وضمير الفصل في قوله ( كانوا هم الخاسرين ) يفيد القصر وهو قصر إضافي أي دون الذين اتبعوا شعيبا وذلك لإظهار سفه قول الملأ للعامة ( لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون ) توقيفا للمعتبرين بهم على تهافت أقوالهم وسفاهة رأيهم وتحذيرا لأمثالهم من الوقوع في ذلك الضلال .
( فتولى عنهم وقال يقوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف أسى على قوم كافرين [ 93 ] ) تقدم تفسير نظير هذه الآية إلى قوله ( ونصحت لكم ) من قصة ثمود . وتقدم وجه التعبير ب ( رسالات ) بصيغة الجمع في نظيرها من قصة قوم نوح .
ونداؤه قومه نداء تحسر وتبرئ من عملهم وهو مثل قول النبي A بعد وقعة بدر . حين وقف على القليب الذي ألقي فيه قتلى المشركين فناداهم بأسماء صناديدهم ثم قال : ( لقد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا ) وجاء بالاستفهام الإنكاري في قوله : ( فكيف آسى على قوم كافرين ) مخاطبا نفسه على طريقة التجريد إذ خطر له خاطر الحزن عليهم فدفعه عن نفسه بأنهم لا يستحقون أن يؤسف عليهم لأنهم اختاروا ذلك لأنفسهم ولأنه لم يترك من تحذيرهم ما لو ألقاه إليهم لأقلعوا عما هم فيه فلم يبق ما يوجب أسفه وندامته كقوله تعالى : ( فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا ) وقوله ( فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ) .
فالفاء في ( فكيف آسى على قوم كافرين ) للتفريع على قوله ( لقد أبلغتكم ) الخ... فرع الاستفهام الإنكاري على ذلك لأنه لما أبلغهم ونصح لهم وأعرضوا عنه فقد استحقوا غضب من يغضب لله وهو الرسول ويرى استحقاقهم العقاب فكيف يحزن عليهم لما أصابهم من العقوبة .
والأسى : شدة الحزن وفعله كرضي و ( آسى ) مضارع مفتتح بهمزة التكلم فاجتمع همزتان .
ويجوز أن يكون الاستفهام الإنكاري موجها إلى نفسه في الظاهر والمقصود نهي من معه من المؤمنين عن الأسى على قومهم الهالكين إذ يجوز أن يحصل في نفوسهم حزن على هلكى قومهم وإن كانوا قد استحقوا الهلاك .
وقوله : ( على قوم كافرين ) إظهار في مقام الإضمار : ليتأتى وصفهم بالكفر زيادة في تعزية نفسه وترك الحزن عليهم .
وقد نجى الله شعيبا مما حل بقومه بأن فارق ديار العذاب قيل : إنه خرج مع من آمن به إلى مكة واستقروا بها إلى أن توفوا والأظهر أنهم سكنوا محلة خاصة بهم في بلدهم رفع الله عنها العذاب فان بقية مدين لم يزالوا بأرضهم وقد ذكرت التوراة أن شعيبا كان بأرض قومه حينما مرت بنو إسرائيل على ديارهم في خروجهم من مصر .
( وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون [ 94 ] ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فأخذنهم بغتة وهم لا يشعرون [ 95 ] ) عطفت الواو جملة ( ما أرسلنا ) على جملة ( وإلى مدين أخاهم شعيبا ) عطف الأعم على الأخص لأن ما ذكر من القصص ابتداء من قوله تعالى : ( لقد أرسلنا نوحا إلى قومه ) كله القصد منه العبرة بالأمم الخالية موعظة لكفار العرب فلما تلا عليهم قصص خمس أمم جاء الآن بحكم كلي يعم سائر الأمم المكذبة على طريقة قياس التمثيل أو قياس الاستقراء الناقص وهو أشهر قياس يسلك في المقامات الخطابية وهذه الجمل إلى قوله : ( ثم بعثنا من بعدهم موسى ) كالمعترضة بين القصص للتنبيه على موقع الموعظة وذلك هو المقصود من تلك القصص فهو اعتراض ببيان المقصود من الكلام وهذا كثير الوقوع في اعتراض الكلام .
وعدي ( أرسلنا ) ب ( في ) دون ( إلى ) لأن المراد بالقرية حقيقتها وهي لا يرسل إليها وإنما يرسل فيها إلى أهلها فالتقدير : وما أرسلنا في قرية من نبي إلى أهلها إلا أخذنا أهلها فهو كقوله تعالى : ( وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا ) ولا يجري في هذا من المعنى ما يجري في قوله تعالى الآتي قريبا : ( وأرسل في المدائن حاشرين ) إذ لا داعي إليه هنا .
A E