وإنما عبر في جانب المؤمنين يعلمون تعريضا بأن الكافرين إنما قالوا ما قالوا عنادا ومكابرة وأنهم يعلمون أن ذلك تمثيل أصاب المحز كيف وهم أهل اللسان وفرسان البيان ولكن شأن المعاند المكابر أن يقول ما لا يعتقد حسدا وعنادا . وضمير ( أنه ) عائد إلى المثل .
و ( الحق ) ترجع معانيه إلى موافقة الشيء لما يحق أن يقع وهو هنا الموافق لإصابة الكلام وبلاغته . و ( من ربهم ) حال من الحق ومن ابتدائية أي وارد من الله لا كما زعم الذين كفروا أنه مخالف للصواب فهو مؤذن بأنه من كلام من يقع منه الخطأ .
وأصل ( ماذا ) كلمة مركبة من ما الاستفهامية وذا اسم الإشارة ولذلك كان أصلها أن يسأل بها عن شيء مشار إليه كقول القائل ماذا مشيرا إلى شيء حاضر بمنزلة قوله ما هذا غير أن العرب توسعوا فيه فاستعملوه اسم استفهام مركبا من كلمتين وذلك حيث يكون المشار إليه معبرا عنه بلفظ آخر غير الإشارة حتى تصير الإشارة إليه مع التعبير عنه بلفظ آخر لمجرد التأكيد نحو ماذا التوانى أو حيث لا يكون للإشارة موقع نحو ( وماذا عليهم لو آمنوا بالله ) ولذلك يقول النحاة إن ذا ملغاة في مثل هذا التركيب .
وقد يتوسعون فيها توسعا أقوى فيجعلون ذا اسم موصول وذلك حين يكون المسئول عنه معروفا للمخاطب بشيء من أحواله فلذلك يجرون عليه جملة أو نحوها هي صلة ويجعلون ذا موصولا نحو ( ماذا أنزل ربكم ) وعلى هذين الاحتمالين الآخريين يصح إعرابه مبتدأ ويصح إعرابه مفعولا مقدما إذا وقع بعده فعل . والاستفهام هنا إنكاري أي جعل الكلام في صورة الاستفهام كناية به عن الإنكار لأن الشيء المنكر يستفهم عن حصوله فاستعمال الاستفهام في الإنكار من قبيل الكناية ومثله لا يجاب بشيء غالبا لأنه غير مقصود به الاستعلام . وقد يلاحظ فيه معناه الأصلي فيجاب بجواب لأن الاستعمال الكنائي لا يمنع من إرادة المعنى الأصلي كقوله تعالى ( عم يتساءلون عن النبأ العظيم ) .
والإشارة بقوله ( بهذا ) مفيدة للتحقير بقرينة المقام كقوله ( أهذا الذي يذكر آلهتكم ) .
وانتصب قوله ( مثلا ) على التمييز من هذا لأنه مبهم فحق له التمييز وهو نظير التمييز للضمير في قولهم ( ربه رجلا ) .
( يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين [ 26 ] الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون [ 27 ] ) بيان وتفسير للجملتين المصدرتين بأما على طريقة النشر المعكوس لأن معنى هاتين الجملتين قد اشتمل عليهما معنى الجملتين السالفتين إجمالا فإن علم المؤمنين أنه الحق من ربهم هدى وقول الكافرين ماذا أراد الله الخ ضلال والأظهر أن لا يكون قوله ( يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا ) جوابا للاستفهام في قول الذين كفروا ( ماذا أراد الله بهذا مثلا ) لأن ذلك ليس استفهاما حقيقيا كما تقدم . ويجوز أن يجعل جوابا عن استفهامهم تخريجا للكلام على الأسلوب الحكيم بحمل استفهامهم على ظاهره تنبيها على أن اللائق بهم أن يسألوا عن حكمة ما أراد الله بتلك الأمثال فيكون قوله ( يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا ) جوابا لهم وردا عليهم وبيانا لحال المؤمنين وهذا لا ينافي كون الاستفهام الذي قبله مكني به عن الإنكار كما علمته آنفا من عدم المانع من جمع المعنيين الكنائي والأصلي . وكون كلا الفريقين من المضلل والمهدى كثيرا في نفسه لا ينافي نحو قوله ( وقليل من عبادي الشكور ) لأن قوة الشكر التي اقتضاها صيغة المبالغة أخص في الاهتداء .
والفاسق لفظ من منقولات الشريعة أصله اسم فاعل من الفسق بكسر الفاء وحقيقة الفسق خروج الثمرة من قشرها وهو عاهة أو رداءة في الثمر فهو خروج مذموم يعد من الأدواء مثل ما قال النابغة : .
صغار النوى مكنوزة ليس قشرها ... إذا طار قشر التمر عنها بطائر قالوا ولم يسمع في كلامهم في غير هذا المعنى حتى نقله القرآن للخروج عن أمر الله تعالى الجازم بارتكاب المعاصي الكبائر فوقع بعد ذلك في كلام المسلمين : قال رؤبة يصف إبلا : .
فواسقا عن قصدها جوائرا ... يهوين في نجد وغور غائرا A E
