية هو الطاغي والمهيمن، وفي الجانب الآخر من المغرب العالمي كان لون المسيحية و اليهودية يسيطر على العالم! ثم بعد تدقيق شديد نكاد نرى نقطة مغمورة في الكون.. في وادٍ غير ذي زرع لا يكاد ينتبه لها أحد ولا يراها!!.. إنها (مكة المكرمة) التي انطلق منها تحدي الظهور على كل تلك الأديان ( ليظهره على الدين كله).. كانت مكة نقطة صغيرة يحيط بها البدو الأجلاف الأميين المتخلفين عن ركب الحضارة ومسير الأمم نحو الترقي والتطور.. لكن الله أرادها أن تكون مركزاً للكون ومبعثاً للنور والهدى الذي يظهر ليبدد ظلمة الوثنية والشرك و العصبية والقبلية.. من هناك جاء الإعجاز والوعد بتمدد تلك الفكرة والدعوة من مكة التي كانت مغمورة إلي أرجاء المعمورة لتتغير الخارطة العقائدية الأيديولوجية، خارطة الأديان ليصبح المستقبل لهذا الدين الجديد كما يقول الشهيد سيد قطب..( ليظهره على الدين كله).. وعلى ذات المفهوم والبشارة بالظهور والمستقبل لهذا الدين الخاتم سارت الحركة الإسلامية العالمية الموعودة بالاستخلاف وقيادة المجتمع واخراج كل الدنيا من جور الأديان إلي عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلي سعة الدنيا والآخرة ومن ظلم الطغاة المستكبرين إلي عدل المؤمنين الموحدين.

وفق هذه المقدمة نتناول بالبحث الصحوة الإسلامية التي انتظمت العالم الإسلامي قاطبة ثم ظهر جزء من ترجمتها فيما عرف بثورات الربيع العربي الذي بدأ بتونس مقتلعاً جذور أعتى النظم العلمانية المرتبطة بالغرب الصليبي، تلك العلمانية التي قادها الرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة الذي حاول ربط تونس بفرنسا ارتباطاً أبطل به أركان الدين بل حاول به هدم العقيدة والأصالة في نفوس الشباب من الرجال والنساء ثم خلف من بعده  زين العابدين بن علي مواصلاً مسيرة الردة واتباع اليهود والنصارى.. لقد هبَّ المثقفون المسلمون في تونس  ليقتلعوا نظام العلمانية في تونس، ثم جاءت نتائج الانتخابات في تونس لتمنح (حركة النهضة) الإسلامية التي يقودها الشيخ الغنوشي أكثر من 40% من أصوات شعب تونس.. انتخب الشعب التونسي حركة النهضة الإسلامية بعد أن ظل زعيمها الغنوشي طريداً ومنفياً لما يقارب العقدين من الزمان من قبل العلمانية المرتبطة بالغرب الصليبي.

 ثم توالت ثورات الصحوة الإسلامية تقتلع الطغاة في أرض الكنانة مصر التي ربطها السادات ومبارك بدويلة العدو الصهيوني إسرائيل ثم ربطوا أقدار ومعاش العباد فيها بأمريكا حيث كان الرئيس السادات يردد أن كل الحل بيد أمريكا ناسياً الله الذي بيده الأمر كله يعز من يشاء ويزل من يشاء.

 ثم انداحت هذه الثورات لتقتلع نمرود ليبيا الذي كان يمتن على الشعب الليبي بأنه وجد تعدادهم مليونين فصيَّرهم ست ملايين!! ( قال أنا أحي وأميت) ثم تشتعل الثورات ضد الطواغيت في اليمن وسوريا والبقية تأتي حتى يرث الله الأرض لعباده الصالحين.

لا شك أن هذه الثورات لم تنطلق من فراغ ولم يكن الفتي التونسي ( البوعزيزي) إلا بمثابة مَنْ أعلن صافرة البداية لثورات بدأ الإعداد لها منذ عقود مضت وتراكمت معارفها منذ قرن من الزمان.

هذه الثورات في جوهرها قد ارتبطت بجوهر الدين الذي يدعو للعدالة والاستقامة والطهر والعفاف والفضيلة والشفافية كما يدعو للعزة والسمو ويرفض الهوان والزل والتبعية لليهود والنصارى وأصحاب الملل الكافرة من المغضوب عليهم والضالين. قامت هذه الثورات رافضة أن تتبع الدول الإسلامية للمعسكر الغربي الصهيوني واليهودي الذي رهن مصالح البلاد والعباد وخيرات البلاد الإسلامية لصالحه ولسعادته ورفاهيته، إذ يصب بترول الأمة الإسلامية وخيراتها كلها في خزينة الغرب من دون مقابل يذكر حيث ينعم ويترفه إنسان الغرب ويصرف من هذه الخيرات وعائدات النفط على رفاهيته وسعادته وصناعته وبحوثه العلمية ومداخيل أفراده المرتفعة وخدماته الصحية الممتازة بينما يعيش المسلمون أصحاب هذه الموارد قمة الفقر والجهل والمرض والحروب والطغيان حيث أصبحت ديارهم سوقاً للمنتجات الغربية بما فيها تجارة السلاح والخمور والفضائيات التي استباحت كل خصوصية.. لقد أضحت كل البلاد الإسلامية سوقاً للمنتجات الغربية بل أصبحت البلاد الإسلامية سوقاً رائجاً للإنتاج الحربي الغربي حيث ينفق أثرياء العرب المليارات على شراء الأسلحة من أمريكا وفرنسا وبيرطانيا وإسرائيل لتدور المعارك بهذه الأسلحة – ليس في إسرائيل- ولا تُدعم بها المقاومة الإسلامية في فلسطين بل يتم شراء هذه الأسلحة بأموال البترول العربي لتتدعم بها حركات التمرد في البلدان الإسلامية في السودان والصومال والعراق وتركيا وغيرها.. أوربا الغربية التي تنتج هذه الأسلحة لا تدور المعارك في أراضيها وإنما تنتجها ليتم شراؤها بعائدات النفط العربي والإسلامي ليتقاتل بها المسلمون ولتدور المعارك في البلاد الإسلامية.. أما أن تذهب مليارات النفط لخلق سوق إسلامية مشتركة ولإصدار عملة إسلامية مشتركة أو لتنمية المشروعات الزراعية والحيوانية في السودان والعراق وسوريا وأندونسيا وموريتانيا وغيرها فهذا ممنوع من سادتنا الأمريكان الذين يوجهون عجلة الاقتصاد ودورة المال وعائدات النفط في بلادنا، إذ لا يخرج دولار إلا بعلمهم وموافقتهم.

يموت المسلمون في الصومال جراء المجاعة والحروب المفروضة عليهم والممولة من قبل بعض الدول العربية بينما تذهب المليارات تبرعاً للسادة الأمريكان الذي تأثروا باعصار تسونامي.. وأهل الصومال لا بواكي لهم.. تشتعل الحرب في دارفور بدولارت عقيد ليبيا، وينفصل جنوب السودان عن شماله بدعم مبارك والقذافي تنفيذا للأجندة الأمريكية والصهيونية!! فلماذا لا ينطلق المارد الإسلامي ليقتلع جذور الطواغيت المرتدين عن العقيدة والإيمان.

لكن تبقى الحقيقة أن هذه الصحوة ليست منبة الجذور ولم تنشأ عن فراغ وإنما جاءت نتيجة لتراكم معرفي وثوري وإيماني بدأه علماء أفذاذ وقدموا من أجله غالي التضحيات والفداء مما حفظ له نقاءه وسيرورته حتى يومنا هذا. في هذا المقال نستعرض دور هؤلاء الرواد الذين ساروا على نهج النبوة الرافض للزل والانكسار والتبعية والخنوع والداعي لاستعلاء المؤمنين وسيادتهم للعالم وريادتهم للأمم وقيادة العالم نحو الحرية والعدالة والسلام والمساواة والإخاء والمحبة.

جمال الدين الأفغاني

المتحدث عن الصحوة الإسلامية الحديثة لا يمكنه أن يتخطى رائد الصحوة الإسلامية العلامة المجاهد السيد جمال الدين الأفغاني المولود[1] عام ( 1839م/ 1254هـ) والمتوفي ((1314 هـ = 1897م)  ) الذي نزل مصر لأول مرة أوائل سنة 1870م - أواخر سنة 1286 هـ، فاتجهت إليه أنظار النابهين من أهل العلم، وتردد هو على الأزهر، واتصل به كثير من الطلبة، فآنسوا فيه روحاً تفيض معرفة وحكمة، فأقبلوا ينهلون من معينه الثوري.

ثم غادر السيد جمال الدين مصر ليعود إليها في أول محرم سنة 1288 هـ - مارس سنة 1871م، جاء الأفغاني إلي مصر عائداً من تركيا التي لم يطب له فيها المقام إذ لم يجد فيها بيئة صالحة للنهضة والثورة، فجاء إلي مصر وقد سبقته أنباؤه وأخباره الاصلاحية والثورية.. وكانت مدرسته بيته، وكان أسلوبه في التدريس مخاطبة العقل والروحن فالتف حوله العديد من التلاميذ الذين آمنوا بفكره الثوري والإصلاحي وقد كان من أبرز هؤلاء التلاميذ الشيخ محمد عبده.

 كان الأفغاني في دروسه يطرح قضية المسلمين المحورية وهي مواجهة الاستعمار حيث كان يقول: ( أنرضى ونحن المؤمنون، وقد كانت لنا الكلمة العليا أن تضرب علينا الذلة والمسكنة، وأن يستبد في ديارنا وأموالنا منْ لا يذهب مذهبنا ولا يرد مشربنا ولا يحترم شعيرتنا ولا يرقب فينا إلا ولا ذمة؟ بل أكبر همه أن يسوق علينا جيوش الفناء حتى يخلي منا أوطاننا ويستخلف فيها بعدنا أبناء جلدته والجالية من أمته)[2].

ثم نراه يردد في ( العروة الوثقى): ( لا ألتمس بقولي هذا أن يكون مالك الأمر في جميع الأقطار الإسلامية شخصٌ واحد، فإن هذا ربما كان عسيراً، ولكني أرجو أن يكون سلطان جميعهم القرآن، ووجهة وحدتهم الدين، وكل ذي ملك على ملكه يسعى بجهده لحفظ الآخر ما استطاع، فإن حياته بحياته وبقاءه ببقائه، الا أن هذا بعد كونه أساسا لدينهم تقتضي به الضرورة  وتحكم به الحاجة  في هذه الأوقات)[3].

وقد سار الأفغاني على طريق تعبئة المسلمين في كل العالم الذي استطاع الوصول إليه ومخاطبته، فنراه يخاطب مسلمي الهند قائلاً: ( يا أهل الهند وعزة الحق وسر العدل لو كنتم وأنتم تعدون بمئات الملايين (ذباباً) مع حاميتكم البريطانيين، ومن استخدمتهم من أبنائكم فحملتهم سلاحها لقتل استقلالكم واستنفاد ثروتكم وهم بمجموعهم لا يتجاوزن عشرات الألوف، لو كنتم أنتم مئات الملايين كما قلت ذباباً! لكان طنينكم  يصم آذان بيرطانيا العظمى، ويجعل في آذان كبيرهم ( غلادستون) وقرا. لو كنتم أنتم مئات الملايين من الهنود وقد مسخكم الله فجعل كل منكم سلحفاة، وخضتم البحر، وأحطتم جزيرة بيرطانيا العظمى لجررتموها إلي القعر وعدتم إلي هنكم أحراراً)[4]. ثم نراه يشخص داء الأمة الإسلامية الذي لازمها منذ الفتنة الكبرى فيقول: ( فالشرق.. الشرق  فخصصت جهاز دماغي لتشخيص دائه وتحري دوائه، فوجدت أقتل أدوائه، داء انقسام أهله وتشتت  آرائهم واختلافهم على الاتحاد واتحادهم على الاختلاف، فعملت على توحيد كلمتهم وتنبيههم للخطر الغربي المحدق بهم)[5].

في سنة 1876م، بدأ تطور آراء الأفغاني  السياسية ضد التدخل الأجنبي في البلدان الإسلامية. عندئذ لم يتسع صدر نظام الخديوي للأفغاني فترك مصر مهاجراً إلي أوروبا سنة 1883،نزل العاصمة الفرنسية باريس. في ذلك الحين كان تلميذه محمد عبده قد تم نفيه إلي بيروت عقب إخماد الثورة العرابية في مصر، فاستدعاه الأفغاني إلى باريس، وهناك أصدرا جريدة (العروة الوثقى)، التي ركزت على دعوة الأمم الإسلامية إلى الاتحاد والتضامن والأخذ بأسباب الحياة والنهضة، ومجاهدة الاستعمار.كانت ( العروة الوثقي) تمثل إضاءة حقة في طريق ملأه الإستعمار باللاحتلال والاحتقار للأمة الإسلامية لذلك اتخذت العروة الوثقى هدفاً هو إيقاظ الأمم الإسلامية، والمدافعة عن حقوق الشرقيين كافة، ودعوتهم إلى مقاومة الاستعمار الأوربي والجهاد.

لقد أحدثت (العروة الوثقى) رغم قلة ما نشر منها ( ثمانية عشر عدداً) ثورة حقيقة وتطلعاً كبيراً في العالم الإسلامي  وأقبل عليها الناس في مختلف الأقطار، مما حدا بالحكومة الإنجليزية أن منعت دخولها إلي مصر والهند، وشددت في مطاردتها واضطهاد من يقرؤها، بل أوقعت غرامة مالية على كل من يقرأها أو توجد عنده وتراوحت تلك الغرامة المالية ما بين خمسة جنيهات مصرية إلى خمسة وعشرين جنيهاً. أقام جمال الدين الأفغاني في باريس ثلاث سنوات، كان لا يفتأ خلالها ينشر المباحث والمقالات الهامة في مقاومة اعتداء الدول الأوربية على الأمم الإسلامية، ويراسل تلاميذه في مصر محرضاً إياهم على الثورة.

 

محمد عبده

بعد الأفغاني تسلم راية الاصلاح والنهضة في مصر تلميذه "الامام" محمد عبده (1849م ـــ  11 يوليو عام 1905م ). في سنة 1866م التحق بالجامع الأزهر، وفي سنة 1877م حصل على الشهادة العالمية، وفي سنة 1879م عمل مدرساً للتاريخ في مدرسة دار العلوم وفي سنة 1882م اشترك في ثورة أحمد عرابي ضد الإنجليز، وبعد فشل الثورة حكم عليه بالسجن ثم بالنفي إلى بيروت لمدة ثلاث سنوات[6].

يُعتبرمحمد عبده من الذين أسهموا في تجديد الفقه الإسلامي في العصر الحديث، كما يعتبر من أبرز دعاة الإصلاح وأعلام النهضة الإسلامية الحديثة؛ فقد ساهم بعلمه ووعيه واجتهاده في تحرير العقل المسلم من الجمود الذي أصابه لعدة قرون، وكان له دوره المهم في إيقاظ وعي الأمة نحو التحرر، وبعث الوطنية، وإحياء الاجتهاد الفقهي لمواكبة التطورات السريعة في العلم، ومسايرة حركة المجتمع وتطوره في مختلف النواحي السياسية والاقتصادية والثقافية.

وفي سنة 1889م / 1306هـ عاد محمد عبده إلى مصر  من المنفى، عاد الشيخ محمد عبده لمصر ليقود مسيرة الاصلاح والتي بدأها باصلاح الأزهر الشريف ليوكب تحديات العصر، مؤثراً أثراً واضحاً فيمن أتى بعده من المصلحين.

الكواكبي ( 1849م/1271هـ -  )

من الذين تأثروا بالأفغاني ومحمد عبده الشي الكواكبي الذي ولد في سنة 1271هـ الموافق 1849 في مدينة حلب   السورية وقد كانت مدينة حلب  تزدهر بالعلوم والفقهاء والعلماء، درس الشريعة والأدب وعلوم الطبيعة والرياضة في المدرسة الكواكبية التي تتبع نهج الشريعة في علومها، وكان يشرف عليها ويدرّس فيها والده مع نفر من كبار العلماء في حلب.

كان الكواكبي يرى أن للصحافة دوراً كبيراً في التغيير لذلك ركز عليها كثيراً حيث أصدر في حلب صحيفة «الشهباء» عام 1877، وقد كانت أول صحيفة تصدر باللغة العربية، وسجلها باسم أحد أصدقائه كي يفوز بموافقة السلطة العثمانية يومئذٍ وبموافقة والي حلب  لكن صحيفة الشهباء لم  تستمر طويلاً، إذ لم تستطع السلطة تحمل جرأته في النقد.‏ لكن الكواكبي سرعان ما أصدر صحيفة ( الاعتدال) التي سارت على نفس خط (الشهباء) في نقد  السلطة السياسية التابعة للسلطان العثماني لكن تم إيقافها بواسطة السلطة أيضاً.

في وجه هذه المضايقات التي قابلت الكواكبي من قبل السلطات العثمانية قرر الكواكبي السفر إلى آسيا: الهند والصين وسواحل شرق آسيا وسواحل أفريقيا حتى هبط في مصر التي ذاع صيته فيها وأصبح من أشهر علمائها.

نذر الكواكبي حياته مصلحاً إجتماعياً داعياً إلي النهضة والتقدم كما دعا المسلمين لتحرير عقولهم من الخرافات ودعا الحكام إلى التحلي بمكارم الأخلاق لأنهم الموجهون للبشر، ودعا إلى إقامة خلافة عربية على أنقاض الخلافة التركية وطالب العرب بالثورة على الأتراك وقد حمل الحكومة التركية المستبدة مسؤولية الرعية.

ألف الكواكبي العديد من الكتب وترك العديد من المخطوطات لكن أهم كتبه الذي ذاع صيته هو كتاب (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد) وكتاب ( أم القرى). توفي مسموماً  في القاهرة عام 1902م/1320هـ بعد أن ترك بصماته على النهضة الإسلامية والعربية.

الشهيد عزالدين القسام (1882م-20/11/1934)

( في يعبد لنا ثأر، لنا حسين، لنا كربلاء، في يعبد لنا جامعة، لنا أساتذة، لنا شهداء)[7].

ولد عز الدين القسام في مدينة جبلة السورية الساحلية قضاء مدينة اللاذقية السورية المشهورة ،والأرجح أن ولادته كانت في سنة 1882م .

والد الشيخ القسام هو عبد القادر مصطفى القسام من المشتغلين بالتصوف وعلوم الشريعة . ومن ذلك نشأ في بيت علم وتقى قد رُبى وتعلم في زاوية الإمام الغزالي وعمل في مدرسة " كُتاب " درّس فيها أبناء القرية أصول القراءة وحفظ القرآن. لكن أهم فترات القسام هي التي قضاها في مصر طالباً بالأزهر الشريف حيث مكث هنالك عشر سنوات التقى خلالها بالشيخ محمد عبده والشيخ رشيد رضا واستمع لدروسهما في الاصلاح[8].

عاد الشيخ عز الدين القسام إلى سوريا في عام عام 1906م  بعد أن نال الشهادة الأهلية من الأزهر الشريف وبدأ باصلاح النفوس وتدريس علوم القرآن كما أصبح خطيباً في مسجد المنصوري فأصبح الناس يهاجرون إليه لاستماع خطبه التعبوية الاصلاحية فذاع صيته وملأ الآفاق. كان القسام قدوة في سلوكه وسيرته حيث يتطابق قوله وفعله وكان مثالاً للفضيلة والكمال.

