المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية
الصفحة الرئيسية »  المقالات »  المؤتمر العاشر للوحدة الاسلامية » 
العلاقات الدولية للحكومـة الاسلامـيـة من وجهتي النظر الفقهية و السياسية
   

   

العلاقات الدولية

 

للحكومـة الاسلامـيـة

 

من وجهتي النظر الفقهية و السياسية

 

 

 

عباس الذهبي

 

 

 

-----(2)-----

 

 

-----(3)-----

 

 

 

 

 

 

بسم الله ا لر حمن ا لر حيم

 

 

      * ينقسم الفقهاء فيما بينهم في تحديد الاصل الاولي لعلاقة المسلمين مع غيرهم، هل هو الحرب أم السِّلم، ولكل دليله الخاص به من الكتاب أو السّنة . وسوف نستعرض أدلة الفريقين :

      أولا - يذهب جمهور الفقهاء إلى أن «الحرب» هي الأصل الأولي في علاقة المسلمين مع غيرهم، والسِّلم يحتاج الى مبرّر شرعي. وأما بعض الآيات التي تدعو الى العفو والصفح والمغفرة والدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة فهي منسوخة بالآيات التي تدعو إلى القتال في سورة البراءة، التي نزلت آياتها في السنة التاسعة من الهجرة وأمرت بقتال المشركين أينما كانوا و كذلك أمرت بقتال الذين اُوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يّد وهم صاغرون . ثم تأتي بعض الاحاديث تصرح أو تلمح على أن السيف هو الاساس في كل خير :

      أ - ضمن كتب السُّنّة : روى أحمد فى مسنده عن ابن عمر قال: قال رسول الله (ص): «بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يُعبد الله تعالى وحده لا شريك له، و جعل رزقي تحت

-----(4)-----

ظل رمحي و جعل الذّل والصّغار على من خالف أمري»(1).

      و روى البخاري و مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله (ص) قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتّى يقولوا: لا إله إلاّ الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم و أموالهم إلاّ بحقها وحسابهم على الله»(2) .

      ب - ومن كتب الشيعة: روى الامام جعفر الصادق (عليه السلام) عن رسول الله أنه قال: الخير كله في السيف، وتحت ظل السيف ولا يقيّم الناس إلاّ السيف، و السيوف مقاليد الجنّة والنّار(3) .

      وفي حديث الامام جعفر الصادق (عليه السلام) أيضاً ورد قوله : «أن الله عزّ وجلّ بعث رسوله بالاسلام إلى الناس عشر سنين فأبوا أن يقبلوا حتى أمره بالقتال، فالخير في السيف وتحت السيف والأمر يعود كما بدأ»(4).

      ولكن أورد على هذا الاتجاه، ان إدعاء النسخ غير تام و ذلك لان الآيات التي تدعو الى السِّلم والعفو و الصفح - وما إلى ذلك - من أساليب سلمية، ما زالت تفر من نفسها في كل موقف من مواقف الدعوة للاسلام. أما آيات القتال والسيف فلها مجال آخر يبتعد عن ذلك كثيراً لأنه يرتبط بقضية المحافظة على قوة الاسلام والمسلمين، وعلى حرية الدعوة إلى الله، بازالة الحواجز البشرية وغيرها من طريق الدعوة، مما لم يمكن السيطرة عليه إلاّ بالقتال   .. ولعل الخطأ الذي يقع فيه كثير من الباحثين والفقهاء والمفسرين أنهم ينظرون الى كل آية بمفردها، ويعتمدون في صرف ظواهرها على أخبار غير موثقة، ويتحدثون عن نسخ بعضها ببعض فيما لا مجال فيه للنسخ، لاختلاف الموضوع والجهة، استناداً الى أخبار

-----(5)-----

آحاد لا تفيد علماً ولا ظناً مما يجعل الانسان يفقد الجو القرآني المتكامل في التشريع، فيما يقرأه من آيات لانه يُضيع عن المعنى الاصيل، أمام هذا الركام الهائل من الوجوه أو الاحاديث(5) .

      ومن الجدير بالذكر ان الشهيد المطهري، قد أبطل دعوى نسخ الآيات الداعية الى السِّلم والعفو والصفح بواسطة الآيات الداعية إلى الحرب عندما قال: «إنّ معنى الناسخ والمنسوخ هو إلغاء الأوامر الأولى واستبدالها بأوامر أخرى. إذن يجب أن تكون الأوامر الثانية بصورة بحيث تكون مئة بالمئة عكس الأوامر الأولى، ليتم اعتبار الأوامر الثانية حصيلة إلغاء الأوامر الأولى. أما إذا كانت الأوامر الأولى والثانية تقبل الجمع مع بعضها، أي تكون كل واحدة منها موضحة للأخرى، فليس هناك إذن أي ناسخ ومنسوخ لنقول أن واحدة جاءت لالغاء الأخرى. وفي موردنا لايوجد نسخ بل يمكن الجمع بين الآيات التي تدعوا للسِّلم مع تلك التي تدعوا للحرب مع الكافرين، من خلال قاعدة لغوية أصولية: هي ان المطلق يحمل على المقيد وعليه فالآيات المطلقة بشأن الحرب مثل آية : «واقتلوهم حيث ثقفتموهم .. » البقرة / 191، محمولة على الآيات المبيحة للقتال بسبب العدوان أو الاعتداء مثل آية :

      «قاتلوا في سبيل الله الّذين يُقاتلونكم ولا تعتدوا إنّ الله لا يُحبُّ المعتدين» البقرة  /  190.

