30173 - { أيضا } الواقدي حدثني عبد الله بن جعفر قال : سمعت يعقوب بن عتبة يخبر عن عكرمة عن ابن عباس قال : لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلّم بمر الظهران قال العباس بن عبد المطلب : واصباح قريش والله لئن دخلها رسول الله صلى الله عليه وسلّم عنوة إنه لهلاك قريش آخر الدهر قال : فأخذت بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلّم الشهباء فركبتها وقال : التمس خطابا أو إنسانا ابعثه إلى قريش يتلقون رسول الله صلى الله عليه وسلّم قبل أن يدخلها عليهم عنوة قال : فوالله إني لفي الأراك أبتغي إنسانا إذ سمعت كلاما يقول : والله إن رأيت كالليلة في النيران قال يقول بديل بن ورقاء : هذه والله خزاعة حاشتها الحرب قال أبو سفيان : خزاعة أقل وأذل من أن تكون هذه نيرانهم وعشيرتهم قال : فإذا بأبي سفيان فقلت أبا حنظلة فقال : يا لبيك أبا الفضل وعرف صوتي مالك فداك أبي وأمي فقلت : ويلك هذا رسول الله صلى الله عليه وسلّم في عشرة آلاف فقلت : بأبي أنت وأمي ما تأمرني هل من حيلة ؟ قلت : نعم تركب عجز ( عجز : العجز - بضم الجيم - مؤخر الشيء يذكر ويؤنث وهو للرجل والمرأة جميعا وجمعه أعجاز والعجيزة : للمرأة خاصة . المختار 327 . ب ) هذه البغلة فأذهب بك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم فإنه والله إن ظفر بك دون رسول الله صلى الله عليه وسلّم لتقتلن .
قال أبو سفيان : وأنا والله أرى ذلك قال : ورجع بديل وحكيم ثم ركب خلفي ثم وجهت به كلما مررت بنار من نار المسلمين قالوا : من هذا ؟ فإذا رأوني قالوا : عم رسول الله صلى الله عليه وسلّم على بغلته حتى مررت بنار عمر بن الخطاب فلما رآني قام فقال : من هذا ؟ فقلت العباس قال : فذهب ينظر فرأى أبا سفيان خلفي فقال : أبا سفيان عدو الله الحمد لله الذي أمكن منك بلا عهد ولا عقد ثم خرج نحو رسول الله صلى اله عليه وسلم يشتد وركضت البغلة حتى اجتمعنا جميعا على باب قبة النبي صلى الله عليه وسلّم .
قال : فدخلت على النبي صلى الله عليه وسلّم ودخل عمر على أثرى فقال عمر : يا رسول الله هذا أبو سفيان عدو الله قد أمكن الله منه بلا عهد ولا عقد فدعني أضرب عنقه قال قلت : يا رسول الله إني قد أجرته قال : ثم لزمت رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقلت : والله لا يناجيه أحد الليلة دوني فلما أكثر عمر فيه قلت : مهلا يا عمر فإنه والله لو كان رجل من بني عدي بن كعب ما قلت هذا ولكنه أحد بني عبد مناف فقال عمر : مهلا يا أبا الفضل فوالله لإسلامك كان أحب إلي من إسلام رجل من ولد الخطاب لو أسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : اذهب به فقد أجرته لك فليبت عندك حتى تغدو به علينا فلما أصبحت غدوت به فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال : ويحك أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله ؟ قال : بأبي أنت ما أحلمك وأكرمك وأعظم عفوك قد كان يقع في نفسي أن لو كان مع الله إله آخر لقد أغنى شيئا بعد قال : يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله ؟ قال : بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأعظم عفوك أما هذه فوالله إن في النفس منها لشيئا بعد فقال العباس : فقلت : ويحك اشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قبل والله أن تقتل قال : فتشهد شهادة الحق فقال : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله .
فقال العباس : يا رسول الله إنك قد عرفت أبا سفيان وحبه الشرف والفخر اجعل له شيئا قال : نعم من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن أغلق داره فهو آمن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم للعباس بعد ما خرج : احبسه بمضيق الوادي إلى خطم الجبل حتى تمر به جنود الله فيراها قال العباس : فعدلت به في مضيق الوادي إلى خطم الجبل فلما حبست أبا سفيان قال : غدرا يا بني هاشم فقال العباس : إن أهل النبوة لا يغدرون ولكن لي إليك حاجة فقال أبو سفيان : فهلا بدأت بها أولا فقلت : إن لي إليك حاجة فكان أفرغ لروعي .
قال العباس : لم أكن أراك تذهب هذا المذهب وعبى رسول الله صلى الله عليه وسلّم أصحابه ومرت القبائل على قادتها والكتائب على راياتها فكان أول من قدم رسول الله صلى الله عليه وسلّم خالد بن الوليد في بني سليم وهم ألف فيهم لواء يحمله العباس بن مرداس ولواء يحمله خفاف بن ندبة وراية يحملها الحجاج بن علاط قال أبو سفيان : من هؤلاء ؟ قال العباس : خالد بن الوليد قال الغلام ؟ قال : نعم فلما حاذى خالد العباس وإلى جنبه أبو سفيان كبروا ثلاثا ثم مضوا ثم مر على أثره الزبير بن العوام في خمسمائة منهم مهاجرون وأفناء الناس ومعه راية سوداء فلما حاذى أبا سفيان كبر ثلاثا وكبر أصحابه فقال : من هذا ؟ قال الزبير بن العوام قال ابن أختك ؟ قال : نعم ومرت نفر من غفار في ثلاثمائة يحمل رايتهم أبو ذر الغفاري ويقال إيماء بن رحضة فلما حاذوه كبروا ثلاثا قال : يا أبا الفضل من هؤلاء ؟ قال بنو غفار قال : مالي ولبني غفار ثم مضت أسلم في أربعمائة فيها لواءان ؟ يحمل أحدهما بريدة بن الخصيب والآخر ناجية بن الأعجم فلما حاذوه كبروا ثلاثا فقال : من هؤلاء ؟ قال : أسلم قال : يا أبا الفضل مالي ولأسلم ما كان بيننا وبينها ترة ( ترة : الترة : النقص . وقيل التبعة . النهاية 1 / 189 . ب ) قط قال العباس : هم قوم مسلمون دخلوا في الإسلام .
