هول الله تعالى أمر قتل المسلم أخاه المسلم وجعله في حيز ما لا يكون فقال ( وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا ) فجاء بصيغة المبالغة في النفي وهي صيغة الجحود أي ما وجد لمؤمن أن يقتل مؤمنا في حال من الأحوال إلا في حال الخطأ أو أن يقتل قتلا من القتل إلا قتل الخطأ فكان الكلام حصرا وهو حصر ادعائي مراد به المبالغة كأن صفة الإيمان في القاتل والمقتول تنافي الاجتماع مع القتل في نفس الأمر منافاة الضدين لقصد الإيذان بأن المؤمن إذا قتل مؤمنا فقد سلب عنه الإيمان وما هو بمؤمن على نحو ( ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ) فتكون هذه الجملة مستقلة عما بعدها غير مراد بها التشريع بل هي كالمقدمة للتشريع لقصد تفظيع حال قتل المؤمن المؤمن قتلا غير خطإ وتكون خبرية لفظا ومعنى ويكون الاستثناء حقيقيا من عموم الأحوال أي ينتفي قتل المؤمن مؤمنا في كل حال إلا في حال عدم القصد وهذا أحسن ما يبدو في معنى الآية .
ولك أن تجعل قوله ( وما كان لمؤمن ) خبرا مرادا به النهي استعمل المركب في رزم معناه على طريقة المجاز المرسل التمثيلي وتجعل قوله ( إلا خطئا ) ترشيحا للمجاز : على نحو ما قررناه في الوجه الأول فيحصل التنبيه على أن صورة الخطأ لا يتعلق بها النهي إذ قد علم كل أحد أن الخطأ لا يتعلق به أمر ولا نهي يعني إن كان نوع من قتل المؤمن مأذونا فيه للمؤمن فهو قتل الخطأ وقد علم أن المخطئ لا يأتي فعله قاصدا امتثالا ولا عصيانا فرجع الكلام إلى معنى : وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا قتلا تتعلق به الإرادة والقصد بحال أبدا فتكون الجملة مبدأ التشريع وما بعدها كالتفصيل لها ؛ وعلى هذين الوجهين لا يشكل الاستثناء في قوله ( إلا خطئا ) . وذهب المفسرون إلى أن ( وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا ) مراد به النهي أي خبر في معنى الإنشاء فالتجأوا إلى أن الاستثناء منقطع بمعنى " لكن " فرارا من اقتضاء مفهوم الاستئناء إباحة أن يقتل مؤمن مؤمنا خطأ وقد فهمت أنه غير متوهم هنا .
وإنما جيء بالقيد في قوله ( ومن قتل مؤمنا خطئا ) لأن قوله ( وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا ) مراد به ادعاء الحصر أو النهي كما علمت ولو كان الخبر على حقيقته لاستغنى عن القيد لانحصار قتل المؤمن بمقتضاه في قتل الخطأ فيستغنى عن تقييده به .
روى الطبري والواحدي في سبب نزول هذه الآية : أن عياشا بن أبي ربيعة المخزومي كان قد أسلم وهاجر إلى المدينة قبل هجرة النبي A وكان أخا أبي جهل لأمه فخرج أبو جهل وأخوه الحارث بن هشام والحارث بن زيد بن أبي أنيسة في طلبه فأتوه بالمدينة وقالوا له : إن أمك أقسمت أن لا يظلها بيت حتى تراك فارجع معنا حتى تنظر إليك ثم ارجع وأعطوه موثقا من الله أن لا يهيجوه ولا يحولوا بينه وبين دينه فخرج معهم فلما جاوزوا المدينة أوثقوه ودخلوا به مكة وقالوا له " لا نحلك من وثاقك حتى تكفر بالذي آمنت به " . وكان الحارث بن زيد يجلده ويعذبه فقال عياش للحارث " والله لا ألقاك خاليا إلا قتلتك " فبقي بمكة حتى خرج يوم الفتح إلى المدينة فلقي الحارث بن زيد بقباء وكان الحارث قد أسلم ولم يعلم عياش بإسلامه فضربه عياش فقتله ولما أعلم بأنه مسلم رجع عياش إلى رسول الله A فأخبره بالذي صنع فنزلت ( وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا ) فتكون هذه الآية قد نزلت بعد فتح مكة .
وفي ابن عطية : قيل نزلت في اليمان والد حذيفة بن اليمان حين قتله المسلمون يوم أحد خطأ .
وفي رواية للطبري : أنها نزلت في قضية أبي الدرداء حين كان في سرية فعدل إلى شعب فوجد رجلا في غنم له فحمل عليه أبو الدرداء بالسيف فقال الرجل " لا اله إلا الله " فضربه فقتله وجاء بغنمه إلى السرية ثم وجد في نفسه شيئا فأتى إلى النبي A فذكر ذلك له فنزلت الآية .
وقوله ( فتحرير رقبة ) الفاء رابطة لجواب الشرط و ( وتحرير ) مرفوع على الخبرية لمبتدأ محذوف من جملة الجواب : لظهور أن المعنى : فحكمه أو فشأنه تحرير رقبة كقوله ( فصبر جميل ) . والتحرير تفعيل من الحرية أي جعل الرقبة حرة . والرقبة أطلقت على الذات من إطلاق البعض على الكل كما يقولون الجزية على الرؤوس على كل رأس أربعة دنانير