      و أمّا الايات التي تنهى عن موالاة الكافرين، فليس معناها النهي عن مسالمتهم والاحسان اليهم، لان المراد من الموالاة اتخاذهم أخداناً يُستند بهم، ويُطمأن إليهم ويطّلعون على أسرار المسلمين. وبذلك تكون الآيات الداعية الى السِّلم، و تكون آيات

-----(6)-----

 العفو والصفح محمولاً بها في غير حال الاعتداء، و بحسب ما تقتضيه السياسة الاسلامية(6).

      وأمّا الاحاديث مثل: «بُعثت بين يدي الساعة بالسيف ..» فيقصد بها بيان أهمية الجهاد للدفاع عن الدعوة، فلولا الاعتداء ما جاهد المسلمون. وأما حديث: «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله ..» فالمراد به مشركوا العرب خاصة باجماع العلماء.

      وهذه الاحاديث : «جاءت لتدلّل على أن العنف حاجة حيوية للمبادئ التي تريد أن تتحدى و تجابه التحدي، لأن اللَّين إذا أفاد مرّة أو أكثر فإنه لا يحقق نتيجة حاسمة في أكثر الحالات .. أما موضوع علاقته بالدعوة كهدف يحكم حركته، لتكون الدعوة منطلقة من خلال العنف، أو مرتكزة على أساس العنف، فهذا ما لانجد له أثراً في كل مداليلها وأساليبها .. حتى في الحديث الاخير الذي كان يتحدث عن الفرق بين ما قبل الهجرة و بين ما بعدها فإنه كان يشير الى قيمة القوة في ردّ العدوان بمثله أو بأقوى منه، كما في حالة ما بعد الهجرة حيث استطاع الاسلام أن يتقدم و يمارس حريته في الدعوة والإقناع بعيداً عن أيّ ضغط أو تهديد أو إكراه .. فليس في الحديث أيّ إشارة الى أن نجاح الاسلام في دعوته بعد الهجرة، كان مستنداً الى تشريعه القتال من أجل الدعوة الى الله كأسلوب من أساليب ادخال الناس في الاسلام، بل كل ما هناك، أنه أوجد القوة الرادعة للعدوان ومضى يمارس الدعوة باسلوبه الخاص المرتكز على الحكمة و الموعظة الحسنة»(7).

* * *

      ثانياً - رأي آخر يذهب إلى أن الأصل في العلاقة بين المسلمين وغيرهم هو السِّلم أمّا الحرب فتحتاج الى مجوّز شرعي.

-----(7)-----

 

      وقد تمسك أصحاب هذا الاتجاه بالآيات الداعية إلى التزام السِّلم حتى يحصل اعتداء فتكون الحرب حينئذ شرّاً لابدَّ منه، دفاعاً عن النفس و النفيس أو تقوم الحرب الوقائية اتقاءاً لهجوم معاد وشيك الوقوع، وعندئذ تكون المبادرة الاسلامية للحرب نوعاً من أنواع الدفاع المشروع.

      وقد استشهد أتباع هذا الاتجاه بعدد من الآيات التي تدعو إلى السِّلم والعفو والقسط مع الآخرين منها :

      أ - قوله تعالى: «وإن جَنحُوا للسّلم فاجنح لها وتوكّل على الله» الانفال / 61.

      ب - قوله تعالى: «.. حتى تضع الحرب أوزارها ..» محمد / 4 .

      ج - قوله تعالى: «.. فإن اعتزلوكم فلم يُقَاتِلوكم و ألقوا إليكم السَّلمَ فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً» النساء / 90 .

      د - وقوله تعالى: «لا ينهاكُمُ الله عن الّذين لم يُقاتلونكُم في الدّين ولم يُخرجوكم من دياركم أن تبرُّوهم و تُقسطوا إليهم إنّ الله يُحب المقسطين» الممتحنة / 8 .

      وعلى ضوء هذه الآيات الكريمة، يرى هؤلاء: إنّ الأصل هو السِّلم أما الحرب فهي أمر طارئ على البشرية وعلى المسلمين لدفع الشر والعدوان، وحماية الدعوة لا للغلب أو المخالفة في الدين. والدعوة الى الاسلام تكون أولاً بالحجة والبرّهان، لا بالسيف و السِّنان، لأن الاسلام يجنح دائماً للسِّلم لا للحرب، وهذا هو الأمر المقرر لدى فقهاء القانون الدولي، حيث يقولون : الحالة الطبيعية بين الدول هي السّلام والحرب حالة وقتية عارضة مهما كان سببها، وقد جنح الى هذا الرأي الثوري والاوزاعي وهو المفهوم من روح التشريع العامة(8).

      أما الأحاديث النبوية التي تدعو الى السِّلم فمنها قوله (ص): «يا أيها الناس لا تتمنوا

-----(8)-----

 لقاء العدو و سلوا الله العافية»(9).

      هذا من مصادر أهل السنّة وأما من مصادر الشيعة، ما روي عن الامام جعفر الصادق (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) بعثني رسول الله إلى اليمن فقال: يا علي لا تقاتلن أحداً حتى تدعوه إلى الاسلام. وأيم الله لئن يهدي الله عزّ وجلّ على يديك رجلاً خير لك مما طلعت عليه الشمس  ..»(10) .

      ونحن بدورنا نرجح الرأي الثاني على الأول ونقرر بان السلم هو أصل العلاقة بين المسلمين وغيرهم. ودليلنا يستند على السيرة النبوية التي تكشف عن اطلاقات القرآن فتقيدها وعن مجملاته فتوضحها، إذ «يجمع المسلمون كافة على السنّة الصادرة من النبيّ (ص) قولاً و فعلاً وتقريراً حجة على كل مسلم ومسلمة لأنّها عدل القرآن في التشريع لقيامها بتفسير أحكامه وبيان تفصيلاتها وتفرعاتها، ولولاها لما عرفت أحكام القرآن لأنه تضمن أسس التشريع وأصوله دون تفصيلاته وتفريعاته»(11) .

