واعلم أن نزول هذه الآيات ونحوها في بعض أهل الكتاب أو المشركين هو وعيد وتوبيخ للمشركين وأهل الكتاب وهو أيضا موعظة وذكرى للمؤمنين ليعلم سامعوه أن كل من شارك هؤلاء المذمومين فيما أوجب ذمهم وسبب وعيدهم هو آخذ بحظ مما نالهم من ذلك على حسب مقدار المشاركة في الموجب .
( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون [ 28 ] ) ثنى عنان الخطاب إلى الناس الذين خوطبوا بقوله آنفا ( يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم ) بعد أن عقب بأفانين من الجمل المعترضة من قوله ( وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري ) إلى قوله ( الخاسرون ) . وليس في قوله ( كيف تكفرون بالله ) تناسب مع قوله ( إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما ) وما بعده مما حكى عن الذين كفروا في قولهم ( ماذا أراد الله بهذا مثلا ) حتى يكون الانتقال إلى الخطاب في قوله ( تكفرون ) التفاتا فالمناسبة بين موقع هاته الآية بعد ما قبلها هي مناسبة اتحاد الغرض بعد استيفاء ما تخلل واعترض .
ومن بديع المناسبة وفائق التفنن في ضروب الانتقالات في المخاطبات أن كانت العلل التي قرن بها الأمر بعبادة الله تعالى في قوله ( يا أيها الناس اعبدوا ربكم ) إلخ هي العلل التي قرن بها إنكار ضد العبادة وهو الكفر به تعالى في قوله هنا ( كيف تكفرون بالله ) فقال فيما تقدم ( الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء ) الآية وقال هنا ( وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء ) وكان ذلك مبدأ التخلص إلى ما سيرد من بيان ابتداء إنشاء نوع الإنسان وتكوينه وأطواره .
فالخطاب في قوله ( تكفرون ) متعين رجوعه إلى ( الناس ) وهم المشركون لأن اليهود لم يكفروا بالله ولا أنكروا الإحياء الثاني .
و ( كيف ) اسم لا يعرف اشتقاقه يدل على حالة خاصة وهي التي يقال لها الكيفية نسبة إلى كيف ويتضمن معنى السؤال في أكثر موارد استعماله فلدلالته على الحالة كان في عداد الأسماء لأنه أفاد معنى في نفسه إلا أن المعنى الأسمى الذي دل عليه لما كان معنى مبهما شابه معنى الحرف فلما أشربوه معنى الاستفهام قوى شبهه بالحروف لكنه لا يخرج عن خصائص الأسماء فلذلك لا بد له من محل إعراب وأكثر استعماله اسم استفهام فيعرب إعراب الحال . ويستفهم بكيف عن الحال العامة . والاستفهام هنا مستعمل في التعجيب والإنكار بقرينة قوله ( وكنتم أمواتا ) إلخ أي أن كفركم مع تلك الحالة شأنه أن يكون منتفيا لا تركن إليه النفس الرشيدة لوجود ما يصرف عنه وهو الأحوال المذكورة بعد فكان من شأنه أن ينكر فالإنكار متولد من معنى الاستفهام ولذلك فاستعماله فيهما من إرادة لازم اللفظ وكأن المنكر يريد أن يقطع معذرة المخاطب فيظهر له أنه يتطلب منه الجواب بما يظهر السبب فيبطل الإنكار والعجب حتى إذا لم يبد ذلك كان حقيقا باللوم والوعيد .
والكفر بضم الكاف مصدر سماعي لكفر الثلاثي القاصر وأصله جحد المنعم عليه نعمة المنعم اشتق من مادة الكفر بفتح الكاف وهو الحجب والتغطية لأن جاحد النعمة قد أخفى الاعتراف بها كما أن شاكرها أعلنها . وضده الشكر ولذلك صيغ له مصدر على وزان الشكر وقالوا أيضا كفران على وزن شكران ثم أطلق الكفر في القرآن على الإشراك بالله في العبادة بناء على أنه أشد صور كفر النعمة إذ الذي يترك عبادة من أنعم عليه في وقت من الأوقات قد كفر نعمته في تلك الساعة إذ توجه بالشكر لغير المنعم وترك المنعم حين عزمه على التوجه بالشكر ولأن عزم نفسه على مداومة ذلك استمرار في عقد القلب على كفر النعمة وإن لم يتفطن لذلك فكان أكثر إطلاق الكفر بصيغة المصدر في القرآن على الإشراك بالله ولم يرد الكفر بصيغة المصدر في القرآن لغير معنى الإشراك بالله . وقل ورود فعل الكفر أو وصف الكافر في القرآن لجحد رسالة محمد A وذلك حيث تكون قرينة على إرادة ذلك كقوله ( ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين ) وقوله ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) يريد اليهود .
A E