 

جهاده:

بعد الحرب العالمية الأولى وهزيمة تركيا ومن ثم تقسيم الشام وفلسطين بين فرنسا وبيريطانيا وفق اتفاقيتي  سايكس بيكو 1916م ووعد بلفور سنة 1917م، عندها لم يكن امام الدولة العثمانية إلا الانسحاب من كثير من الدول الإسلامية التي كانت تحت إمرتها. في 27 أيلول 1918 أعلن جمال باشا انسحاب الدولة العثمانية جيشاً وحكومة من سوريا وفي مطلع تشرين الأول 1918 دخلت جيوش الحلفاء دمشق .

في العام 1919 تألفت الفرق الثورية في سوريا ضد الاحتلال وكان القسام وأتباعه من أبرز المجاهدين ضد الاحتلال الفرنسي. حاولت فرنسا اغراء القسام بالمال والمناصب العليا حتى يترك الثورة ضدها لكن القسام رفض في استعلاء المؤمنين لأنه كان يؤمن بأنه ما ترك قومٌ الجهاد إلا ذلوا. نتيجة لذلك الموقف الجهادي حكم عليه الاستعمار الفرنسي بالإعدام هو وأتباعه وطارده الفرنسيون. كان العام 1920م عاماً حاسماً في حياة القسام إذ غادر القسام دمشق قاصداً فلسطين ليعلن الجهاد هناك من أرض القدس الشريف مؤسساً حركته الجهادية في فلسطين ضد البيرطانيين والصهاينة معاً. من (حيفا) بدأ الشيخ دعوته للجهاد ضد الصهاينة والبيرطانيين. .

 في عام 1928م أسس الشيخ القسام هو وصديقه رشيد الحاج إبراهيم رئيس فرع البنك العربي في المدينة فرع لجمعية الشبان المسلمين، هنا بدأ القسام يعد العدة للجهاد وينتقي أعوانه من الطليعة المؤمنة حيث انطلقت العمليات الجهادية للقسام في عام 1929م، حيث اعتمد القسام في عملياته الجهادية نظام الخلايا الصغيرة ذات المهام المحددة حيث كانت تتراوح عضوية الخلية بين خمسة إلي تسعة أشخاص من المجاهدين.

خطبة القسام الأخيرة في حيفا :-

في شهر نوفمبر/1935م وقف المجاهد عزالدين القسام  للمرة الأخيرة خطيبا في جامع الاستقلال في حيفا "وخطب في جمع من المصلين وفسر لهم الآية الكريمة :" ألا تقاتلون قوما نكثوا إيمانهم وهمّوا بإخراج الرسول وهم بدؤوكم أول مرة . أتخشونهم ؟ فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين" (التوبة 13-14) " ثم قال: أيها الناس  لقد علمتكم أمور دينكم، حتى صار كل واحد منكم عالما بها، وعلمتكم أمور وطنكم حتى وجب عليكم الجهاد، ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد: فإلى الجهاد أيها المسلمون، إلى الجهاد أيها المسلمون .

وما أن أنهي خطابه حتى كان الحاضرون قد أجهشوا بالبكاء واقبلوا على يديه يقبلونهما وعاهدوه على القتال في سبيل الله .عند تلك اللحظة حمل القسام بندقيته وذهب وصحبه إلى الجبال ليجاهدوا وليستشهدوا . في 20/11/1935م دخل القسام في مواجهة مسلحة مع جيوش الاحتلال البيرطاني خاتماً حياته بالشهادة التي طالما بحث عنها في سوريا لينالها تحت ظلال القدس الشريف تاركاً أثراً قوياً وذكراً حسناً في ساحات الجهاد في فلسطين حيث ما زالت كتائب الشهيد عزالدين القسام ترهب اليهود الصهاينة والمغتصبين وتشبعهم قتلاً وأسراً وترويعاً.

رشيد رضـــا (23 سبتمبر 1865ــ /22 أغسطس 1935م)

محمد رشيد بن علي رضا ولد  في قرية القلمون (لبنان)،. يعتبر رشيد رضا من التلاميذ الذين تأثروا بأفكار وآراء الشيخ محمد عبده منذ أن كان الأخير منفياً في بيروت  حيث التقى بالشيخ محمد عبده وتلقى دروسه وتأثر به وبأفكاره. أسس مجلة (المنار) على نمط مجلة "العروة الوثقى" التي أسسها الأفغاني و محمد عبده، ويعتبر الإمام الشهيدالمجدد حسن البنا مؤسس جماعة الأخوان المسلمين من الذين تأثروا بأفكار وآراء  الشيخ رشيد رضا.

كذلك يعتبر الشيخ رشيد رضا مفكراً إسلامياً من رواد الإصلاح الإسلامي الذين ظهروا مطلع القرن الرابع عشر الهجري. كان رشيد رضا من المعجبين بالأفغاني وحاول الالتقاء به ولكن ذلك لم يكن متيسراً فتم التلاقي عبر الرسائل المتبادلة بينهما.

 لكن رشيد رضا لم يكتف بذلك بل هاجر إلي مصر ليضع يده في يد تلميذ الأفغاني الإمام محمد عبده فنزل الإسكندرية في مساء الجمعة (8 من رجب 1315 هـ = 3 من يناير 1898م)، ومن ثم إلي القاهرة ليبدأ رحلة جديدة مليئة بالعطاء الفكري الثوري والاصلاحي، وكان مبتدأ ذلك هو صدور العدد الأول من مجلة (المنار) في (22 من شوال 1315 هـ = من مارس 1898م)، حيث حرص الشيخ رشيد على تأكيد أن رسالة مجلة  (المنار) هي الإصلاح الديني والاجتماعي للأمة، مؤكداً أن الإسلام يتفق مع العقل ويدعو إلي العلم ويرعى مصالح البشر، كما سعى لإبطال الشبهات الواردة على الإسلام، وتفنيد ما لحق بالتدين من خرافات وشعوذة. اهتمت مجلة المنار بنشر المقالات الاصلاحية علاوة على نشر تفسير القران للشيخ محمد عبده كذلك أفردت المنار حيزاً واسعاً لأخبار الأمم الإسلامية، وتقديم أعلام الفكر الإسلامي والحكم والسياسة في العالم العربي والإسلامي، كما ركزت على تناول قضايا الحرية في العالم الإسلامي. استمر هذا الدفع الفكري الدفاق حتى أضحت مجلة المنار هي المجلة الأولى في العالم الإسلامي التي يتابعها المسلمون بشغف شديد.

في تلك المجلة كتب رشيد رضا مئات الدراسات والمقالات التي أسهمت في نهضة الأمة، كما ذكر العلماء بدورهم الإصلاحي في قيادة المجتمع لأنهم بمنزلة العقل المدبر والروح المفكر من الإنسان، وكان يردد: "إذا رأيت الكذب والزور والرياء والنفاق والحقد والحسد وأشباهها من الرذائل فاشية في أمة، فاحكم على أمرائها وحكامها بالظلم والاستبداد وعلى علمائها ومرشديها بالبدع والفساد، والعكس بالعكس". كذلك حذا الشيخ رشيد رضا حذو أستاذه محمد عبده في التركيز على إصلاح التعليم بحسبانه الوسيلة الأولى للإصلاح والتغيير في المجتمع. أنشأ رشيد رضا مدرسة دار الدعوة والإرشاد لتخريج الدعاة المدربين لنشر الدين الإسلامي، وجاء في مشروع تأسيس المدرسة أنها تختار طلابها من طلاب العلم الصالحين من الأقطار الإسلامية، ويُفضل من كانوا في حاجة شديدة إلى العلم كأهل جاوه والصين، وأن المدرسة ستكفل لطلابها جميع ما يحتاجون إليه من مسكن وغذاء، وأنها ستعتني بتدريس طلابها على التمسك بآداب الإسلام وأخلاقه وعبادته، كما تُعنى بتعليم التفسير والفقه والحديث، فلا خير في علم لا يصحبه خلق وسلوك رفيع، وأن المدرسة لا تشغل بالسياسة، وسيُرسل الدعاة المتخرجون إلى أشد البلاد حاجة إلى الدعوة الإسلامية. افتتح رشيد رضا تلك المدرسة في ليلة الاحتفال بالمولد النبوي سنة (1330 هـ = 1912م) بالقاهرة، وكانت المدرسة تقبل في عداد طلبتها شباب المسلمين ممن تتراوح أعمارهم ما بين العشرين والخامسة والعشرين، على أن يكونوا قد حصلوا قدرًا من التعليم يمكنهم من مواصلة الدراسة. توفي رشيد بمصر سنة 1935م ودفن فيها.

 

حسن البنا (1906- 12/فبراير/1949)

تبلورت آراء قادة الإصلاح الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا على يد الإمام الشهيد حسن البنا الذي بدأ حياته الدينية متصوفاً على يد شيخه عبد الوهاب الحصافي شيخ الطريقة الحصافية الشاذلية في عام 1923، حيث كان للشيخ الحصافي أثر كبير في تكوين شخصية البنا، في عام 1927م تخرج حسن البنا في دار العلوم.

    بعد تخرجه عين مدرسا في مدينة الإسماعيلية عام  1927 وهناك أسس (جماعة الإخوان المسلمون) في مصر عام 1928، وفي عام 1941م نقل البنا إلي مدينة قنا بقرار إداري. في عام 1946م ترك البنا مهنة التدريس ليتفرغ لإدارة جريدة (الشهاب).

أسس الشهيد حسن البنا منذ وقت مبكر "الجمعية الحصافية الخيرية" التي زاولت عملها في حقلين مهمين هما:

    الأول: الدعوة إلى الأخلاق الفاضلة، ومقاومة المنكرات والمحرمات المنتشرة.

    الثاني: مقاومة الإرساليات التبشيرية التي اتخذت من مصر موطنًا، تبشر بالمسيحية في ظل التطبيب، وتعليم التطريز، وإيواء الطلبة.

بعد ذلك انتقل إلى القاهرة، وانتسب إلى مدرسة دار العلوم العليا، واشترك في جمعية مكارم الأخلاق الإسلامية، وكانت الجمعية الوحيدة الموجودة بالقاهرة في ذلك الوقت.

تأسيس جماعة الإخوان المسلمون

عند نهاية الربع الأول من عام 1928 تعاهد حسن البنا مع ستة من الشباب علي تأسيس جماعة الإخوان المسلمين في الإسماعيلية وهم حافظ عبد الحميد، أحمد الحصري، فؤاد إبراهيم، عبد الرحمن حسب الله، إسماعيل عز، وزكي المغربي. جاء ميلاد جماعة الأخوان المسلمين في ذلك التاريخ لتنطلق فروعها في كل أرجاء المعمورة بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية عاصمة الصهيونية العالمية والاتحاد السوفيتي مولد الشيوعية العالمية وبميلاد تلك الحركة أخذت الصحوة الإسلامية بعد تنظيماً يعتمد مجهود الجماعة المنظمة. ولما كانت مصر تمثل قلب الأمة الإسلامية فإن انطلاق حركة الأخوان المسلمين وبدايتها من مصر كانت بمثابة القلب الذي يبث دماء الصحوة والنهضة الإسلامية لكل شرايين العالم الإسلامي وغير الإسلامي. لذلك فطن المستعمرون وأزنابهم من القوى المرتبطة بالإستعمار لخطورة الإمام الشهيد حسن فكان أن أصدر النقراشي باشا (رئيس وزراء مصر في ذلك الوقت) في مساء الأربعاء 8 ديسمبر 1948م قراره بحل جماعة الإخوان المسلمين، ومصادرة أموالها واعتقال معظم أعضائها، وفى اليوم التالي بدأت حملة الاعتقالات والمصادرات. ولما همّ الأستاذ حسن البنا أن يركب سيارة وُضع فيها بعض المعتقلين اعترضه رجال الشرطة قائلين: لدينا أمر بعدم القبض على الشيخ البنا.

ثم صادَرت الحكومةُ سيارته الخاصّة، واعتقلت سائقه، وسحب سلاحه المُرخص به، وقبضت على شقيقيه الذين كانا يرافقانه في تحركاته، وقد كتب البنا إلى المسؤولين يطلب إعادة سلاحه إليه، ويُطالب بحارس مسلح يدفع هو راتبه، وإذا لم يستجيبوا فإنه يُحَمّلهم مسئولية أيّ عدوان عليه وما كان يدري أن مسئولية العدوان عليه هم مَنْ خطط لها وأشرف على تنفيذها.

في الساعة الثامنة من مساء السبت 12 فبراير 1949 م كان الأستاذ البنا خارجاً من باب جمعية الشبان المسلمين ويرافقه رئيس الجمعية لوداعه، في تلك اللحظة رنَّ جرس الهاتف داخل الجمعية، فعاد رئيسها ليجيب الهاتف، فسمع إطلاق الرصاص، فخرج ليرى أن الأستاذ البنا أصيب بطلقات نارية وهو يعدو خلف السيارة التي ركبها القاتل، ويأخذ رقمها وهو رقم "9979" والتي عرف فيما بعد أنها السيارة الرسمية للأميرالاي محمود عبد المجيد المدير العام للمباحث الجنائية بوزارة الداخلية كما هو ثابت في مفكرة النيابة العمومية عام 1952.

بقي البنا بعد الاصابة متماسك القوى كامل الوعي، وقد أبلغ كل من شهدوا الحادث رقم السيارة، ثم نقل إلى مستشفى القصر العيني ليواجه اهمالاً طبياً متعمداً، فلفظ البنا أنفاسه الأخيرة في الساعة الثانية عشرة والنصف بعد منتصف الليل، أي بعد أربع ساعات ونصف من محاولة الاغتيال بسبب فقده للكثير من الدماء بعد أن منعت الحكومة دخول الأطباء أو معالجتهم للبنا مما أدى إلى وفاته.

 عند استشهاده رثاه المجاهد المغربي عبد الكريم الخطابي قائلاً (يا ويح مصر والمصريين، مما سيأتيهم من قتل البنا، قتلوا وليًّا من أولياء الله، وإن لم يكن البنا وليًّا فليس لله ولي).

ذهب حسن البنا شهيداً بعد أن أرسى دعائم الصحوة وركائز النهضة الإسلامية الحديثة حيث انتشر تلاميذه في كل العالم الإسلامي يسيرون على ذات الدرب المستنير بأنوار الهداية والاستقامة. في مصر قاد الركب بعد البنا الشيخ حسن الهضيبي ثم أفرزت الحركة الإسلامية رجالاً أفزازاً مثل الشهيد قطب والشهيد عبد القادر عودة والمرحوم محمد الغزالي  ومحمد قطب والقرضاوي وغيرهم من رواد الفكر الإسلامي.

هنا نستعرض بعض ما خطه الإمام الشهيد حسن البنا وهو يستنهض همم الشباب ويدفع بهم لتحمل مسئولية الدعوة والتغيير.. لقد ركز البنا على الشباب الذين وجدوا ضالتهم المنشودة في الشيخ الشهيد الذي أجاب على كل تساؤلاتهم وشحذ هممهم بقوة الإيمان واليقين بوعد الله غير المكذوب إما النصر والظفر وإما الشهادة والجنة.. هنا نستعرض جزء من رسالته إلي الشباب حيث جاء فيها:

أيها الشباب : إنما تنجح الفكرة إذا :

-  قوي الإيمان بها .

- و توفر الإخلاص في سبيلها .

- وازدادت الحماسة لها .

- وإذا وجد الاستعداد الذي يحمل على التضحية والعمل لتحقيقها .

وتكاد تكون هذه الأركان الأربعة : [ الإيمان - والإخلاص - والحماسة - والعمل ] من خصائص الشباب .. لأن :

- أساس الإيمان القلب الذكي .

- وأساس الإخلاص الفؤاد النقي .

- وأساس الحماسة الشعور القوي .

- وأساس العمل العزم الفتي .

وهذه كلها لا تكون إلا للشباب .. ومن هنا كان الشباب قديما و حديثا في كل أمة عماد نهضتها، وفي كل نهضة سر قوتها، وفي كل  فكرة حامل رايتها , وكما قال تعالى عن أهل الكهف الذين حملوا على عاتقهم عبء الدعوة : { إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً [ 13 ] } [ الكهف : 13 ] .

ومن هنا : كثرت واجباتكم .

ومن هنا : عظمت تبعاتكم .

ومن هنا : تضاعفت حقوق أمتكم عليكم .

ومن هنا : ثقلت الأمانة في أعناقكم .

ومن هنا : وجب عليكم أن تفكروا طويلا، وأن تعملوا كثيرا، وأن تحددوا موقفكم، وأن تتقدموا للإنقاذ، وأن تعطوا الأمة حقها كاملا من هذا الشباب .

وتحت عنوان (دعوتنـا في العصـر الحـديث) يقول الإمام الشهيد حسن البنا :

لقد آمنا إيمانا لا جدال فيه ولا شك معه، واعتقدنا عقيدة أثبت من الرواسي وأعمق من خفايا الضمائر، بأنه ليس هناك إلا فكرة واحدة , هي التي تنقذ الدنيا المعذبة وترشد الإنسانية الحائرة وتهدي الناس سواء السبيل، وهي لذلك تستحق أن يضحي في سبيل إعلانها , و التبشير بها , وحمل الناس عليها بالأرواح والأموال وكل رخيص وغال، " هذه الفكرة هي الإسلام الحنيف , الذي لا عوج فيه ولا شر معه ولا ضلال لمن اتبعه " , وكما قال تعالى : { شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [ 18 ] } [ آل عمران : 18 ] .. وكما قال تعالى : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً [ 3 ] } [ المائدة : 3 ].

ففكرتنا لهذا إسلامية بحتة، على الإسلام ترتكز , ومنه تستمد , وله تجاهد , وفي سبيل إعلاء كلمته تعمل , لا تعدل بالإسلام نظاما، ولا ترضى سواه إماما، ولا تطيع لغيره أحكاما .. وكما قال تعالى : { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [ 85 ] } [ آل عمران : 85 ].

و لقد أتى على الإسلام والمسلمين حين من الدهر توالت فيه الحوادث وتتابعت الكوارث، وعمل خصوم الإسلام على إطفاء روائه وإخفاء بهائه وتضليل أبنائه و تعطيل حدوده، و إضعاف جنوده، وتحريف تعاليمه وأحكامه تارة بالنقص منها، وأخرى بالزيادة فيها، وثالثة بتأويلها على غير وجهها.

وساعدهم على ذلك :

- ضياع سلطة الإسلام السياسية .

- و تمزيق إمبراطوريته العالمية .

- وتسريح جيوشه المحمدية .

- ووقوع أممه في قبضة أهل الكفر مستذلين مستعمرين .

فأول واجباتنا نحن الإخوان :

- أن نبين للناس حدود هذا الإسلام واضحة كاملة بينة لا زيادة فيها ولا نقص بها ولا لبس معها، وذلك هو الجزء النظري من فكرتنا .

-  وأن نطالبهم بتحقيقها ونحملهم على إنفاذها ونأخذهم بالعمل بها، وذلك هو الجزء العملي لهذه الفكرة .