      ولكن المشكلة التي تواجهنا أن «أخبار الغزوات والحروب و الدعوات إلى الاسلام في صدر الاسلام لم تصلنا بسند تام يمكن الاعتماد عليه، اذن فطريقة الاستفادة منها هي دراسة كل الوقائع المنقولة والتمسك بجامع مشترك بينها تجتمع عليه القرائن وبقدر ما تكثر القرائن عليه يزداد الاطمئنان به»(12).

      وقد استقرأنا سيرة الرسول(ص) و وجدنا إمكانية الاستدلال على المذهب المختار من أن السِّلم هو الأصل الأولي في تعامل الحكومة الاسلامية على الصعيد الدولي من خلال المعطيات التالية :

-----(9)-----

 

      1 - مكاتيب الرسول(ص) الى الرؤساء و الملوك لغرض الدعوة إلى الاسلام، فليس في لحن هذه الرسائل ما يدل على الحرب والملاحظ أن أغلب هذه الرسائل تبتدأ بعبارة : «أدعوك بدعاية الاسلام» ولكونه (ص) لم يكن بصدد الدعوة الى الحرب، لم يرتب على فرض عدم الاستجابة إلاّ ثبوت الاثم.

      نجد ذلك واضحاً في رسالته لقيصر الرّوم : «فإن توليت فعليك إثم الاريسيين».

      و أيضاً نجد ذات العبارة في رسالته لكسرى : «فإن أبيت فعليك إثم المجوس» .

      و أيضاً في رسالته إلى ملك مصر : «فإن أبيت فعليك إثم القبط» .

      أمّا بخصوص عبارة «أسلم تسلم» التي ضمنها الرسول(ص) بعض مكاتيبه، فليس فيها ما يدعو الى الحرب حتى ان البعض حمل هذه العبارة على السلامة من عذاب الآخرة خاصة. وان كانت العبارة - في الظاهر - لا تخلو من تهديد مبطّن باستعمال القوة، ويمكننا حمل هذه العبارة على «مبدأ الردع» بصفته أحد مبادئ السياسة الخارجية في الاسلام. علماً ان هذا المبدأ ذاع صيته واشتهر في العلاقات الدولية في أعقاب ما يطلق عليه بالحرب الباردة بين الدولتين الاستكباريتين: الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد السوفياتي قبل انحلاله، عندما غدا من المتعذر على أحدهما استعمال أسلحته التدميرية ضد الطرف المقابل خوفاً من المقابلة بالمثل وهو معناه التدمير المتبادل و حينئذ يرتدع الطرفان عن استخدام الفعلي لاسلحتهما خوفاً من العواقب المحتملة في حرب لا تبق ولا تذر.

      يقول هنري كيسنجر، أحد مهندسي السياسة الاميركية في أعقاب الحرب الباردة : «تستند سياسة الرّدع على مقاييس سيكولوجية إذ تستهدف منع العدوان من خلال إقناع المعتدي بالمخاطر التي يحتمل أن تصيبه»(13).

      وعندما بحثنا في مصادرنا المعرّفية، وجدنا ان لمفهوم الرّدع هذا جذوراً تاريخية

-----(10)-----

 منذ صدر الاسلام. وان القرآن الكريم قد أشار إليه وان لم يطلق عليه ما اصطلح عليه اليوم بـ  «الرّدع» بل أطلق عليه مفهوم «الرّهبة».

      ومن يتدبر عميقاً في قوله تعالى:

      «وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة ومن رباط الخيل تُرهبون به عَدوَّ الله وعدُوّكم ..» الانفال / 60 .

      يجد أن إعداد القوة في الاسلام من أجل إرهاب و ردع الاخرين عن التعرض للمسلمين و ليس إعداد القوة هدفاً بحد ذاته. فالآية الآنفة الذكر تقول: «ترهبون» ولم تقل «تحاربون» أو «تدمرون» و ما شابه ذلك من ألفاظ، وفي ذلك إشعار واضح على المدعى.

      وفي هذا الصدد يقول صاحب التفسير الكاشف ما يلي:

      «ونقف قليلاً عند قوله تعالى: «تُرهبون به عدوّ الله و عدوكم» لأنه ينطوي على مبدأ يحفظ المجتمع الانساني من الفوضى، ويرّدع الطغاة الاقوياء من التلاعب بحياة الناس واستغلالهم وهذا المبدأ هو وجود قوة في قبضة أهل الحق والعدل يردعون بها أهل الظلم والباطل، ويخضعونهم لحكم الله و شريعته، التي تدعو الناس جميعاً أن يعيشوا طبقاً لقانون الحياة وسننها ولا ينحرف عنها أحد، فإذا راودته نفسه بالميل والانحراف أرغمته القوة على الرّجوع الى تلك السنن والقوانين»(14).

      تجدر هنا الملاحظة إلى أن الرسول (ص) قد استهدف في كل غزواته تحطيم معنويات أعدائه أكثر مما يستهدف تحطيم قواهم المادية، لأنه كان يطمح - دائماً - في عودة أعداءه الى طريق الحق السَّوي، كان يحرص على حياتهم من أجل هدايتهم وكثيراً ما كان يردد عندما يشتد أذى قريش له «اللّهم اهدِ قومي فانهم لا يعلمون».

      وهكذا نجد أن الرّسول (ص) كان يلوح باستعمال القوة من أجل ردع أعدائه حتى

-----(11)-----

 يُعيدوا حساباتهم، و يسعى قدر الامكان الى تجنب الحرب و ويلاتها. وكتب السيرة تروي لنا بأن المسلمين عندما وصلوا إلى تبوك، و علموا أن الرّوم قد انسحبوا منها الى داخل بلادهم. حينئذ آثر الرسول(ص) الانسحاب وكان بامكانه تعقيب و مطاردة قوات الرّوم المنسحبة، و إيقاع الخسائر الفادحة في صفوفها، وما أيسر القتال مع عدو منسحب.

