والوجه أن نجمع بين الروايتين ونبين ما انطوتا عليه بأن المشركين كانوا يفزعون إلى يهود يثرب في التشاور في شأن نبوءة محمد A وخاصة بعد أن هاجر النبي A إلى المدينة فيتلقون منهم صورا من الكيد والتشغيب فيكون قد تظاهر الفريقان على الطعن في بلاغة ضرب المثل بالعنكبوت والذباب فلما أنزل الله تعالى تمثيل المنافقين بالذي استوقد نارا وكان معظمهم من اليهود هاجت أحناقهم وضاق خناقهم فاختلفوا هذه المطاعن فقال كل فريق ما نسب إليه في إحدى الروايتين ونزلت الآية للرد على الفريقين ووضح الصبح لذي عينين .
فيحتمل أن ذلك قاله علماء اليهود الذين لاحظ لهم في البلاغة أو قد قالوه مع علمهم بفنون ضرب الأمثال مكابرة وتجاهلا . وكون القائلين هم اليهود هو الموافق لكون السورة نزلت بالمدينة وكان أشد المعاندين فيها هم اليهود ولأنه الأوفق بقوله تعالى ( وما يضل به إلا الفاسقين الذي ينقضون عهد الله ) وهذه صفة اليهود ولأن اليهود قد شاع بينهم التشاؤم والغلو في الحذر من مدلولات الألفاظ حتى اشتهروا باستعمال الكلام الموجه بالشتم والذم كقولهم راعنا قال تعالى ( فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم ) كما ورد تفسيره في الصحيح ولم يكن ذلك من شأن العرب . وإما أن يكون قائله المشركون من أهل مكة مع علمهم بوقوع مثله في كلام بلغائهم كقولهم أجرأ من ذبابة وأسمع من قراد وأطيش من فراشة وأضعف من بعوضة . وهذا الاحتمال أدل على أنهم ما قالوا ما هذا التمثيل إلا مكابرة ومعاندة فإنهم لما غلبوا بالتحدي وعجزوا عن الإتيان بسورة من مثله تعلقوا في معاذيرهم بهاته السفاسف والمكابر يقول ما لا يعتقد والمحجوج المبهوت يستعوج المستقيم ويخفي الواضح وإلى هذا الثاني ينزع كلام صاحب الكشاف وهو أوفق بالسياق . والسورة وإن كانت مدنية فإن المشركين لم يزالوا يلقون الشبه في صحة الرسالة ويشيعون ذلك بعد الهجرة بواسطة المنافقين . وقد دل على هذا المعنى قوله بعده ( فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا ) إلى قوله ( ويهدي به كثيرا ) .
فإن قيل لم يكن الرد عقب نزول الآيات الواقع فيها التمثيل الذي أنكروه فإن البدار بالرد على من في مقاله شبهة رائحة يكون أقطع لشبهته من تأخيره زمانا .
قلنا الوجه في تأخير نزولها أن يقع الرد بعد الإتيان بأمثال معجبة اقتضاها مقام تشبيه الهيآت فذلك كما يمنع الكريم عدوه من عطاء فيلمزه الممنوع بلمز البخل أو يتأخر الكمي عن ساحة القتال مكيدة فيظنه ناس جبنا فيسرها الأول في نفسه حتى يأتيه القاصد فيعطيه عطاء جزلا والثاني حتى يكر كرة تكون القاضية على قرنه . فكذلك لما أتى القرآن بأعظم الأمثال وأروعها وهي قوله ( مثلهم كمثل الذي استوقد ) ( أو كصيب ) الآيات وقوله ( صم بكم عمي ) أتى إثر ذلك بالرد عليهم فهذا يبين لك مناسبة نزول هذه الآية عقب التي قبلها وقد غفل عن بيانه المفسرون .
والمراد بالمثل هنا الشبه مطلقا لا خصوص المركب من اميئة بخلاف قوله فيما سبق ( مثلهم كمثل الذي استوقد نارا ) لأن المعني هنا ما طعنوا به في تشابيه القرآن مثل قوله ( لن يخلقوا ذبابا ) وقوله ( كمثل العنكبوت اتخذت بيتا ) .
وموقع ( إن ) هنا بين .
وأما الإتيان بالمسند إليه علما دون غيره من الصفات فلأن هذا العلم جامع لجميع صفات الكمال فذكره أوقع في الإقناع بأن كلامه هو أعلى كلام في مراعاة ما هو حقيق بالمراعاة وفي ذلك أيضا إبطال لتمويههم بأن اشتمال القرآن على مثل هذا المثل دليل على أنه ليس من عند الله فليس من معنى الآية أن غير الله ينبغي له أن يستحيي أن يضرب مثلا من هذا القبيل .
ولهذا أيضا اختير أن يكون المسند خصوص فعل الاستحياء زيادة في الرد عليهم لأنهم أنكروا التمثيل بهاته الأشياء لمراعاة كراهة الناس ومثل هذا ضرب من الاستحياء كما سنبينه فنبهوا على أن الخالق لا يستحيي من ذلك إذ ليس مما يستحيي منه ولأن المخلوقات متساوية في الضعف بالنسبة إلى خالقها والمتصرف فيها وقد يكون ذكر الاستحياء هنا محاكاة لقولهم أما يستحيي رب محمد أن يضرب مثلا بالذباب والعنكبوت .
A E
