والمعنى أنا نأخذهم بما يغير حالهم التي كانوا فيها من رخاء وصحة عسى أن يعلموا أن سلب النعمة عنهم أمارة على غضب الله عليهم من جراء تكذيبهم رسولهم فلا يهتدون ثم نردهم إلى حالتهم الأولى إمهالا لهم واستدراجا فيزدادون ضلالا فإذا رأوا ذلهم حينما يعظونهم بما حل بهم ويدعونهم إلى التوبة والإيمان ليكشف عنهم الضر .
ويجوز أن يكون هذا القول أيضا : يجيش في نفوسهم ليدفعوا بذلك ما يخطر ببالهم من توقع أن يكون ذلك الضر عقابا من الله تعالى . وإذ قد كان محكيا عن أمم كثيرة كانت له أحوال متعددة بتعدد ميادين النفوس والأحوال .
وحاصل ما دفعوا به دلالة الضراء على غضب الله أن مثل ذلك قد حل بآبائهم الذين لم يدعهم رسول إلى توحيد الله وهذا من خطأ القياس وفساد الاستدلال وذلك بحصر الشيء ذي الأسباب المتعددة في سبب واحد والغفلة عن كون الأسباب يخلف بعضها بعضا مع الغفلة عن الفارق في قياس حالهم على حال آبائهم بأن آباءهم لم يأتهم رسل من الله وأما أقوام الرسل فإن الرسل تحذرهم الغضب والبأساء والضراء فتحيق بهم أفلا يدلهم ذلك على أن ما حصل لهم هو من غضب الله عليهم على أن غضب الله ليس منحصر الترتب على معصية الرسول بل يكون أيضا عن الانغماس في الضلال المبين مع وضوح أدلة الهدى للعقول فإن الإشراك ضلال وأدلة التوحيد واضحة للعقول فإذا تأيدت الدلالة بإرسال الرسل المنذرين قويت الضلالة باستمرارها وانقطاع أعذارها ومثل هذا الخطأ يعرض للناس بداعي الهوى وإلف حال الضلال .
والفاء في قوله ( فأخذناهم ) للتعقيب عن قوله ( عفوا ) ( وقالوا ) باعتبار كونهما غاية لإبدال الحسنة مكان السيئة ولا إشعار فيه بإن قولهم ذلك هو سبب أخذهم بغتة ولكنه دل على إصرارهم أي : فحصل أخذنا إياهم عقب تحسن حالهم وبطرهم النعمة .
والتعقيب عرفي فيصدق بالمدة التي لا تعد طولا في العادة لحصول مثل هذه الحوادث العظيمة .
والأخذ هنا بمعنى الإهلاك كما في قوله تعالى ( أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ) في سورة الأنعام .
والبغتة : الفجأة وتقدمت عند قوله تعالى ( حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة ) وفي قوله ( حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة ) في سورة الأنعام وتقدم هنالك وجه نصبها .
وجملة ( وهم لايشعرون ) حال مؤكدة لمعنى ( بغتة ) .
( ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون [ 96 ] أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون [ 97 ] أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون [ 98 ] أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون [ 99 ] ) عطفت جملة ( ولو أن أهل القرى ) على جملة ( وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء ) أي : ما أرسلنا في قرية نبيا فكذبه أهلها إلا نبهناهم واستدرجناهم ثم عاقبناهم ولو أن أهل تلك القرى المهلكة آمنوا بما جاءهم به رسولهم واتقوا ربهم لما أصبناهم بالبأساء ولأحييناهم حياة البركة أي : ما ظلمهم الله ولكنهم ظلموا أنفسهم .
وشرط ( لو ) الامتناعية يحصل في الزمن الماضي ولما جاءت جملة شرطها مقترنة بحرف ( أن ) المفيد للتأكيد والمصدرية وكان خبر ( أن ) فعلا ماضيا توفر معنى المضي في جملة الشرط . والمعنى : لو حصل إيمانهم فيما مضى لفتحنا عليهم بركات .
والتقوى : هي تقوى الله بالوقوف عند حدوده وذلك بعد الإيمان .
A E