      ضمن هذا السياق، الذي استخدم فيه الرسول(ص) مبدأ الرّدع أو التلويح باستخدام القوة، نجد أنه (ص) : «يقتصر في حروبه على أقل قدر ممكن ترتفع به الضرورة، ويلتزم بضبط النفس الكامل والواعي حتى في أحلك اللحظات و آخرها. ولهذا لم يستطع الباحثون إيصال القتلى في حروب النبي(ص) طيلة عشر سنين، والتي تُعد بعشرات الحروب والسرايا، لم يستطيعوا ايصالها الى الالف قتيل. رغم أن هذه الحروب كانت تتجه نحو تهيئة الجو لبسط النفوذ الاسلامي على مختلف أرجاء الجزيرة العربية و يتعداها إلى غيرها مما حولها»(15).

      و عودة إلى أصل المطلب، لقد أراد النبي(ص) بمكاتيبه الى الملوك والاباطرة أن لايقفوا حجر عثرة في سبيل الدعوة وان لا يقوموا بأي عدوان مستقبلي على الدولة الاسلامية الفتية التي شكلها في المدينة.

      ولقد ركز على حكام الدول و قادة القبائل لان الناس تبع لزعمائهم في معظم أمورهم.

      ومن يتمعن في رسالة النبي (ص) إلى حاكم ايلة «يوحنا»، يلاحظ حرصه (ص) على استتاب الأمن الدولي وأهمية حماية الملاحة البحرية. ففي هذه الرسالة أعطى النبي(ص) العهد من جانب الله و رسوله الى يوحنا ابن روبه» و أهالي ايلة أنهم و سفنهم و قوافلهم البحرية والبريّة في أمان الله و رسوله والذين يمرون من تلك المنطقة قادمين من الشام

-----(12)-----

 واليمن هم بدورهم سيكونون آمنين، ومن أراد التفاصيل فليراجع: مجموعة الوثائق السياسية - لمحمد حميد الله - ص 116 وسوف يجد أن الرسالة النبوية تقدم السِّلم كخيار أولي أمّا القوة و القتال فتحتل المرتبة المتأخرة .. جاء في مطلعها : «سلم أنتم، فاني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلاّ هو، فاني لم أكن لاقاتلكم حتى أكتب إليكم، فأسلم أو اعطِ الجزية   ..  » .

      2 - إن ملاحظة التسلسل الزمني لنزول آيات الجهاد و شروطها تثبت بما لايدع مجالاً للشك، بان خيار السِّلم كان الأصل أما الحرب فكانت أمراً طارئاً لضرورة قاهرة. فمن المؤكد : «ان المسلمين كانوا يطلبون - كراراً - من النبي (ص) أن يسمح لهم بالدفاع عن أنفسهم . ولكن النبي (ص) لم يسمح لهم بذلك طيلة بقاءه في مكة الذي استغرق ثلاثة عشر عاماً»(16).

      و ان إجازة الدفاع عن النفس لم تعط إلاّ في العام الثاني من الهجرة عن مكة. وان جميع المفسرين يتفقون على أن أول ما نزل في القرآن حول الجهاد قوله تعالى:

      «إنّ الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحبُّ كُلّ خوّان كفور * أُذن للذين يقاتلون بأنّهم ظُلموا و أن الله على نصرهم لقدير * الذين أُخرجوا من ديارهم بغير حقٍّ إلاّ أن يقولوا ربُّنا الله ..» الحج / 38 - 40 .

      وكانت سيرة الرسول(ص) قبل نزول سورة «براءة» أن لا يقاتل إلاّ من قاتله ولا يحارب إلا من حاربه و أراده. أما آيات البراءة من سورة التوبة (من الآية 1 - 8) فهي آخر ما نزل في القرآن حول القتال، لا دلالة فيها على أن الحرب هي الأصل بل هي مخصوصة بالمشركين القاطنين في الجزيرة العربية، وعليه فلا تشمل من كان في خارجها هذا أولاً وثانياً : ليس في منطوقها ولا في مفهومها ما يدل على شمول القتال لأهل الكتاب زد على

-----(13)-----

ذلك، ان الذين شملهم حكم القتال فيها، كانوا - بتعبير معاصر - يشكلون طابوراً خامساً في المجتمع الاسلامى، يتجسسون لحساب الاعداء، و يسعون الى الفساد و الإفساد، فوضعهم الرسول(ص) أمام خيارين: إما اظهار الاسلام أو القتال، وكان بامكانهم وقتذاك أن يهاجروا من الجزيرة العربية قبل انتهاء المدة المحددة أي بعد إنسلاخ الاشهر الحرم.

      يقول مؤلف التفسير الكاشف في معرض تفسيره لسورة براءة: «ان هذه السورة نزلت في العام التالي للفتح، حيث عظم أمر الاسلام، و انتشر في الجزيرة العربية كلها، وكانت له الكلمة العليا، و مع ذلك بقي للشرك جيوب في بعض قبائل العرب، وكيلا تكون هذه الجيوب طابوراً خامساً في المجتمع الاسلامي أمر الله نبيه - في هذه السورة - أن يعلن البراءة من المشركين، وبالاصح أن ينذر بالحرب كل مشرك يقيم في الجزيرة العربية، حتى يقول: لا إله إلاّ الله، و يدخل فيما دخل فيه الناس .. وقد وصفهم عظمت صفاته أولاً باللؤم والشراسة، لانهم لو قدروا على المسلمين لفعلوا بهم الافاعيل في غير مراعاة لعهد ولا   لانسانية، و وصفهم ثانية بالنفاق وانهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، و ثالثاً وصفهم بالفسق، و كل صفة من هذه الثلاث تقضي عليهم بأشد العقوبات ، و باسقاطهم من جميع حقوق الانسانية، لا من جهة الوفاء لهم بالعهد فقط فكيف إذا اتصفوا بالرذائل الثلاث مجتمعة !»(17).

