واللام في قوله ( للناظرين ) لم يعرج المفسرون على بيان معناها وموقعها سوى أن صاحب الكشاف قال : " يتعلق للناظرين ببيضاء " دون أن يبين نوع التعلق ولا معنى اللام وسكت عليه شراحه والبيضاوي وظاهر قوله يتعلق أنه ظرف لغو تعلق ببيضاء فلعله لما في بيضاء من معنى الفعل كأنه قيل : ابيضت للناظرين كما يتعلق المجرور بالمشتق فتعين أن يكون معنى اللام هو ما سماه ابن مالك بمعنى التعدية وهو يريد به تعدية خاصة " لا مطلق التعدية أي تعدية الفعل القاصر إلى ما لا يتعدى له بأصل وضعه لأن ذلك حاصل في جميع حروف الجر فلا شك أنه أراد تعدية خاصة لم يبين حقيقتها وقد مثل لها في شرح الكافية بقوله تعالى ( فهب لي من لدنك وليا ) وجعل في شرح التسهيل هذا المثال مثالا لمعنى شبه الملك واختار ابن هشام أن يمثل للتعدية بنحو ما أضرب زيدا لعمرو .
A E ولم يفصحوا عن هذه التعدية الخاصة باللام ويظهر لي أنها عمل لفظي محض أي لا يفيد معنى جزئيا كمعاني الحروف فتحصل أنهم في ارتباك في تحقيق معنى التعدية وعندي أن قوله تعالى ( بيضاء للناظرين ) أحسن ما يمثل به لكون اللام للتعدية وأن نفسر هذا المعنى بأنه تقريب المتعلق بكسر اللام بالمتعلق بفتح اللام تقريبا لا يجعله في معنى المفعول به .
وإن شئت إرجاع معنى التعدية إلى أصل من المعاني المشهورة اللام فالظاهر أنها من فروع معنى شبه الملك كما اقتضاه جعل ابن مالك المثال الذي مثل به للتعدية مثالا لشبه الملك .
وأقرب من ذلك أن تكون اللام بمعنى ( عند ) ويكون مفاد قوله تعالى ( بيضاء للناظرين ) أنها بيضاء بياضا مستقرا في أنظار الناظرين ويكون الظرف مستقرا يجعل حالا من ضمير يده .
( قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم [ 109 ] يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون [ 110 ] قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين [ 111 ] يأتوك بكل ساحر عليم ) جرت جملة ( قال الملأ ) على طريقة الفصل لأنها جرت في طريق المجاورة الجارية بين موسى وبين فرعون وملئه فإنه حوار واحد .
وتقدم الكلام على الملإ آنفا في القصص الماضية . فملأ قوم فرعون هم سادتهم وهم أهل مجلس فرعون ومشورته وقد كانت دعوة موسى أول الأمر قاصرة على فرعون في مجلسه فلم يكن بمرأى ومسمع من العامة لأن الله تعالى قال في آية أخرى ( اذهبا إلى فرعون إنه طغى ) وقال في هذه الآية ( إلى فرعون وملائه ) وإنما أشهرت دعوته في المرة الآتية بعد اجتماع السحرة .
وإنما قالوا هذا الكلام على وجه الشورى مع فرعون واستنباط الاعتذار لأنفسهم عن قيام حجة موسى في وجوههم فاعتلوا لأنفسهم بعضهم لبعض بأن موسى إنما هو ساحر عليم بالسحر أظهر لهم ما لا عهد لهم بمثله من أعمال السحرة وهذا القول قد أعرب عن رأي جميع أهل مجلس فرعون ففرعون كان مشاركا لهم في هذا لأن القرآن حكى عن فرعون في غير هذه السورة أنه قال للملأ حوله ( إن هذا لساحر عليم ) وهذه المعذرة قد انتحلوها وتواطأوا عليها تبعوا فيها ملكهم أو تبعهم فيها فكل واحد من أهل ذلك المجلس قد وطن نفسه على هذا الاعتذار ولذلك فالخطاب في قوله ( يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون ) خطاب بعضهم لبعض وهو حاصل من طوائف ذلك الملأ لطوائف يرددونه بينهم ويقوله بعضهم لبعض .
ووجه استفادتهم أن موسى يريد إخراجهم من أرضهم إما أنهم قاسوا ذلك عن قول موسى ( فأرسل معي بني إسرائيل ) بقاعدة ما جاز على المثل يجوز على المماثل يعنون أنه ما أظهر إخراج بني إسرائيل إلا ذريعة لإخراج كل من يؤمن به ليتخذهم تبعا ويقيم بهم ملكا خارج مصر فزعوا أن تلك مكيدة من موسى لثلم ملك فرعون .
وإما أن يكون ملأ فرعون محتويا على رجال من بني إسرائيل كانوا مقربين عند فرعون ومن أهل الرأي في المملكة فهم المقصود بالخطاب أي : يريد إخراج قومكم من أرضكم التي استوطنتموها أربعة قرون وصارت لكم موطنا كما هي للمصريين ومقصدهم من ذلك تذكيرهم بحب وطنهم وتقريبهم من أنفسهم وإنساؤهم ما كانوا يلقون من اضطهاد القبط واستذلالهم شعورا منهم بحراجة الموقف