و ( عهد الله ) هو ما عهد به أي ما أوصى برعيه وحفاظه ومعاني العهد في كلام العرب كثيرة وتصريفه عرفي . قال الزجاج " قال بعضهم ما أدري ما العهد " ومرجع معانيه إلى المعاودة والمحافظة والمراجعة والافتقاد ولا أدري أي معانيه أصل لبقيتها وغالب ظني أنها متفرع بعضها عن بعض والأقرب أن أصلها هو العهد مصدر عهده عهدا إذا تذكره وراجع إليه نفسه يقولون عهدتك كذا أي أتذكر فيك كذا وعهدي بك كذا وفي حديث أم زرع ولا يسأل عما عهد أي عما عهد وترك في البيت ومنه قولهم في عهد فلان أي زمانه لأنه يقال للزمان الذي فيه خير وشر لا ينساه الناس وتعهد المكان أو فلانا وتعاهده إذا افتقده وأحدث الرجوع إليه بعد ترك العهد والوصية ومنه ولي العهد . والعهد اليمين والعهد الالتزام بشيء يقال عهد إليه وتعهد إليه لأنها أمور لا يزال صاحبها يتذكرها ويراعيها في مواقع الاحتراز عن خفرها . وسمي الموضع الذي يتراجعه الناس بعد البعد عنه معهدا .
والعهد في الآية الذي أخذه الله على بني آدم أن لا يعبدوا غيره ( ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان ) الآية فنقضه يشمل الشرك وقد وصف الله المشركين بنقض العهد في قوله ( والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ) الآية في سورة الرعد . وفسر بالعهد الذي أخذه الله على الأمم على ألسنة رسلهم أنهم إذا بعث بعدهم رسول مصدق لما معهم ليؤمنن به ( وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيناكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه ) الآيات لأن المقصود من ذلك أخذ العهد على أممهم . وفسر بالعهد الذي أخذه الله على أهل الكتاب ليبينه للناس ( وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ) الآية في تفاسير أخرى بعيدة . والصحيح عندي أن المراد بالعهد هو العهد الذي أخذه الله على بني إسرائيل غير مرة من إقامة الدين وتأييد الرسل وأن لا يسفك بعضهم دماء بعض وأن يؤمنوا بالدين كله وقد ذكرهم القرآن بعهود الله تعالى ونقضهم إياها في غير ما آية من ذلك قوله تعالى ( وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ) . ( ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا ) إلى قوله ( فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم ) الخ وقوله ( لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا ) إلى قوله ( فعموا وصموا ) .
( وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ) إلى قوله ( ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم ) إلى قوله ( وتكفرون ببعض ) . بل إن كتبهم قد صرحت بعهود الله تعالى لهم وأنحت عليهم نقضهم لها وجعلت ذلك إنذارا بما يحل بهم من المصائب كما في كتاب أرميا ومراثي أرميا وغير ذلك بل قد صار لفظ العهد عندهم لقبا للشريعة التي جاء بها موسى . ولما كان قوله ( الذين ينقضون عهد الله ) الآية وصفا ل ( الفاسقين ) وكان المراد من الفاسقين اليهود كما علمت كان ذكر العهد إيماء إلى أن الفاسقين هنا هم وتسجيلا على اليهود بأنهم قد حق عليهم هذا الوصف من قبل اليوم بشهادة كتبهم وعلى ألسنة أنبيائهم فكان لاختيار لفظ العهد هنا وقع عظيم يتنزل منزلة المفتاح الذي يوضع في حل اللغز ليشير للمقصود فهو العهد الذي سيأتي ذكره في قوله تعالى ( وأوفوا بعهدي ) .
والميثاق مفعال وهو يكون للآلة كثيرا كمرقاة ومرآة ومحراث . قال الخفاجي كأنه إشباع للمفعل وللمصدر أيضا نحو الميلاد والميعاد وهو الأظهر هنا . والضمير للعهد أي من بعد توكيد العهد وتوثيقه . ولما كان المراد بالعهد عهدا غير معين بل كل ما عاهدوا عليه كان توكيد كل ما يفرضه المخاطب بما تقدمه من العهود وما تأخر عنه فهو على حد ( ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ) فالميثاق إذن عهد آخر اعتبر مؤكدا لعهد سبقه أو لحقه .
A E