      لقد تضمنت سورة «التوبة» أحكاماً نهائية في العلاقات بين المسلمين و المشركين، و كشفت بما لا يدع مجالاً للشك ان مصلحة المجتمع الاسلامي قد تستدعي في ظروف معينة أن لا يكون فيه مشركون، لانهم يسعون في الارض فساداً وهو أمر لا ينسجم مع المجتمع الاسلامي الذي يشيد قواعده على الحق والعدل والفضيلة. وكان هذا الحكم خاصاً بمشركي الجزيرة آنذاك، وليس فيه دلالة على أن الاصل الذي يحكم علائق المسلمين مع

-----(14)-----

غيرهم ينحصر في الحرب والقتال.

      3 - إن غزوات و سرايا الرسول(ص) مع مشركي قريش تعتبر «دفاعية» في الميزان العسكري.. وأما حروبه مع الرّوم فكانت «وقائية»، يقول السيد كاظم الحائري حول حروب الرسول(ص) مع الرّوم ما نصه:

      «.. لا نجد في شيء من هذه الحروب حرباً ابتدائية بتمام معنى الكلمة، ولكنها تختلف أيضاً عن كثير من حروبه (ص) التي كانت دفاعية محضة»(18).

      ويذهب الى ذلك أيضاً الدكتور وهبة الزحيلي، فهو يعتبر أن «هذه الحروب وقائية لدفع الأخطار عن البلاد أو الدين. واذا كانت الدول الحديثة تشن حرباً ضروساً من أجل الحفاظ على مصالحها الاقتصادية، وهى مجرد مصالح مادية خالصة، فإن هذه الحرب لصالح الناس أنفسهم - وينقل عن ابن تيمية قوله - كانت سيرته (ص) أن كل من هادنه من الكفار لم يقاتله أي سواء أكان من مشركي العرب أم من غيرهم، وهذه كتب السيرة والحديث والتفسير والفقه والمغازي تنطق بهذا، وهذا متوافر من سنّته ، فهو لم يبدأ أحداً من الكفار بقتال، ولو كان الله أمره أن يقتل كل كافر لكان يبدئهم بالقتل و القتال»(19).

      وفي هذا الباب يقول محمود شيت خطاب : «ان الحرب في الاسلام حرب دفاعية بكل ما في الكلمة من معنى، لا يبدأ المسلمون فيها بالاعتداء على أحد، ولا يريدون من ورائها إلاّ حماية نشر الدعوة، و توطيد أركان السلام في العالم»(20).

      على ضوء ما تقدم، نخلص الى القول : أن الحرب في الاسلام وسيلة لا غاية في حد ذاتها، ولا يلجأ إليها إلاّ بعد أن تفشل جميع الوسائل السلمية. ولا يمكن أن تكون الوسيلة

-----(15)-----

هي الغاية. وعليه فالاصل هو السِّلم أما الحرب فوسيلة طارئة يلجأ إليها عند الضرورة القصوى من أجل الدفاع عن النفس والنفيس المتمثل بصيانة الدعوة الاسلامية.

      أضف إلى ذلك أن اعتراف الجميع بأنّ حروب الرسول(ص) كانت دفاعية أو في أشد الحالات «وقائية» ، يُرسخ قناعاتنا «باصالة» السَّلام و تقدمه و تأخر القتال، و بتعبير آخر ان للسَّلام في الإسلام تقدم رتبي على الحرب والقتال.

      4 - في السُّنّة القولية للرسول(ص) فيها دلالة صريحة و ضمنية على كون السلام هو الأصل الأولي الحاكم على علاقة المسلمين مع غيرهم، منها: «قوله (ص): لا تتمنوا لقاء العدو، فانكم لا تدرون لعلكم تبتلون بهم، ولكن قولوا: اللهم أكفناهم وأكفف بأسهم عنا» ولو كان القتال هدفاً من أهداف الاسلام لما كان ذلك الموقف الانساني العظيم من رسول الله(21).

      ومن مصادرنا المعرّفية يمكن الاستشهاد بالوصية الذهبية التي أسداها الرسول(ص) إلى الامام علي (ع) عندما أرسله إلى اليمن وجاء في مقدمتها : «يا  علي لا تقاتلن أحداً حتى تدعوه إلى الاسلام ..»(22).

      و هناك أحاديث أخرى لا يتسع المجال لذكرها وقد استند الفقهاء المسلمين على تلك الاحاديث، و أفتوا بوجوب الدعوة لمن لم يبلغهم الاسلام ..

      «قال الحنفية والشافعية والحنابلة والامامية والاباضية: تجب الدعوة لمن لم يبلغهم الاسلام، فإن انتشر الاسلام وظهر كل الظهور، وعرّف الناس لماذا يُدعون، وعلى ماذا يُقاتلون، فالدعوة مستحبة تأكيداً للاسلام والانذار، و أدلتهم الجمع والتوفيق بين الاحاديث

-----(16)-----

 من الأمر بابلاغ الدعوة»(23).

      إذن فالسيف لم يكن - في أية معركة اسلامية - هدفاً، وأبرز شاهد على ذلك، ان رسول الله (ص) حين ودع أسامة بن زيد قائد الجيش إلى مؤتة، كان أول ما أوصاهم به : «أوصيكم بتقوى الله .. وبمن معكم من المسلمين خيراً .. وإذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى إحدى ثلاث فأيهن ما أجابوك إليها فاقبل منهم و كفف عنهم ..».