وعمادنا في ذلك كله : كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والسنة الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم، والسيرة المطهرة لسلف هذه الأمة، لا نبغي من وراء ذلك إلا إرضاء الله وأداء الواجب وهداية البشر وإرشاد الناس .

وسنجاهد في سبيل تحقيق فكرتنا، وسنكافح لها ما حيينا وسندعو الناس جميعا إليها، وسنبذل كل شيء في سبيلها، فنحيا بها كراما أو نموت كراما، وسيكون شعارنا الدائم : الله غايتنا، والرسول زعيمنا، والقرآن دستورنا، والجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا .

أيها الشباب : إن الله قد أعزكم بالنسبة إليه والإيمان به والتنشئة على دينه، وكتب لكم بذلك مرتبة الصدارة من الدنيا ومنزلة الزعامة من العالمين وكرامة الأستاذ بين تلامذته , وكما قال تعالى : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ [ 110 ] } [ آل عمران : 110 ] .. وقال تعالى : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [ 143 ] } [ البقرة : 143 ] .

فأول ما يدعوكم إليه : أن تؤمنوا بأنفسكم، وأن تعلموا منزلتكم , وأن تعتقدوا أنكم سادة الدنيا وإن أراد لكم خصومكم الذل، وأساتذة العالمين وإن ظهر عليكم غيركم بظاهر من الحياة الدنيا والعاقبة للمتقين .

فجددوا أيها الشباب إيمانكم، وحددوا غاياتكم وأهدافكم، وأول القوة الإيمان، ونتيجة هذا الإيمان الوحدة، وعاقبة الوحدة النصر المؤزر المبين .. فآمنوا وتآخوا واعلموا وترقبوا بعد ذلك النصر .. وبشر المؤمنين .

إن العالم كله حائر يضطرب، كل ما فيه من النظم قد عجز عن علاجه ولا دواء له إلا الإسلام، فتقدموا باسم الله لإنقاذه، فالجميع في انتظار المنقذ، ولن يكون المنقذ إلا رسالة الإسلام التي تحملون مشعلها وتبشرون بها .

 مــاذا نريــد ؟

أيها الشباب : إن منهاج الإخوان المسلمين محدود المراحل واضح الخطوات، فنحن نعلم تماما ماذا نريد ونعرف الوسيلة إلى تحقيق هذه الإرادة .

- نريد أولا الرجل المسلم : في تفكيره وعقيدته، وفي خلقه وعاطفته، وفي عمله وتصرفه , فهذا هو تكويننا الفردي .

- ونريد بعد ذلك البيت المسلم : في تفكيره وعقيدته , وفي خلقه وعاطفته , وفي عمله وتصرفه , ونحن لهذا نعنى بالمرأة عنايتنا بالرجل، ونعنى بالطفولة عنايتنا بالشباب , وهذا هو تكويننا الأسري .

- ونريد بعد ذلك الشعب المسلم : في ذلك كله أيضا , ونحن لهذا نعمل على أن تصل دعوتنا إلى كل بيت، وأن يسمع صوتنا في كل مكان، وأن تتيسر فكرتنا وتتغلغل في القرى والنجوع والمدن والمراكز والحواضر والأمصار، لا نألو في ذلك جهدا ولا نترك وسيلة .

- ونريد بعد ذلك الحكومة المسلمة : التي تقود هدا الشعب إلى المسجد، وتحمل به الناس على هدى الإسلام من بعد كما حملتهم على ذلك بأصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم أبي بكر وعمر من قبل .. ونحن لهذا لا نعترف بأي نظام حكومي لا يرتكز على أساس الإسلام ولا يستمد منه، ولا نعترف بهذه الأحزاب السياسية، ولا بهذه الأشكال التقليدية التي أرغمنا أهل الكفر وأعداء الإسلام على الحكم بها والعمل عليها، وسنعمل على إحياء نظام الحكم الإسلامي بكل مظاهره، وتكوين الحكومة الإسلامية على أساس هذا النظام .

- ونريد بعد ذلك أن نضم إلينا كل جزء من وطننا الإسلامي : الذي فرقته السياسة الغربية وأضاعت وحدته المطامع الأوروبية .

- ونحن لهذا : لا نعترف بهذه التقسيمات السياسية ولا نسلم بهذه الاتفاقات الدولية، التي تجعل من الوطن الإسلامي دويلات ضعيفة ممزقة يسهل ابتلاعها على الغاصبين .

- ولا نسكت : على هضم حرية هذه الشعوب واستبداد غيرها بها .. فمصر وسورية والعراق والحجاز واليمن وطرابلس وتونس والجزائر ومراكش وكل شبر أرض فيه مسلم يقول : لا إله إلا الله، كل ذلك وطننا الكبير الذي نسعى لتحريره وإنقاذه وخلاصه وضم أجزائه بعضها إلى بعض .

ولئن كان الرايخ الألماني يفرض نفسه حاميا لكل من يجري في عروقه دم الألمان، فإن العقيدة الإسلامية توجب على كل مسلم قوي أن يعتبر نفسه حاميا لكل من تشربت نفسه تعاليم القرآن , فلا يجوز في عرف الإسلام أن يكون العامل العنصري أقوى في الرابطة من العامل الإيماني , والعقيدة هي كل شيء في الإسلام، وهل الإيمان إلا الحب والبغض ؟

- ونريد بعد ذلك أن تعود راية الله خافقة عالية : على تلك البقاع التي سعدت بالإسلام حينا من الدهر , ودوى فيها صوت المؤذن بالتكبير والتهليل، ثم أراد لها نكد الطالع أن ينحسر عنها ضياؤه فتعود إلى الكفر بعد الإسلام .. فالأندلس , وصقلية , والبلقان , وجنوب إيطاليا , وجزائر بحر الروم، كلها بلدان إسلامية يجب أن تعود إلى أحضان الإسلام، ويجب أن يعود البحر الأبيض , والبحر الأحمر بحيرتين إسلاميتين كما كانتا من قبل , ولئن كان السنيور موسوليني يرى من حقه أن يعيد الإمبراطورية الرومانية، وما تكونت هذه الإمبراطورية المزعومة قديما إلا على أساس المطامع والأهواء، فإن من حقنا أن نعيد مجد الإمبراطورية الإسلامية التي قامت على العدالة والإنصاف ونشر النور والهداية ببن الناس .

- نريد بعد ذلك ومعه أن نعلن دعوتنا على العالم : وان نبلغ الناس جميعا، وأن نعم بها آفاق الأرض، وأن نخضع لها كل جبار، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم .

ولكل مرحلة من هذه المراحل خطواتها وفروعها ووسائلها، وإنما نجمل هنا القول دون إطالة ولا تفصيل، والله المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل .

ليقل القاصرون الجبناء : أن هذا خيال عريق , ووهم استولى على نفوس هؤلاء الناس .

وذلك الكلام لهؤلاء القاصرون الجبناء : هو الضعف الذي لا نعرفه , ولا يعرفه الإسلام .. ذلك هو الوهن الذي قذف في قلوب هذه الأمة فمكن لأعدائها فيها، وذلك هو خراب القلب من الإيمان , وهو علة سقوط المسلمين .

وإنما نعلن في وضوح وصراحة : أن كل مسلم لا يؤمن بهذا المنهاج , ولا يعمل لتحقيقه .. لا حظ له في الإسلام .. فليبحث له عن فكرة أخرى يدين بها ويعمل لها .

يا شباب : لستم أضعف ممن قبلكم ممن حقق الله على أيديهم هذا المنهاج , فلا تهنوا , ولا تضعفوا، وضعوا نصب أعينكم قوله تعالى : { الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [173]} [ آل عمران : 173 ] .

سنربي أنفسنا ليكون منا الرجل المسلم، وسنربي بيوتنا ليكون منها البيت المسلم، وسنربى شعبنا ليكون منه الشعب المسلم .. وسنكون من بين هذا الشعب المسلم، وسنسير بخطوات ثابتة إلى تمام الشوط، والى الهدف الذي وضعه الله لنا لا الذي وضعناه لأنفسنا، وسنصل بإذن الله وبمعونته، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولوكره الكافرون .

وقد أعددنا لذلك :

- إيمانا لا يتزعزع .

- وعملا لا يتوقف .

- وثقة بالله لا تضعف .

- وأرواحا أسعد أيامها يوم تلقى الله شهيدة في سبيله .

فليكن ذلك من صميم السياسة الداخلية والخارجية، فإنما نستمد ذلك من الإسلام، ونجد بأن هذا التفريق بين الدين والسياسة ليس من تعاليم الإسلام الحنيف، ولا يعرفه المسلمون الصادقون في دينهم الفاهمون لروحه وتعاليمه، فليهجرنا من يريد تحويلنا عن هذا المنهاج فإنه خصم للإسلام أو جاهل به، وليس له سبيل إلا أحد هذين الوضعين .

أيها الشباب : على هذه القواعد الثابتة , وإلى هذه التعاليم السامية ندعوكم جميعا .. فإن آمنتم بفكرتنا، واتبعتم خطواتنا، وسلكتم معنا سبيل الإسلام الحنيف، وتجردتم من كل فكرة سوى ذلك، ووقفتم لعقيدتكم كل جهودكم .. فهو الخير لكم في الدنيا والآخرة، وسيحقق الله بكم إن شاء الله ما حقق بأسلافكم في العصر الأول، وسيجد كل عامل صادق منكم في ميدان الإسلام ما يرضى همته ويستغرق نشاطه إذا كان من الصادقين .

وإن أبيتم إلا التذبذب والاضطراب، والتردد بين الدعوات الحائرة والمناهج الفاشلة، فإن كتيبة الله ستسير غير عابئة بقلة ولا بكثرة , وكما قال تعالى : { وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [ 126 ] } [ آل عمران : 126 ] . هكذا انتشرت رسائل الإمام الشهيد حسن البنا في الآفاق ودخلت إلي مكتبات الدول الكبرى بما فيها مكتبة الكونجرس الأمريكي وانتشرت في ربوع الدنيا تجند الأنصار وتهدي الدعاة الطريق المستقيم.

إذا كان الشهيد الإمام حسن البنا هو رائد الصحوة الإسلامية في القرن العشرين فإن أحد أعضاء هذه الجماعة ( جماعة الأخوان المسلمين) لايقل أثره عن أثر البنا ذلكم هو المفكر الشهيد سيد قطب.

 

سيد قطـب (9 أكتوبر 1906م ـــ 29 أغسطس 1966م)

ولد سيد قطب إبراهيم في 9 أكتوبر 1906 بقرية موشة بمحافظة أسيوط. تلقّى دراسته الابتدائية في قريته. في سنة 1920 سافر إلى القاهرة، والتحق بمدرسة المعلمين الأوّلية ونال منها شهادة الكفاءة للتعليم الأوّلي. بدأ بحفظ القرآن المجيد في السنة الثانية الابتدائي، وعمره حوالي ثماني سنوات، وبعد ثلاث سنوات، أتم حفظ القرآن كاملاً. ثم التحق  بدار العلوم. في سنة 1932 حصل على شهادة البكالوريوس في الآداب من كلية دار العلوم. وعمل مدرسا حوالي ست سنوات، ثم شغل عدة وظائف في الوزارة. عين بعد سنتين في وزارة المعارف بوظيفة "مراقب مساعد" بمكتب وزير المعارف آنذاك إسماعيل القباني.  في عام 1948م حصل سيد على بعثة للولايات المتحدة لدراسة التربية وأصول المناهج. تعتبر فترة أمريكا ذات أهمية خاصة للشهيد سيد قطب الذي اكتشف زيف الحضارة الغربية وخوائها واسفافها، كما كان هناك شاهداً على الحقد الصليبي على الإسلام ودعاته ذلك عندما سمع أجراس الكنائس تقرع والشباب يرقصون فرحاً بمقتل الشهيد حسن البنا. كتب سيد قطب العديد من المقالات عن الفترة التي قضاها في أمريكا تحت عنوان ( أمريكا التي رأيت)، فسيد قطب لم يكن مثل طه حسين ورفاعة رافع الطهطاوي الذين فتنتهم أوربا بزيف حضارتها اللاأخلاقية بل كان راسخ الإيمان ثابت الجنان، فكان لسان حاله يردد:

أنا لا تغشني الطيالس والحلي      كم في الطيالس من صقيم أجرب

لذلك نراه قد كتب عن أمريكا باستعلاء المؤمنين فقال عن أمريكا والأمريكان:( شعب يبلغ في عالم العلم والعمل قمة النمو والارتقاء، بينما هو في عالم الشعور والسلوك بدائي لم يفارق مدارج البشرية الأولى، بل أقل من بدائي في بعض نواحي الشعور والسلوك)

في 23 أغسطس 1952، عاد سيد قطب من الولايات المتحدة إلى مصر ليقدم بعد فترة وجيزة استقالته من وزارة المعارف، حيث باتت تسيطر عليه فكرة إيجاد جيل قرآني فريد يتحمل مسئولية التغيير والاصلاح في مصر "لا بد وأن توجد طليعة إسلامية تقود البشرية إلى الخلاص"، من هنا كانت بداية العلاقة بين سيد قطب والإخوان المسلمين ونلمح ذلك بوضوع عن قراءة الإهداء في الطبعة الأولى من كتاب سيد قطب "العدالة الاجتماعية في الإسلام" حيث جاء في الإهداء: "الفتية الذين ألمحهم في خيالي قادمين يردون هذا الدين جديدًا كما بدأ.. يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويُقتلون". بعد ذلك انضم فسيد قطب  إلى حركة الأخوان المسلمين وأصبح مسؤولاً للقسم الدعوي فيها.

في عام 1954م حدث ما عرف بحادثة المنشية التي يقال أن الرئيس عبدالناصر قد تعرض لمحاولة إغتيال أثناء تقديم خطاب له هناك، كان الأخوان المسلمون هم المتهم الأول فتم اعتقال المئات منهم، وكان سيد قطب أحد المعتقلين ومكث في السجن عشرة سنين إلي أن تدخل الرئيس العراقي عبدالسلام عارف لدى الرئيس عبدالناصر للإفراج عنه عام 1964م ليعاد اعتقاله بعد ثمانية أشهر.. لكن سيد قطب كتب خلال فترة السجن أهم كتبه وعلى رأسها كتابه في التفسير الشهير ( في ظلال القرآن) وكتابيه "معالم في الطريق" و"المستقبل لهذا الدين".

لقد حكم النظام الناصري على سيد قطب وعدد من إخوانه بالاعدام وقد تم تنفيذ الحكم في فجر الاثنين 13 جمادى الآخرة 1386 هـ الموافق 29 أغسطس 1966م. لكن كما كانت حياته ثورة ضد الباطل وصحوة في الضمير وسعياً لاخراج جيل قرآن فريد، كذلك كانت شهادته ثورة ضد حياة الاستكانة والذل والهوان.. الشهادة هي الحياة عند سيد قطب ( لا تحسبن الذين قتلوا في سبيل اله أمواتاً بل أحياء)، لذلك تقدم نحو المشنقة بثبات ورباطة جأش وكأنه يتنسم رائحة الجنة.. فتلك اللحظة عرض عليه الطغيان الناصري الاعتذار حتى يتم العفو عنه لكنه جعل من شهادته معلماً بارزاً في طريق الشهداء فرد قائلاً:

"لن أعتذر عن العمل مع الله".  ثم قال: "إن إصبع السبابة الذي يشهد لله بالوحدانية في الصلاة ليرفض أن يكتب حرفا واحدا يقر به حكم طاغية". فقيل له: إن لم تعتذر فاطلب الرحمة من الرئيس عبدالناصر. فقال: "لماذا أسترحم؟ إن كنتُ محكوماً بحق فأنا أرتضي حكم الحق، وإن كنتُ محكوماً بباطل، فأنا أكبرُ من أن أسترحم الباطل"، ويروى أيضاً أن السجان حاول تلقينه الشهادتين قبل الإعدام حيث قال لسيد: "تشهد"، فقال له سيد قطب: "حتى أنت جئت تكمل المسرحية؟ نحن يا أخي نـُعدم لأجل لا إله إلا الله، وأنت تأكل الخبز بلا إله إلا الله".

كان الشهيد سيد قطب يعلم أن العلماء والقادة يمتطون العزائم حتى يعلموا أتباعهم الثبات حتى النصر أو الشهادة وكان يردد: ( إن الناس كما يحتاجون لمن يعلمهم فقه الصلاة فإنهم محتاجون لمن يعلمهم الثبات أمام الجبابرة الطغاة)

سأله أحد إخوانه: لماذا كنت صريحا في المحكمة التي تمتلك رقبتك ؟ قال: "لأن التورية لا تجوز في العقيدة، وليس للقائد أن يأخذ بالرخص". ولما سمع الحكم عليه بالإعدام قال: "الحمد لله. لقد عملت خمسة عشر عاما لنيل الشهادة".          

أما أقوال الشهيد سيد قطب التي تعتبر مصدراً لعزة واستعلاء المؤمنين فنقتبس منها بعض الأسطر من كتابه معالم في الطريق:

(لقد تتحول مصلحه الدعوة إلى صنم يتعبده أصحاب الدعوة وينسون معه منهج الدعوة الأصيل. إن على أصحاب الدعوة أن يستقيموا على نهجها ويتحروا هذا النهج دون التفات إلى ما يعقبه هذ التحري من نتائج قد يلوح لهم أن فيها خطرا على الدعوة وأصحابها، فالخطر الوحيد الذي يجب أن يتقوه هو خطر الانحراف عن النهج لسبب من الأسباب سواء كان هذا الانحراف كثير أو قليلا والله أعرف منهم بالمصلحة وهم ليسوا بها مكلفين إنما هم مكلفون بأمر واحد ألا ينحرفوا عن المنهج وألا يحيدوا عن الطريق).

(وليس في إسلامنا ما نخجل منه، وما نضطر للدفاع عنه، وليس فيه ما نتدسس به للناس تدسساً، أو ما نتلعثم في الجهر به على حقيقته .. إن الهزيمة الروحية أمام الغرب وأمام الشرق وأمام أوضاع الجاهلية هنا وهناك هي التي تجعل بعض الناس .. المسلمين .. يتلمس للإسلام موافقات جزئية من النظم البشرية، أو يتلمس من أعمال "الحضارة" الجاهلية ما يسند به أعمال الإسلام وقضاءه في بعض الأمور. إنه إذا كان هناك من يحتاج للدفاع والتبرير والاعتذار فليس هو الذي يقدم الإسلام للناس. وإنما هو ذاك الذي يحيا في هذه الجاهلية المهلهلة المليئة بالمتناقضات وبالنقائض والعيوب، ويريد أن يتلمس المبررات للجاهلية. وهؤلاء هم الذين يهاجمون الإسلام ويلجئون بعض محبيه الذين يجهلون حقيقته إلى الدفاع عنه، كأنه متهم مضطر للدفاع عن نفسه في قفص الاتـهام!).

