والمجادلة مفاعلة من الجدل وهو القدرة على الخصام والحجة فيه وهي منازعة بالقول لإقناع الغير برأيك ومنه سمي علم قواعد المناظرة والاحتجاج في الفقه علم الجدل " وكان يختلط بعلم أصول الفقه وعلم آداب البحث وعلم المنطق " . ولم يسمع للجدل فعل مجرد أصلي والمسموع منه جادل لأن الخصام يستدعي خصمين . وأما قولهم : جدله فهو بمعنى غلبه في المجادلة فليس فعلا أصليا في الاشتقاق . ومصدر المجادلة : الجدال قال تعالى ( ولا جدال في الحج ) . وأما الجدل بفتحتين فهو اسم المصدر وأصله مشتق من الجدل وهو الصرع على الأرض لأن الأرض تسمى الجدالة بفتح الجيم يقال : جدله فهو مجدول .
وجملة ( يستخفون من الناس ) بيان ل ( يختانون ) . وجملة ( ولا يستخفون من الله ) حال وذلك هو محل الاستغراب من حالهم وكونهم يختانون أنفسهم . والاستخفاء من الله مستعمل مجازا في الحياء إذ لا يعتقد أحد يؤمن بالله أنه يستطيع أن يستخفي من الله .
وجملة ( وهو معهم ) حال من اسم الجلالة والمعية هنا معية العلم والاطلاع . ( وإذ يبيتون ) ظرف والتبييت جعل الشيء في البيات أي الليل مثل التصبيح يقال : بيتهم العدو وصبحهم العدو وفي القرآن : ( لنبيتنه وأهله ) أي لنأتينهم ليلا فنقلتهم . والمبيت هنا هو ما لا يرضي من القول أي دبروه وزوروه ليلا لقصد الإخفاء كقول العرب : هذا أمر قضي بليل أو تشور فيه بليل والمراد هنا تدبير مكيدتهم لرمي البراء بتهمة السرقة .
وقوله ( ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم ) استئناف أثاره قوله ( ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم ) والمخاطب كل من يصلح للمخاطبة من المسلمين . والكلام جار مجرى الفرض والتقدير أو مجرى التعريض ببعض بني ظفر الذين جادلوا عن بني أبيرق .
والقول في تركيب ( ها أنتم هؤلاء ) تقدم في سورة البقرة عند قوله تعالى ( ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم ) وتقدم نظيره في آل عمران ( ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم ) .
و ( أم ) في قوله ( أمن يكون عليهم وكيلا ) منقطعة للإضراب الانتقالي . و ( من ) استفهام مستعمل في الإنكار .
والوكيل مضى الكلام عليه عند قوله تعالى ( وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ) في سورة آل عمران .
( ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما [ 110 ] ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما [ 111 ] ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا [ 112 ] ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما [ 113 ] ) اعتراض بتذييل بين جملة ( ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم ) وبين جملة ( ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك ) .
وعمل السوء هو العصيان ومخالفة ما أمر به الشرع ونهى عنه . وظلم النفس شاع إطلاقه في القرآن على الشرك والكفر وأطلق أيضا على ارتكاب المعاصي . وأحسن ما قيل في تفسير هذه الآية : أن عمل السوء أريد به عمل السوء مع الناس وهو الاعتداء على حقوقهم وأن ظلم النفس هو المعاصي الراجعة إلى مخالفة المرء في أحواله الخاصة ما أمر به أو نهي عنه .
والمراد بالاستغفار التوبة وطلب العفو من الله عما مضى من الذنوب قبل التوبة ومعنى ( يجد الله غفورا رحيما ) يتحقق ذلك فاستعير فعل ( يجد ) للتحقق لأن فعل وجد حقيقته الظفر بالشيء ومشاهدته فأطلق على تحقيق العفو والمغفرة على وجه الاستعارة . ومعنى ( غفورا رحيما ) شديد الغفران وشديد الرحمة وذلك كناية عن العموم والتعجيل فيصير المعنى يجد الله غافرا له راحما له لأنه عام المغفرة والرحمة فلا يخرج منها أحد استغفره وتاب إليه ولا يتخلف عنه شمول مغفرته ورحمته زمنا فكانت صيغة ( غفورا رحيما ) مع ( يجد ) دالة على القبول من كل تائب بفضل الله