      من هذا التوجه ندرك أن القتال خيار أخير لابد منه عند استنفاذ جميع الوسائل السلمية. وان الاسلام لم ينتشر إلا في أجواء السلام على العكس مما يروج له الغربيون بأن الاسلام انتشر بالسيف وعليه فهو دين العنف.

      فقد أثبت التاريخ وجود علاقة تلازمية بين السلام وانتشار الاسلام .. «يقول المؤرخون أن أهم فترة أنتشر فيها الاسلام هي فترة السِّلم الذي تلا صلح الحديبية بين قريش وبين المسلمين، وكانت فترة السِّلم سنتين. ويقول المؤرخون أن من دخل الإسلام في هاتين السنتين أكثر مما دخلوه في المدة التي تقرب من عشرين عاماً منذ بدء الإسلام حتى ذلك الصلح»(24).

      ولابد من الاشارة الى الثمار والمعطيات المترتبة على كون السِّلم هو الأصل الأولي في السياسة الخارجية للحكومة الاسلامية:

      أ - لا مانع لدى القائلين بان السِّلم هو أصل العلاقات الدولية من عقد صلح دائم على أساس آخر غير عقد الذّمة أي لصيانة السِّلم والأمن دون التزام دفع عوض مالي للمسلمين، بدليل أن أول عمل سياسي عمله النبي(ص) بعد الهجرة، أن عاهد القبائل التي

-----(17)-----

 سكنت ما بين المدينة و ساحل البحر، مثل جهينة و بني صنمار وغفار(25).

      ب - ان الحكومة الاسلامية تستطيع متى ما اقتضت مصالح الاسلام والمسلمين، أن تتعاون مع الكفار والمشركين وأهل الكتاب و كذلك تتعاون معهم في المجالات التي تعود بالفائدة على الطرفين، مثل عقد اتفاقيات التبادل العلمي أو الزراعي أو الصناعي أو التجاري أو الاقتصادي أو الدفاعي، أو معاهدة عدم تعرض الواحد للآخر، أو معاهدات أخرى من هذا القبيل. ومع ذلك يشترط في عقد مثل هذه المعاهدات والاتفاقيات عدم تسلط الكفار على المسلمين والتدخل في شؤونهم الداخلية(26).

* * *

 

القواعد الفقهية التي تحكم السياسة الخارجية

 

أولاً - قاعدة نفي السبيل:

       روى عن الامام علي (عليه السلام) وابن عباس، والسدي تفسير السبيل في الآية:

      «.. ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا» النساء / 141 .

      بان المراد به: الحجة يوم القيامة. ولعل ذلك من جهة قوله تعالى في الآية «... فاالله يحكم بينهم يوم القيامة ..» وهذا لا ينافي أنّ الله لن يجعل للكافرين حجة في دار الدنيا أيضاً. ويحتمل أن يكون المراد منها أن الله تعالى لن يجعل للكافرين حجة على المؤمنين في مقام البرّهان والاستدلال على صحة وحقيقة الاسلام وبطلان الكفر، فليس للكافرين

-----(18)-----

 سبيل «حجة» تثبت صدق ما هم عليه من الاعتقاد في مقابل الاسلام. فيكون المراد من السبيل «الغلبة بالدليل والبرهان» في مجال الاعتقاد. كما يمكن أن يكون المراد أنه لا حجة لهم تثبت صحة و سلامة سلوكهم في موقفهم من الاسلام والمسلمين، و يبررون بها موقفهم و سلوكهم، ولعل هذا المعنى أوفق بالاية بملاحظة السِّياق، الذي وردت فيه.

      و يحتمل أن يكون المراد منها: إن هؤلاء المنافقين يتوهمون أنهم بسلوكهم المذبذب بين الكفار والمسلمين، يجدون سبيلاً (حجة / ذريعة) على المسلمين لخداعهم، والنيل منهم. ولكن الله تعالى بما كشف لنبيه (ص) من سلوكهم و نواياهم (في الآيات السابقة) و يكشف عنها دائماً، لن يجعل لهم هذه الحجة والذريعة، بل سيفضح خططهم ليكون المؤمنون دائماً على بينة منها. و يؤيد هذا الاحتمال قوله تعالى في الآية التالية: «إنّ المنافقين يخادعون الله وهو يخادِعُهم ..» النساء / 141، و يحتمل أن يراد من (السبيل): الطريق، بمعنى مجازي وهو التمكين والقدرة، بأن تمكنهم وسائلهم في الكيد و  التآمر من السيطرة على المسلمين والتحكم بهم سياسياً، ويكون المراد من الآية: ان الله لن يمكّن الكفار من المسلمين، لأنّ أحكام الاسلام السياسية والاجتماعية وغيرها، تجعل الكفار عاجزين عن التمكن من المسلمين، وفاقدي القدرة على غلبتهم، إذا التزم المسلمون بأحكام الاسلام. وهذا لا ينافيه حصول خلاف ذلك في الواقع، لان تمكن الكفار من المسلمين و سيطرتهم عليهم، ليس ناشئاً من قصور التشريع الاسلامي، و إنما هو ناشيء من عدم التزام المسلمين باحكام الاسلام في شؤون المجتمع و الدولة .

      والآية في مقام تقرير حقيقة موضوعية هي: أن تمكين الكافرين من المؤمنين لن يأتي من طريق (سبيل) قصور الاسلام - عقيدة و شريعة - عن ضمان السيادة والنصر. و إذا غُلب المسلمون على أمرهم وتمكن الكفار منهم، فإن ذلك يكون من طريق آخر، هو تقصير المسلمين و عدم التزامهم بالاسلام .. و نلاحظ أنّ الآية نصّت على أن الله لن يجعل

-----(19)-----

 

سبيلاً على «المؤمنين» وليس على المسلمين.

