- ضيافة النبي صلى الله عليه وسلّم .
أبو حنيفة ( عن عاصم عن أبي بردة ) أو بريدة وهو عامر بن عبد الله بن قيس بن أبي موسى الأشعري أحد التابعين المشهورين المكثرين سمع أباه وعليا وغيرهما كان على قضاء الكوفة بعد شريح فعزله الحجاج ( أن النبي صلى الله عليه وسلّم زار قوما من الأنصار ) في ديارهم أو في بيتهم بالمدينة ومحلاتهم ( فذبحوا له شاة ) أي لضيافته ( وصنعوا له طعاما فأخذ من اللحم شيئا فلاكه ) هو المضغ أو مضغ صعب على ما في القاموس والمراد هنا الأول فتأمل ( فمضغه ) أي فاستمر على مضغه ( ساعة ) أي زمانا قليلا ( لا يسيغه ) أي لا يقدر على ابتلاعه وإنزاله في حلقه ( فقال : ما شأن اللحم ) أي خبره وحاله ( قالوا : شاة لفلان ذبحناها ) أي بغير إذنه وعلمه ( وقصدنا حتى يجيء ) أي يحضر ( فنرضه من ثمنها قال ) أي الراوي ( فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم " أطعموها الأسراء " ) جمع أسير وهم الفقراء من الكفار والمحبوسون من المسلمين وذلك بشبهة في أكله وإلا فيحتمل أنهم عرفوا إرضاء صاحبهم البتة بهذا مجانا أومبادلا وفيه دلالة على أن الغاصب إذا ذبح شاة الغير ضمنها أو ملكها خبيثا يجب عليه أن يتصدق بها .
وفي رواية ( عن عاصم بن كليب عن أبيه أن رجلا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلّم صنع طعاما وقمنا معه فلما وضع الطعام تناول النبي صلى الله عليه وسلّم طعاما فدعاه ) أي فطلب النبي صلى الله عليه وسلّم لأكله . ( فقام إليه النبي صلى الله عليه وسلّم وقمنا معه فلما وضع الطعام تناول النبي صلى الله عليه وسلّم لضغة ) بفتح الموحدة وبكسرها أي قطعة من ذلك اللحم ( فلاكها في فيه ) أي فمه ( طويلا ) أي مديدا زيادة على العادة ( فجعل لا يستطيع أن يأكلها ) أي يبتلعها ( فألقاها من فيه ) أي فمه ( وأمسك عن الطعام ) أي عوده ( فلما رأينا النبي صلى الله عليه وسلّم ذلك ) أي ما ذكر من الإلقاء والإمساك ( أمسكنا عنه ) أي امتنعنا عن أكله نحن أيضا ( فدعا النبي صلى الله عليه وسلّم صاحب الطعام فقال : " أخبرني عن لحمك هذا من أين هو ؟ ) أي إذ فيه علة ( قال : يا رسول الله شاة كانت لصاحب لنا فلم يكن عندنا ) أي كان غائبا عنا ولم يكن حاضرا ( نشتريها منه وعجلنا بها ) أي بأخذها ( وذبحناها وصنعناها لكي ) أي طعاما منها حتى ( يجيء فنعطي ثمنها ) أي إياه ( فأمر النبي صلى الله عليه وسلّم برفع الطعام ) أي من المجلس ( وأمر أن يطعمه الأسراء ) .
( قال عبد الواحد : قلت لأبي حنيفة : من أين أخذت هذا ؟ ) أي الحكم الذي بيانه ( الرجل يعمل ) أي التجارة ( في مال الرجل بغير إذنه ) أي من دون رضاه به ( يتصدق بالربح ) لأنه حصل ملكا خبيثا لا يصلح لأحدهما ( قال : أخذته من حديث عاصم )