وعن الجيل القرآني الفريد:

"ثم هي الأسباب الظاهرة لإصلاح الجماعة البشرية كلها، عن طريق قيادتها بأيدي المجاهدين الذين فرغت نفوسهم من كل أعراض الدنيا وكل زخارفها، وهانت عليهم الحياة وهم يخوضون غمار الموت في سبيل الله، ولم يعد في قلوبهم ما يشغلهم عن الله، والتطلع إلى رضاه، وحين تكون القيادة في مثل هذه الأيدي تصلح الأرض كلها ويصلح العباد، ويصبح عزيزاً على هذه الأيدي أن تسلم في راية القيادة للكفر، والضلال، والفساد، وهي قد اشترتها بالدماء والأرواح، وكل عزيز، وغال أرخصته لتتسلم هذه الراية لا لنفسها ولكن لله".

"قليل هم الذين يحملون المبادىء وقليل من هذا القليل الذين ينفرون من الدنيا من اجل تبليغ هذه المبادىء وقليل من هذه الصفوة الذين يقدمون أرواحهم ودمائهم من اجل نصرة هذه المبادىء والقيم فهم قليل من قليل من قليل".

وعن الطغاة يقول:

"فما يخدع الطغاة شيء مثل ما تخدعهم غفلة الجماهير، وذلتها، وطاعتها، وانقيادها، وما الطاغية إلا فرد لا يملك في الحقيقة قوة، ولا سلطاناً، وإنما هي الجماهير الغافلة الذلول، تمطي له ظهرها فيركب! وتمد له أعناقها فيجر، وتحني له رؤوسها فيستعلي! وتتنازل له عن حقها في العزة والكرامة فيطغى! والجماهير تفعل هذا مخدوعة من جهة، وخائفة من جهة أخرى، وهذا الخوف لا ينبعث إلا من الوهم، فالطاغية - وهو فرد - لا يمكن أن يكون أقوى من الألوف والملايين، لو أنها شعرت بإنسانيتها، وكرامتها، وعزتها، وحريتها".

يَا شَهِيدًا رَفَعَ اللَّهُ بِهِ             جَبْهَةَ الْحَقِّ عَلَى طُولِ المَدَى

سَوْفَ تَبْقَى فِي الْحَنَايَا عَلَمًا              حَادِيًا لِلرَّكْبِ رَمْزًا لِلْفِدَى

مَا نَسِينَا أَنْتَ قَدْ عَلَّمْتَنَا                   بَسْمَةَ الْمُؤْمِنِ فِي وَجْهِ الرَّدّى

غَالَكَ الْحِقْدُ بِلَيْلٍ حَالِكٍ                   كُنْتَ فِيهِ الْبَدْرَ يَهْدِي لِلْهُدَى

نَسِيَ الْفُجَّارُ فِي نَشْوَتِهِمْ                   أَنَّ نُورَ الْحَقِّ لَا لَنْ يُخْمَدَا

 

نجم الدين أربكان

(1926م - الأحد 27 فبراير 2011م)

إذا كنا قد تناولنا بعض قادة الصحوة الإسلامية في الصفحات الماضية وكانوا جميعاً من الدول الإسلامية العربية فهذا لا يعني أن الصحوة الإسلامية كانت حصرياً على الدول العربية بل إن الصحوة الإسلامية الحديثة قد شاركت فيها كل قطاعات الأمة الإسلامية على اختلاف وتباعد الجفرافيا بينهم. هنا نتناول رجلاً من أبرز رواد الصحوة الإسلامية في العالم الإسلامي السني غير العربي، هو المهندس البروفيسير نجم الدين أربكان قائد الصحوة الإسلامية في تركيا.

 ينحدر البروفيسور نجم الدين أربكان من نسل الأمراء السلاجقة الذين عرفوا في تاريخ تركيا باسم "بني أغوللري "، وكان جدُّه آخر وزراء ماليتهم، وكانت أسرة أربكان تلقَّب بناظر زاده أي ابن الوزير.

ولد نجم الدين أربكان بمدينة سينوب بأقصى الشمال على ساحل البحر الأسود في عام 1926م، وأكمل دراسته الثانوية في عام 1943 ثم التحق بكلية الهندسة بجامعة استانبول وتخرج مهندساً ميكانيكياً في عام 1948، حيث كان الأول على دفعته فتمَّ تعيينه معيداً في نفس الكلية. حصل على الدكتوراه من جامعة أخن الألمانية في هندسة المحركات عام 1956. عمل أثناء دراسته في ألمانيا رئيسا لمهندسي الأبحاث في مصانع محركات "كلوفز - هومبولدت - دويتز" بمدينة كولونيا. وقد توصل أثناء عمله إلى ابتكارات جديدة لتطوير صناعة محركات الدبابات التي تعمل بكل أنواع الوقود. حين عاد إلى بلاده كان أول ما عمله ولم يزل في عامه الثلاثين تأسيس مصنع "المحرك الفضي" مع نحو ثلاثمائة من زملائه. وقد تخصص هذا المصنع في تصنيع محركات الديزل، وبدأ إنتاجها الفعلي عام 1960، ولا تزال هذه الشركة تعمل حتى الآن، وتنتج نحو ثلاثين ألف محرك ديزل سنويا.

 

أربكان والعمل السياسي :

 في عام 1970 أسس البروفيسور أربكان مع عدد من المفكرين والناشطين الإسلاميين حزب (الخلاص الوطني) حيث خاطب مؤتمره الأول في عام 1971م قائلاً: (إن أمتنا هي أمة الإيمان والإسلام، ولقد حاول الماسونيون والشيوعيون بأعمالهم المتواصلة أن يُخرِّبوا هذه الأمة ويفسدوها، ولقد نجحوا في ذلك إلى حد بعيد، فالتوجيه والإعلام بأيديهم، و التجارة بأيديهم، و الاقتصاد تحت سيطرتهم، وأمام هذا الطوفان، فليس أمامنا إلا العمل معاً يداً واحدة، و قلباً واحداً، حتى نستطيع أن نعيد تركيا إلى سيرتها الأولى، و نصل تاريخنا المجيد بحاضرنا الذي نريده مشرقاً..). لكن السلطة العلمانية في تركيا التي تمتد جذورها من يهود الدونما لم تمهل أربكان حتى يلهب الشعور والحماس الديني لدى الأتراك الذين فتح أجدادهم القسطنطينية تحت إمرة سلطانهم محمد الفاتح سنة 1453م. بل سارعت الحكومة العلمانية بإقامة دعوى ضد الحزب وأصدرت محكمة أمن الدولة قراراً بحل الحزب ومصادرة ممتلكاته وجرمته بانتهاك الدستور العلماني والعمل ضد مبادئ أتاتورك بل منعت المحكمة أي عضو من أعضاء الحزب من الانتماء لحزب آخر أو الترشح في أي انتخابات لمدة خمس أعوام.

في العام التالي دفع أربكان بعض أعوانه من الذين لا ينطبق عليهم حكم محكمة أمن الدولة لتأسيس حزب سياسي أسموه حزب ( حزب السلامة الوطني) وتأسَّس ذلك الحزب في 11/10/1972م، وأصدر في 12/1/1973م صحيفته الرسمية "مللي غزته" أي ( صحيفة الأمة).

في 14/10/1973م صدر عفو عام عن الجرائم السياسية، فخاض حزب السلامة الوطني بعد أن عاد أربكان إلى رئاسته الانتخابات وفاز بِ 48 مقعداً، وعندما احتدم الخلاف بين الحزبين الرئيسين، حزب العدالة (149 نائباً) بزعامة سليمان ديميريل، وحزب الشعب الجمهوري (186 نائباً) بزعامة بولنت أجاويد، اضطر أجاويد زعيم حزب الشعب الجمهوري للائتلاف مع حزب السلامة الوطني بزعامة أربكان، وحصل حزب السلامة على سبع وزارات هامة منها الداخلية والعدل والتجارة والجمارك والزراعة والصناعة والتموين ووزارة دولة، وكان البروفيسور أربكان نائباً لرئيس الوزراء.

مثَّلت مشاركة حزب السلامة الوطنية في حكومة ائتلافية أول اختراق إسلامي لورثة أتاتورك في الجمهورية العلمانية منذ تأسيسها على يد أتاتورك، وشكَّلت هذه المشاركة لطمة موجعة للعلمانيين وحلفائهم الماسونيين، فطفقوا يخططون للانتقام وتوجيه لطمة مضادة للإسلاميين، وأصاب الإعلام الغربي نوعاً من الهلع نتيجة لبروز التوجه الإسلامي من جديد في تركيا بعد مجهودات أتاتورك وحلفائه المأسونيين والعلمانيين لسلخ تركيا من تاريخها الإسلامي. ولك أن تقرأ مستوى الهلع في الصحافة الغربية التي كانت تتابع بروز نجم الإسلام في تركيا، وهي تعلق على انتخابات 1977م في تركيا حيث نقلت صحيفة القبس الكويتية في عددها الصادر في 20-4-1977م أي قبل أقل من شهرين من أجواء الانتخابات في 1-6-1977م عن صحيفة "لوس أنجلوس تايمز" ما يلي: "إن احتمال نجاح أربكان في الانتخابات القريبة في تركيا يحدث قشعريرة وارتباكاً في الأوساط السياسية التركية وفي كواليس السفارات الغربية في تركيا، لأن أربكان يريد تحويل اتجاه تركيا عن الغرب والعودة بها من جديد إلى تراثها الإسلامي والشرقي". ونقلت عن صحيفة "الايكونومست" البريطانية ما يلي: "إذا قدِّر لحزب السلامة الوطني أن يفوز في الانتخابات القريبة في تركيا فإن الشيء المثير للقلق في الغرب هو أنه لا تزال إلى الآن فئات كبيرة من الشعب التركي لم تستطع هضم الإصلاحات التي جاء بها أتاتورك". ونقلت عن صحيفة "لوفيجارو" الفرنسية ما يلي "إن تركيا تقف على مفترق طرق، وينظر المراقبون الغربيون بقلق بالغ وبتشاؤم إلى مستقبل تركيا، حيث تشير التطورات فيها إلى بروز نزعة قومية يقودها حزب السلامة الوطني وزعيمه أربكان لاسترجاع تركيا لأمجاد الإمبراطورية العثمانية واستعادة أمجاد الإسلام".

لقد شارك حزب السلامة الوطني بقيادة أربكان في الحكومة الائتلافية التي تشكلت في أعقاب الانتخابات التي جرت في 1-6-1977 مما حدا بالعلمانيين والماسونيين لمواصلة تآمرهم على الحزب وعلى أربكان، ففي 5-12-1978م طالب المدعي العام التركي بفصل البروفيسور نجم الدين أربكان من رئاسة وعضوية حزب السلامة الوطني بتهمة استغلال الدين في السياسة؛ مما يشكل خروجاً على القوانين العلمانية التي وضعها أتاتورك، ولكن هذه المكيدة لم تحقق هدف العلمانيين والماسونيين، وبقي حزب السلامة الوطني وزعيمه نجم الدين أربكان شوكة في حلوقهم.

وفي 6-9-1980م نظَّم حزب السلامة الوطني مظاهرة كبرى في مدينة قونية بمناسبة يوم القدس العالمي شارك فيها أكثر من نصف مليون تركي وفدوا من كل أنحاء تركيا، وهتف فيها المتظاهرون: "نريد الإسلام ولا نرضى بسواه" وحملوا في مقدمة المظاهرة مجسماً ضخماً لقبَّة الصخرة المشرفة، ولافتة عريضة تحمل شعار الإسلام الخالد: "لا إله إلا الله محمد رسول الله".

مناصرة القدس تحدث انقلاباً عسكرياً:

وفي اليوم التالي لمظاهرة يوم القدس في 7-9-1980 أذاعت المؤسسة العسكرية البيان رقم (1) معلناً انقلاباً عسكرياً بزعامة الجنرال كنعان إيفرين، وفي 11-9-1980م صرَّح قائد الانقلاب بأن الجيش تدخَّل ليوقف المدَّ الإسلامي، وليوقف روح التعصب الإسلامي التي ظهرت في مظاهرة قونية. قد ترجمت مجلة (النيوزويك) روح الانقلاب عندما أبرزت صورة قائد الانقلاب على غلافها مع التعليق التالي ( العسكريون يوقفون المد الإسلامي). فذهب أربكان إلي السجن بينما فرضت الإقامة الجبرية على زعماء الأحزاب الآخرين.  ثم قدم أربكان ورفاقه إلي محكمة عسكرية بتاريخ 24/أبريل/1981م وفي نفس اليوم صرح رئيس وزار الإنقلاب بولند أوسلو بأن حكومته ضد الإرهاب الشيوعي الأحمر والإرهاب الإسلامي الأسود، وأنه لا مكان في تركيا الحديثة للأخوان المسلمين الذين ينتهكون مبائ أتاتورك العلمانية. كانت التهم ضد البروفيسور أربكان وإخوانه تتمثل في الآتي: - العمل على تبديل قوانين الدولة العلمانية بمبادئ تقوم على أساس الإسلام. - رفع الحزب لشعارات وهتافات منافية للعلمانية منها: محمد قائدنا، سنحطِّم الأصنام، سنقيم دولة الإسلام، وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا (81)(الإسراء). - إلقاء أربكان خطبة في الحجاج الأتراك في عام 1977م قال فيها: يجب أن نبحث فيما إذا كان حكَّامنا يحكموننا بالقرآن أم لا..! - إصرار الحزب وزعيمه على المطالبة بفتح مدارس تحفيظ القرآن، وإعادة الصلاة في مسجد أيا صوفيا (حوَّله أتاتورك إلى متحف). - مطالبة الحزب بجعل يوم الجمعة عطلة رسمية بدلا من الأحد، وأن يتم اعتماد الزواج الشرعي بدل المدني. - اتهام الحزب لأتاتورك بأنه كان ماسونيا(!!!). وحكمت المحكمة في 24-2-1983م بحلِّ حزب السلامة الوطني، وبالحكم على أربكان بالسجن لمدة (4) سنوات، وبأحكام أخرى على العديد من قيادات الحزب، وكانت التهمة التي أدينوا بها: معاداة العلمانية والسعي لإحلال الشريعة الإسلامية بدلاً عنها.

بعد خروجه من السجن أسس أربكان ورفاقه حزب (الرفاه) وبعد أشهر قليلة من تكوينه خاض حزب الرفاه الانتخابات النيابية في ديسمبر 1996م لينال أعلى نسبة من مقاعد المجلس النيابي (185مقعدا) بينما حصل حزب الطريق القويم العلماني المنافس على (135) مقعداً، وحصل حزب الوطن الأم على (133) مقعداً، وحصل اليسار الديمقراطي على (75) مقعداً وتوزعت المقاعد المتبقية وعددها (49) مقعداً على أحزاب أخرى وعلى المستقلين. بعد هذا الفوز الكاسح تسلم أربكان خطاباً من الرئيس التركي سليمان ديمريل يدعوه لتكوين حكومة جديدة. تحالف أربكان مع حزب الطريق القويم برئاسة تانسو شيلر مكوناً حكومة ائتلافية. تزلزلت الأرض تحت أقدام العلمانيين والماسونيين ويهود تركيا جراء تشكيل أربكان حكومة جديدة فلجأوا لاثارة الكراهية ضده عبر الآلية الإعلامية التركية الضخمة التي يسيطرون عليها، لم تتوقف المواجهة بين حكومة أربكان والصحافة العلمانية بل دخل طرف خطير للمعركة المباشرة وهم  جنرالات المؤسسة العسكرية التركية التي تعتبر نفسها حامية للعلمانية التي فرضها أتاتورك قسراً على تركيا من خلال مجلس الأمن القومي الذي كان قد تشكَّل في أعقاب انقلاب الجنرال جمال غورسيل في عام 1961م.

بتاريخ 28/فبراير/1997م وجه المجلس الذي يسيطر عليه العسكريون رسالة شديدة اللهجة والاستفزاز والانذار لرئيس الوزراء أربكان الذي هو عضو في المجلس،تطالبه بالتزام الخط العلماني للدولة ومحاربة المظاهر الإسلامية مثل الحجاب ووقف المؤسسات الإسلامية كمدارس الأئمة والخطباء ومعاهد تحفيظ القرآن الكريم.

في ذلك الحين كانت الصحافة العلمانية التركية تصب الزيت على النار وتؤجج الصراع بين المؤسسة العسكرية وحكومة أربكان الإئتلافية بصورة صبغت الحياة اليومية في تركيا بالتوتر والترقب فقد كانت عناوين الصحافة تحمل في صدارتها عناوين مثل:- "الجنرالات يرفعون البطاقة الصفراء في وجه أربكان" (3-3-1997م)...!- "الجيش التركي يستعرض عضلاته في إحدى ضواحي أنقرة التي كانت قد شهدت مظاهرة ضد (إسرائيل..)" (5-3-1997م).- "رئاسة الأركان تؤكد أنها لن تنسجم إلا مع حكومة علمانية" (4-3-1997م).- "الشرطة تغلق (18) مركزاً للتعليم الإسلامي" (29-4-1997م).- "الجنرال كنعان دينتير يقول: تحطيم الأصولية الإسلامية في تركيا مسألة حياة أو موت بالنسبة إلينا" (30-4-1997م).- "الجنرالات غير راضين عن الحكومة الإسلامية" (26-4-1997م).- "مجلس الأمن التركي يتحدَّى أربكان بإصدار تقرير (70 صفحة) عن خطر الرجعية في تركيا على العلمانية" (1-3-1997م).- "تركيا تواجه إمكانية وقوع انقلاب عسكري لطرد الإسلاميين من الحكم" (13-6-1997م).- "الجيش يصدر لائحة سوداء بأسماء (600) مؤسسة صناعية وتجارية ويدعو الحكومة والشعب لمقاطعتها لأن الأصوليين يديرونها" (8-6-1997م).- "الجيش يتَّهم حزب الرفاه علناً بدعم الأصولية وبالتحريض ضد العلمانية" (12-6-1997م).- "محكمة عسكرية تأمر بتوقيف ثلاثة من مرافقي أربكان" (14-6-1997م).- "الجيش يهدد باللجوء إلى السلاح لإزالة الخطر الأصولي على العلمانية" (12-6-1997م).- "الإنذار الأخير من مجلس الأمن القومي لأربكان" (1-6-1997م).- "تنامي قوة الرفاه تهديد للعلمانية" (4-9-1997م).

من جانبه كان أربكان يتحرك بعزيمة الواثق بنصر الله لعباده المؤمنين وأن العاقبة للمتقين لذلك لم يكن آبه لاستفزاز المؤسسة العسكرية العلمانية وكان يتحرك بعزم أكيد واصرار رشيد، فنراه يصرح بتاريخ11-2-1997م مؤكداً عزم حكومته على بناء مسجد ضخم في ميدان "التقسيم" في إسطنبول حيث ينتصب أكبر تمثال لمصطفى كمال أتاتورك، وبناء مسجد آخر في أنقرة في منطقة "شانكايا" التي تحتضن مقار مؤسسات الجمهورية العلمانية الرسمية. وفي 9-3-1997م، أي بعد أسبوع من إنذار الجنرالات يصدر أربكان تصريحاً صحفياً يحذر فيه المؤسسة العسكرية العلمانية من محاربة الإسلام، مؤكداً أنه لا يمكن لأحد أن يقضي على شعب مؤمن.وفي 5-11-1997م افتتح أربكان اجتماعاً ضم ممثلين لثماني دول إسلامية هي باكستان وإيران ومصر وماليزيا ونيجيريا وبنجلادش وإندونيسيا وتركيا لبحث إمكانية تشكيل سوق إسلامية مشتركة.

