وقوله ( وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق ) أي إن كان القتيل المؤمن . فجعل للقوم الذين بين المسلمين وبينهم ميثاق أي عهد من أهل الكفر دية قتيلهم المؤمن اعتدادا بالعهد الذي بيننا وهذا يؤذن بأن الدية جبر لأولياء القتيل وليست مالا موروثا عن القاتل إذ لا يرث الكافر المسلم فلا حاجة إلى تأويل الآية بأن يكون للمقتول المؤمن وارث مؤمن في قوم معاهدين أو يكون المقتول معاهدا لا مؤمنا بناء على أن الضمير في ( كان ) عائد على القتيل بدون وصف الإيمان وهو تأويل بعيد لأن موضوع الآية فيمن قتل مؤمنا خطأ . ولا يهولنكم التصريح بالوصف في قوله ( وهو مؤمن ) لأن ذلك احتراس ودفع للتوهم عند الخبر عنه بقوله ( من قوم عدو لكم ) أن يظن أحد أنه أيضا عدو لنا في الدين . وشرط كون القتيل مؤمنا في هذا الحكم مدلول بحمل مطلقه هنا على المقيد في قوله هنالك ( وهو مؤمن ) ويكون موضوع هذا التفصيل في القتيل المسلم خطأ لتصدير الآية بقوله ( ومن قتل مؤمنا خطئا ) وهذا قول مالك وأبي حنيفة .
وذهبت طائفة إلى إبقاء المطلق هنا على إطلاقه وحملوا معنى الآية على الذمي والمعاهد يقتل خطأ فتجب الدية وتحرير رقبة وهو قول ابن عباس والشعبي والنخعي والشافعي ولكنهم قالوا : إن هذا كان حكما في مشركي العرب الذين كان بينهم وبين المسلمين صلح إلى أجل حتى يسلموا أو يؤذنوا بحرب وإن هذا الحكم نسخ .
A E وقوله ( فصيام شهرين متتابعين ) وصف الشهران بأنهما متتابعان والمقصود تتابع أيامهما لأن تتابع الأيام يستلزم توالي الشهرين .
وقوله ( توبة من الله ) مفعول لأجله على تقدير : شرع الله الصيام توبة منه . والتوبة هنا مصدر تاب بمعنى قبل التوبة بقرينة تعديته ب ( من ) لأن تاب يطلق على معنى ندم وعلى معنى قبل منه كما تقدم في قوله تعالى ( إنما التوبة على الله ) في هذه السورة أي خفف الله عن القاتل فشرع الصيام ليتوب عليه فيما أخطأ فيه لأنه أخطأ في عظيم . ولك أن تجعل ( توبة ) مفعولا لأجله راجعا إلى تحرير الرقبة والدية وبدلهما وهو الصيام أي شرع الله الجميع توبة منه على القاتل ولو لم يشرع له ذلك لعاقبه على أسباب الخطأ وهي ترجع إلى تفريط الحذر والأخذ بالحزم . أو هو حال من ( صيام ) أي سبب توبة فهو حال مجازية عقلية .
( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما [ 93 ] ) هذا هو المقصود من التشريع لأحكام القتل لأنه هو المتوقع حصوله من الناس وإنما أخر لتهويل أمره فابتدأ بذكر قتل الخطأ بعنوان قوله ( وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ) .
والمتعمد : القاصد للقتل مشتق من عمد إلى كذا بمعنى قصد وذهب . والأفعال كلها لا تخرج عن حالتي عمد وخطأ ويعرف التعمد بأن يكون فعلا لا يفعله أحد بأحد إلا وهو قاصد إزهاق روحه بخصوصه بما تزهق به الأرواح في متعارف الناس وذلك لا يخفى على أحد من العقلاء . ومن أجل ذلك قال الجمهور من الفقهاء : القتل نوعان عمد وخطأ وهو الجاري على وفق الآية ومن الفقهاء من جعل نوعا ثالثا سماه شبه العمد واستندوا في ذلك إلى آثار مروية إن صحت فتأويلها متعين وتحمل على خصوص ما وردت فيه . وذكر ابن جرير والواحدي أن سبب نزول هذه الآية أن مقيسا بن صبابة وأخاه هشام جاءا مسلمين مهاجرين فوجد هشام قتيلا في بني النجار ولم يعرف قاتله فأمرهم النبي A بإعطاء أخيه مقيس مائة من الإبل دية أخيه وأرسل إليهم بذلك مع رجل من فهر فلما أخذ مقيس الإبل عدا على الفهري فقتله واستاق الإبل وانصرف إلى مكة كافران وأنشد في شأن أخيه : .
قتلت به فهرا وحملت عقله ... سراة بني النجار أرباب فارع .
حللت به وتري وأدركت ثأرتي ... وكنت إلى الأوثان أول راجع وقد أهدر رسول الله A دمه يوم فتح مكة فقتل بسوق مكة