      ومن المعلوم ان المؤمنين هم المسلمون، المتقون، الواعون، الملتزمون بالاسلام عقيدة و  شريعة، وهم أعلى درجة في الالتزام من سائر المسلمين. وهؤلاء هم الواجدون لأسباب القوة، و المناعة ضد الكفار، الذين لن يكون لهم سبيلاً و تمكن من السيطرة(27).

      ونحن نستشف من آية السبيل فيما يتعلق ببحثنا، ان الدولة الاسلامية، يجب أن تكون صاحبة السيادة الفعلية على أقليمها و رعاياها المسلمين. وعلى الحكومة الاسلامية أن تستقل في قرارها السياسي ولا تجعل للكافرين سبيلاً على المسلمين و مصالحهم. والآية المذكورة لا تأبى هذا الحمل خصوصاً إذا ما فسرنا (السبيل) بالتمكين والقدرة وهو التفسير الأرجح. وعلى هذا الاساس : «استدل الفقهاء بهذه الآية على أن الله سبحانه لم يشرع حكماً يستدعي أية سلطة و ولاية لغير المسلم على المسلم، و فرعوا على ذلك كثيراً من الاحكام، منها: ان حكم الحاكم غير المسلم لا ينفذ بحق المسلم وان كان حقاً»(28).

      ولا نبالغ إذا ما قلنا بان قاعدة السبيل هذه من أروع قواعد السياسة الخارجية في الاسلام، لكونها تعبر عن علو الاسلام على غيره من الانظمة السياسية، وتحافظ على كرامة المسلمين، التي يجب أن لا تُمس مطلقاً. زد على ذلك ان لهذه القاعدة تطبيقات في مختلف أنواع العلائق السياسية أو الاقتصادية أو الثقافية التي تبرم مع غير المسلمين أفراداً كانوا أم دولاً  .. «و بموجب هذه القاعدة، فإنّ أي تصرف أو معاهدة أو عقد يؤدي الى تفوق الكافرين على المسملين، يُعد ملغياً من أساسه... فإن هذه القاعدة شأنها شأن قاعدة : «لاضرر ولا ضرار في الاسلام» وقاعدة : «نفي الحرج والعسر» تُعد من القواعد الثانوية التي

-----(20)-----

 

 تستطيع أن تحكم على الاحكام الاولية بمجموعها، اللهم إلاّ تلك التي تتضمن بنفسها تحمل الضرر في سبيل تحقيق غاية أسمى كالجهاد .

      وصفوة القول : انها قاعدة تعاملية مهمة، لها تطبيقاتها في مختلف المجالات ومنها المجالات السياسية. وليس هنا بأروع من تطبيقها اليوم - من قبل الجمهورية الاسلامية في ايران - في تعاملها مع القوى المستكبرة وعلى رأسها أمريكا، التي تسعى للسيطرة على الشعوب و نهب خيراتها وانتهاك كرامتها و مقدساتها.

 

ثانياً - قاعدة الاسلام يعلو ولا يعلى عليه :

      تبلورت هذه القاعدة على ضوء الحديث الذي ورد في كتاب : من لا يحضره الفقيه ج 4 ص 243 الوارد في باب ميراث أهل الملل. وقد جاء فيه أن: «الاسلام يعلو ولا يعلى عليه، والكفار بمنزلة الموتى، لا يحجبون ولا يورثون». والعلو - هنا - يمكن أن يتصور منه أحد معنيين :

      أ - إما علو عقائد الاسلام، و مبادئه و شريعته، من حيث أنها حق وغيرها باطل. وعليه فهي عالية علو الحق على الباطل.

      ب - وإما علو المسلمن بالاسلام، فلا يجوز أن تهدر كرامتهم أو تصادر حقوقهم وحرياتهم أو يكونوا في موقع الدّونية والمهانة بالنسبة الى غيرهم.

      وعلى كلا المعنيين يمكن أن يستنبط مبدأ الاستقلال بحكومة الاسلام ومن خلاله لا يمكن السماح لأي سلطة خارجية غير اسلامية أن تتدخل في شؤون الاسلام والمسلمين وتحاول أن تصادر حقوقهم و تعبث بمقدراتهم أو تنتهك مقدساتهم أو تفرض عليهم ما لا  يتناسب مع كرامتهم و مصالحهم أو تفرض شروطاً مذلة عليهم وهذه القاعدة تنسجم مع قوله تعالى:

-----(21)-----

 

      «و لله العزة و لرسوله و للمؤمنين » المنافقون / 8 .

      لقد .. «دلت جميع الآيات، و السُّنّة القطعية، على أن الله تعالى قد جعل العزّة للمؤمنين والمسلمين. و يُستفاد منها أن الله تعالى لم يجعل في الشريعة حكماً يخالف ذلك، و يلزم منه ذلة المسلمين و هوانهم، وكل ما يستلزم ذلك فهو محرّم ممنوع عنه شرعاً. وهذا من ضرورات الاسلام»(29)

      هذه هي أبرز القواعد الفقهية الحاكمة على الحكومة الاسلامية في تعاملها مع غير المسلمين، و يجب على هذه الحكومة أن تضعها نصب عينيها في سلوكها السياسي الخارجي حتى تتحقق مصالح المسلمين و تعلو راية الاسلام. ومن يبتعد عن الهوى و  التعصب و يتجرّد للحقيقة، سوف يجد الفرق الشاسع بين العلاقات الدولية قبل الاسلام وما بعده فقد كان نظام العلاقات السياسية القديم يقوم على قواعد الظلم والقوة الغاشمة وفقدان المعايير الاخلاقية في التعامل السياسي. ولكن بعد انبثاق فجر الاسلام برزت مبادئ الاخوة الانسانية والمساواة والعدالة .. «ونقل الاسلام البشرية في تكوين الاطار السياسي من الدولة القبلية والمجتمع القبلي والدولة القومية والمجتمع القومي الى الدولة الانسانية العقائدية والمجتمع العقائدي الانساني»(30)