في عام 1997م انفضت الشراكة بين حزب الرفاه وحزب الوطن الأم بقيادة تانسو شيلر فقدمت الحكومة استقالتها. هنا وجد العلمانيون ضالتهم فانفردوا بحزب الرفاه حيث تقدم في 9-6-1997م المدَّعي العام بدعوى قضائية أمام المحكمة الدستورية، مطالباً بحل حزب الرفاه بتهمة العمل على تغيير النظام العلماني في تركيا وفي شهر يناير من عام 1998م أصدرت المحكمة الدستورية حكماً بحل حزب (الرفاه)، وبمنع أربكان وعدد من قادة الحزب من العمل السياسي لمدة خمس سنوات.

 

تشكيل الفضيلة:

في مايو/1998م كون أنصار أربكان حزباً جديداً خلفاً للرفاه أسموه ( حزب الفضيلة) وتم انتخاب رجائي قوطان رئيساً له وبعد عامين أي في مايو/2000م جدد الحزب رئاسة رجائي قوطان لدورة جديدة لكن كانت المفاجأة أن انقسم مؤتمر الحزب بين قوطان الذي نال (632) صوتاً من أصوات المؤتمر بينما نال منافسه عبدالله غل (521) صوتاً كانت تلك المنافسة التي تبلورت فيما بعد في خروج عبدالله غل ورجب طيب أردوقان مكونين حزباً جديداً. استمرت حرب المؤسسة العسكرية والتيار المأسوني العلماني ضد حزب الفضيلة وأنصاره ومحاربة كل المظاهر الإسلامية،  في 11-2-2000م طردت وزارة التربية "300" معلمة من مدارسها رفضن خلع الحجاب بموجب القانون الذي حظر ارتداءه في المدارس والجامعات والوزارات والدوائر الرسمية. و في 21-9-1999م جرَّدت محكمة تركية النائبة عن حزب الفضيلة مروة قاوقجي من جنسيتها التركية بسبب تحدِّيها للقوانين العلمانية، ولدخولها إلى قاعة مجلس النواب مرتدية الحجاب الإسلامي. لكن العلمانيين ظنوا أنه بحرمان أربكان من ممارسة العمل السياسي سيخلو لهم الجو لذلك وفي 5-7-2000م أكدت محكمة التمييز حكماً كانت قد أصدرته محكمة أمن الدولة في مدينة "ديار بكر" بالسجن لمدة عام لأربكان بتهمة التحريض على الكراهية الدينية والعرقية، وحرمانه من العمل السياسي مدى الحياة، واستندت المحكمة في حكمها إلى خطاب قديم كان أربكان قد ألقاه في مهرجان انتخابي في عام 1994م. وفي اليوم التالي 6-7-2000م أصدرت المحكمة الدستورية قراراً بحرمان أربكان من العمل السياسي مدى الحياة بعد تأكيد محكمة التمييز لحكم محكمة أمن الدولة في ديار بكر. في 22-6-2001م أصدرت المحكمة الدستورية قرارها بحل حزب الفضيلة وعلَّلت قرارها بأن الحزب ارتكب هده المخالفات:- أنه امتداد لحزب الرفاه المنحل بحكم قضائي، والدستور التركي بحظر تشكيل حزب جديد بدلاً من آخر تمَّ حلّه.- أصبح حزب الفضيلة بؤرةً للنشاط ضد العلمانية.- تجرأت النائبة عن الحزب مروة قاوقجي على تحدِّي القوانين العلمانية بدخولها مجلس النواب وهي ترتدي الحجاب، وقام أعضاء الحزب بتشجيعها بالتصفيق لها.- قام نواب الحزب بالاحتجاج على قانون منع ارتداء الحجاب في المدارس والجامعات والوزارات والدوائر الحكومية وحرَّضوا الشعب ضد القرار.- أصدر الحزب كتاباً يدافع عن حق مروه قاوقجي في تحدي قوانين الدولة العلمانية.

مهدت مجاهدات أربكان وقوته المؤثرة وشخصيته الكارزمية له أن يلعب دور المهدي وسط الأمة التركية وأن يهيئ البيئة الإسلامية لتلاميذه الذين جاؤا من بعده.. فقد وجد حزب (العدالة والتنمية) الأرضية ممهدة له بعد أن مهرها أربكان بمجاهداته وتحدياته للعلمانية في تركيا ومؤسساتها العسكرية والمأسونية، فتقدم حزب العدالة والتنمية في انتخابات نوفمبر/2002م ليحصل على أغلبية المقاعد في المجلس النيابي حيث نال (363) مقعداً من أصل (550) مقعداً هي جملة مقاعد المجلس النيابي.

وللبرفيسير نجم الدين أربكان تنسب الصحوة الإسلامية الحديثة في تركيا فهو الذي شهدت العلاقات التركية العربية أول عملية تقارب حقيقي يوم أن كان نائباً لرئيس وزراء تركيا ثم رئيساً لوزرائها، فقد كان أول شرط له للدخول في ائتلاف حكومي مع حزب العدالة أولاً ثم حزب الشعب الجمهوري ثانياً، ثم مع حزب الوطن الأم ثالثاً أن تُعطى العلاقات العربية التركية أهمية خاصة بحكم ما يربط العرب والأتراك من وشيجة الدين والعقيدة. وهوالذي قدَّم في شهر أغسطس من عام 1980م مشروع قانون إلى مجلس النواب التركي يدعو الحكومة التركية إلى قطع علاقاتها مع الكيان الصهيوني. وهو الذي أصرَّ على أن تصدر الحكومة التركية احتجاجاً رسمياً ضد إقدام (إسرائيل) على إعلان ضم القدس الغربية إلى الكيان الصهيوني وإعلانها عاصمة ل(إسرائيل). وهو الذي قدَّم اقتراحاً بحجب الثقة عن وزير الخارجية التركي آنذاك خير الدين أركمان بسبب سياسته المؤيِّدة للكيان الصهيوني، والمعادية للعرب، وقد نجح أربكان وحزبه في طرد أركمان من وزارة الخارجية التركية. وهو الذي كانت ترتفع في كل المهرجانات التي كانت تقيمها الأحزاب التي أسسها هتافات (كهرواولسون إسرائيل) تسقط إسرائيل إلى عنان السماء. وهو الذي حاول أثناء رئاسته للحكومة إغلاق المحافل الماسونية وأندية الليونز والروتاري الماسونية. وهو نجم الدين أربكان، نصير فلسطين في تركيا، حيث كان يردد دائماً:(إن فلسطين ليست للفلسطينيين وحدهم، و لا للعرب وحدهم، و إنما للمسلمين جميعاً). وينسب له أنه الرجل الذي قاد نصف مليون تركي غاضب في مدينة قونية في شهر أغسطس من عام 1980م، يتقدمهم مجسَّمٌ ضخمٌ لقبَّة الصخرة المشرَّفة، يعلنون تضامنهم مع إخوانهم أهل فلسطين، ويطالبون بقطع جميع العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع الكيان الصهيوني، وكانت هذه المظاهرة من أجل فلسطين سبباً في قيام جنرالات العلمانية بانقلاب عسكري وسجن أربكان، ومنع النشاط الإسلامي في تركيا. لكن عندما تذكر الصحوة الإسلامية في تركيا لابد أن يشار للدور الكبير الذي تلعبه جماعة النور في ذلك وهم أتباع بديع الزمان سيد سعيد النورسي ( 1877ـــ مارس 1960م).

توفي رحمه الله في يوم الأحد 27 فبراير 2011م الموافق 23 ربيع الأول 1432 هـ في أحد مستشفيات أنقرة عن عمر ناهز 84 عاماً. شيعه ملايين الأتراك، ومن ورائهم المسلمون في أصقاع العالم، وذلك بمشاركة الرئيس عبد الله جول، ورئيس الوزراء رجب طيب أردوجان، الذي قطع زيارة رسمية لأوربا لحضور جنازة "المعلم" والمؤسس للحركة الإسلامية الحديثة في تركيا، ورفيق دربه رجائي طوقان. إلى جانب زعماء إسلاميين منهم المرشد العام السابع لجماعة الإخوان المسلمين محمد مهدي عاكف، ورئيس حزب النهضة في تونس الشيخ راشد الغنوشي، وممثلون عن حركة حماس، وزعماء إسلاميون، والكثير من العلماء والقيادات الإسلامية في العالم. ألا رحم الله قائد الصحوة الإسلامية في الدولة العثمانية البروفيسير المهندس نجم الدين أربكان وأسكنه فسيح جناته.

 

عبدالله عزام  (1941 - 24 نوفمبر1989م)

من أقواله:

( يا علماء الإسلام، تقدموا لقيادة هذا الجيل الراجع إلى ربِّه، ولا تَنْكلوا، وتركنوا إلى الدنيا، وإيَّاكم وموائد الطواغيت، فإنَّها تظلم القلوب، وتميت الأفئدة، وتحجزكم عن الجيل، وتحول بين قلوبهم وبينكم).

 (  لا يمكن للمجتمع الإسلامي أن يقوم بدون حركة إسلامية تشب على نار المحنة وينضج أفرادها على حرارة الابتلاء، وهذه الحركة تمثل الصاعق الذي يفجر طاقات الأمة، ويقوم جهاد طويل تمثل فيه الحركة الإسلامية دور القيادة والريادة والإمامة والإرشاد، ومن خلال الجهاد الطويل تتميز مقادير الناس وتبرز طاقاتهم وتتحدد مقاماتهم، وتتقدم قياداتهم لتوجه المسيرة وتمسك بالزمام، وهؤلاء بعد طول المعاناة يمكن الله لهم في الأرض ويجعلهم ستارا لقدره وأداة لنصرة دينه. وإن حمل السلاح قبل التربية الطويلة للعصبة المؤمنة يعتبر أمرا خطيرا لأن حملة السلاح سيتحولون إلى عصابات تهدد أمن الناس وتقض عليهم مضاجعهم.).

 (نعم نحن ارهابيون نرهب من لايخاف الله ولا يطبق شريعة ونرهب كل من يريد للأسلام شراً، ارهابيون لان الله امرنا بأن نرهب عدو الله نرهب العدو ونرفع الظلم والقتل والذل الذي يحصل للمسلمين ومن لاتعجبه كلمة ارهابي فنحن مجاهدون شاء من شاء وابا من ابا مضمونها واحد أن نرفع كلمة لا إله الا الله محمد رسول الله)

يرتبط اسم الشهيد الدكتور عبدالله عزام بالجهاد المقدس ضد الصهيونية في فلسطين والشيوعية في أفغانستان ومن ثم بث الرعب والإرهاب في نفوس الإمبريالية وذلك عبر تلاميذه من الأفغان العرب الذين شكلوا بعبعاً وكابوساً للإمبريالية وأزيالها من حكام العالم العربي. فمن هو عبد الله عزام وماهي سيرته وآثاره على الصحوة الإسلامية الحديثة؟.

ولد عبد الله عزام في قرية (سيلة) الحارثية في لواء جنين الواقعة شمال وسط فلسطين، وكانت لا تزال تحت الانتداب البريطاني، في حي اسمه (حارة الشواهنة)، واسم والده الحاج يوسف مصطفى عزام. تلقى عبد الله عزام علوم الابتدائية والإعدادية في مدرسة القرية، ثم واصل تعليمه العالي بكلية خضوري الزراعية في طولكرم، ونال منها دبلوما بدرجة امتياز ثم إنتسب إلى كلية الشريعة في جامعة دمشق ونال منها شهادة الليسانس في الشريعة بتقدير جيد جدا عام 1966 م. وفي سنة 1965 م تزوج عبد الله عزام وأنجب خمسة ذكور وثلاثة إناث. في عام 1390 هـ، 1970م، قرر الانتساب إلى جامعة الأزهر في مصر، حيث حصل على شهادة الماجستير في أصول الفقه، ثم عين محاضرا في كلية الشريعة بالجامعة الأردنية بعمان، في عام 1391 هـ، 1971م. ثم أوفد إلى القاهرة لنيل شهادة الدكتوراه، فحصل عليها في أصول الفقه بمرتبة الشرف الأولى عام 1393 هـ، 1973م، فعمل مدرسا بالجامعة الأردنية (كلية الشريعة) لغاية عام 1400 هـ، 1980م، ثم انتقل للعمل في جامعة الملك عبد العزيز في جدة وبعدها عمل في الجامعة الإسلامية العالمية في إسلام أباد في باكستان، ثم قدم أستقالته منها وتفرغ للجهاد في أفغانستان.

 

سيرته الجهادية

بعد سقوط الضفة الغربية سنة 1967م، ألتحق بكتائب ما يعرف المجاهدين التي شكلها (الأخوان المسلمون) وكانت قواعدها في الأردن، كذلك اشترك الشيخ في بعض العمليات على أرض فلسطين كان من أهمها: معركة المشروع أو الحزام الأخضر التي خاضها الشهيد مع اخوانه وقد حصلت هذه المعركة في منطقة الغور الشمالي ثانيا: معركة 5 حزيران 1970م، وقد اشترك فيها ستة من المجاهدين في أرض مكشوفة تصدوا لدبابتين وكاسحة ألغام، وكان موشيه دايان وزير الدفاع اليهودي قد أرسل مراسلاً كنديًّا وآخر أمريكيًّا ليطوف بهم على الحدود، ويريهم أن العمل الفدائي قد انتهي، وإذا بكتائب الحق تخرج لهم كالبرق الساعق حيث انهالت عليهم القذائف وجرح الصحفيان، واعترف اليهود باثني عشر قتيلاً من الجنود والضباط، ولكن قتلى الأعداء كانوا أكثر من هذا بكثير.

في عام 1984م أسس مكتب الخدمات في أفغانستان الذي أستقطب معظم المجاهدين العرب القادمين إلى أفغانستان، ولقد كان له دور مهم في مسيرة الجهاد، إذ مثل حلقة الوصل بين المجاهدين الأفغان والمؤيدين لهم في البلدان العربية، كما أشرف على عمليات واسعة لتقديم الخدمات والمساعدات المختلفة من تعليمية وصحية وغيرها، للأفغان وأهليهم، وأسس مجلة (رسالة الجهاد)، لتكون منبرا أعلاميا شهريا لنشر أخبار الجهاد وكذلك نشرة (لهيب المعركة)، وهي أسبوعية تتناول آخر الأحداث المستجدة على الساحة الأفغانية.

خاض معارك كثيرة ضد الروس كان من أشدها وأشرسها (معركة جاجي) في شهر رمضان سنة 1408 هـ، 1987م، وكان في معيته عدد من المجاهدين العرب، وتولى فيما بعد منصب أمير مكتب خدمات المجاهدين في أفغانستان. أسهم في تدوين وقائع الجهاد الأفغاني من خلال مقالاته الأفتتاحية في مجلة (الجهاد)، ونشرة (لهيب المعركة). عمل على توحيد صفوف قادة المجاهدين والتوفيق بينهم، منعا للفرقة والاختلاف.

لدى خروج الروس من أفغانستا جاءت فتنة السلطة التي فرقت المجاهدين الأفغان وجعلتهم يتصارعون ويتحاربون فيما بينهم وهنا كان للشهيد عبدالله عزام موقف واضح وجرئ وهو عدم التدخل في الخلافات بين المجاهدين الأفغان إلا بالاصلاح وعدم الانحياز لأي طرف منهم دون الآخر. ثم  الشهيدن عزام أن ساحة المعركة القادمة بعد أفغانستان ينبغي أن تكون هي فلسطين ويجب على المجاهدين أن يتوجهوا نحو فلسطين ليساندوا حركة الجهاد الإسلامي ضد الصهيونية والإمبريالية هناك، بينما كان الشيخ الشهيد أسامة بن لادن وأيمن الظواهري يرون أن الأنظمة العربية المرتبطة بالإمبريالية والصهيونية يجب أن تكون الهدف الثاني للمجاهدين بعد أفغانستان. لكن يد الغدر والخيانة عاجلت الشهيد عبد الله عزام حيث تم تفجير سيارته أثناء ذهابه هو وابنيه لأداء فريضة الجمعة بمسجد "سبع الليل" الذي خصصته جمعية الهلال الأحمر الكويتي للمجاهدين العرب، إذ كانت الخطب في المساجد الأفغانية بلغة الأوردو، فحضر لإلقاء خطبته يوم الجمعة بتاريخ 25/4/1410هـ، الموافق 24/11/1989م. ودفن رحمه الله بباكستان.

لقد ترك الشيخ الشهيد الدكتور عبدالله عزام الكثير من المؤلفات والمقالات والأقوال المأثورة والخطب المسجلة التي تشكل ثورة مستمره وسط أنصاره ومحبي الجهاد في كل مكان. ففي وصيته للنساء كما نشرتها مجلة( هاجر) يقول الشيخ الشهيد:

(: يا معشر النساء : اياكن والترف لان الترف عدو الجهاد والترف تلف النفوس البشرية، واحذرن الكماليات واكتفين بالضروريات، وربين أبناءكن على الخشونة والرجولة والجهاد...لتكن بيوتكن عرينا لأسود وليس مزرعة للدجاج الذي يسمن ليذبحه الطغاة, واغرسن في أبناءكن حب الجهاد وميادين الفروسية وساحات الوغى وعشن مشاكل المسلمين ,وحاولن ان تكن في يومٍ من الاسبوع في حياة تشبه حياة المجاهدين حيث الخبز الجاف ولا يتعدى الادام جرعات من الشاى.

يا ايها الاطفال تربوا على نغمات القذائف ودوى المدافع وازيز الطائرات وهدير الدبابات واياكم وانغام الناعمين وموسيقى المترفين وفراش المتخمين.

 اما انت ايتها الزوجة: ففى النفس الكثير الكثير اريد ان ابثه اليك يا ام محمد جزاك الله عنى وعن المسلمين خير الجزاء,لقد صبرت معى طويلا على الهواء الطليق وتجرعت معى كئوس الحياة حلوها ومرها وكنت خير عون لى عن ان انطلق في هذه المسيرة وان اعمل في ميدان الجهاد.لقد تركت على كاهلك البيت عام1969م، ايام كان لدينا طفلتان وولد صغير، لقد عشت معى في غرفة واحدة من الطين لا مطبخ لها ولا منافع وتركت على عاتقك البيت يوم شغلك الحمل وزادت العائلة وكثرت معارفنا وزاد ضيوفنا فاحتملت لله فجزاك الله خير الجزاء ولولا الله ثم صبرك على غيابنا الطويل عن البيت ,ما استطعت ان احتمل هذا العبء الثقيل وحدى. لقد عرفتك زاهدة في الحياة وليس للمادة أي وزن في حياتك, لم تشتك ايام الشدة من قلة ذات اليد ولم تترفهى ولم تبطرى يوم ان فتح علينا قليل من الدنيا ,لم تكن الدنيا في قلبك ,بل معظم الوقت في يدك...... الزمى الزهد يحبك الله ,وازهدى بما في ايدى الناس يحبك الناس، القرآن هو متعة العمر وانس الحياة، وقيام النافلة والاستغفار في الاسحار هو الذي يجعل في القلب شفافية وللعبادة حلاوة وصحبة الطيبات وعدم التوسع في الدنيا والبعد عن المظاهر وعن اهل الدنيا راحة القلوب واملى في الله ان يجمعنا في الفردوس كما جمعنا في الدنيا.