ثم مرت بنو كعب بن عمرو في خمسمائة يحمل رايتهم بشر بن شيبان قال : من هؤلاء قال : بنو كعب بن عمرو قال : نعم هؤلاء حلفاء محمد فلما حاذوه كبروا ثلاثا ثم مرت مزينة في ألف فيها ثلاثة ألوية وفيها مائة فرس يحمل ألويتها النعمان بن مقرن وبلال بن الحارث وعبد الله بن عمرو فلما حاذوه كبروا فقال : من هؤلاء ؟ قال مزينة قال : يا أبا الفضل مالي ولمزينة قد جاءتني تقعقع من شواهقها ثم مرت جهينة في ثمانمائة مع قادتها فيها أربعة ألوية لواء مع أبي زرعة معبد بن خالد ولواء مع سويد بن صخر ولواء مع رافع بن مكيث ولواء مع عبد الله بن بدر فلما حاذوه كبروا ثلاثا ثم مرت كنانة بنو ليث وضمرة وسعد بن بكر في مائتين يحمل لواءهم أبو واقد الليثي فلما حاذوه كبروا ثلاثا فقال : من هؤلاء ؟ قال بنو بكر قال : نعم أهل شؤم والله هؤلاء الذين غزانا محمد بسببهم أما والله ماشوورت فيه ولا علمته ولقد كنت له كارها حيث بلغني ولكنه أمر حم ( حم : حم الشيء وأحم - على ما لم يسمى فاعله فيهما - أي : قدر فهو محموم . المختار 120 . ب ) قال العباس : قد خار الله لك في غزو محمد صلى الله عليه وسلّم لكم ودخلتم في الإسلام كافة قال الواقدي : حدثني عبد الله بن عامر عن أبي عمرو بن حماس قال : مرت بنو ليث وحدها وهم مائتان وخمسون يحمل لواءها الصعب بن جثامة فلما مروا كبروا ثلاثا فقال : من هؤلاء ؟ قال بنو ليث ثم مرت أشجع وهم آخر من مر وهم في ثلاثمائة معهم لواء يحمله معقل بن سنان ولواء مع نعيم بن مسعود فقال أبو سفيان : هؤلاء كانوا أشد العرب على محمد صلى الله عليه وسلّم فقال العباس : ادخل الله الإسلام قلوبهم فهذا من فضل الله فسكت ثم قال : ما مضى بعد محمد ؟ قال العباس : لم يمض بعد لو رأيت الكتيبة التي فيها محمد صلى الله عليه وسلّم رأيت الحديد والخيل والرجال : وما ليس لأحد به طاقة قال : أظن والله يا أبا الفضل ومن له بهؤلاء طاقة ؟ .
فلما طلعت كتيبة رسول الله صلى الله عليه وسلّم الخضراء طلع سواد وغبرة من سنابك الخيل وجعل الناس يمرون كل ذلك يقول ما مر محمد ؟ فيقول العباس : لا حتى مر يسير على ناقته القصواء بين أبي بكر وأسيد بن حضير وهو يحدثهما فقال العباس : هذا رسول الله في كتيبته الخضراء فيها المهاجرون والأنصار فيها الرايات والألوية مع كل بطل من الأنصار راية ولواء في الحديد لا يرى منه إلا الحدق ولعمر بن الخطاب فيها زجل ( زجل : الزجل - بفتحتين - الصوت يقال : سحاب زجل : أي ذو رعد . المختار 214 . ب ) وعليه الحديد بصوت عال وهو يزعها فقال أبو سفيان : يا أبا الفضل من هذا المتكلم ؟ قال عمر بن الخطاب قال : لقد أمر ( أمر : ومنه حديث أبي سفيان ( أفد أمر أمرا بن أبي كبشة ) أي كثر وارتفع شأنه يعني النبي صلى الله عليه وسلّم . النهاية 1 / 65 . ب ) أمر بني عدي بعد والله قلة وذلة فقال العباس : يا أبا سفيان إن الله يرفع من يشاء بما يشاء وإن عمر ممن رفعه الإسلام وقال في الكتيبة ألفا درع وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلّم رايته سعد بن عبادة فهو أمام الكتيبة فلما مر سعد براية النبي صلى الله عليه وسلّم نادى يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الحرمة اليوم أذل الله قريشا فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلّم حتى إذا حاذى أبا سفيان ناداه : يا رسول الله أمرت بقتل قومك ؟ زعم سعد ومن معه حين مر بنا فقال : يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الحرمة اليوم أذل الله قريشا وإني أنشدك الله في قومك فأنت أبر الناس وأوصل الناس قال عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان : يا رسول الله ما نأمن سعدا أن يكون منه في قريش صولة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : يا أبا سفيان اليوم يوم المرحمة اليوم أعز الله فيه قريشا قال : وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى سعد فعزله وجعل اللواء إلى قيس ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلّم أن اللواء لم يخرج من سعد حين صار لابنه فأبى سعد أن يسلم اللواء إلا بالأمارة من النبي صلى الله عليه وسلّم فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلّم إليه بعمامته فعرفها سعد فدفع اللواء إلى ابنه قيس .
( كر )