      وكيف يغض الطرف عن قواعد التعامل الخارجي التي صاغها الاسلام و طبّقها بحذافيرها في علاقته مع غير المسلمين وهي مبادئ لم تكون موجودة أصلاً منها : مبدأ احترام العهود والمواثيق، ومبدأ عدم الاعتداء، وقواعد العدل والاحسان، و مبدأ المساواة والغاء التمايز العنصري بين الامم والشعوب و مبدأ المقابلة بالمثل، و مبدأ الاعلام قبل الاقدام، ومبدأ الحياد الايجابي وغير ذلك من المبادئ والقواعد التي تحتاج لبحث مستقل.

-----(22)-----

      وبناءً على ما تقدم، لا يمكن لاحد إنكار ما للاسلام من دور بالغ في التأثير على العلاقات الدولية بدءاً من القرن السابع الميلادي الذي بزغ فيه فجر الاسلام وانتشر بعدئذ بالمراسلات والمكاتبات التي كتبها النبي(ص) لأمراء و ملوك العالم وأقطابه يدعوهم فيها إلى الاسلام. «فأثر كل ذلك في أوروبا في عصر الظلام وتأثر القانون الدولي في مراحله الاولى بحضارة الاسلام وكان هذا الاثر ظاهراً جلياً في أنظمة الحروب، التي تمت صياغة قوانينها بعد ذلك بقرون في نطاق مبادئ الفروسية، وفي أحكام معاملة الاسرى و الجرحى، وقواعد دفن الموتى ومنع التمثيل بهم، وفي القواعد الخاصة بمعاملة المدنيين في الحروب، وفي حظر استعمال بعض الاسلحة»(31)

 

خاتـمـة :

      وفى نهاية المطاف نخلص الى القول بأن الاصل الأولي في سياسة الحكومة الاسلامية هو السِّلم ولكن السِّلم القائم على قواعد الحق والعدالة والذي يحقق التعايش السِّلمي بين الشعوب والأمم مع الحفاظ على استقلالية و كرامة المسلمين و الحيلولة دون تسلط الكافرين على رقابهم و مقدراتهم .

* * *

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) شرح العينين على صحيح البخارى، ج 14 ص 192 .

(2) انظر فتح الباري - شرح صحيح البخاري ج 6 ص 85 .

(3) وسائل الشيعة ج 11 ص 5 .

(4) المصدر السابق ج 11 ص 9 .

(5) انظر : الاسلام ومنطق القوة للسيد فضل الله ص 223 .

(6) انظر كتاب : الجهاد و حالاته المشروعة في القرآن للشهيد المطهري - بتصرف ص 38 ومابعدها.

(7) الاسلام ومنطق القوة - مصدر سابق - ص 203 - 204 .

(8) راجع كتاب : العلاقات الدولية في الاسلام، د . وهبة الزحيلي ص 44 .

(9) كنز العمال 4 / 323 .

(10)وسائل الشيعة ج 11 ص 30 .

(11) مبادئ أصول الفقه، للشيخ عبد الهادي الفضلي ص 24 .

(12) راجع كتاب: الكفاح المسلح في الاسلام - السيد كاظم الحائري ص 14 .

(13) انظر كتاب: مفهوم السياسة الخارجية الامريكية - لكيسنجر ص 23 .

(14) التفسير الكاشف - الشيخ مغنيّة - ج 3 ص 500 - 501 .

(15) انظر : المنهج الحركي للسيرة النبوية - منير الغضبان - القسم الاول ص 133 .

(16) انظر كتاب: الجهاد و حالاته المشروعة للشهيد المطهري ص 15 .

(17) التفسير الكاشف : الشيخ مغنية - المجلد الرابع ص 9 - 13 .

(18) انظر كتاب : الكفاح المسلم في الاسلام - مصدر سابق ص 22 .

(19) كتاب العلاقات الدولية في الاسلام - مصدر سابق - ص 32 - 33 .

(20) كتاب : الرسول القائد - محمود شيت خطاب - ص 13 .

(21) كتاب: العقيدة والقوة معاً - لمحمد عبدالله السّمان ص 105 .

(22) وسائل الشيعة : ج 11 ص 30 .

(23) انظر العلاقات الدولية في الاسلام - مصدر سابق - ص 39 .

(24) الاسلام ومنطق القوة - مصدر سابق - ص 211 .

(25) العلاقات الدولية في الاسلام - مصدر سابق - ص 158 (عن سيرة ابن هشام 1 / 591).

(26) انظر مقالات المؤتمر الفكري الثالث في طهران - من مقالة للشيخ ابراهيم الاميني بعنوان: العلاقات الدولية والسياسة الخارجية ص 250.

(27) راجع كتاب : نظام الحكم والادارة في الاسلام - الشيخ محمد مهدي شمس الدين ص 498 - 499 .

(28) انظر : التفسير الكاشف : للشيخ مغنية - المجلد الثاني ص 446 .

(29) انظر : كتاب الحكم والادارة في الاسلام - مصدر سابق - ص 499 وما بعدها.

(30) راجع كتاب: نظام الاسلام (الحكم والدولة) لمحمد المبارك ص 110 .

(31) انظر : العلاقات الدولية في الاسلام للدكتور الزحيلي ص 126 .

[ عدد الزيارات: 1874]