 واما انتم يا ابنائى: انكم لم تحظوا من وقتى الا بالقليل ولم ينلكم من تربيتى الا اليسير، نعم لقد شغلت عنكم ولكن ماذا اصنع ومصائب المسلمين تذهل المرضعة عن رضيعها، والأهوال التي المت بالامة الإسلامية تشيب نواصى الاطفال، واصيكم يا ابنائى بعقيدة السلف اهل السنة والجماعة واياكم والتنطع واوصيكم بالقرآن تلاوة وحفظا وبحفظ اللسان وبالقيام والصيام وبالصحبة الطيبة وبالعمل مع الحركة الإسلامية....ولكن اعلموا انه ليس لأمير الحركة أي سلطة عليكم بحيث يمنعكم من الجهاد أو يزين لكم البقاء للدعوة بعيدا عن مصانع الرجولة وميادين الفروسية ,لا تاخذوا اذن أحد للجهاد في سبيل الله....ارموا واركبوا ولان ترموا احب إلى من أن تركبوا.اوصيكم يا ابنائى بطاعة امكم واحترام اخواتكم ام الحسن وام يحيى واوصيكم بالعلم النافع الشرعى واوصيكم بطاعة اخيكم الكبير محمد(وقد استشهد معه بعد ذلك),واوصيكم بالمحبة فيما بينكم ,بروا جدكم وجدتكم واكرموهما كثيرا وبروا عمتكم فلهما بعد الله فضل كبير على.....صلوا ارحامنا وبروا اهلنا واوفوا بحق صحبتنا لمن صاحبنا. سبحانك اللهم وبحمدك نشهد ان لا اله الا انت نستغفرك ونتوب اليك. عبد الله عزام.

كذلك لقد ترك الشهيد أقوالاً مأثورة وأعمالاً جهادية يقتدى بها بل لقد ترك أثره في مسيرة حركة الإصلاح والجهاد في عالمنا الإسلامي، ولنا أن نتوقف عند بعض أقواله ووصاياه للأمة الإسلامية لنرى أثر هذا الشهيد الذي دام حياً وميتاً رغم أنه عندما استشهد كان في سن الشباب ودون الخمسين من عمره.

من أقوال الشهيد عبدالله عزام رحمه الله:

1- إن مقادير الرجال تبرز في ميادين النزال لا على منابر الأقوال.

2- إن الجهاد هو الضمان الوحيد لصلاح الأرض وحفظ الشعائر.

3- إن حياة الجهاد ألذ حياة، والمكابدة مع الشظف أجمل من التقلب بين أعطاف النعيم.

4- إن أرض الجهاد لتصقل الروح، وتصفي القلب، وتقلب كثيرًا من الموازين.

5- أيها المسلمون، إن حياتكم الجهاد وعزمكم الجهاد، ووجودكم مرتبط ارتباطًا مصيريًّا بالجهاد.

6- إن التبرير للنفس بالقعود عن النفير في سبيل الله لهو ولعب.

"لقد ملك حبُّ الجهاد عليَّ حياتي ونفسي ومشاعري وقلبي وأحاسيسي، إنَّ سورة التوبة بآياتها المحكمة التي مَثَّلث الشِّرْعَةَ النهائية للجهاد في هذا الدين وإلى يوم الدين لتعتصر قلبي ألمًا، وتُمزِّق نفسي أسًى وأنا أرى تقصيري وتقصير المسلمين أجمعين تجاه القتال في سبيل الله.

إنَّ التعلَّل بالآمال دون الإعداد لَهْوَ شأن النفوس الصغيرة التي لا تطمح أن تصل إلى القمم، ولا أن ترقى إلى الذُّرا

إنَّ هيبة الدعاة وشوكة الدعوة وعزة المسلمين لن تكون بدون قتال: "ولينزعَنَّ الله من قلوب أعدائكم المهابة منكم، وليقذفنَّ في قلوبكم الوهن. قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حبّ الدنيا وكراهية الموت". وفي رواية: "وكراهية القتال".

{فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً} [النساء: 84].

إنَّ الشرك سيعمُّ ويسود بدون قتال {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: 39]، والفتنة هي الشرك.

إنّ الجهاد هو الضمان الوحيد لصلاح الأرض {ولَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ} [البقرة: 251].

إنَّ الجهاد هو الضمان الوحيد لحفظ الشعائر، وبيوت العبادة {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} [الحج: 40].

يا دعاة الإسلام، احرصوا على الموت توهب لكم الحياة، ولا تغرنَّكم الأماني، ولا يغرنَّكم بالله الغرور، وإيَّاكم أن تخدعوا أنفسكم بكتب تقرأونها، وبنوافل تزاولونها، ولا يحملنكم الانشغال بالأمور المريحة عن الأمور العظيمة، {وَتَوَدُّونَ أنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ... } [الأنفال: 7].

لا تطيعوا أحدًا في الجهاد، لا إذن لقائد في النفير إلى الجهاد، إنَّ الجهاد قوام دعوتكم، وحصن دينكم، وترس شريعتكم.

يا أيها المسلمون، لقد طال رقادكم واستنسر البغاة في أرضكم، وما أجمل أبيات الشاعر:

طال المنام على الهـــوان        فأين زمجـــرة الأسـود

واستنسرت عصب البغا ة       ونحن فــــي ذل العبيـد

قيد العبيد من الخنـــوع        وليس من زرد الحـديـد

فمتى نثور على القيـــود       متى نثور علـــى القيـود

عند استشهاده رثاه العلماء العاملون في ميادين الجهاد حيث قالت عنه حركة حماس:: ( لئن كان استشهاد الشيخ عبد الله قريبًا من أرض الجهاد في أفغانستان المسلمة، وليس على أرض الإسراء في فلسطين التي أحبها، وجاهد لتحريرها حتى تيسر أمر الجهاد، فإن ذلك عائد إلى الحصار الذي يعاني منه المجاهدون خارج فلسطين للحيلولة بينهم وبين أعداء الله من بني يهود من جهة أخرى، ولقد عرفت أرض الإسراء الشيخ عزام مجاهدًا صادقًا في قواعد الشيوخ في غور الأردن أعوام 1968- 1969- 1970م، وقد استشهد الشيخ ونفسه تهفو إلى الجهاد في فلسطين التي بقي معها ومع مجاهديها بقلبه ولسانه وقلمه).

لم يكن عبد الله عزام مجاهدًا بسيفه فقط، بل جاهد بقلمه تاركاً قرابة العشرين مؤلفاً، منها: آيات الرحمن في جهاد الأفغان، الإسلام ومستقبل البشرية، الحق بالقافلة، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حكم العمل في جماعة، حماس الجذور التاريخية والميثاق، الدفاع عن أراضي المسلمين أهم فروض الأعيان، بشائر النصر المنارة المفقودة، جريمة قتل النفس المؤمنة، كلمات على خط النار. رحم الله الشهيد الدكتور عبدالله عزام.

 

الشهيد أحمد يسن:

وعلى نهج الشهيد عبداله عزام ومن قبله الشهيد عزالدين القسام جاء شيخ المجاهدين وأمير الشهداء الشيخ الشهيد أحمد ياسين (1938ـــ 2004م )، الذي أسس مع مجموعة من النشطاء الإسلاميين تنظيم (حركة المقاومة الإسلامية) الذي يشار إليه بحركة "حماس" في قطاع غزة في العام 1987. وهو صاحب المقولة التي اعتمدت عليها حركات المقاومة في تسليح نفسها وقيادة المقاومة المسلحة ضد الصهاينة المحتلين، حيث قال: ( لقد نزعت الجيوش العربية التي جاءت تحارب الكيان الصهيوني السلاح من أيدينا بحجة أنه لا ينبغي وجود قوة أخرى غير قوة الجيوش، فارتبط مصيرنا بها، ولما هزمت هزمنا وراحت العصابات الصهيونية ترتكب المجازر والمذابح لترويع الآمنين، ولو كانت أسلحتنا بأيدينا لتغيرت مجريات الأحداث).

في 13 يونيو 2003، أعلنت المصادر الإسرائيلية أن ياسين لا يتمتع بحصانة وأنه عرضة لأي عمل عسكري إسرائيلي. وفي 6 سبتمبر / أيلول 2003، تعرض لمحاولة اغتيال إسرائيلية عندما قامت المقاتلات الإسرائيلية من طراز F/16 بالقاء قنبلة زنة ربع طن على أحد المباني في قطاع غزّة، وكان أحمد ياسين متواجداً في شقّة داخل المبنى المستهدف مع مرافقه إسماعيل هنية، فاصيب ياسين بجروح طفيفة جرّاء القصف. وأعلنت الحكومة الإسرائيلية بعد الغارة الجوية ان أحمد ياسين كان الهدف الرئيسي من العملية الجوية.

تم اغتيال أحمد ياسين من قبل جيش الدفاع الإسرائيلي وهو يبلغ الخامسة والستين من عمره، بعد مغادرته مسجد المجمّع الإسلامي الكائن في حي الصّبرة في قطاع غزة، وأدائه صلاة الفجر في يوم الأول من شهر صفر من عام 1425 هجرية الموافق 22 مارس من عام 2004 ميلادية بعملية أشرف عليها رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق ارئيل شارون. قامت مروحيات الأباتشي الإسرائيلية التابعة لجيش الدفاع الإسرائيلي بإطلاق 3 صواريخ تجاهه وهو في طريقه إلى سيارته بكرسيه المتحرّك من قِبل مساعديه، اغتيل ياسين في لحظتها وجُرح اثنان من أبنائه في العملية، واغتيل معه 7 من مرافقيه. ذهب الشيخ الشهيد أحمد ياسن لكن مازالت ذكراه وخطبه ومواقفه تعطر سماء الانتفاضة المباركة والصحوة الإسلامية المقتدية بالعلماء المجاهدين.

 

المودودي

لا يمكن أن نتجاوز العلامة المجاهد الشيخ أبو الأعلى المودودي ونحن نتحدث عن رجالات الصحوة الإسلامية في القرن العشرين وظلالها المتدة داخل الألفية الثالثة. فالمودودي والندوي واربكان والخميني هم درر عالمنا الإسلامي غير العربي. فمن هو هذا الهرم الفكري والمعرفي؟.

إنه أبو الأعلى المودودي المولود في  .(1321 هـ-1399 هـ / 1903-1979م) ولد بمدينة جيلى بورة القريبة من أورنج أباد في ولاية حيدر أباد بالهند من أسرة مسلمة محافظة اشتهرت بالتدين والثقافة. لم يعلمه أبوه في المدارس الإنجليزية واكتفى بتعليمه في البيت.

ونتيجة احتكاكه بحركة الخلافة انتقل إلى دلهي عاصمة الهند، وقابل مفتي الديار الهندية الشيخ "كفاية الله" والشيخ "أحمد سعيد"، وكانا من كبار جمعية العلماء بالهند، ووقع الاختيار عليه لرئاسة تحرير الصحيفة التي ستصدرها الجمعية تحت اسم "المسلم" (بين 1921و1923)، وفي عام 1924 أصدرت جريدة الجمعية، ورأس المودودي تحريرها حتى 1948.

في عام 1932م أصدر الشيخ المودودي مجلة " ترجمان القرآن " الشهرية المستقلة، وكان لها دور أساسي في الحركة الإسلامية في القارة الهندية. بعد حوار طويل مع الشاعر محمد إقبال الذي اقتنع المودودي بالمجئ إلى لاهور ليتعاونا معـًا في بعث الإسلام وساند مسلمى الهند حتى قيام دولتهم باكستان. فى عام 1941م قام بإنشاء الجماعة الإسلامية للدعوة لله واقامة المجتمع الإسلامي.

 

تأسيس الجماعة الإسلامية

أسس المودودي الجماعة الإسلامية في لاهور، على مبادئ الإصلاح الشامل لحياة المسلمين على أساس الإسلام الصحيح وانتخب أميرًا لها في (3 شعبان 1360 هـ الموافق 26 أغسطس 1941م).

دعا مسلمى الهند في مجلته (ترجمان القرآن) إلى الانضمام إليها قائلا (لابد من وجود جماعة صادقة في دعوتها إلى الله، جماعة تقطع كل صلاتها بكل شيء سوى الله وطريقه، جماعة تتحمل السجن والتعذيب والمصادرة، وتلفيق الاتهامات، وحياكة الأكاذيب، وتقوى على الجوع والبطش والحرمان والتشريد، وربما القتل والإعدام، جماعة تبذل الأرواح رخيصة، وتتنازل عن الأموال بالرضا والخيار)

وبعد ذلك بعامين في (1362 هـ = 1943م) نقلت الجماعة الإسلامية مركزها الرئيسي من لاهور إلى دار السلام - إحدى قرى بتها نكوت – وسخر قواه وجماعته لمناصرة قضية فلسطين

ومع إعلان قيام دولة باكستان في (11 شوال 1366 هـ = 28 أغسطس 1947م)، انتقل المودودي مع زملائه إلى لاهور؛ حيث أسس مقر الجماعة الإسلامية بها، وفي (صفر 1367 هـ = يناير 1948م) بعد قيام باكستان بنحو خمسة أشهر، ألقى المودودي أول خطاب له في كلية الحقوق، وطالب بتشكيل النظام الباكستاني طبقًا للقانون الإسلامي.

مثلت فكرة الحكومة الإسلامية محوراً في خطب وكتب العلامة المودودي وداوم على مطالبة الحكومة الباكستانية بتطبيق الشرية الإسلامية في حياة ودولة المسلمين. في عام 1948ألقى خطابًا مهماً في اجتماع عام بكراتشي تحت عنوان "المطالبة الإسلامية بالنظام الإسلامي". قبض عليه عدة مرات لأسباب مختلقة.

وقف المودودي موقفاً متشدداً ضد طائفة القاديانية المنحرفة داعياً الحكومة لعد الاعتراف بها مما حدا بها لاثارة موجة من العنف بسبب وقوف الجماعة الإسلامية في وجه مطالبها بالاعتراف بها، وقام أبو الأعلى باعداد وتاليف كتاب ضدهم، وعلى اثر ذلك اعتقل وحكم عليه بالإعدام في عام 1953 فوقف ثابتًا وقال كلمته المشهورة " إن كانت تلك إرادة الله فإنى أتقبلها بكل فرحة، وإن لم يكتب لى الموت في الوقت الحاضر فلا يهمنى ما يحاولون فعله فإنهم لن يستطيعوا إلحاق أقل ضرر بى ". عند صدور حك الاعام عليه ثار المسلمون في معظم أنحاء العالم الإسلامي وتظاهروا امام جميع السفارات الباكستانية في عواصم العالم، وتوالت البرقيات من كل مكان تشجب هذا الحكم، حتى اضطرت الحكومة إلى تخفيف حكم الإعدام والحكم عليه بالسجن مدى الحياة، ولكن ردود الفعل الرافضة لهذا الحكم أدت إلى إصدار حكم بالعفو عن المودودي في (1374 هـ = 1955م).

منحته المملكة العربية السعودية في عام 1399 هـ  جائزة الملك فيصل تقديراً لجهوده وتضحياته في خدمة الإسلام، فتبرع بها بها لخدمة الاسلام. أسهم في إنشاء جمعية الجامعات الإسلامية كمنظمة دائمة.

توفي سنة 1399 هـ - 1979م في نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية بعد أثرى الساحة الفكرية بجهاده وفكره تاركاً عدداً المؤلفات بلغت (120) مصنفًا ما بين كتاب ورسالة، ومن أبرز تلك المؤلفات:

    الجهاد في الإسلام: وكان سبب تأليفه لهذا الكتاب أن المهاتما غاندي نقل عنه قوله بأن الإسلام انتشر بحد السيف. وخطب الإمام "محمد علي الجوهري" خطبة في الجامع الكبير بدهلي، وصدح بقولته: "ليت رجلا من المسلمين يقوم للرد"؛ فأراد المودودي أن يكون ذلك فأصدر ذلك الكتاب الذي كان الدكتور "محمد إقبال" ينصح دائمًا الشباب المسلمين باقتناء هذا الكتاب.

كذلك كتابه "المصطلحات الأربعة" الذي  أحدث ثورة في فكر شهيد الإسلام سيد قطب وعندما قرأ  المودودي كتاب "معالم في الطريق" لمؤلفه الشهيد سيد قطب في ليلة واحدة بمكة المكرمة، قال: (إن ما ورد في هذا الكتاب هو نفس ما أراه، بل كأني أنا الذي ألفته، فقد عبر عن أفكاري بدقة... ولا عجب؛ فمصدر أفكاره وأفكاري واحد، وهو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم). كان شهيد الإسلام سيد قطب يطلق على المودودي لقب "المسلم العظيم".وعنه قال العلامة الفيلسوف محمد إقبال: (إن هذا الشيخ يعرض دين الرسول صلى الله عليه وسلم بقلم مداده الدم).أما الشيخ عمر التلمساني المرشد العام للأخوان المسلمين فقد كان يقارن بين المودودي والشهيد حسن البنا قائلاً: (إنهما بحق إماما الجيل الظاهران المنفردان.. وإنهما استمدا كل معلوماتهما ومناهجهما وأساليبهما ووسائلهما في الدعوة إلى الله من القرآن وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، دون أخذ من هذا الفيلسوف أو استمداد من ذلك الكاتب، فجاءت مدرستهما بعيدة كل البعد عما قد يعيب الدعوة الإسلامية بأي فهم أو تفكير لا صلة له بالإسلام. والناظر إلى ما لاقاه البنا من عنت وتهجم وإيذاء يرى نفس الشيء بالنسبة للإمام المودودي .. وكأنهما على ميعاد).

وعنه قال العلامة الشيخ أبو الحسن الندوي: (إنني لا أعرف رجلا أثر في الجيل الإسلامي الجديد، فكريا وعمليا مثل المودودي، فقد قامت دعوته على أسس علمية، أعمق وأمتن من أسس تقوم عليها دعوات سياسية، وردود فعل للاستعمار الأجنبي، وكانت كتاباته وبحوثه موجهة إلى معرفة طبيعة هذه الحضارة الغربية، وفلسفتها في الحياة وتحليلها تحليلا علميا، قلما يوجد له نظير في الزمن القريب، ولقد عرض الإسلام ونظم حياته وأوضاع حضارته وحكمة سياسته وصياغته للمجتمع والحياة، وقيادته للركب البشري والمسيرة الإنسانية في أسلوب علمي رصين، وفي لغة عصرية تتفق مع نفسية الجيل المثقف، وتملأ الفراغ الذي يوجد في الأدب الإسلامي من زمن طويل... ومن مآثره الخالدة .. أنه حارب "مركب النقص" في نفوس الشباب الإسلامي فيما يتصل بالعقائد والأخلاق ونظام الحياة الإسلامية.. وكان لكتاباته فضل كبير لإعادة الثقة إلى نفوس هؤلاء الشباب بصلاحية الإسلام لمسايرة العصر الحديث)

أما الدكتور يوسف القرضاوي فقد قال عن المودودي:(... والمفكر المصلح، هو في الواقع طبيب اجتماعي، ينفذ بعين بصيرته إلى حقيقة أدواء الأمة، ولا يكتفي بالنظر إلى الأعراض، دون أن يتعمق في معرفة الأسباب، والغوص إلى الأعماق، فإذا عرف حقيقة المرض لم يجعل دواءه مجرد مراهم تعالج السطح الخارجي، دون اجتثاث الجرثومة الداخلية، أو تصف مسكنات تخفف الألم برهة من الزمن، ولا تستأصل الداء من جذوره، وكان المودودي هنا طبيبا نطاسيا لأمته، عرف حقيقة دائها وجرثومته الأصلية" وتحدث الشيخ القرضاوي عن الأصول الفكرية عند المودودي التي تقوم على نقاط ثلاث وهي: الالتزام بالإسلام كل الإسلام، المعاصرة، المواجهة. ورأى أن ما يميز المودودي (أنه لم يكن مجرد مفكر أكاديمي، أو مصلح نظري، يعيش في برج عاجي أو في صومعة منعزلة، يفرغ فكره الإصلاحي على الورق، ثم لا يتحمل تبعة بعد ذلك، لقد كان للمودودي بجوار رسالته الفكرية العظيمة؛ رسالة علمية أخرى لا تقل عظمة عن الأولى، وهي: أن يحول فكره إلى حركة: وحركة إيجابية بناءة، تعمل على تأليف الرجال بعد تأليف الكتب والرسائل).ثم يبدي القرضاوي اعجابه بالترتيب الفكري والمنهجي عند امودودي فيقول: ( والإمام أبو الأعلى المودودي كانت الأولوية عنده لمحاربة الجاهلية الحديثة، ورد الناس إلى الدين والعبادة بمعناها الشامل، والخضوع لـ "حاكمية الله" وحده، ورفض حاكمية المخلوقين، أيا كانت منزلتهم أو وظيفتهم، مفكرين أو قادة سياسيين، وإنشاء حركة إسلامية متميزة، ترفض فكرة الغرب في المدنية والاقتصاد والسياسة وحياة الفرد والأسرة والمجتمع، وتتخذ منهجا خاصا في الانقلاب أو التغيير، وظهر له في ذلك كتب ورسائل جمة، عبرت عن فلسفته في الدعوة إلى الإسلام وتجديده، وقامت جماعته لتبنيها ونشرها).

 

أبو الحسن الندوي

جاء ميلاده في عام 1913م في الهند بعد عشر سنوات من ميلاد العلامة المودودي، وتوفي بالهند في عام 1999م بعد وفاة المودودي بعشرين عاماً فكان يشكل وصلاً لمسيرة الفكر الإسلامي الذي خطه المودودي حيث تكامل دور العلماء بين الهند وباكستان.أسس الشيخ الندوي حركة رسالة الإنسانية عام 1951م، كما أسَّسَ المجمع الإسلامي العلمي في لكهنؤ عام 1959م وشارك في تأسيس هيئة التعليم الديني للولاية الشمالية (U.P.) عام 1960م، وفي تأسيس المجلس الاستشاري الإسلامي لعموم الهند عام 1964م، وفي تأسيس هيئة الأحوال الشخصية الإسلامية لعموم الهند عام 1972م. دعا إلى أوَّل ندوة عالمية عن الأدب الإسلامي في رحاب دارالعلوم لندوة العلماءعام 1981م.

ترك الندوي مؤلفات كثيرة من أهمها كتابه ذائع اصيت (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين).. خاطب الأمة العربية المسلمة في وصيته القوية قائلاً:

(إسمعوها مني صريحةً أيها العرب: بالإسلام أعزَّكم الله، "لو جُمع لي العربُ في صعيدٍ واحد واستطعت أن أوجّه إليهم خطاباً تسمعه آذانهم، وتعيه قلوبهم لقلتُ لهم : أيها السادة ! إنَّ الإسلام الذي جاء به محمد العربي صلى الله عليه وسلم هو منبع حياتكم، ومِنْ أُفُقه طلع صبحُكم الصادق، وأن الـنبـي صلى الله عليه وسلم هو مصدر شرفكم وسبب ذكركم، وكل خير جاءكم - بل وكل خير جاء العالم - فإنَّما هو عن طريقه وعلى يديه، أبى الله أن تتشرفوا إلا بانتسابكم إليه وتمسُّكِكُم بأذياله والاضطلاع برسالته، والاستماتة في سبيل دينه، ولا رادَّ لقضاء الله ولا تبديل لكلمات الله، إن العالم العربي بحرٌ بلا ماءٍ كبحر العَروض حتى يتخذ محمد صلى الله عليه وسلم إماماً وقائداً لحياته وجهاده، وينهض برسالة الإسلام كما نهض في العهد الأول، ويخلـِّص العالَم المظلوم من براثن مجانين أوروبا- الذين يأبون إلا أن يقبروا المدنيَّة وقضوا على الإنسانية القضاء الأخير بأنانيتهم واستكبارهم وجهلهم- ويوجِّه العالم من الانهيار إلى الازدهار، ومن الخراب والدَّمار والفوضى والاضطراب، إلى التقديم والانتظام، والأمن والسلام، ومن الكفر والطغيان إلى الطاعة والإيمان، وإنه حق على العالم العربي سوف يُسألُ عنه عند ربه فلينظر بماذا يجيب ؟!).

 

التـــرابي

عبد الحديث عن الصحوة الإسلامية الحديثة لا يمكن تجاوز الشيخ الدكتورحسن عبد الله الترابي (ولد في 1 فبراير 1932). تلقى الترابي علوم القرآن والعربية على يد والده، ثم حفظ القرآن صغيراً ثم انكب كتب التراث الإسلامي واللغة والأدب حتى أصبح ضليعاً وراسخاً فيها.  درس الترابي الحقوق في جامعة الخرطوم منذ عام 1951 حتى 1955، ثم حصل على الماجستير من جامعة أكسفورد عام 1957، ثم دكتوراة الدولة من جامعة سوربون، باريس عام 1964، وهو نفس العام الذي اد فيه للسودان ليشارك في ثورة أكتوبر/1964م التي أسقطت نظام عبود العسكري في السودان حيث كان الترابي من أبرز المتحدثين الذين شاركوا في الندوة التي أقيمت بجامعة الخرطوم و التي انطلقت الثورة بعدها.

بعد ذلك عمل أستاذاً في كلية القانون جامعة الخرطوم ثم عميداً لها.. يتقن الشيخ الترابي أربع لغات هي العربية، والإنجليزية، والفرنسية، والألمانية. منذ المصالحة الوطنية مع نظام الرئيس جعفر نميري في السودان (1969ـ1985م)، حيث كانت المصالحة الوطنية في يوليو 1977م تبوأ الترابي عدداً من المناصب الوزارية مثل مستشار رئيس الجمهورية ثم النائب العام في عهد النميري، وفي العهد الديمقراطي (1986ــ 1989م)، عين الترابي وزيراً للعدل في السودان. في عام 1988 كما عين وزيراً للخارجية السودانيه. كما أختير رئيساً للبرلمان في السودان  في عهد الرئيس االبشير1996.

 

النشاط الإسلامي:

شارك في تأسيس  جبهة الميثاق الإسلامي التي كانت تمثل أول حزب أسسته الحركة الإسلامية السودانية والتي تحمل فكر(الإخوان المسلمين) ثم أصبح أميناً عاماً لها في سنة 1964م.. كان أبرز المطالبين بتطبيق الشريعة الإسلامية في السودان وتم سجنة جراء ذلك لما يزيد عن السبعة أعوام في عهد الرئيس نميري.

بعد انتفاضة الشعب السوداني في عام 1985م وسقوط نظام جعفر نميري أسست الحركة الإسلامية بقيادة الترابي الجبهة الإسلامية القومية عام . في يونيو عام 1989، ووفق تبريرات كانت مقنعة للإسلاميين في وقتها أقدمت الجبهة الإسلامية بقيادة الترابي على انقلاب عسكري ضد حكومة الصادق المهدي المنتخبة ديمقراطيا وعين عمر حسن البشير رئيسا لحكومة السودان.

حاول الترابي أن يفك الحصار الذي ضـُرب على السودان بعد إعلان توجهاته الإسلامية لذلك نراه في عام 1991 قد أسس المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي الذي ضم ممثلين من 45 دولة عربية وإسلامية، كما انتخب الترابي أميناً عاماً لهذا المؤتمر. بعد احتلال العراق للكويت عام 1990م وقف الترابي ضد التدخل الأجنبي في الخليج بحجة تحرير الكويت مما زاد تدهور علاقات حكومة السودان تحت رعاية الترابي مع الخليج العربي و أمريكا وأوربا الغربية.

في العام 1999م بلغ الخلافة قمته بين الترابي والرئيس البشير فقام الرئيس بحل البرلمان الذي كان يرأسه الترابي ثم قام بتجميد عضوية الترابي في المؤتمر الوطني الحزب الحاكم في السودان وبذلك انتقل الترابي لمعارضة حكومة البشير مكوناً حزبه ( المؤتمر الشعبي) ليدخل سجون البشير عدة مرات.

يعتبر الشيخ الترابي  من أجرأ العلماء المسلمين في القرن العشرين كما له اجتهادات في مجال الفكر والفقه و له آراء فقهية وفكرية مميزة وبعضها مثير للجدل ولا يجمع عليها علماء الإسلام. له عدة كتب أبرزها كتاب التفسير التوحيدي للقرآن الكريم، كما له من المؤلفات  قضايا الوحدة والحرية (عام 1980)، تجديد أصول الفقه (عام 1981)، تجديد الفكر الإسلامي (عام 1982) الأشكال الناظمة لدولة إسلامية معاصرة (عام 1982)، تجديد الدين (عام 1984،  منهجية التشريع (عام 1987)، المصطلحات السياسية في الإسلام (عام 2000)، الدين والفن، المراة بين تعاليم الدين وتقاليد المجتمع، السياسة والحكم،عبرة المسير لاثني عشر السنين، الصلاة عماد الدين، الايمان واثره في الحياة، الحركة الإسلامية... الحركة الإسلامية التطور والنهج والكسب.

بالرغم من مشاركة الحركة الإسلامية السودانية في موجة الصحوة الإسلامية بصورة واضحة ومؤثرة تركت بصماتها في الكثير من الدول خاصة الحركة الإسلامية في أوربا الغربية والشرقية والولايات المتحدة الأمريكية، لكن الحركة الإسلامية تعجلت في الوصول إلي السلطة عبر انقلاب عسكري مما أظهرها كحركة شمولية تضيق بالرأي الآخر المعارض وتسعى للسيطرة على السلطة بصورة تتناقض مع شعارتها السابقة ومشروعها لدولة الحرية والعدالة.

 

راشد الغنوشي:

يعتبر الأستاذ راشد الغنوشي- مواليد يونيو العام 1941، في بلدة الحامة بجنوب تونس- من رواد الصحوة الإسلامية الحديثة. درس الغنوشي في جامع الزيتونة وبعد نيله الشهادة الثانوية هاجر ليدرس الفلسفة في العاصمة السورية دمشق، ومن هنالك بدأت تتبلور معالم فكره الإصلاحي. ثم انتقل الغنوشي ليدرس الفلسفة في جامعة لسوربون الفرنسية. في العام 1969، عاد الغنوشي إلى تونس ليبدأ نشاطه الدعوي الاصلاحي ثم ليشكل حركة الاتجاه الإسلامي التي عقدت مؤتمرها الأول العام 1979 حيث انتخب الغنوشي رئيساً لها. في عام 1981 طالبت الحركة باعتمادها كحزب سياسي في تونس فكان رد الحكومة هو الزج بقادتها إلي غياهب السجون وحل الحركة. في العام 1988 تم اعتماد اسم جديد للحركة هو «حركة النهضة» حتى يتماشى مع قنون تأسيس الأحزاب الذي يحظر تكوين أي حزب على أساس ديني. تعرض الغنوشي للعديد من المحامات بسبب نشاطه الإسلامي في تونس التي أرادتها فرنسا حديقة خليفة يتنفس فيها الفرنسيون ودهاقنة الفرانكفونية هواء العلمانية المتعري من كل فضيلة وعفة.في عام 1981م  حكم الرئيس الحبيب بورقيبة على الغنوشي بالسجن 11عاماً لكن جاء عفو عام في عام 1987م في عهد الرئيس زين العابدين بن علي. لكن ابن علي عاد في عام. 1989 وحكم على الغنوشي عليه بالسجن المؤبد لكن الغنوشي نجح في الفرار إلي للجزائر ومنها انتقل للسودان، ثم استقر في لندن حتى انتصار الثورة التونسية وسقوط نظام زين العابدين بن علي في 14/فبراير/2011م ليعود بعد ذلك الغنوشي إلي تونس.  في 30 يناير 2011، عاد الغنوشي إلى تونس ليقود حزبه في الانتخابات التي جرت بتاريخ 23/أكتوبر/2011م والتي أحرزت فيها (حركة النهضة) مركز الصدار على كافة الأحزاب التونسية حيث جاءت في المركز الأول محرزة تسعين مقعدا من أصل 217 مقعدا للجمعية التأسيسية. متقدمة على مجموع ما حصلت عليه الأحزاب الليبرالية واليسارية الأربعة التي لم تحصل على أكثر من 73 مقعدا. بل إن حصول حزب النهضة على ما يعادل ٤١٪ من المقاعد فاجأ المسؤولين التونسيين أنفسهم، بما فيهم رئيس الوزراء الباجي السبسي الذي كان يقول بأن حركة النهضة لن تحصل على أكثر من 20٪. والمفاجأة الثانية هي أن 49 امرأة قد فازت في هذه الانتخابات كانت 42 منهن على قائمة حركة النهضة.

استفاد الغنوشي من تجربة الحركات الإسلامية المعاصرة خاصة التجربة السودانية التي كان ينظر لها باعجاب شديد لكن سرعان ما وجه لها انتقاداً مراً ورأى أنها قد حادت عن الطريق وتحولت إلي نظام شمولي يضيق بالآخرين.. لذلك عزم أن لا يكرر أخطاء الحركة السودانية وأن يقدم رؤية تجديدية للإسلام السياسي حيث ظل  ينادي بحقوق المواطنة (أي تساوي جميع المواطنين في الحقوق والواجبات بغض النظر عن المذاهب والديانة)، وقد أصّل لآرائه أصولياً وفقهياً في كتابه الشهير «الحريات في الإسلام».

 

الإمام الخميني

(24 سبتمبر 1902 - 3 يونيو 1989م)

الحديث عن الإمام الخميني الحسيني يرتبط بالبشارة النبوية ( لو تعلق الدين بالثريا لناله رجال من فارس).. ويشير النبي (ص) إلي سلمان الفارسي ويقول: ( هذا وقومه).. الحديث عن الإمام الخميني هو حديث عن عالم جليل ومجاهد أصيل ربط القول بالعمل ونزَّل شعاراته لأرض الواقع امتحاناً وتمحيصاً فنجح في الإمتحال. إنه حديث عن رجل وقف كالسيف يجابه العالم الإمبريالي والصهيوني وعملائه في المنطقة العربية والإسلامية فكُتب له النصر ولشعاراته البقاء.. رجل عاش متواضعاً في ىبيت متواضع في جماران الشعبي في طهران بين المساكين في وقت كانت تصريحاته وخطبه يصغى إليها العلم كله وتتناقلها وكالات الإعلام وأجهزة الإستخبارات رصداً وتحليلاً وتعليقاً.. من حي جماران الشعبي كان يحرك الامبريالية والصهيونية كما يحرك حبات مسبحته.. كان يبث الشعور الديني الحق والاستعلاء في نفوس المؤمنين ويبعده عن المذلة والركوع لأعداء الله والموالاة لهم.. كان يردد قول الله تعالى: ( ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين).. كان نوراً في دياجير الظلام وكان أملاً في لحظات الضعف واليأس والقنوت من الرحمة.. جاء والحكومات الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها قد آمنت بأمريكا وارتبطت بها ارتباط الحذاء برجل سيده.. فجاء الخميني ليقول لهم: انتبهوا أيها المسلمون إن أمريكا هي الشيطان الأكبر الذي لا تجب تبعيته بل يجب رجمه والتعوذ منها..ثم أردف قوله بمقولته التي أضحت شعراً يردده مئات الملايين في العالم: ( الموت لأمريكا).. جاء الإمام الخميني الحسيني في وقت سادت فيه ثقافة التطبيع مع العدو الإسرائيلي فجاء ليوقف هذه الهرولة نحو الكنيست التي سار في طريها فرعون مصر ( السادات) متبعاً اليهوديين بيغن وكارتر.. جاء الخميني ليعلن:( أن إسرائيل يجب أن تمحي من صفحة الوجود وعلى كل مسلم أن يعد نفسه لمواجهة إسرائيل).

جاء الإمام الخميني الحسيني في وقت كان شاه إيران قد جعل من إيران بكل ما تملكه من موارد بترولية هائلة وثروة مادية وبشرية جعل منها قاعدة أمريكية عريضة حيث نصبه الأمريكاً شرطياً أمريكيا يحرس مصالح أمريكا في كل الخليج، فجاء الخميني ليعلن أن الموت لأمريكا وأن إيران جزء لا يتجزأ من العالم الإسلامي وأنها لن تحمي المصالح الغربية ولن تكن تابعة للإمبريالية والصهيونية بل هي ذلك جملة وتفصيلاً. ثم جاء الإمام الخميني ليعلن مشروعاً ضخماً للوحدة الإسلامية ويعلن الأمة فوق المذهب والطائفة وأن قوة المسلمين في وحدتهم وأنه:

تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسراً وإذا افترقن تكسرت آحادا

وأن الذئب إنما يأكل من الغنم القاصية.. لذلك لبد للأمة الإسلامية أن تتوحد وتنبذ الفرقة والشتات حتى تستطيع أن تقود لكرسي الريادة والقيادة والسؤدد. ثم جاء الإمام الخميني الحسيني رافضاً للتبعية للغرب أو الشرق معلناً شعاره الذي دوَّى في أرجاء العالم الإسلامي: ( لا شرقية ولا غربية جمهورية إسلامية) ثم دعا إلي الاستقلال الاقتصدي والثقافي معلناً أنه ( من لا يملك قوته لا يملك قراره).

إنه الإمام روح الله بن مصطفى بن أحمد الموسوي الخميني المولود في 23/سبتمبر/1902م. إنه الخميني باعث الصحوة الإسلامية ومجدد القرن الخامس عشر. إنه الإمام الذي ناصر القضية الفلسطينة بكل وضوح وجرأة في وقت كان فيه بعض الحكام العرب يهرول نحو إسرائيل سراً وعلناً فأعلن كلماته الداويات مؤكداً:

-  نحن ندعم وبشكل كامل نضال الأخوة الفلسطينيين والسكان في جنوب لبنان ضد إسرائيل الغاصبة.

-    نحن سنكون على الدوام حماةً للأخوة الفلسطينيين والعرب.

-    يجب علينا أن ننهض جميعاً للقضاء على إسرائيل، وتحرير الشعب الفلسطيني البطل.

-  إن من الضروري إحياء يوم القدس المتزامن مع ليلة القدر من قبل المسلمين ليكون بداية لصحوتهم ويقظتهم.

-    على المسلمين أن يعتبروا يوم القدس يوماً لجميع المسلمين، بل لجميع المستضعفين.

-  إن تحرير القدس، وكف شر هذه الجرثومة الفاسدة عن البلاد الإسلامية هو في الأساس واجب كل المسلمين.

-  إن مسألة القدس ليست مسألة شخصية، وليست خاصة ببلدٍ ما، ولا هي مسألة خاصة بالمسلمين في العصر الحاضر، بل هي قضية كل الموحدين والمؤمنين في العالم، السالفين منهم والمعاصرين واللاحقين.

-    القدس ملك المسلمين ويجب أن تعاد إليهم.

-    يوم القدس هو يوم الإسلام.

-    يوم القدس هو اليوم الذي يجب أن يتقرر فيه مصير الشعوب المستضعفة.

-    إسرائيل يجب أن تمحي من صفحة الوجود.

-    على كل مسلم أن يعد نفسه لمواجهة إسرائيل.

-  لا تدعموا إسرائيل عدوة الإسلام والعرب، فهذه الأفعى الضعيفة إذا اشتدت، لن ترحم صغيراً ولا كبيراً.

أمريكا والصهيونية في خطاب الخميني:

يتحدث الإمام الخميني عن أمريكا وحلفائها من الصهاينة فيقول: ( هم حيوانات مفترسة لا يتورعون عن ارتكاب أي جناية وخيانة لتحقيق أهدافهم المشؤومة، ولا يميزون في طريق الوصول الى الرئاسة ومطامعهم الدنيئة بين العدو والصديق.... أميركا هذه الدولة الإرهابية التي أضرمت النار في جميع أرجاء العالم، وحليفتها الصهيونية العالمية التي ترتكب لتحقيق مطامعها جنايات تخجل الأقلام والألسنة عن كتابتها وذكرها، ويحملهم الخيال الأبله بـ"إسرائيل الكبرى" على ارتكاب أي جناية".

"ان أولئك الذين يظهرون معارضتهم للإرهاب هم اليوم يشكلون مراكز للإرهاب، فأميركا التي أقامت الدنيا ولم تقعدها في الحديث عن حقوق الإنسان وحب البشرية، ورئيس جمهوريتها الذي ما فتئ يتحدث عن حبه للإنسان، هل هؤلاء حقاً يحبون الإنسان؟ هل أميركا تحب الإنسانية حقيقة؟ أميركا التي ما انفكت تشعل نيران الحروب في العالم وتبيد البشرية عن هذا الطريق، هل هي حقاً تحب الإنسان والإنسانية؟ وهل الإسلام حقاً كما يصف هؤلاء؟ وإيران الإسلام هي كما يتهمها هؤلاء؟".

"نجح شعبنا بفضل اللطف الإلهي في تطبيق الشعارات التي أطلقها في أكثر المجالات، شعار الحرية والاستقلال، أضفنا لجماله جمالاً بعملنا شعار "الموت لأميركا"، ورأينا مصداق تحققه على أيدي فتية الملاحم الإسلامية الأبطال عبر اقتحامهم وكر الفساد والتجسس الأميركي.. لقد عرّضنا جميع شعاراتنا لمحك الاختبار العملي".

والمتتبع لخطابات الإمام الخميني يرى أن موقفه من أمريكا لم يكن وليد الانتصار الثوري الذي تحقق في عام 1979م بل موقف قديم ينبع من رؤية كونية ونظرة استراتيجية تميز بين العدو والصديق فنراه في عام 1964م إبان عهد الشاه يخطب في أنصاره ويحثهم قائلاً:

 "أميركا هي التي تقف وراء "إسرائيل"، وأميركا هي التي تساند "إسرائيل" لدحر وتشريد العرب والمسلمين.. أميركا هي التي تسير أمور بلدنا عبر عملائها مباشرة أو بصورة غير مباشرة.. أميركا هي التي ترى أن القرآن والإسلام خطر عليها وتريد وقفهما.. أميركا هي التي ترى علماء الدين المجاهدين عائقاً وسداً منيعاً حائلاً أمام أهدافها ومآربها.. أميركا هي التي تأمر نظام الشاه بالامتثال لأوامرها، اليوم اقتصاد بلادنا بيد الأميركيين والإسرائيليين، الأسواق التجارية والعجلة الاقتصادية خرجت من أيدي المسلمين، أمور المسلمين اليوم بأيديهم وبإمرتهم".

ثم نرى الخميني يشحذ الهمم ويدعو الأمة الإسلامية ومثقفيها لعدم تبعية الغرب وللإعتماد الله وحده فيقول: "ما أريد تأكيده هو أن تخرجوا من رؤوسكم ما يقال انه لا يمكن مواجهة الدول الكبرى.. صمموا على ذلك تقدروا، لأن الله يدعمكم ويحميكم.. ان الهمسات التي تشاع من قبل عملاء الاستعمار من أنه لا يمكنكم الحياة من دون اللجوء الى إحدى الدول العظمى كلها خطأ مئة في المئة وغير صحيحة.. قفوا على أرجلكم باستحكام وقوة وكونوا مع الله واسعوا قبل كل شيء الى الرقي في الإنسانية، عندها يمدنا الله بعونه ونستطيع أن نحصل على استقلالنا وحفظ إسلامنا، ونوفق الى ذلك إن شاء الله".

رحل الإمام الخميني عليه رحمة الله من الدنيا بتاريخ 3 يونيو 1989 م بعد أن أقام للحق دولة وأعاد للأمة الإسلامية عزها ومجدها وثقتها في نصر الله تاركاً الراية من بعده لحسيني آخر هو مرشد الجمهورية الإسلامية السيد علي خاميني الذي وُلد عام 1939 في مدينة مشهد. والده هو "آية الله" جواد الخامنئي (المتوفي عام 1986) من علماء الدين في مشهد، وجده هو حسين الخامنئي من علماء آذربيجان المقيمين في النجف.  أخذ دروسه الدينية على كبار الأساتذة في مدينة قم مثل البروجردي والخميني والحاج آقا مرتضى الحائري والعلامة الطباطبائي،حتى أجازه في الاجتهاد آية الله محمد علي رفسنجاني . مع بدء معارضة الإمام الخميني لنظام الشاه محمد رضا بهلوي دخل السيد خامنئي ساحة "المعارضة" باعتباره أحد أقرب الموالين للإمام الخميني وكان من النشطاء المؤثرين في تحريض الناس ضد نظام الشاه، وقد تم اعتقاله عدة مرات. بعد إسقاط نظام الشاه ساهم السيد خامنئي في تأسيس الحزب الجمهوري الإسلامي بالتعاون مع قيادات الثورة من المفكرين والعلماء أمثال "بهشتي" و"باهنر" و"هاشمي رفسنجاني" و"موسوي أردبيلي". كان الخاميني خير خلف لأفضل سلف. سار السيد آيه الله علي خاميني على درب الإمام الخميني في كل القضايا التي تهم الأمة الإسلامية وأهمها قضية فلسطين والقدس الشريف وضرورة تحرير فلسطين من ايدي الصهاينة والمغتصبين ثم قضية الوحدة الإسلامية كسبب رئيس لقوة وتقدم المسلمين، كذلك ضرورة التطور العلمي والتقني الذي ينقل المسلمين من أمة متلقية لانتاج الحضارة الغربية إلي أمة منتجة تعتمد على انتاجها العلمي والتقني الصناعي وبذلك تحقق الاستقلال الاقتصادي خاصة أن شعار الثورة هو ( من لا يملك قوته لا يملك قراره). ثم واصل الإمام الخاميني ذات الموقف القوي المناهض للإمبريالية والصلف الأمريكي والأطماع الأمريكية في موارد البلدان الإسلامية.

حسن نصر الله

على خطى الإمام الخميني وقائد الجمهورية الإسلامية آية الله علي الخاميني يسير السيد حسن نصر الله زعيم ( حزب الله) الذي يقود المقاومة ضد إسرائيل من جنوب لبنان. وُلد حسن نصر الله عبد الكريم نصر الله في بلدة البازورية الجنوبية القريبة من مدينة صور (10 كلم شرقي صور) عام 1960. خلال وجوده في البازورية التحق حسن نصر الله بصفوف حركة أمل الشيعية التي أسسها الإمام موسى الصدر.سافر بعد ذلك إلى مدينة النجف العراقية إحدى أهم مدن الشيعة والتي تتلمذ فيها كبار علماء الدين الشيعة، هنالك التقي نصر الله بالشهيد محمد باقر الصدر الذي أولاه عناية خاصة. في النجف التقى نصربالشيخ كان نتيجة ذلك اللقاء أن كون الموسوي ونصرالله فيما بعد (حزب الله) اللبناني في عام عام 1982 بعد أن اجتاحت إسرائيل لبنان معلنين خروجهما عن حركة أمل الشيعية، وقد تولى عباس الموسوي رئاسة الحزب وقد كانت سن نصرالله في ذلك الحين اثنان عشرون عاماً.

في عام 1992 اغتالت إسرائيل أمين عام حزب الله عباس الموسوي فتم الإتجاه إلى انتخاب حسن نصر الله أمينًا عامًا للحزب. في عام 1997 فقد نصر الله إبنه البكر هادي في مواجهات دارت بين مقاتلي الحزب وجيش العدو الإسرائيلي في منطقة الجبل الرفيع جنوب لبنان. ولقد وجه له محمد حسنين هيكل كلمات تعكس إلى حد بعيد الموقف، حينما كتب إليهَ معزياً بوفاة نجله البكر «هادي» قائلا: (لقد رأينا الأبوّة تُمتحن بالجهاد إلى درجة الشهادة، ورأينا الجهاد يُمتحن بالأبوّة إلى درجة البطولة. إنني لا أعرف ماذا أقول لك؟ فلا أنا راضٍ عن كلمة عزاء أواسيك بها، فأيّ كلمة عاجزة، ولا أنا قادر على الصلاة من أجلك، فصلاتك أقرب إلى عرش الله من أيّ قول أو همس يصدر عنّي أو عن غيري).

بحسب دراسة صدرت عن المركز الملكي للبحوث والدراسات الإسلامية بالأردن فإن نصر الله يعد من بين أكثر خمسين شخصية تأثيرًا في العالم الإسلامي، كما تصف العديد من المصادر نصر الله بأن له كاريزما وشخصية قويتين، فخطبه الحماسية والواثقة في أيام الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان, وفي حرب لبنان 2006 أثرت في الكثيرين على مستوى العالم العربي والإسلامي، وقد خرجت المظاهرات المؤيدة له في لبنان وعدد من الدول العربية والإسلامية، ويعتقد البعض أن حسن نصر الله يعتبر أكثر الشخصيات التي تقوم بدور الزعامة في مواجهة إسرائيل ... ويذهب البعض إلى أبعد من هذا حينما يعتبرونه رمزا بما بعرف بمقاومة الاحتلال وقوى الاستعمار في العصر الحديث على غرار عبد القادر الجزائري وعمر المختار، ويري البعض ان حسن نصر الله يعدّ من الشخصيات القليلة التي تحسب إسرائيل ألف حساب لتهديداته ووعوده.

ويحظى حسن نصر الله باحترام وتقدير مجموعة من علماء الدين السنة ومنهم الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي أحد كبار علماء سوريا، ومفتي مصر الشيخ علي جمعة، والشيخ إبراهيم زيد الكيلاني من الأردن، والداعية فتحي يكن أحد القيادات السنية في لبنان، والشيخ راشد الغنوشي من تونس، والشيخ علي بلحاج من الجزائر.

 

مآلات المستقبل:

لا شك أن التراكم المعرفي والاصلاحي والثوري الذي انطلق وسط  كل شعب مسلم يتوق للتقدم والعدالة والسلام كان ذلك بمثابة المصدر الثر الذي غذى حركات الصحوة الإسلامية الحديثة أو ما يعرف بثورات الربيع العربي. الآن تأتي هذه الثورات ذات النكهة الإسلامية التي لا تخفي وفي وقت شهد فيه العالم الحديث أربع ثورات كان لها ما بعدها أولاها هي الثورة الإسلامية في إيران والتي انطلقت تحت إمرة المذهب الجعفري وولاية الفقية فانتصرت وهي ترتكز على رصيد ثوري وظلم تاريخي منذ مقتل الحسين الشهيد في كربلاء في النصف الثاني من القرن الأول الهجري، حيث ترى الثورة الإيرانية في الغرب الإمبريالي راعي الصهيونية بقيادة أمريكا وربيبتها إسرائيل، ترى فيه صورة يزيد بن معاوية وكل زموز النظام الأموي.. لذلك ناصبها الغرب العداء منذ عامها الأول.. لكنها بشعاراتها القوية ودعوتها لللاستقلال من الهيمنة الغربية ودعوتها للوحدة الإسلامية وتبنيها للقضية الفلسطينية ودعمها لحزب الله، ظلت مؤثرة وفاعلة في رموز ومكونات الصحوة الإسلامية في العالمين العربي والإسلامي.

الثورة الإسلامية الثانية وهي ثورة طالبان في أفغانستان والتي قادها طلاب الحوزات الدينية وقدمت نموذجاً تقليدياً للإسلام لاتقره الحركات الإسلامية الحديثة كما أصبح يشكل مركز حضانة لكل الذين لا يؤمنون بالحوار والتفاوض مع القوى الغربية بل المواجهة المسلحة، ويتمثل ذلك في تنظيم القاعدة الذي كان يقوده الشيخ الشهيد أسامة بن لادن. وقد تم اسقاط نظام طالبان بواسطة القوى الغربية بقيادة أمريكا.. ولا يمثل نظام طالبان قدوة ونموذجاً للصحوة الإسلامية الحديثة.

النموذج الثالث هو تجربة الحركة الإسلامية في السودان التي وصلت إلي السلطة عبر انقلاب عسكري في 30/يونيو/1989م ضد النظام الديمقراطي المنتخب بحرية وشفافية من الشعب السوداني في انتخابات عام 1986م. هذه التجربة رغم أنها وجدت المناصرة القوية من كافة الحركات الإسلامية في العالم العربي والإسلامي حيث كانت الحركة الإسلامية السودانية بقيادة الشيخ الترابي تمثل قدوة ونموذجاً فرض وجوده واحترامه وسط الحركات العالمية والجاليات الإسلامية في عموم أوربا والولايات المتحدة الأمريكية.. لكن سرعان ما تحول النظام في السودان إلي نظام شمولي لايقبل الرأى الآخر ولا يسمح بالمعارضة ولا حتى بالمسيرات السلمية حيث دب الفساد والقبلية في أوصاله وساد الظلم بصورة جعلت بعض أنصار النظام يحملون السلاح ضده ويقودون حروباً ضروساً في مواجهته وذلك بعد أن تم اقصاء زعيمه ومؤسسه الشيخ حسن الترابي الذي تردد على سجون الإنقاذ عدة مرات ولم يشفع له عمره الذي جاوز الثمانين. لذلك لا يمثل هذا النظام نموذجاً ولا قدوة للصحوة الإسلامية الحديثة.

النوذج الرابع هو التجربة التركية ذات الجذور الإسلامية والتي يقودها تلاميذ البروفيسير نجم الدين أربكان، وإن كان النموذج التركي يعمل بفقه التقية في مواجهة التيار العلماني المسيطر على المؤسسة العسكرية والمؤسسات الدستورية في تركيا، كما أنه يقيم علاقات جيدة مع إسرائيل وتعتبر قواته ثاني قوى في قوات النيتو ويتمتع برضا من أوربا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية، فهذا النموذج هو المرشح للإقتداء به في تجربة الحركات الإسلامية المرشحة لقيادة دولها مثل تونس ومصر وليبيا, فسيكون النموذج التركي باستثناء العلاقات مع إسرائيل هو الأقرب لعقلية قادة التيار الإسلامي في هذه الحركات، حيث تسيطر شعارات الدولة المدنية وتحقيق العدالة والتنمية ومحاربة الفساد على برامج تلك الحركات.

وعندما نقدم النموذج التركي نرى أن على الحركات الإسلامية في تونس ومصر وليبيا واليمن وغيرها عليها أن تنتبه للآتي:

1- تأكيد أن الوطن للجميع وأن وحدة وتوحيد المواطنين واشراكهم في الحكم هو الضمانة الوحيدة لاستمراية الاستقرار والسلام والتنمية. أما الشمولية والاستعلاء واقصاء الآخرين فله نتائج كارثية أقلها تأخير عجلة السلام والتنمية.

2- الحرية حق للجميع وليس منحة يهبها الحاكم لشعبه عند الحاجة، وفي ظل الحرية تنشأ العدالة وفي ظل العدالة يسود السلام والأمن ( لقد عدلت فأمنت فنمت ياعمر)، والحرية نعني بها حرية الصحافة أي حرية التعبير وحرية واستقلالية القضاء وحرية المسيرات وحرية حركة المعارضة وحرية النقد والمراجعة وغير ذلك من الحريات التي تمثل ضمانة لقوة الدولة وتأمينها ضد الفساد والطغيان.

3-  تلمس حاجيات المواطنين والسعي لحلها والاجتهاد في ذلك والابتعاد عن الوعظ والكف عن الحديث عن مصائر الناس في الآخرة وتوزيع صكوك الجنة والنار.. فالخلق عيال الله أقربهم لله أنفعهم لعباده والمصائر والأقدار لايعلمه إلا الله.

4- وضوح البرنامج وإزالة مخاوف المثقفين من النظام الإسلامي وخلق شبكات للتواصل مع كافة فئات المجتمع.

5- تقديم القيادة القدوة المؤهلين علمياً وأخلاقياً والذين على استعداد للعيش وسط جماهيرهم وعدم اعتزالهم او الاحتماء بالأجهزة الأمنية التي تعزل القيادات عن الجماهير.

6- أن تعتمد القيادات في عيشها وملبسها ومركبها على الانتاج الوطني حتى تكون قدوة لجماهيرها وحتى تشجع الانتاج الوطني، وأن تبتعد القيادات أيضاً عن مظاهر الرفاهية والترف والتميز عن الجمهور مما يحببها للجمهور.



[1] . محمد طهاري. مفهوم الإصلاح بين جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، دار الأمة للطباعة والنشر والتوزيع، الجزائر، ط3، ص، 64.

[2] . جمال الدين الأفغاني، الأعمال الكاملة، تحقيق محمد عمارة، ص:24.

[3] . جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، العروة الوثقى، دار الكتاب العربي، لبنان، 1970.

[4] . جمال الدين الأفغاني، الأعمال الكاملة، تحقيق محمد عمارة، ص 517.

[5] . جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، العروة الوثقى، دار الكتاب العربي، لبنان، 1970.ص، 13.

[6] . محمد طهاري. مفهوم الإصلاح بين جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، دار الأمة للطباعة والنشر والتوزيع، الجزائر، ط3، ص 80.

[7] . جزء من وصية الشهيد عزالدين القسام قبل استشهاده في معركة يعبد، انظر: نادر سلسيلي ( كفاح مسلح بجماهير كادحة): دراسة في فكر وتجربة الشيخ الشهيد عزالدين القسام، عزالدين القسام القائد الوطني المبدع، تحرير عبدالقادر يسن، مكتبة جزيرة الورد، القاهرة، ص 43.

[8] . حسني أدهم جرار، الشيخ عزالدين القسام: قائد حركة وشهيد قضية، ط1، عمان، دار الضياء للنشر والتوزيع، 1989، ص 41.

[ عدد الزيارات: 1535]